- ما جئت به؟
- فأخرج إليه الدفاتر، فقال:
هذه تجارتي!
فدخل أبوه المنزل، فأخرج له ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال *:
- خذ هذه فابتع بها تجارتك (٥٢). فأنفقها.
* * *
قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.
وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن، ومصر، والشام، والحجاز، والبصرة، والكوفة، وكان من رواهُ العلم، وكان أهلا لذلك، كتب عن الصغار والكبار. وما أقل سقطه، كان يحدث من كتاب.
* * *
قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروى نحواً من خمسة وعشرين ألف حديث. وقيل له إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت.
وذكره أبو عمرو في كتابه في طبقات المقرئين. وذكر أنه كان يقرأ بالاختلاف (أن ابنك سرق) (٥٣).
* * *
وقال يحيى بن يحيى الليثى: أقبل يومًا إلى مالك رجل عليه سمت حسن، فكنت أراه - يعنى مالكًا - يقول له:
стр. 492
- ها هنا.
ثم تزحزح له في مجلسه، وما رأيته تزحزح لأحد غيره، فأجلسه في جواره، وكان ربما سئل مالك عن المسألة، فيجيب فيها، ثم يميل إلى الرجل فيقول له:
- ما يقول أصحابك فيها؟
فيقول الرجل جواباً خفياً لا نسمعه ولا نفهمه، فرأيته فعل ذلك أياما، فأعجبني أدب الرجل، ولم أره يسأل عن شيء حتى انصرف، وكان يجتزئ بما يسمع، فقال لنا مالك:
هذا ابن المبارك فقيه خراسان.
* * *
وصلى ابن المبارك يوما إلى جنب أبي حنيفة، فجعل ابن المبارك يرفع يديه في كل تكبيرة، فقال له أبو حنيفة:
- أتريد أن تطير؟
فقال: لو شئت لطرت في الأولى.
* * *
وكان يقول: الزاهد، الذى أن أصاب الدنيا لم يفرح (٥٤)، وإن فاتته لم يحزن.
* * *
стр. 493
قال ابن شاهين. حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلما عليه، فذهب أصحاب الحديث إلى حماد أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم، فقال ابن المبارك:
- يا سبحان الله! أحدث وأنت حاضر؟
فقال: أقسمت عليك لتفعلن، أو نحوه.
فقال: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد، وما حدثهم بحرف إلا عنه؛
* * *
وكان ابن المبارك يقول: أول العلم، النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.
ويقال: أنه كان يحج عاما، ويغزو عامًا. لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والاقلال: ليخرج معى من أراد الحج، يكفيهم مئونتهم، ويفعل مثل ذلك إذا غزا.
* * *
قال أحمد بن شجاع: رأيت سفرة ابن المبارك على عجلة، أو قال: على عجلتين.
* * *
ومن كتاب أبي عمرو الصدفي، قال: قدم الرشيد الثغر، فجاء الفزاري، وفرج أبو سليمان إلى ابن المبارك فقالا له: قدم هارون وهو يريد لقاءك والسلام عليك.
فقال: اذن أكلمه بلساني كله،
فقال أحدهما للآخر: قم بنا لعله يجئ منه ما يكرهه الآخر بسببنا.
* * *
стр. 494
قال الفسوي (٥٥) العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر، فيكى، فقلت: أتبكى من مثل هذا؟
فقال: إنما أبكى على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها.
* * *
قال ابن المسيب: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر ابن عياش بأربعين ألف درهم، وقال سد بها خلة اللوم عنك.
* * *
قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟
فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟
* * *
وحكى أن إبليس جاء إلى ابن المبارك وهو يتوضأ فقال: انك لم تمسح؛
فقال: بلى قد مسحت.
قال: بل لم تمسح؛
فقال: أنت المدعى، أقم البينة.
* * *
قال منصور بن عمار: ثلاثة * تفتتت أكبادهم من الخوف، الفضيل، وعيسى بن يونس، وابن المبارك.
* * *
стр. 495
وقال ابن المبارك لبعض أصحابه: لا تغفل عن يوم ذكره الله في كتابه في ثلاثة وستين موضعًا.
* * *
وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة القرآن في ركعة؛
فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلًا لم يزل البارحة يقرأ (التكاثر) إلى الصبح، ما جاوزها - يعنى نفسه -،
* * *
وذكر هو وغيره أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم؛
فقال. كنت شابًا أشرب النبيذ، وأحب الغناء، وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت اخوانا لي حين طاب التفاح وغيره إلى بستان، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السكر والنوم، فانتبهت آخر السحر، فأخذت العود أعبث به وأنشد:
ألم يان لي منك أن ترحما … وتعصى العواذل واللوما
فإذا هو لا يجيبنى إلى ما أريد، فلما كررت عليه بذلك، وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان، يقوله: (ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) (٥٦) قلت: بلى يا رب؛
فكسرت العود وهرقت النبيذ، وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها، وأقبلت على العلم والعبادة.
* * *
وروي أن عبد الله بن المبارك دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة، وهي تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة فوقف على بغله، فقال لها: يا هذه! هذه البطة ميتة أو مذبوحة؟
стр. 496
قالت: ميتة.
قال: فلم تنتفينها؟
قالت: لآكلها أنا وعيالى؛
فقال لها: يا هذه! أن الله تعالى قد حرم عليك الميتة، وأنت في بلد مثل هذا؛
قالت: با هذا! انصرف عنى؛
فلم يزل يراجعها الكلام وتراجعه، إلى أن قال لها: وأين تنزلين من الكوفة؟
قالت في قبيلة بني فلان؟
ثم قال لها: وبأى شيء تعرف داركم؟
قالت: بيني فلان؛
فانصرف عنها وصار إلى الخان، ثم سأل عن القبيلة فدلوه عليها، فقال الرجل: لك على درهم وتعال معى إلى الموضع؛
فمضى حتى انتهى إلى القبيلة التى ذكرت المرأة، فقال للرجل: انصرف؛
ثم دنا إلى الباب، فقرع الباب بمقرعة كانت معه، فقالت العجوز: من هذا؟
فقال لها: افتحى الباب؛
ففتحت بعضه، فقال: افتحيه كله؛
ثم نزل على البغل، ثم ضربه بالمقرعة، فدخل البغل إلى الدار، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد هو لكم، وأنتم منه في حل في الدنيا والآخرة.
