← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال الواقدى: كان المغيرة فقيه أهل المدينة بعد مالك. قال غيره: كان بين المغيرة ومالك أول أمره معارضة ثم زالت آخرًا، وجالسه. قال محمد بن عبد الله البكرى: رأيت المغيرة يأتى مالكًا فيستدنى (٤) المجلس، وما يرتفع إلى مجلس مثله. وقال غيره: كان لمالك مجلس كالدكة يقعد فيه، وإلى جانبه المخزومى لا يقعد فيه سواه، وإن غاب المخزومي. *** قال الزبير: وعرض عليه أمير المؤمنين الرشيد قضاء المدينة، وجائزته أربعة آلاف دينار، فامتنع، فأبى إلا أن يلزمه ذلك، فقال: والله يا أمير المؤمنين، لأن يخنقنى الشيطان أحب إلى من أن ألى القضاء. قال الرشيد: ما بعد هذا شيء، وأعفاه وأجازه بألفي دينار. *** قال الواقدى: لما جمع الرشيد بين مالك وأبي يوسف، وأبي مالك أن يناظره، قام المغيرة وقال: يا أمير المؤمنين، هنا من يكفى أبا عبد الله الجواب، إن أذن أمير المؤمنين. قال: من هو؟

стр. 457

قال: أنا. فأذن له، فناظره المغيرة في مسألة الرهن وكان فقيه أهل المدينة بعد مالك، فقويت حجته على أبي يوسف، فتناظرا إلى المغرب حتى خرجوا. قال الواقدى: فقال لي يحيى بن برمك: يا واقدى! ماذا لقى صديقك أبو يوسف من المغيرة؟ لقد حيره حتى جعلت أتمنى أن يؤذن المؤذن بالمغرب فيتفرق المجلس، لما لقي أبو يوسف منه. وقال المغيرة لمالك حين خرجوا: كيف رأيت مناظرتي للرجل؟ قال: رأيتك مستعليًا عليه، غير أنك كنت تترك شيئًا. قال: وما هو؟ قال: كنت إذا ظهرت عليه في المسألة فضاقت به، أخرجك إلى غيرها وتخلص منها بذلك، وكان ينبغى أن لا تفارقه فيها حتى يفرغ منها. ذكر نوادره وأخباره قال الزبير بن بكار: قرأ الدراوردى على المغيرة، فجعل يلحن لحنًا منكرًا، فقال له: ويحك يا دراوردى! أنت كنت بإقامة لسانك قبل طلب هذا الشأن، أحرى؛ وقال: ما كانت لنا حرمة إلا عادلها اللسان (٥).

стр. 458

وحكى أبو بكر الخطيب عن ابن الماجشون قال: دخل أبي وأصحابه على المهدى بالمدينة، وفيهم المغيرة بن عبد الرحمن، وأبو السائب، وابن أخت الأحوص، فقال لهم: أنشدوني، فانشده عبد العزيز بن الماجشون: وللناس بدر في السماء يرونه … وأنت لنا بدر على الأرض مقمر فبالله يا بدر السماء وضوءها … تراك تكافى عشر مالك أضمر (٦) وما البدر إلا دون وجهك في الدجا … يغيب فتبدو حين غاب فتقمر وما نظرت عينى إلى البدر طالعا … وأنت تمشى في الثياب فتسحر! وأنشده ابن أخت الأحوص: قالت كلابة ما هذا فقلت لها … هذا الذي أنت من أعدائه زعموا اني امرؤ لج بي حب فاجزعني (٧) … حتى بليت وحتى شفنى السقم وأنشده المغيرة: رمى البين من قلبي السواد فاوجعا … وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا وغرد حادى البين وانشقت العصا … وأصبحت مسلوب الفؤاد مفجعا كفى حزنا من حادث الدهر أنني … أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا وقد كنت قبل البين للبين جاهلا … فيالك بين ما أمر وأفظعا! وأنشده أبو السائب: أصيخا لداعى حب ليلى فيمما … صدور المطايا نحوها وتسمعا خليلي إن ليلى أقامت فإنني … مقيم وإن بانت فيينا بنا معا

стр. 459

وإن أثبتت ليلى بربع عدوها (٨) … فعوذا لنا، تالله أن نتزعزعا (٩) فقال المهدى: والله لأغنينكم. فأجاز الأربعة بعشرة آلاف دينار. *** وقال المغيرة: كنت أسأل مالكًا عن القول يقوله من أين قاله؟ فصلى يومًا إلى جانبي، فقال لي: يا أبا هاشم! إنك تكرم على وتسألنى عما لا أجيب فيه الناس، فإن أحبتك اجترأوا علي، وأحب إلا تفعل، ولكن اكتب ما تريد من المسائل، وابعث بها تحت خاتمك، أجبك فيما أمكنني إن شاء الله. فانصرفت مسرورًا، وقلت لأصحابنا، اكتبوا مسائل، فكتبناها في نصف طومار، وختمت عليها، ووجهتها إليه، فأقامت عنده أربعة أشهر، فجاءتنى بخاتمه بعد ذلك، وقد أجاب في ثلث تلك المسائل، وقال في باقيها: لا أدرى. *** ومعه دخل مالك على الرشيد، متوكئا على المساحقى وعبد الرحمن بن عبيد الله العمرى، وربما كان مع المغيرة، ابن مسلمة، وكان ما بينهما قبل هذا بعيدًا جدًّا. ولما جلس المغيرة إذ ذاك للناس، قيل لمالك: أن المغيرة قد بسط في داره وأتاه الناس. فقال: إن الناس ليسوا بحمقى.