стр. 497
ثم جلس ابن المبارك مختفياً حتى رجع الناس من الحج، فجاءه قوم من أهل بلده يسلمون عليه ويهنونه بالحج، فأقبل يقول لهم: أنه كانت بي علة ولم أحج هذه السنة.
فقال بعضهم: يا سبحان الله! ألم أودعك نفقتى ونحن بمنى، ونحن نذهب إلى عرفات؟
وآخر يقول: ألم تشتر لى كذا؟
فأقبل يقول: لا أدرى ما تقولون، أما أنا فلم أحج هذا العام؛
فرأى في الليل قائلا يقول له. يا عبد الله! أبشر، فإن الله قد قبل صدقتك، وبعث ملكا على صورتك فحج عنك.
ذكر قطع من حكمه وشعره وملحه
قال رحمه الله تعالى.
جاهد (٥٧) لسانك إن اللسان … سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد … يدل الرجال على عقله
وقال رحمه الله تعالى:
أرى أناسًا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون *
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال أيضا:
لولا الجماعة ما كانت لنا سبل … وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
стр. 498
وقال:
تنعم قوم بالعبادة والتقى … ألذ نعيم، لا اللذادة بالخمر
فقرت به (٥٨) طول الحياة عيونهم (٥٩) … وكانت لهم والله زاداً إلى القبر
على برهة نالوا بها العز والتقى … ألا ولذيذ العيش بالبر والصبر
وكان فتى يصحب ابن المبارك فيسمع منه كل يوم شيئًا يسيرًا، فسافر ابن المبارك وسافر معه، فورد على ابن المبارك رجل في منزله، فحدثه ابن المبارك بحديث كثير، فوجد الفتى في نفسه، فكتب إليه:
كنت زواراً لكم في أرضكم … وأنا اليوم رفيق في السفر
ذان حقان عظيمان معا … ليس كالطير الذي جاء فمر
فكتب إليه ابن المبارك رحمه الله تعالى:
غاية الصبر لذيذ طعمها … وردى الذوق منه كالصبر
أن في الصبر لفضلا بينا … فاحمل النفس عليه تصطبر
وقال:
كل عيش قد أراه نكدا … غير ركز الرمح في ظل الفرس
وقيام في ليال دجن … حارساً للناس في أقصى الحرس
وجاء رجل إلى ابن المبارك فقال له: رضى الله عنك، صف لي الوالهين بالله. فقال: هم كما أقول لك:
стр. 499
مستوفزين على رجل كأنهم … ركب يريدون أن يمضوا فينتقلوا
عفت جوارحهم عن كل فاحشة … فالصدق مذهبهم والزهد والوجل
وسأله آخر عن صفة الخائفين فقال:
إذا ما الليل أظلم كابدوه … فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا … وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تحت الظلام وهم سجود … أنين منه تنفرح (٦٠) الضلوع
وخرس بالنهار لطول صمت … عليهم من سكينتهم خشوع
وكان ينشد أيضًا:
اغتنم ركعتين زلفى إلى اللـ … ـه إذا كنت فارغاً مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق بالبا … طل فاجعل مكانه تسبيحا (٦١)
واغتنام السكوت أفضل من خو … ض وإن كنت بالكلام فصيحًا
ورأى أبا العتاهية يلبس الصوف فقال: (٦٢)
أيها القارئ الذي لبس الصو … ف وأضحى يعد في الزهاد
الزم الثغر والتعبد فيه … ليس بغداد منزل العباد
أن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد
стр. 500
ومما استحسن له من الشعر قوله:
قرب طعامك وابذله لمن دخلا … واحلف على من أبي واشكر لمن أكلا
ولا تكن سامري العرض محتشما … من القليل فلست الدهر محتفلا
* * *
وشعر ابن المبارك كثير في غير باب، وله أرجوزة في الصحابة والتابعين، وقصائد طوال في التثبت والجهاد مشهورة، وله كتاب الرقائق مشهور، وكتاب رغائب الجهاد.
* * *
وسئل ابن المبارك فقيل له: من الناس؟
قال: العلماء
فقيل له: من الملوك؟
قال الزهاد؛
فقيل له: من الغوغاء؟
قال: هرثمة وخزيمة بن حازم؛
قبل: من السفلة؟
قال: من باع آخرته بدنيا غيره.
وكان يقول: أن أثر الحبر في ثوب صاحب الحديث أحسن من الخلوق في ثوب العروس.
* * *
وقيل له: من أحسن الناس حالا؟
فقال من انقطع إلى ربه.
стр. 501
وقال ابن المبارك مررت بحائك وقد انقطع شسع نعلى، فلقيني بقبال (٦٣)؛
فقلت: للثواب فعلتها؟
قال: نعم؛
فكنت إذا جزت به ملت إليه فسلمت عليه، ثم افتقدته فأصبته مد أغلق حانوته، فسألت عنه بعض حيرانه، وقلت إن كان مريضًا عدناه، أو مشغولا أعناه، أو فقيرًا واسيناه.