стр. 460

وقد ذكر أن به عرض أبو المعافى في شعره الكافي (١٠)، وكان قد سجن، فجعل له مالك أن يجرح من شهد عليه، وشهد عليه المغيرة، فقال: ألا قل لقوم سرهم فقد مالك. الأبيات. *** مولد المغيرة سنة أربع وعشرين ومائة، وتوفى فيما قاله الزبير وعمه مصعب سنة ثمان وثمانين ومائة. وقال البخارى وابن وضاح، في صفر، سنة ست وثمانين. قال البخاري: يوم الأربعاء، لسبع خلون من صفر. وابنه: أبو القاسم عبد الرحمان بن المغيرة قال أبو القاسم اللالكائي. يروى عن مالك وأبيه. يروى عنه ابن المنذر الحزامى وعبد الرحمن بن شيبة.

стр. 461

عبد العزيز بن أبي حازم واسم أبي حازم سلمة بن دينار (١١)، الفقيه الأعرج، مولى أسلم، وقال ابن شعبان: مولى بنى ليث، كناه غير واحد "أبو تمام وأبو التمام" وكناه أبو إسحاق الشيرازي (أبو عبد الله) والأول أصح. وقال آخر: أبو اليمان، وهو تصحيف من أبى التمام، والله أعلم. *** تفقه مع مالك على ابن هرمز، وسمع أباه، والعلاء بن عبد الرحمان، وزيد بن أسلم، وسهيل بن أبي صالح، وثور بن زيد، ويزيد بن الهادى (١٢)، ومالكًا، وكان من جلة أصحابه. روى عنه ابن وهب، وابن أبي أويس، وقتيبة، وعبد العزيز الأويسى، وابن مهدى، والقاضى هارون الزهرى، وابن المديني، والقعنبي، ويحيى بن يحيى التميمي، ومصعب الزبيري. قال ابن معين فيه: صدوق ثقة ليس به بأس. قال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم الرازي: هو صالح الحديث.

стр. 462

قال هو وأبو زرعة: هو أفقه من الدراوردي، والدراوردي أوسع حديثًا منه. قال ابن حارث: كان امام الناس في العلم بعد مالك. وحكاه ابن وضاح عن بعضهم، وشوور مع مالك (١٣) آخرًا. قال أحمد بن حنبل: لم يكن يعرف بطلب الحديث، إلا كتب أبيه، فإنه سمعها منه وكان رحلا تفقه؛ وكان يقال: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه؛ قال: ويقال: إن كتب سليمان بن بلال رفعت (١٤) إليه، ولم يسمعها منه، وقد روى عن أقوام لا يعرف له منهم سماع. *** قيل لمصعب بن عبد الله: أبو عبد الله (١٥) بن أبي حازم ضعيف إلا في حديث أبيه؛ قال: وقد قالوها! أما ابن أبي حازم فسمع من سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى بكتبه إليه، فكانت عنده وقد بال عليها الفأر، فذهب بعضها، فكان يقرأ ما استبان ويدع ما لا يعرف، وأما ما لا يعرف، وأما حديث أبيه فكان يحفظه. *** خرج عنه البخارى / ومسلم / (١٦). قال أحمد: كان يتفقه. لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه.

стр. 463

قال مصعب: ابن أبي حازم فقيه، وقال ابن السكري: هو مدني ثقة. وقال مثله ابن نمير. *** قال الدراوردي: شهد عند قاضى المدينة فقال: ما اسمك؟ قال: عبد العزيز بن أبي حازم. قال: الاسم عدل ولا أعرف وجهك. وكلف المشهود له من يعرف وجهه. قال: فاستحسن ذلك العلماء. قال المؤلف ﵀: مثل هذه الحكاية لابن القاسم، وهى به أشبه لخموله وقلة مواصلته القضاة، وأما ابن أبي حازم فأشهر بالمدينة، ومجالس أعيانها، من أن يجهل. *** وحكى الشيرازى أن مالكًا قال فيه: إنه لفقيه. وقال مالك: قوم فيهم ابن أبي حازم لا يصيبهم العذاب. وقال: ما يدفع عن المدينة إلا بابن أبي حازم. وقال ابن أبي ضمرة وغيره: ذكر قوم عند مالك الموت فبكى، فقلنا له: أرأيت إن نزل بك الموت فإلى من نفزع ومن نشاور؟ فقال: إن قومًا فيهم ابن أبي حازم، فيصدرون عن رأيه، أرجو أن يوفقوا. *** وحكى الداودى أن مالكًا سئل حين احتضر: من ترى لنا؟ قال: أبو تمام، يعنى ابن أبي حازم. ***

стр. 464

قال ابن مهدي: سأل رجل مالكا عن مسألة فلم يجبه فيها. فقال له: فمن نسأل يا أبا عبد الله؟. فقال: سل ابن أبي حازم، فإنه نعم المرء. *** قال ابن فليح لمالك: الأنفس يندى عليها ويراح، فمن تأمرنا يا أبا عبد الله؟. قال: بابن أبي حازم. *** قال أبو مصعب: أن مالكا وعمر بن حسين كانا يجلسان عند الوالى، فكان مالك يرفع صوته على عمر، وكان فيه لين، فلما مات جلس مكانه ابن أبي حازم، فرفع صوته على مالك، فقال مالك: يوم بيوم. *** قال ابن شعبان وغيره: توفى فجأة بالمدينة في سجدة سجدها في الروضة بمسجد النبي ﷺ ، يوم الجمعة، في آخر سجدة منها، غرة صفر، سنة خمس وثمانين. وكذا قال الزبير وغيره. قال ابن سعد والجارودي والقتبى (١٧) والباجي: سنة أربع. وقال ابن سحنون: سنة ست وثمانين ومائة. وذكر البخارى أيضا أن موته سنة اثنين وثمانين ومائة، ومولده سنة سبع ومائة. وكان ﵀ يخضب بالحناء.

стр. 465

عبد العزيز الدراوردي أبو محمد هو عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد (١٨) ويقال الأندراوردى أيضا، منسوب إلى دراورد (١٩) من بلاد فارس. وقال ابن سعد: دراورد، قرية بخراسان. وذكره ابن أبي خيثمة وغيره، مولى جهينة، وبها كان منزله، ويقال مولى لبرك (٢٠) بن وبرة، أخى كلب بن وبرة، من قضاعة، مدنى، مولده بها. *** روى عن هشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، والعلاء بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق، وسهيل بن أبي صالح، وثور بن يزيد، وحميد الطويل، وعمرو بن يحيى المازني، ومحمد بن عبد الله بن حسن المهدى، وصحب مالكا، وغلب عليه الحديث. روى عنه ابن وهب، وأبو نعيم، والقعنبي، وقتيبة، وأبو مصعب، ويحيى بن يحيى.

стр. 466

أخرج له مسلم، واستشهده (٢١) البخارى. قال ابن معين: ليس به بأس، وما روى في كتابه فهو أثبت من حفظه. قال ابن أبي حازم ومصعب: كان مالك يوثق الدراودرى. قال ابن بكير وأحمد بن صالح: هو ثقة. قال الكوفي: هو ثقة، وكان يلحن لحنا قبيحا. قال أحمد: إذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس أوهم. واختلف فيه قول النسائي، فقال مرة: صالح لا بأس به، وقال مرة: ليس بذلك. قال مصعب: ليس صاحب فتوى، كان صاحب حديث. قال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث؛ يغلط (٢٢). قال الشافعي: رأيت المغيرة وابن أبي حازم والدراودرى يذهبون مذهب مالك. وعده ابن حبيب في طبقاته، في فقهاء المدينة (٢٣) بعد مالك. *** قال مصعب وابن دينار: أمر هارون والى المدينة أن يولى الصدقات التي جعلها هارون لأهل المدينة، خير رجلين بالمدينة، فلم يوجد يومئذ أفضل من الدراوردي وسلمة بن عكرمة المخزومي، فأقر أهما الوالى كتاب هارون،

стр. 467

فأبيا عليه، فكتب إلى هارون، فأجابه: - تالله لئن ولينا أعمالنا شرارنا ليرون ذلك من حيفنا وجودنا، ولئن وليناها خيارنا، ليأبون علينا، اضرب كل واحد منهما ثلاثين سوطا في كل يوم، حتى يلياها. وكان سلمة قد أنهكته العبادة وما بقى فيه شيء، فقال لهما الوالى: - والله إنكما لمن أجل أهل المدينة عندى، ووالله لأنفذن فيكما كتاب أمير المؤمنين أو تلياها. فبكى سلمة، وقال للدراوردي: - والله إن ضربت ثلاثين سوطا لأموتن. فقال له الدراوردي: ويحك يا سلمة، تموت تحت السياط خير لك من النار. قال سلمة: إنك والله قد وجدت مس السياط، فأنت لا تباليها. فكلم الناس الدراوردي، وقالوا إنما هي صدقة على المساكين، وأنت فيها مأجور؛ فولياها جميعا. وقد كان هارون حلف قبل هذا على الدراوردي في عمل أراد أن يستعمله فيه، فأبى، فحلف ليضربنه أو ليلين، فحلف الدراوردي، فضربه هارون اثنين وثلاثين سوطا موجعة، فما ولى. *** توفى في سنة ست، وقيل خمس، وقيل سبع وثمانين (٢٤) ومائة، بالمدينة.

стр. 468

زكرياء بن منظور بن ثعلبة ويقال عقبة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي (٢٥) الأنصاري أبو يحيى، جليسه، وكبير من أصحابه، سمع منه، ومعه، من زيد بن أسلم، وأبى حازم، وهشام بن عروة، وسمع ابن أبي سبرة، وعبيد الله بن عمر، ومحمد بن عقبة، وعطاف بن خالد، وثابت بن يزيد المحاربي، وعمر بن حسين. روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب، وعبد العزيز الأويسى، وهارون بن معروف الحجبي (٢٦)، ومحمد بن زبالة، وأبو إبراهيم الترجماني، وإسحاق بن أبى إسرائيل، وعباد بن موسى الختلى (٢٧)، وأبو ثابت المدني، وهشام بن عمار، وإبراهيم بن المنذر، وعتيق بن يعقوب، وهارون بن يحيى القاضي، وبه تفقه. قال يحيى بن معين: فيه حدة، ليس بشيء، وليس بثقة، هو ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، ضعيف الحديث منكره، لم يكتب حديثه.