فقالوا: لا علم لنا به؛
فاستأذنت على منزله، فخرج إلى، فسألته: ما شغلك عن حانوتك؟
فقال لي: أنت يا ابن المبارك، يراك الناس تميل إلى، فألبستني قميصًا ليس على منه شيء،
فأخذت بكمه فسرت به إلى المقابر، فقلت: هذا قبر فلان، كان من شأنه كذا وهذا قبر فلان كان من شأنه كذا؛
فقال لي: يا ابن المبارك، ما أعرف ما تقول: ليس الرجل كل الرجل، من وصفته الألسن، ولا الرجل كل الرجل من رمقته الأعين، إنما الرجل من ستر الله عليه في حياته، فأدخله قبره مستورًا، ثم أبرزه يوم القيامة ليس عليه ذلة معصية، فذلك الرجل.
***
стр. 502
وحكى أبو بكر الخطيب أن الحسن بن عيسى بن ماسرجس (٦٤)، كان يجتاز وهو إذ ذاك على نصرانيته بابن المبارك، وكان الحسن من أحسن الناس وجهًا، فسأل عنه، فقيل له: هو نصراني.
فقال: اللهم ارزقه الإسلام؛
فاستجاب الله دعوته، وحسن إسلام الحسن، ورحل في طلب العلم، فكان أحد علماء (٦٥) الأمة، وممن رحل في طلب العلم والتسنن (٦٦) في الآفاق، وأخذ الناس عنه، مع ورع وعقل وثقة.
***
ومال إلى الدنيا رجل ممن كان يصحب ابن المبارك، وصحب السلطان، فلقيه يومًا فسلم عليه، فقال له يا أخي:
كل من الأرز والبر … ومن خبز الشعير
وأنا يا هذا هداك الله … عن دار الأمير
لا تزرها واجتنبها (٦٧) … إنها شرر مزور
تذهب الدين وتدنيك … من الحوب الكبير (٦٨)
فاستحيى الرجل، وترك مصاحبة السلطان، ورجع إلى صحبته.
стр. 503
ذكر مذهبه في الرواية والحديث
كان ابن المبارك ينكر التدليس في الحديث، وقال له بعض الصوفية - وسمعه يضعف بعض الرواة -:
يا أبا عبد الرحمن: تغتاب؟
قال: اسكت، إذا لم نبين فمن أين يعرف الحق من الباطل؟
توفي ابن المبارك بهيت (٦٩)، منصرفه من الغزو، في سفينة، فدفن بهيت (٧٠)، في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.
قال البخاري: ومولده سنة ثمان عشرة ومائة.
ولما حضرته الوفاة، قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب؛
فبكي نصر؛
فقال: ما يبكيك؟
فقال: أذكر ما كنت فيه من النعيم، وأنت هو ذا تموت * فقيرًا غريبًا؛ فقال له: اسكت، فإنى سألت الله تعالى أن يحييني حياة الأغنياء، ويميتني ميتة الفقراء؛
ثم قال: لقنى، ولا تعد على إلا أن أتكلم بكلام ثان، ولقنى حتى تكون آخر كلامى.
قال أبو بشر بن قعنب. رأيت في النوم قائلا يقول: عبد الله بن المبارك، وفلان، وفلان، في الفردوس الأعلى.
стр. 504
ومن أهل مصر:
عثمان بن الحكم
الجذامي، من بنى نضرة (٧١)، مشهور في أصحاب مالك المصريين.
قال ابن شعبان: هو أول من أدخل علم مالك مصر.
قال ابن أبي مريم: لم تنبت مصر أنبل من عثمان بن الحكم.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: شيخ ليس بالمتقن.
قال الأمير: كان فقيهًا له روايات مشهورة عن مالك.
قال ابن مفرج: وله عن مالك نحو سبعة عشر حديثًا.
يروى عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفد (٧٢)، وموسى بن عقبة، وزهير بن محمد، ويونس بن يزيد، وابن جريح، وعبيد الله بن محمد.
روى عنه سعيد بن أبي مريم وأبو زرعة وعبد الأحد بن الليث، وروى عنه ابن وهب كثيرًا في موطئه وفى المدونة.
***
قال أبو الربيع الرشديني، في كتاب (عباد مصر): أشار الليث بن
стр. 505
سعد أن يولى عثمان بن الحكم القضاء أو غيره، فوقف عثمان عليه، فقال: يا ليث، رميتني بمشاقص الحتوف، لا كلمتك بعد يومى هذا أبدا؛
فجاءه الليث يعوده في مرضه، فقال: حولوا وجهى إلى الحائط.
قال ابن المفرج وابن الجزار: توفى سنة ثلاث وستين ومائة.
وقال ابن شعبان: سنة ست وثلاثين ومائة، والأول أشهر (٧٣).
стр. 506
عبد الرحيم بن خالد بن يزيد
مولى الجمحيين: قال أبو عمرو الكندى: مولى أبي الطبيع (٧٤) مولى عثمان (٧٥) بن وهب الجمحي، إسكندراني، يكنى أبا يحيى؛
قال الدارقطني: عبد الرحيم، وعثمان بن الحكم، أول من قدم مصر بمسائل مالك.
قال الشيرازي. كان من أقران ابن أبي حازم ونظرائه، وعنده تفقه ابن القاسم بمصر، قبل رحلته إلى مالك، وكان جمع بين الزهد والعلم.
وقد روى عن مالك الموطأ. وقد روى عنه الليث، وابن وهب، وروى ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب (٧٦) عنه.
قال ابن بكير: بلغنى أن مالكًا كان يعجب به، وكان فقيهًا.
***
قال ابن القاسم: تذاكرنا مع عبد الرحيم بن خالد إيمان الكافر ورجوعه إلى الإسلام، مع ما ذكر الله في كتابه ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٧٧) وذنوب أهل الإسلام.
فقال اني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالا من أهل الكفر، ولقد بلغنى أن توبة المسلم كالإسلام بعد الإسلام (٧٨).
***
стр. 507
وكان أبوه خالد من فقهاء مصر وقضاتها، يروى عن عطاء وأبى الزبير. يروى عنه الليث وابن لهيعة والفضل. ووثقه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
***
وقال ابن القاسم لمالك يومًا: ما قوم أعلم بهذه البيوع من أهل مصر؛
فقال مالك: وأنى لهم بذلك؟
فقال: من قبل عبد الرحيم.