стр. 469

وقال أبو زرعة: ليس بالقوى، واهي الحديث، منكره. وذكر يحيى بن معين أنه سكن بغداد، وقال: لا بأس به. وقال مثل ذلك فيه أحمد بن صالح. قال الخطيب: اختلف قول يحيى فيه. *** قال ابن رشدين: ولى القضاء، وحمله هارون إلى الرقة، لقضية قضى بها. قال: وليس بثقة. قال ابن رشدين سألت يحيى عنه، فقال: لا بأس به. قلت له: لم أرك فيه قبل جيد الرأى؛ فقال ليس به بأس، إنما زعموا أنه كان طفيليا. وقال ابن حنبل: زكرياء بن منظور شيخ، ولينه. وقال فيه المدينى: ضعيف، وقال مثله الفلاس والنسائى والساجى. وقال الدارقطني: هو متروك. قال محمد بن سعد: كان أعود.

стр. 470

محمد بن دينار هو محمد بن إبراهيم بن دينار (٢٨) الجهنى، مولاهم، وقيل: من ولد دينار بن النجار. كنيته أبو عبد الله. قال القاضي أبو الوليد: كذا نسبه أصحاب الحديث. وقال عبد الرحمن بن دينار الفقيه في روايته عنه: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن دينار. *** يروى عن ابن أبي ذيب، وموسى بن عقبة، ويزيد بن أبى عبيد، وعبد العزيز [بن المطلب، وصحب مالكا، وابن هرمز. روى عنه ابن وهب، ومحمد بن مسلمة، وأبو مصعب الزهري، ويعقوب بن محمد الزهرى، وغيرهم. قال ابن عبد البر: كان يفتى أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز، وبعدهما] (٢٩) وكان فقيها فاضلا له بالعلم رواية وعناية. قال ابن حبيب: كان هو والمغيرة أفقه أهل المدينة.

стр. 471

قال ابن أبي حاتم الرازي: وكان من فقهاء المدينة، زمن مالك، وهو ثقة. قال يحيى: وهو ثقة. قال البخاري: هو معروف الحديث. أخرج عنه البخارى. قال أشهب: ما رأيت في أصحاب مالك أفقه من ابن دينار. (٣٠) قال ابن شعبان: لا أحسبه أراد غير المدنيين. قال ابن حارث: كان من قدماء أصحاب مالك وكبارهم، وشركه في بعض رجاله. وقال ابن القاسم: كبير من أصحاب مالك، وهو ابن دينار (٣٠). قال الشافعي: ما رأيت في فتيان مالك أفقه من ابن دينار. قال الشيرازي: درس مع مالك على ابن هرمز. قال الحرث بن مسكين: كان ابن دينار ممن يقدم من أصحاب مالك. *** قال: وجاء إلى مالك رجل يوما أثر صلاة الصبح، وكان مالك لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فجلس الرجل ما شاء الله، ثم قام ليذهب، فقال له ابن دينار: ما شأنك؟. فأخبره، فأفتاه ابن دينار؛ فلما انفتل مالك، قال: يا محمد! تفتي؟.

стр. 472

قال: أصلحك الله، لم يطمع الرجل فيك وقام ليذهب، فخشيت أن يذهب بجهالة فأفتيته بما أعلم من مذهبك. فقال له مالك: عجلت. * * * قال سحنون: كان مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن دينار يختلفون إلى ابن هرمز فيسألونه، فيجيب مالكا وعبد العزيز، ولا يجيب الآخر، فتعرض له ابن دينار، وقال له: لم تستحل مالا يحل لك؟ وذكر له القصة. فقال له: إنى كبرت سنى، وأخاف أن يكون خالطني في عقلى مثل الذي خالطني في جسمى، ومالك وعبد العزيز فقيهان عالمان يسألان عن الشيء فأجيبهما، فما رأياه من حق قبلاه، وما رأياه من خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أحبتكم به قبلتموه. * * * وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنين وثمانين ومائة.

стр. 473

عثمان بن عيسى بن كنانة قال ابن شعبان: يكنى أبا عمرو. وكنانة مولى عثمان بن عفان. *** قال أبو عمر بن عبد البر: كان من فقهاء المدينة، أخذ عن مالك، وغلبه الرأى، وليس له في الحديث ذكر. قال الشيرازي: كان مالك يحضره لمناظرة أبي يوسف عند الرشيد، وهو الذي جلس في حلقة مالك بعد وفاته. قال ابن بكير: لم يكن عند مالك أضبط ولا أدرس من ابن كنانة، وكان مالك إذا مل من حبس الكتاب علينا، أسلمه إلى حبيب كاتبه، وربما إلى ابن كنانة، وهو الذي قعد في مجلس مالك بعد وفاته، وقيل: بل جلس فيه يحيى بن مالك أولا، وجلس فيه بعد ابن كنانة عبد الله بن نافع الصائغ. قال غيره: وكان ابن كنانة ممن يخصه مالك بالإذن عند اجتماع الناس على بابه، فيدعى باسمه هو، وابن زنبر، وحبيب اللآل (٣١)، المعروف ببابين، فإذا دخلوا ودخل غيرهم ممن يخص، أذن للعامة. قال يحيى: كان مجلس ابن كنانة عن يمين مالك لا يفارقه. * * *

стр. 474

قال ابن مفرج وابن القرطبي: توفى ابن كنانة سنة ست وثمانين ومائة. وقال ابن سحنون وابن الجزار: سنة خمس وثمانين. وقال ابن بكير: كان بين موت ابن كنانة ومالك عشر سنين، وكانت وفاته بمكة وهو حاج.

стр. 475

عثمان بن الضحاك وبنوه قال الفقيه القاضي أبو الفضل ﵀: هو عثمان بن الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام (٣٢) زاد ابن أبي حاتم: بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى (٣٣) بن قصى، يكنى بأبي عثمان. * * * قال الزبير: كان هو وابنه الضحاك بن عثمان * بن الضحاك (٣٤) من أكبر أصحاب مالك، وكانا جميعا يجالسانه. روى عن عثمان هذا الحديث. سمع منه ابن غانم وابن نافع الصائغ وأنس بن عياض. يروى عن أبيه، والثورى، والقطان، وزيد بن حباب، وأنس بن عياض. يروى عن مالك، وسالم أبي النضر، ونافع، وبكير بن الأشج، وعبد الله بن عروة. ***

стр. 476

قال مصعب بن عبد الله: كان علامة قريش بالمدينة بأشعار العرب وأيامها، له مروءة وفضل وفقه، ومن كبار أصحاب مالك. * * * وأمه أم عبد الله بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام. وله أخ أسمه الضحاك، روى عنه العلم (٣٥)، ذكره ابن أبي حاتم (٣٦). * * * قال الزبير: وكان ابنه الضحاك علامة قريش بالمدينة بأخبارها وأشعارها وأيامها وأشعار العرب وأيامها وأحاديث الناس. قيل لابن معين: كيف حديثه؟ قال ليس به بأس، وقال: هو ثقه، وعثمان أبوه ثقه. قال ابن أبي نمير. هو مدني ثقة، لا بأس به، وفي حديثه اختلاف. قال ابن حنبل: هو مدني ثقة. وقال أبو زرعة: ليس بقوى. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. * * *

стр. 477

وابنه محمد بن الضحاك (٣٧): من أصحاب مالك أيضا، كثير الرواية عنه، والمجالسة له، قال الزبير: هلك شابا، وقد ظهرت مروءته، وخلف أباه في العلم والأدب، وكان ممدحا. أمه أروى، من بني عامر بن صعصعة - روى عنه الزبير كثيرًا، وإبراهيم بن المنذر. * * * وابنه أحمد بن محمد، جالس الواقدى، وقال الواقدي: هذا الفتى يعني أحمد، خامس خمسة جالستهم على طلب العلم كما ترون؛ هو، وأبوه، وجده الضحاك بن عثمان، وأبوه عثمان بن الضحاك، وأبوه الضحاك بن عثمان بن عبد الله. * * * ولما استعمل الرشيد عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير على اليمن، وجه عبد الله، الضحاك بن عثمان خليفة له عليها، وأعطاه رزقه ألف دينار كل شهر، إلى أن يقدم عليه، وكلم له الرشيد، فأعانه على سفره بأربعين ألف درهم، وكان محمود السيرة. وقال باليمن: أقول لصاحبي إذ عيل صبرى … وحن إلى الحجاز بنات صدري لعمرك ما العقيق وما يليه … أحب إلى من صلع وصهر صلع وصهر موضعان باليمن.

стр. 478

قال الزبير: قال عمى مصعب (٣٨): أظن أحد البيتين، الأول، له، والآخر لغيره، ورواهما جميعا غير عمى له. * * * ومات الضحاك بمكة منصرفه من اليمن، يوم التروية، سنة ثمانين ومائة، فقال المنذر بن عبد الله الحزامي يرثيه: أعينى اسكبا غلبت عزاءي … حرارة واهن بطنت حشائى على الضحاك إني أرى قليلا … وقد بكى الحمام له بكائي ولا تستبقيا دمعا لشيء … لعل الدمع يبرد حر دائى

стр. 479

سعيد بن سليمان المساحقى قال القاضي الإمام أبو الفضل. هو سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة. وقال ابن شعبان: ليس في رواة مالك، سعيد بن عبد الرحمن المساحقى، وإنما هو ابن سليمان. * * * كان من جلساء مالك وأصحابه، وعليه دخل مالك على الرشيد متوكئًا، وعلى المخزومي، والعامري. وإنما سعيد بن عبد الرحمن جمحي، أخذ عنه أيضا، وذكره ابن شعبان أيضا. قال الزبير: كان المساحقى من سراة قريش عقلا وجلدًا وجمالا وشعرًا وأدبًا وعارضة، وكان مسددًا في قضائه. قال ابن شعبان: هو من وجوه أصحاب مالك المدنيين. * * * قال القاضي أبو بكر محمد بن خلف المعروف بوكيع في طبقات القضاه: هو أول قاض استقضاه المهدى بالمدينة، ثم عزله، واستقضاه بها الهادى، وأقره الرشيد صدرًا من ولايته. قال ابن الماجشون: شهد سعيد بن سليمان عند ابن عمران الطلحي وهو قاض فرد شهادته، فلما ولى سعيد، شهد عنده ابن عمران: فنظر في