***
ذكر الرشديني عن عبد الرحيم (٧٩) قال: بعثنى أبى في حاجة، فجاء إنسان فسأله عن مسألة فأجابه فيها؛
فقال له الرجل: مد الله للأمة في عمرك؛
وسمعته يقول وهو لا يرانى، لنفسه: خالد مولى أبى الطبيع (٨٠)! مد الله للأمة في عمرك! ومن أنت لولا نعمة ربك؟ ومن أنت لولا ستر ربك؟ ويبكي، فلما أحس بي سكت.
***
قال الرشدينى (٨١): قال لي إدريس: لما مات عبد الرحيم عرف اليتم على ابن شريح.
توفى سنة ثلاث وستين ومائة، قاله العمرى (٨٢) وابن شعبان * وابن الجزار، وذلك بالأسكندرية، وسنه ثلاث وخمسون سنة.
стр. 508
سعد بن عبد الله بن سعد المعافرى
أبو عمرو. وقيل أبو محمد، وقيل أبو عثمان، من أقران عبد الرحيم، من كبراء أصحاب مالك المصريين.
***
سمع منه ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وابن عفير (٨٣)، وابن بكير، وغيرهم.
قال الشيرازي: و به تفقه ابن وهب وابن القاسم.
قال ابن القاسم: ما خرجت إلى مالك إلا وأنا عالم بقوله؛
قال سحنون: يريد أنه تعلم من عبد الرحيم، وطليب، وسعد، وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك.
قال ابن بكير: هو ثقة.
قال ابن حارث كان فاضلا مأمونا، ووصى لابن القاسم مع ابن وهب بابنته (٨٤)؛
قال ابن شعبان: - وهو الذي أعان ابن وهب على تواليفه.
قال ابن حارث كان معلم ابن القاسم في العبادة.
***
قال سليمان بن داود المهدى (٨٥) في كتابه: أخبرني فتح بن حماد
стр. 509
قال: لقيت الليث بن سعد عند قدومي من الأسكندرية، فقال: كيف تركت إخواننا بالأسكندرية؟
فقلت له: مات سعد بن عبد الله؛
فرجع (٨٦) وقال: لو كان الناس في عدوة وكنت أنا وسعد في عدوة، لرجوت أن أكون به مليا.
***
قال ابن حارث وكان فاضلا مأمونا (٨٧):
خطب ابنة سعد بعد موته (٨٨)، رجل موسر، لكنه يعيبه أهل الدين؛
فقال ابن وهب: أزوجها منه؛
وقال ابن القاسم: لا أزوجها منه، ثم قال: أرأيت لو كان سعد حيًا أكان مفعل؟
قال ابن وهب: لا؛
قال إنما نفعل ما كان يفعل.
***
قال سعد عن مالك: ليس على الفقيه ضيافة ولا مكافأة - يريد عن هدية - ولا شهادة بين اثنين.
وحكى ابن وضاح: أخبرني محمد بن يحيى (٨٩) وغيره، أن ابن القاسم أعطى سعدًا معلمه صاحب مالك سبعين دينارًا.
توفى بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة.
стр. 510
زين بن شعيب بن كريب المعافرى
ثم الخامرى (٩٠) بخاء معجمة من (الأخمور) بطن من المعافر. أبو عبد الملك، ويقال أبو عبد الله. كذا قال الأمير أبو نصر، اسكندراني مصري، وآخر اسم زين بالنون.
***
روى عن مالك وقاسم العمرى وأسامة بن زيد وغيرهم.
روى عنه ابن وهب، وسعيد بن تليد (٩١)، وابن بكير ومرة البرلسي (٩٢) وعبد الأعلى بن عبد الواحد.
***
قال ابن شعبان: كان مالك إذا فقده قال: كيف الشيخ الصالح؟
وكان فقيهًا فاضلا عابدًا، وكان يعبر الرؤيا، وهو الذي عبر رؤيا ابن القاسم التي نذكرها في خبره.
قال الحرث بن مسكين: كان زين من علية أصحاب مالك.
***
حكى سليمان بن داود المهرى (٩٣) عن عمه (٩٤) أبى الأصبغ، قال:
стр. 511
كنت مع زين بن شعيب في المحرس. فكان إنما هي هجعة أول الليل، ثم لا ينام حتى يصبح، يحرس وسط الليل وآخره ووسطه أشد ما يكون، وإذا كان قبل الفجر بمنزلتين، إنما نراه هكذا: راحتاه إلى وجهه، رافعًا يديه، داعيًا، ثم يقلب بطونهما، يسأل ويتعوذ إلى الفجر؛
قال: وعادلته إلى مكة، فذكر من فضله.
حكى الحرث بن مسكين: أن رجلا سأل زين بن شعيب عن الوطء في الدبر، فتناول زين وسادة من وسائد المحرس، فضرب بها رأسه.
قال: وكان زين من علية أصحاب مالك.
***
قال الدارقطني: توفى بالأسكندرية بعد الثمانين ومائة.
قال الأمير: سنة أربع وثمانين؛
وقال غيره سنة تسع وثمانين.
стр. 512
عبد الحكم بن أعين بن الليث القرشي
مولاهم، يقال: هو مولى عثمان بن * عفان، ويقال مولى عنبر (٩٥)، امرأة من موالى عثمان، ويقال مولى رافع مولى عثمان، وقاله ابن شعبان (٩٦).
هو والد بنى عبد بنى عبد الحكم، فقهاء مصر.
ويكنى عبد الحكم هذا أبا عثمان، وله رواية عن مالك في مسائل من المدير وغيرها.
ذكر ابن القاسم عنه في المدونة مسألة.
قال ابن أبي حاتم: يروى عن أبي حنيفة اليماني، وروى عنه ابن وهب، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وابن القاسم (٩٧)؛
قال بعضهم: كان عاقلا أديبًا، أعجلته المنية عن إتقان مذهب مالك، سكن هو وأبوه اسكندرية، ويقال أصلهم من أيلة.
قال ابن بكير: كان مداعبًا للناس.
ورفع اسمه في تاريخ أحمد بن سعيد، سماه عبد الحكم بن أعين.
وتوفي سنة إحدى وسبعين ومائة.
стр. 513
طليب بن كامل اللخمي
من كبار أصحاب مالك وجلسائه، كنيته أبو خالد، وهو أيضا عبد الله، له اسمان، قاله أبو سعيد حفيد ابن يونس (٩٨) في تاريخه، قال: وأصله أندلسي، سكن الإسكندرية.
***
روى عنه ابن القاسم، وابن وهب؛
وبه تفقه ابن القاسم قبل رحلته إلى مالك سعد وعبد الرحيم.
قال ابن حارث (٩٩): وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك.
قال ابن وضاح: كان طليب بن كامل نبيلا، وهو من العرب من لخم، وهو مصرى إسكندارني، قاله سحنون.
وذكر ابن شعبان في المصريين عبد الله بن كامل، وفي الأسكندرانيين طليب بن كامل، فجعلهما رجلين، وهما واحد كما تقدم.
وتوفى طليب بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة في حياة مالك.
стр. 514
أبو السمح عبد الله بن السمح
ابن أسامة بن زنبر - مولى بني عامر (١٠٠) بن عدى من تجيب، المصرى والد فتيان الفقيه، كذا كناه ونسبه أبو عمر الكندى في كتاب أعيان موالى مصر؛ فيمن روى عن مالك.
قال: وكان أبو السمح فقيهًا، [روى عنه ابن بكير، يروى عن عقيل بن خالد وغيره؟
قال ابن شعبان: أبو السمح والد فتيان] (١٠١) روى عن مالك.
وكناه ابن وضاح (أبو السمحا).
قال ابن حزم الصدفى: قال سحنون. رأى أبو السمحاء في منامه (نعم العمل النجح (١٠٢)، لولا المناهل).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: أبو السمحاء ليس بوالد فتيان، وإنما والد فتيان أبو السمح المذكور.
وقد وصفه ابن القاسم بالفقه والثقة (١٠٣) في المدونة، في كتاب الحج، في مسألة الإمام يذكر صلاة نسيها (١٠٤).
стр. 515
قال: ولقد سألنى رجل عن هذه المسألة، ما يقول مالك فيها - وكان من أهل الفقه ورواته الثقة (١٠٥) - فأخبرته أن مالكا يري أن تنتقض عليهم كما تنتقض عليه، فلا أعلمه إلا قيل لي: وهذا الرجل (١٠٦)، هو أبو السمح والد فتيان؛
قال الكندى: ولد أبو السمح سنة خمس وعشرين ومائة، وتوفى سنة اثنين وثمانين ومائة.
***
خالد بن حميد بن أبي ثعلبة
ويقال خالد بن أبي ثعلبة، أبو حميد، مولى بهرة (١٠٧)، إسكندراني.
قال الكندى: كان فقيهًا من أصحاب مالك. روى عنه هاني بن المتوكل، وسعيد بن سابق بن عامر (١٠٨).
مولده سنة ثلاث عشيرة، وتوفى سنة تسع وستين ومائة.
стр. 516
يحيى بن أزهر أبو عبد الله مولى قريش
قال الكندى: كان فقيهًا من أكابر أصحاب مالك، وغلبت عليه العبادة.
قال الحرث: كان ابن أزهر من خيار المسلمين وقدماء أصحاب مالك.
وقال عبد الرحمن بن القاسم *: كان العباد يأتون يحيى فينظرون صلاته لحسنها.
قال غيره: كان يتيمًا، وكان له مال في بيت المال، فلما كبر وقبض ماله، أدى منه أربعمائة دينار أو نحوها عن زكاة تلك السنين.
وقال سليمان بن القاسم: ترك يحيى ألف دينار ألف دينار كالخائف عليه، وكان قد اشترى تجارة فنمت فبيعت بعد موته بألف.
توفى سنة إحدى وستين ومائة في حياة مالك.
***
موسى بن سلمة بن أبي مريم مولى أبى الضبيع (١٠٩)
هو خال سعيد بن أبي مريم، كان من أكثر أهل مصر طلبًا للعلم.
توفى سنة ثلاث وستين ومائة في حياة مالك.
стр. 517
ومن أهل أفريقية:
عبد الله بن غانم القاضي
قال ابن الفرضى (١١٠): هو عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل (١١١) ابن ثوبان بن محمد بن شريح بن شراحيل بن الحنف بن أيمن بن ذى القمط (١١٢) بن قزو (١١٣) بن ذى رعين، كنيته أبو عبد الرحمن، كذا نسبه اين شعبان وابن حارث وأبو العرب.
وقال البخارى في التاريخ: عبد الله بن عمر النميري، عن يونس بن عبد الله، سمع من الثورى وحجاج بن منهال.
وقال في الصحيح: حدثنا عبد الله بن عمر النميرى النميري، حدثنا يونس حديث الإفك في باب من شهد بدرًا.
قال ابن مندرة (١١٤): عبد الله هذا هو ابن غانم الإفريقي، روى عنه القعنبي وابن القاسم.
***
قال أبو العرب التميمي: كان ثبثا ثقة فقيهًا عدلا في قضائه.
стр. 518
قال أبو علي بن أبى سعيد في كتاب المعرب عن أخبار المغرب: كان ابن غانم، رجلا كاملا فقيهًا مقدمًا، مع فصاحة لسان، وحسن بيان، وبصر بالعربية ورواية الشعر، تروى له أبيات مستحسنة، وكانت فيه تمتمة، وكان أبوه مذكورًا قديمًا في عرب أفريقية وأبنائها قبل دخول المسودة.