стр. 480

شهادته، وفكر قليلا، ثم قال لكاتبه: أجز شهادته يا ابن دينار، فإن المؤمن لا يشفى غيظه (٣٩). * * * وكتب العباس بن محمد إلى سعيد بن سليمان، وكان ينقلب إلى الحجاز، وإلى ماله بالجفر (٤٠): أليس إلى نجد وبرد مياهه … إلى الحول أن حم الإياب سبيل وقال له: زد إليه، فقال سعيد: وإن مقام المرء في طلب الغنى … بباب أمير المؤمنين قليل * * * وذكر المصعب بن عبد الله في كتابه هذه الحكاية فقال: لما وفد على الرشيد - وكان منقطعا إلى العباس بن محمد بن عبد الله بن عباس - فنزل عليه، وجعل ينقلب إلى المدينة، وإلى ماله بالجفر بناحية (٤١) ضرية، واشتكى عند العباس، فجعل العباس يمازحه ويدفعه عن الخروج إلى الحج؛ قال مصعب: فكتب العباس إلى أبي ببيت مازح به سعيدا، وقال له زدنا عليه بيتًا، وذكر البيت الأول، إلا أنه قال "الحج" مكان "الحول".

стр. 481

قال: فزاد أبى، وذكر البيت الثاني، وقال "الحول" مكان "المرء" وهو أصح في المعنى وأولى. * * * وللمساحقى: وذى إحنة قد قلت أهلا ومرحبًا … له حين يلقاني، فحيى ورحبا وأعطيته من ظاهرى مسحة الرضا … وأدنيته حتى دنا وتقربا فصلت به مستمكن الكف صولة … شفيت به أضغان من كان مغضبا * * * وله إلى عمرو بن عبد الرحمن العامري: بلوت إخاء الناس يا عمرو كلهم … وجربت حتى أحكمتنى تجاربى فلم أر ود الناس إلا رضاهم … فمن يرز أو يعتب فليس بصاحب فخذ عفو من أحببت لا تحرجنه … فعند بلوغ الكد رنق المشارب فهونك في حب وبغض فربما … بدا جانب من صاحب بعد جانب وأنشد ابن الجراح في كتاب الورقة هاذين البيتين لابنه عبد الجبار. * * * وله: إن لنا مجلسا نسر به … عند احتضار الهموم والحزن ما فيه من خلة يعاب بها … إلا حنين الفؤاد للوطن * * * وابنه عبد الجبار، يأتى ذكره في طبقته، بعد هذا إن شاء الله تعالى. * * * قال مصعب: ومات سعيد وهو عند العباس، وأمه أمة الوهاب بنت عمر بن مساحق.

стр. 482

سليمان بن بلال أبو أيوب (٤٢)، قاله البخارى؛ قال مسلم: ويقال: أبو: محمد، وهو قول الواقدى. مولى عبيد الله بن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الرحمان بن أبى بكر الصديق. قال ابن حارث وابن قتيبة: هو مولى القاسم بن محمد، مدنى، سمع يحيى بن سعيد، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن دينار، وربيعة، وشريك بن أبي نمير، وصالح بن كيسان. * * * روى عنه ابن إدريس، وخالد بن مخلد، والعقدى، وابن وهب، ويحيى بن يحيى النيسابورى، وأشهب، وابن القاسم، والقعنبي، وابنا أبي أويس، ويحيى بن حسان. قال ابن معين: هو ثقة، أروى الناس عن يحيى بن سعيد، وهو أحب إلى من الدراوردي. قال ابن حنبل: وكان كاتب يحيى بن سعيد، وإنما كان وضع من منه عند أهل المدينة أنه ولى السوق.

стр. 483

قال أبو عمر بن عبد البر: هو أحد ثقات أهل المدينة. وقال ابن حنبل والنسائى: هو ثقة؛ قال ابن قتيبة كان وضيئًا جميلا. قال محمد بن يحيى: هو أحفظ من الدراوردي، وقال أبو حاتم: هو مقارب؛ وقال أبو زرعة: هو أحب إلى من هشام بن سعد (٤٣). قال ابن مهدي: ندمت ألا أكون أخذت عنه. وخرج عنه البخاري ومسلم. وعده ابن حبيب في الطبقة التي صار إليها الفقه بالمدينة بعد طبقة مالك، وشرك مالكًا في كثير من رجاله، وكان من أجل أصحابه وأخصهم به، وهو أول من جلس معه حين انعزل عن مجلس ربيعة وعمل لنفسه مجلسا. * * * قال مطرف: قال لنا مالك: لما أجمعت تحولا من مجلس ربيعة، جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المسجد، فلما قام ربيعة، عدل إلينا، وقال: يا مالك! تلعب بنفسك، زفنت (٤٤) وصفق لك سليمان بن بلال، بلغت أن تتخذ مجلسا، ارجع لمجلسك. وقد ذكرنا هذا الخبر بتمامه، وسببه، في أخبار مالك. * * *

стр. 484

وولى سليمان بن بلال سوق المدينة. وقال أحمد بن صالح الكوفي: أنه ولى قضاءها. وقال ابن قتيبة: ولى خراجها، والأول أصح. * * * وقد قال بعضهم: إذا قال مالك: (الأمر عندنا) و (الأمر المجتمع عليه عندنا) فإنما يعنى ما به الحكم أيام سليمان بن بلال، وهذا غير صحيح، وقد شرحنا هذا الفصل في أخبار مالك. وولى سليمان بن بلال القضاء ببغداد للرشيد، وتوفى وهو عليه، وصلى عليه الرشيد، وذلك في سنة ست وسبعين ومائة، قبل وفاة مالك بثلاث سنين. وقد قال البخاري: توفى سنة سبع وسبعين، وقال ابن قتيبة: سنة اثنتين وسبعين، وقال محمد بن المثنى، سنة ثلاث وسبعين.