قال غيره: كان من أهل العلم والدين والعقل والورع والتواضع والفصاحة والجزالة.
قال أبو سعيد بن يونس: كان أحد الثقات الأثبات، ولم يعرفه أبو حاتم لبعد قطره. وقال: مجهول.
قال الشيرازى كان ابن غانم من نظراء ابن أبي حازم وأقرانه.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: سمع ابن غانم من ابن أنعم، وخالد بن أبي عمران، ورحل إلى الحجاز، والشام، والعراق، فسمع من مالك، وعليه اعتماده، ومن سفيان الثورى، ومن أبى يوسف، وعثمان بن الضحاك، واسرائيل بن يونس، وداود بن قيس، وغيرهم. سمع منه القعنبي وغيره.
***
قال ابن عمران كان مالك يجل ابن غانم، وإذا جاء أقعده إلى جانبه، ويسأله عن أخبار المغرب، وإذا رأى أصحابه قالوا: شغله المغربي عنا، ولما ولى القضاء، أعلم مالك بذلك أصحابه وسر به.
ويقال أن مالكًا عرض عليه أن يزوجه ابنته، ويقيم عنده، فامتنع من المقام، وقال له: إن أخرجتها إلى القيروان تزوجتها.
وله سماع من مالك مدون انقطع، ومنه في المجموعة مسائل، وسمع الموطأ.
***
стр. 519
قال: وجاء رجل بوثيقة إلى أسد بخط ابن غانم، فجعل أسد يعرضها، ثم نقرها بأصبعه، وقال ما كان أفقهه.
***
قال سليمان بن عمران. كان ابن غانم كاملا متكملا (١١٥)، فصيحا، حسن البيان، جيد الترسيل (١١٦)، لولا تمتمته ما قام بطلاقة لسانه أحد.
قال أحمد بن الجزار: وهذه التمتمة باقية في ولده إلى زمننا.
قال أسد: كان ابن غانم فقيهًا؛
قال معمر: كان ابن غانم يقرأ * لنا كتب أبي حنيفة في الجمعة يوما، ولما بلغت وفاته ابن وهب استرجع وترحم عليه، ثم قال: لقد كنت قائمًا بهذا الأمر.
***
قال ابن غانم: لما دخلت مع البهلول بن راشد على سفيان الثورى، وكان معهم عبد الله بن فروخ، قال: ليقرأ على أفصحكم لسانا، فاني أسمع اللحنة فيتغير لها قلبي، فقرأت عليه إلى أن فارقناه، ما رد (١١٧) على حرفا.
قال أبو العرب: ومناقب ابن غانم كثيرة.
وذكر ابن حارث أن على بن زياد كان يسيء القول فيه ويغمزه في كتبه، ويقول: ما صدق الله.
حدث عنه سحنون وداود بن يحيى.
стр. 520
ذكر ولايته القضاء وسيرته
قال الشيرازي. ولى الرشيد بن غانم قضاء أفريقية، وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي، أشار عليه به ابن فروخ الفقيه، لما امتنع هو أن يلى؛
وقيل: أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: بمدينة قيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، قد فقه، فوله قضاء أفريقية.
وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنين وأربعين سنة، في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان، سأل عن ذلك ابن أبي حسان، فأعلمه. فقال له: ما ذاك بخير له.
وكان الرشيد يكاتبه، فكان يعد قضاؤه من قبله.
***
وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته، فقال بعضهم: هي من المسودة دون أمير المؤمنين، فقال أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثا، ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين (١١٨).
ثم جاء إلى ابن غانم (١١٩) فأخبره الخبر، فقال له. يا أبا عثمان! كم صداق امرأتك؟
فقال مائتا دينار.
قال: وكم ثمن مما ليلك؟
قال: مائة دينار؛
стр. 521
قال: خذها. فقد بانت منك امرأتك، وعتق ليلك.
***
ولم يزل ابن غانم على القضاء الى أن توفي، فكانت ولايته نحوا من تسعة عشر عامًا.
***
وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله، أيام قضائه، الى مالك، فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة. وكان يكتب الى ابن كنانة. فيأخذ له الأجوبة (١٢٠) من مالك، وكان يكتب أيضًا الى أبي يوسف.
قال السورى: ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من اكرام الخليفة له، اذا كتب كتابًا لابراهيم ابن الأغلب، يقول له فيه: وأنا لا أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك الى كتاب ابن غانم. فكان ابراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له.
***
وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها، ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، ويلبس يومئذ الفرو الخشن، وخلق الثياب، وينظر ببصره الى الأرض، فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه؛
وكان له حظ من صلاة الليل، فاذا قضاها، وجلس في التشهد آخرها، عرض كل خصم يريد أن يحكم له على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان نازع فلانا. وادعى عليه بكذا، فأنكر دعواه، فسألته البينة فأتى
стр. 522
ببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها، فأتاني بمن زكاهم، وسألت عنهم في السبر فذكر عنهم -يعنى- خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لى أنه حق له، فان كنت على صواب، فثبتني، وان * كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني، اللهم سلمني،
فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم.
***
وابن غانم هو الذى أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية المرافق المرابطين.
***
وكان ابن غانم اذا جلس رمى اليه الخصوم الشقاف فيها قصصهم مكتوبة، فوجد يوما شقفة فيها قصة لنخاسى البغال، فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى ابراهيم ابن الأغلب الأكبر، صاحب أمره، ابتاع منهم بغالا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئا، فضم ديوانه، ونهض الى ابراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون اذن، فكان القاضى اذا أتى تنحنح. فاذا قيل له: ادخل، دخل، ففعل كعادته.
فسأله ابراهيم ما قصته؟
فذكر له شأن المتظلمين؛
فأحضر أبا هارون، فاعترف وقال: حتى يجيء الخراج، وقد بعثت في طلبه.
فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع اليهم أموالهم، فما برح حتى دفعت اليهم.
***
стр. 523
ودعى الأمير ابراهيم ابن الأغلب ابن غانم يوما. فقرأ عليه كتاب الرشيد، يأمره باحضار رجل يقال له حاتم الأبزارى، ويقول: ان لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرة آلاف دينار، ويأمر ابراهيم بقبضها، ويوجهها مع رسول له خراساني، ويقول له فى آخر الكتاب: وأحضر ابن غانم القاضى، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائصه؛
فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب، قال لابن غانم: سمعت ما فيه؟
قال: نعم؛
قال ابن غانم: وأحضرت ليحمل على قولى فيما في هذا الكتاب؟
قال ابراهيم: ولم أمرت باحضارك اذن؟
قال: فأول ذلك أن يثبت الرسول بعد لين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا المال ان صح، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه.
فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟
قال: معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم من أن يأخذ مالا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه؛
قال الخراساني: ما تقول أيها الأمير؟
قال: ما قال القاضي؛
وتحمل، فقام ابن غانم، وحمل الأبزارى معه، فقال ابراهيم: الله تلاده! ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته.
***
وراكب ابن غانم ابراهيم يوما، فزادت دابة ابراهيم في المشي، فحول ابن غانم دابته ورجع الى داره، فعاتبه ابراهيم على ذلك. فقال ابن
стр. 524
غانم: أصلح الله الأمير، انما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان.
***
وراكبه مرة أخرى، فشق ابراهيم زرعا، فلم يسلك ابن غانم معه.
***
ودخل عليه يوما وفى يد ابراهيم قارورة فيها دهن يسير.
فقال: كم تظن أيها القاضى يساوى هذا؟
قال: تافه يسير، ما عسى أن يبلغ؟
قال ابراهيم: فان ثمنه كذا وكذا.
قال ابن غانم: ما هو؟
قال: السم.
قال: أرنيه؛
فدفع إبراهيم اليه القارورة، فضرب بها عموداً في المجلس فكسرها.
***
ودعاه ابراهيم يوما الى صعود الصومعة، فأبى وقال: نكشف حرم المسلمين! فلم يصعد معه.
***
ودخل يومًا على ابراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ ابراهيم كتابه ثم دفعه الى ابن غانم، فقرأه ورده على ابراهيم.
فقال له ابراهيم: هات كتابك أقرأه.
قال: لا أفعل.
قال له: فلم قرأت أنت كتابي؟
قال: أنت دفعته الى ومددت يدك به فكرهت ردها، وقد أسر الى أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا.
стр. 525
فقال له ابراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟
فقال: يذكر ذلك، ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك، ولست أنا ذلك القاضي، هو غيرى.
فقدر أن الخبر بعد هذا صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي، قتله الأمير ابراهيم بن أحمد بن ابراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه، وسيأتي ذكر ذلك ان شاء الله تعالى بعد هذا.
***
قال ابن غانم: دخلت مجلس ابراهيم بن الأغلب، اذ أشرف علينا ابراهيم، فقام اليه من كان في البيت غيرى، فجلس مغضبًا، ثم قال لى: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تقوم كما قام اخوانك؟
فقلت: أيها الأمير، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار؛
فنكس ابراهيم رأسه وأطرق.
***
ومر رياح بن يزيد الزاهد، وبيده قسط زيت، على ابن غانم، وهو قاض، فقال له ابن غانم: أحمله لك.
فقال رياح: شأنك، فرفع القسط اليه، وجعل يشق به مجامع الناس، فسلك حوانيت البزازين حتى انتهى الى داره، فقال له رياح: انما فعلت هذا لأنه بلغنى أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك؛
فجزاه ابن غانم خيرًا.
стр. 526
وكان رياح بن يزيد يأتى كل جمعة الى ابن غانم، فيدعو له، وكان نحيلا دقيق العروق، فجعل يومًا يدعو، فاستضحك ابن غانم، وتمادى رياح في الدعاء وابن غانم فى الضحك، حتى نهض رياح، فعذل ابن غانم جلساؤه فى ذلك، وقالوا له: مثل رياح يضحك عليه؟
فقال لهم ابن غانم: أمسكوا عنى. انما غمى أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم، أو نحوه؛
فلما كان الجمعة، جاء رياح فأخذ فى الدعاء، وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال له ابن غانم: جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد؛
فقال له رياح: قد علمت أن الذى كان منك انما حركك عليه العدو، ليقطع ما نحن فيه من الخير.
***
ومر يومًا بالسوق، والبهلول بن راشد يشترى لحمًا من جزار، فنزل ابن غانم عن دابته، وعانقه وقرب اليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول، فأقسم عليه ابن غانم، فقال له: اني اشتريت لحمًا؛
قال: أحمله لك؛
فقال البهلول: اني أجلك أن تمشى راجلا؛
فقال: أركب خلفك؛
فركب البهلول على السرج، وركب القاضي خلفه على كفل الدابة، وقد حمل اللحم، فشقا السماط حتى وصلا الى دار البهلول، فعجب الناس من تواضعه وشرفه.
стр. 527
بقية أخباره وكرمه وحلمه
قال ابن البصرى: ذكر أن ابنا لا بن غانم جاءه من عند معلمه، فسأله عن سورته، فقرأ عليه، فأحسن، فدفع اليه عشرين دينارًا أو نحوها؛
فلما جاء بها الصبى الى المعلم، أنكرها، وظن بالصبى ظنا، فجاء بها الى ابن غانم، فقال له ابن غانم: لعلك استقللتها؟
فقال: لا
فقال له: لحرف واحد مما علمته يعدل الدنيا وما فيها؛
***
وذكر أن رجلا يقال له ابن زرعة، كان ابن غانم قد حكم عليه، فبلغ ذلك من ابن زرعة كل مبلغ، فلقى ابن غانم في طريق ضيعته فسبه، وقال له: يا فاعل يا ابن الفاعلة. وبالغ.