стр. 485

محمد بن مطرف أبو غسان الليثي، المدني (٤٥)، صاحبه، وله كتب مالك رسالته في الفتوى، وهو يرويها عنه. وحكى البخاري أن إسحاق قال فيه: محمد بن طريف. قال البخارى: والأول أصح. مدنى، نزل عسقلان. * * * سمع زيد بن أسلم، وأبا حازم، ومحمد بن المنكدر، وشاركه مالك في كثير من رجاله. سمع منه ابن المبارك ويزيد بن هارون وابن أبي يحيى، وعيسى بن يونس، وعلى بن عياش. قال أبو حاتم فيه: ثقة؛ وقال ابن معين والنسائى والبزار وابن السكرى: لا بأس به؛ وقال ابن السكرى وابن بكير: هو ثقة. وقال ابن أبي الرقى: احتملنا حديثه لأنه روى عنه الثقات.

стр. 486

يحيى بن كثير بن درهم أبو عمران، ويقال أبو الهياج، ويقال أبو الهداج والأول أشهر، وهو قول البخاري، مولى العمريين؛ ذكره الدارقطني وابن شعبان وابن مفرج في رواة مالك؛ وقال الدارقطني، وابن شعبان: هو مدني. وقال ابن مفرج: مصرى؛ وقال البخارى وغيره: هو بصرى. قال ابن عفير: كان من كبار أصحاب مالك المتقدمين، وحدث عنه ابن سفيان عن سعيد وعبد العزيز بن مسلم وأبي حفص بن العلاء. روى عنه إبراهيم. خرج عنه البخاري ومسلم. وقال أبو حاتم. هو صالح الحديث.

стр. 487

ومن أهل اليمن: يحيى بن ثابت من قدماء أصحاب مالك، موظى (٤٦) جندى. قال أحمد بن خالد: قال لنا عبيد بن محمد الكشوري: يحيى بن ثابت من أقدم أصحاب مالك، وهو أول من وطأ له كتابه. وحدثنا أحمد بن خالد عن ابن الكشورى (٤٧)، عن عبد الله بن الصباح قال: حدثنا يحيى بن ثابت عن مالك قال: سمعت ربيعة يقول: لا يحل لأحد عنده حد عنده موضع للعلم إلا طلبه، يريد العقل. قال غيره: كان كاتب مالك أولا.

стр. 488

ومن أهل المشرق: عبد الله بن المبارك وهو مولى لبنى تميم، ثم لبنى حنيفة، مروزى، وكنيته أبو عبد الرحمان (٤٨). سمع من ابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، والأعمش، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد، وابن عون، وموسى بن عقبة، والسفيانين، والأوزاعي، وابن أبي ذيب، ومالكًا، ومعمر، وشعبة، وحيوة بن شريح، وقرأ على أبي عمرو بن العلاء والليث وغيرهم. * * * روى عنه ابن مهدي، وعبد الرزاق، ويحيى القطان، وابن وهب، وغيرهم. قال ابن وهب ما فات ابن المبارك من مشيختنا، أحد إلا عمرو بن الحرث. قال الشيراذي: تفقه بمالك والثوري، وكان أولا من أصحاب أبى حنيفة، ثم تركه ورجع عن مذهبه. قال ابن وضاح ضرب آخرًا في كتبه على ذكر أبي حنيفة، ولم يقرأه للناس.

стр. 489

ذكر مكانته من العلم والثناء عليه قال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وكان الفزاري يجلس بين يديه فيسائله؛ وقال شعبة: ما قدم من ناحيته مثله. * * * قال ابن مهدى: لقيت أربعة من الفقهاء: مالكًا، وشعبة، وسفيان، وابن المبارك - وفى بعضها، حماد، مكان "شعبة" - فما رأيت أنصح للأمة من ابن المبارك، وحديث لا يعرفه ابن المبارك، فنحن لا نعرفه. * * * وسئل ابن مهدى عنه وعن الثورى أيهما أفضل؟ فقال: ابن المبارك؛ فقيل: أن الناس يخالفونك؛ فقال: أن الناس لم يجربوا، ما رأيت مثل ابن المبارك. وقال: حدثني ابن المبارك (٤٩)، وكان نسيج وحده. * * * ولما نعى ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، قال: ﵀، لقد كان فقيهًا عالمًا عابدًا زاهدًا سخيًا شجاعًا شاعرًا. وقال أيضا: ما قدم علينا أحد يشبه ابن المبارك وابن أبي زيادة (٥٠). * * *

стр. 490

قال محمد بن المعتمر: قلت لأبي لما مات الثوري: من فقيه العرب؟ قال: ابن المبارك. * * * قال الأوزاعي لأبي عثمان الكلبي عنه: لو رأيته لقرت عينك. وقال على: هو ثقة؛ قال أبو حاتم: هو إمام. قال أبو زرعة: اجتمع فيه فقه ومروءة وشجاعة وسخاء وأشياء. قال داود العطار: هو رجل طلع علينا من ناحية المشرق. وقال النسائي: لا يعلم في عصر ابن المبارك، أجل منه ولا أعلى، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه. وقال سلام بن مطيع: ما خلف بالمشرق مثله، وابن المبارك أحب إلى من الثورى. قال ابن وضاح: سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: اجتمع في ابن المبارك العلم، والتقى (٥١)، والحديث، والمعرفة بالرجال، والشعر، والسخاء، والعبادة، والورع. ابتداء طلبه وسبب زهده وجمل من فضائله وعلمه قال الإمام القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ذكر الصدفي، قال: لما بلغ ابن المبارك، دفع إليه أبوه خمسين ألف درهم يتجر بها، فطلب العلم حتى أنفذها، فلما انصرف لقيه أبوه، فقال:

стр. 491

- ما جئت به؟ - فأخرج إليه الدفاتر، فقال: هذه تجارتي! فدخل أبوه المنزل، فأخرج له ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال *: - خذ هذه فابتع بها تجارتك (٥٢). فأنفقها. * * * قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن، ومصر، والشام، والحجاز، والبصرة، والكوفة، وكان من رواهُ العلم، وكان أهلا لذلك، كتب عن الصغار والكبار. وما أقل سقطه، كان يحدث من كتاب. * * * قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروى نحواً من خمسة وعشرين ألف حديث. وقيل له إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت. وذكره أبو عمرو في كتابه في طبقات المقرئين. وذكر أنه كان يقرأ بالاختلاف (أن ابنك سرق) (٥٣). * * * وقال يحيى بن يحيى الليثى: أقبل يومًا إلى مالك رجل عليه سمت حسن، فكنت أراه - يعنى مالكًا - يقول له:

стр. 492

- ها هنا. ثم تزحزح له في مجلسه، وما رأيته تزحزح لأحد غيره، فأجلسه في جواره، وكان ربما سئل مالك عن المسألة، فيجيب فيها، ثم يميل إلى الرجل فيقول له: - ما يقول أصحابك فيها؟ فيقول الرجل جواباً خفياً لا نسمعه ولا نفهمه، فرأيته فعل ذلك أياما، فأعجبني أدب الرجل، ولم أره يسأل عن شيء حتى انصرف، وكان يجتزئ بما يسمع، فقال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. * * * وصلى ابن المبارك يوما إلى جنب أبي حنيفة، فجعل ابن المبارك يرفع يديه في كل تكبيرة، فقال له أبو حنيفة: - أتريد أن تطير؟ فقال: لو شئت لطرت في الأولى. * * * وكان يقول: الزاهد، الذى أن أصاب الدنيا لم يفرح (٥٤)، وإن فاتته لم يحزن. * * *

стр. 493

قال ابن شاهين. حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلما عليه، فذهب أصحاب الحديث إلى حماد أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم، فقال ابن المبارك: - يا سبحان الله! أحدث وأنت حاضر؟ فقال: أقسمت عليك لتفعلن، أو نحوه. فقال: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد، وما حدثهم بحرف إلا عنه؛ * * * وكان ابن المبارك يقول: أول العلم، النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر. ويقال: أنه كان يحج عاما، ويغزو عامًا. لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والاقلال: ليخرج معى من أراد الحج، يكفيهم مئونتهم، ويفعل مثل ذلك إذا غزا. * * * قال أحمد بن شجاع: رأيت سفرة ابن المبارك على عجلة، أو قال: على عجلتين. * * * ومن كتاب أبي عمرو الصدفي، قال: قدم الرشيد الثغر، فجاء الفزاري، وفرج أبو سليمان إلى ابن المبارك فقالا له: قدم هارون وهو يريد لقاءك والسلام عليك. فقال: اذن أكلمه بلساني كله، فقال أحدهما للآخر: قم بنا لعله يجئ منه ما يكرهه الآخر بسببنا. * * *

стр. 494

قال الفسوي (٥٥) العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر، فيكى، فقلت: أتبكى من مثل هذا؟ فقال: إنما أبكى على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها. * * * قال ابن المسيب: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر ابن عياش بأربعين ألف درهم، وقال سد بها خلة اللوم عنك. * * * قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟ * * * وحكى أن إبليس جاء إلى ابن المبارك وهو يتوضأ فقال: انك لم تمسح؛ فقال: بلى قد مسحت. قال: بل لم تمسح؛ فقال: أنت المدعى، أقم البينة. * * * قال منصور بن عمار: ثلاثة * تفتتت أكبادهم من الخوف، الفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك. * * *

стр. 495

وقال ابن المبارك لبعض أصحابه: لا تغفل عن يوم ذكره الله في كتابه في ثلاثة وستين موضعًا. * * * وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة؛ فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يقرأ (التكاثر) إلى الصبح، ما جاوزها - يعنى نفسه -، * * * وذكر هو وغيره أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم؛ فقال. كنت شابًا أشرب النبيذ، وأحب الغناء، وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت اخوانا لي حين طاب التفاح وغيره إلى بستان، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السكر والنوم، فانتبهت آخر السحر، فأخذت العود أعبث به وأنشد: ألم يان لي منك أن ترحما … وتعصى العواذل واللوما فإذا هو لا يجيبنى إلى ما أريد، فلما كررت عليه بذلك، وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان، يقوله: (ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) (٥٦) قلت: بلى يا رب؛ فكسرت العود وهرقت النبيذ، وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها، وأقبلت على العلم والعبادة. * * * وروي أن عبد الله بن المبارك دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة، وهي تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة فوقف على بغله، فقال لها: يا هذه! هذه البطة ميتة أو مذبوحة؟
следующие страницы →