فلما كان بعد ذلك، لقيه فى طريق ضيعته، فسلم عليه ابن غانم، وحمله معه الى متنزهه، فأحضر طعامًا وأكل معه وأقاما الى قرب المساء، ثم انصرفا، فلما أراد مفارقته استغفره ابن زرعة واعترف له * بالخطأ.
فقال. أما هذا فلست أفعله حتى نخاصمك بين يدى الله، وأما أن ينالك مني شي مكروه في الدنيا، فلا.
***
ومن طريق آخر. أن الجند نزلوا فى دار ابن زرعة بعد سبه له، وملأوها سلاحًا؛
فلجأ الى ابن غانم، فلما دنا من الباب تذكر، وقال: بعد أن سبيته استنصره؟
فانصرف، ثم أعظم ما نزل به فرجع اليه، فلما دنا، انصرف، ثم رجع،
стр. 528
فلما رواه ابن غانم قال: مرحبًا بابن زرعة، وأوسع مجلسه، وقال له: ما جاء بك؟ فأخبره.
فقال: يا غلام، الرداء والنعال، فلبسهما ثم مضى الى الأمير، فسأله اخراج الجند من داره، ففعل.
***
وخرج ابن غانم مع جماعة الى منزله، ومعه سليمان بن زرعة، وخرج بزوامله ومطابخه، فنزل، وقرب اليهم الطعام، وفيه كنافة، ففجر رجل من القوم الزبد الى جهته، فقال ابن زرعة: أخرقتها لتغرق أهلها؟
فقال ابن غانم: استهزاء بكتاب الله تعالى؟ على ان كلمتك أبدا، وانصرف راجعا الى القيروان.
***
وهجا أبو المضرجي الشاعر، بني غانم، فاتصل ذلك بالقاضي، فضجر منه، واشتهر الشعر، فقيل لابن غانم: ليس لك الا أبو الوزن فانه يلقاه بكل ما يكره؛
وكان أبو الوزن مضحكًا ضعيف الشعر؛
فأتى به، فقال له ابن غانم، بلغنى انك بعيد الصوت، ونحن نحب من يؤذن فى الجامع، وقال لبعض خدمه: ادفع لأبى الوزن خمسة أقفزة قمحًا، وخمسين قفيزًا زيتًا، ومائة درهم حتى ننظر في أمره، فلما قبض ذلك أبو الوزن، قال للذي أتى به للقاضي: والله قصة! فاني لا أصلح أن أكون مؤذنًا.
فأخبر بالأمر، فقال: قد كفى؛
فدخل يومًا على إبراهيم بن الأغلب في جملة الشعراء، فنظر إلى الأمير ثم أنشده:
стр. 529
اني واني وانني وأنا … وأهل بيتى معظمو الأمرا
ثم أشار الى أبي المضرجي وقال (١٢١):
ان أبا المضرجي شاعركم … يضرط في الشعر كلما شعرا
قال القاضي: وبعد هذا بيت قبيح تركناه لفحشه ورفته، وان كان بيت الأبيات الثلاثة في بابه.
فضحك الأمير ومن حضر، وانكسر الآخر، وعلم من حيث أتى، فجاء الى ابن غانم معتذرًا، مقسمًا أنه ما هجا أحدًا من أهل بيته، فأظهر ابن غانم ألا علم عنده بشيء من القضية، فسأله كف أبى الوزن عنه، فأمره بذلك. فقال: لا والله حتى أعطى مثل ما أعطيت حين هجوته، فأمر له بمثل ذلك.
***
وكان ابن غانم يكثر انشاد هذين البيتين:
اذا انقرضت عنى من العيش مدتى … فان غناء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتي … ويحدث بعدى للخليل خليل
***
وكان لابن غانم أخ اسمه سعيد، سمع من أخيه عبد الله، وكتب عنه.
***
وكان لابن غانم ابنان جليلان أبو عمر وغانم، وأبو شراحيل.
وكان أبو شراحيل فقيهًا نظارًا ورعًا أديبًا شاعرًا، أخذ عن الكوفيين، ومال الى رأيهم، وتوفى ابن ست وثلاثين سنة، مولده سنة تسع ومائتين.
***
стр. 530
وكان لابنه (١٢٢) أبي عمرو وغانم ولد يكنى أبا عبد الرحمان، وهو القائل في شعر له يفتخر بتابانه.
ولينا قضاء الغرب عشرين حجة … فعز بعدل عندنا مستلينها
وأمضى أبونا الحق في الناس فاستوت … رعيته في العدل فاعتز دينها
فصلى عليه الله في مستقره … وسقاه من غر السحاب هتونها
***
وفاته:
قال القاضي أبو الفضل: ودخل على ابن غانم، أبو الوليد المهدى اللغوى فى مرضه الذي مات فيه، فقال له: رفع الله الله ضجعتك من هذه العلة الى افاقة وراحة، وأعاد اليك ما عودك من الصحة والسلامة، فأطال ما صححت وعوفيت (١٢٣) أصلحك الله، فاصبر لحكم ربك فان الله يحب أن يشكر على نعمه؛
فقال ابن غانم: هو الموت، والغاية التى اليها انتهاء الخلق، وما لابد منه فصبر يؤجر صاحبه عليه، خير من جزع لا يغنى عنه، ثم تمثل.
وهل من خالد اما هلكنا … وهل بالموت يا للناس عار؟
***
وتوفي في ربيع الآخر سنة تسعين ومائة، وقيل ست وتسعين، من فالج أصابه، وقيل: ان بصره كان قد كف، والأول أصح، ويشهد له، شعر حفيده، وقوله: