← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

- أ - تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لولا عياض لما ذكر المغرب (١) هذه هي الكلمة التي اختارتها الأمة المغربية للتعبير عن مكانة عياض في تاريخها. وهي خلاصة لما تركته حياته الحميدة الحافلة، وعلمُه الواسع، وسلوكه الحميد - من آثار جميلة بعيدة الغَور في قلوب مواطنيه. وذكَره المؤرخون! والمشارقة من أهل العلم والمغاربة، سواءٌ في اللَّهَج بحمده، والإشادة بمآثره الخالدة. وعِيَاض! في الشرق، وفي الغرب، وفي كل بلد من بلاد الإسلام، حقّ أن يَخلُد ذكرُه، وأن يُنشَر فضلُه؛ وحَرِيٌّ أن تتسانَد محافلُ العلم في كل بقاع الأرض المسامة على إِجلاله وتقديره. والقاضي عياض - حين يحدّث، وهو يعنى لِمَ يُحدّث، عن بعض شيوخه، أنه كان يقول: "ما لكم تأخذون العِلَم عنا، وتستفيدون _________ (١) كلمة شاعت على ألسنة الجماهير في المغرب، من غير أن تنسب لقائل معين.

стр. 2

- ب - منا، ثم تذكروننا فلا تترحَّمون علينا (٢) "- يَعتبر الاعتراف بفضل العالم المفيد شكرًا للعلم، ودَينًا يجب على الخلَف المستفيد أن يؤديه؛ وهو للسّلف - قبلُ وبعد - لسان الصِّدْقِ في الآخِرين. وقد قيل: "مَن ورّخ مؤمنًا فكأنما أحياه" (٣). وأراد الله أن يكون الخلف وفيا لعياض؛ فقد اختصه بالتاليف قوم وترجم له أقوام. (٤) وليس من غرضنا - في هذه الكلمة - أن نستقصى دقائق تاريخ القاضي عياض، فإنا، لو قصدنا إلى ذلك هنا، لما وفينا به؛ فحياته - من أي جانب نظرت إليها - غنية عامرة وهذه جهة، والحديث عنها، حديث - في الواقع - عن عصر من من أدق عصور التاريخ في هذا البلد وتلك جهة ثانية. وإنما هدفنا أن نسجل معالم عامة لحياته وخاصة ما يتصل بالجانب الفكري منها، بغية أن نقف على ما لعله أن يكون قد أثر في منهجه في البحث والتأليف، وخاصّة في كتابه "ترتيب المدارك" الذي نقدم له بهذه الكلمات. _________ (٢) ابن بشكوال، الصلة ٤٤٦، الغنية ١٢٨. (٣) السخاوي، الإعلان بالتوبيخ ٢٨. (٤) ذكرنا لائحة تتضمن مراجع لترجمة القاضي عياض.

стр. 3

- ج - نسبه: نقل ابنه محمد، (٥) وأبو القاسم ابن الملجوم، (٦) كلاهما عن القاضي عياض أنه: "عِيَاض بن موسى بن عِياض بن عمرون بن موسى بن عِيَاض بن محمد بن عَبد الله بن موسى بن عِياض اليَحْصُبِيّ". وهو نسب يرتفع - كما نرى - إلى يَحصُب بن مالك بن زيد، (٧) ويحصُب، أخو ذى أصبَح الحارث بن مالك بن زيد الذي ينتهى إليه نسب الإمام مالك بن أنس الأصبحي. وهكذا يمت القاضي عياض إلى الإمام مالك بصلتين: صلة المذهب المالكي الذي دان به سكان المغرب وما يزالون وكان عياض من أبرز أعلامه وأشهرهم. وصلة القربَى والانتساب إلى قبيلة حِمْيرَ من عَرب اليمن، ذات الصيت الذائع في التاريخ الإسلامي. _________ (٥) في كتابه الذي عرف فيه بأبيه صحيفة ٣ - ٤، وانظر أزهار الرياض ١/ ٢٣ - ٢٥. (٦) أزهار الرياض ١/ ٢٤. (٧) وقع في أزهار الرياض ١/ ٢٧: "يحصب بن مدرك"، وهو تصحيف. ونسب يحصب في جمهرة ابن حزم ٤٠٨ - ٤٠٩، ونهاية الأرب للقلقشندي ٢٤٩، ٢٥٤؛ وانظر تاج العروس (حصب - صبح).

стр. 4

- د - ومن المحتمل، ولا نذهب إلى أكثر من الاحتمال، أن يكون لصلة القُرْبَى هذه - فوق ما للاسباب التي بسطها القاضي في مقدمة "ترتيب المدارك (٨) "، وفوق ما لصلة المذهب - أثرُها في توجيه القاضي عياض إلى العناية البالغة بحياة الامام، وابرازها في إطار من الجلال والبهاء، وفي إصراره على أن يُبعِد عنها كُلَّ ما من شأنه أن يَشوب نصوعها، ويخدّش في بهائها. موطن سلفه: وكان منزل أجداده بجهة بَسْطة (٩) (Baza) التي تبعد ١٢٣ كيلو مترًا نحو الشمال الشرقي من مدينة غَرْناطة، ومنها انتقلوا إلى فاس، ثم إلى مدينة سَبتة. وذكر ابنه محمد أن سلَفه قد استقر بالقيروان، غير أنه لم يدر هل كان استقرارهم بها قبل نزولهم بالأندلس أو يعدَه (١٠). ولم نعرف، في عِداد أهل العلم، أحدًا من أجداده، غير أَن بيتهم كان من البيوتات النابهة بفاس وبسبتة، وأن جَدَّه عَمرون الذي انتقل من فاس إلى سبتة حوالى سنة ٣٧٣ هـ، كان من أهل الخير، حافظًا للقرآن، حج _________ (٨) ١/ ٦٤ - ٢٢. (٩) التعريف ٤، المعجم لابن الأبار ٢٩٤ الوفيات ١/ ٤٩٧، الديباج ١٦٨، تاريخ الفكر الأندلسي ٢٩٣، ٣٩٧. وفي تاج العروس (حصب) أن اليحصبيين نزلوا بقلعة يحصب al - cala la Real على بعد ست مراحل في الشمال الغربي من مدينة غرناطة وأن هذه القلعة سميت بهم، وإليها ينسب القاضي عياض. (١٠) التعريف ٤ - ٥، وانظر الديباج ١٦٨.

стр. 5

- هـ - إحدى عشرة مرة، وغزا مع المنصور ابن أبي عامر كثيرًا من الغزوات، وأنه اشترى أرضًا بسبتة من ماله جعل جزءًا منها وقفًا على المسلمين يدفنون فيه موتاهم، وجزءًا بنى فيه مسجدًا، وديارًا جعلها حبسًا على المسجد، وأنه لازم هذا المسجد للتعبد إلى أن مات سنة ٣٩٧ هـ (١١). وهى خلال كلها تمكن لنباهة الذكر ورفعة المكانة. مولده: وبسبتة - حسبما كتب القاضي بخطه (١٢)، وعنه نقل ابنه محمد - ولد القاضي عياض، في مُنتصَف شعبان من سنة ٤٧٨ هـ (١٣). وسبتة قاعدة من قواعد المغرب، هيأها موقعها الجغرافي لأن تكون ملتقى العلماء، سواء الواردون عليها من المشرق والمغرب، بقصد العبور إِلى الأندلس، أم القادمون إِليها من الأندلس إِلى المغرب، بقصد الرحلة أو الإقامة، وأن تصبح - نتيجة لذلك - ملتقى لثقافاتٍ متنوعة متعددة. وهكذا أنشأ العلماء المقيمون بسبتة، والوافدون إليها، مركزًا ثقافيًا بها، له أهميته، وله مميزاته وخَصائصه. واتفقت مصادر ترجمة عياض على وصفه بالذكاء، والفهم، والحِذق، _________ (١١) التعريف ٥، وعنه ابن الخطيب في الإحاطة ١٨٢. أ، والمقري في أزهار الرياض. (١٢) الصلة ٤٤٧، المعجم لابن الأبار ٢٩٦. (١٣) بغية الملتمس ٤٢٣، المعجم ٢٩٤ الصلة ٤٤٧، الوفيات ١/ ٤٩٧، الإحاطة ١٨٢ - ب.

стр. 6

- و - والفِطنة، والتَيَقُّظ، والحرص على طلَب العلم. وهي مؤهلات، من شأنها أن ترفع صاحبها إلى مراتب عالية في العلم والفضل. وبهذه المواهب العقلية الممتازة، وفي ذلك الجو العلمي الذي تهيأ له بمسقط رأسه سبتة، بدأ عياض طلبَه للعلم. وإذا كانت الكتب التي يدرسها طالب العلم. تتدخل - مثلما يؤثر الشيوخ - في تكوين شخصيته، فإِن ما قرأه عياض الطالب، وقد حباه الله تلك المواهب العقلية، من أمهات الكتب على اختلاف موضوعاتها، في بلده سبتة، دال على أن شخصيته العلمية قد اكتملت قبل أن يغادر بلده، وأنه قد انتزع شهرته الخالدة على الزمن بسعيه، دون أن يحابيه بها أَحد. ففي بلده حفظ القرآن بقراآته السبع؛ برواية نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء، وابن عامر، أخذ هذه الروايات بطرقها المختلفة المعروفة - عن عبد الله بن إدريس بن سهل المقريء (المتوفي سنة ٥١٥ هـ)، (١٤) وبرواية حمزة بن حبيب الزيات، عن عبد الله بن محمد النَّفْزِي (المتوفي سنة ٣٣٨ هـ) (١٥). وقرأ اللغة العربية، متنَها وأدبها، في كتاب الفصيح لأبي العباس ثعلب، وكتاب الأمالى لأبي على القالي، والكامل لأبي العباس محمد بن _________ (١٤) الغنية ١٤٩، وانظر ١٧٣. (١٥) الغنية ١٤٨، وانظر ٤٣ - ٤٤.

стр. 7

- ز - يزيد المبرد، وأدب الكتاب لأبي محمد بن قُتَيْبة (١٦). ودرس قواعدَها في كتاب الجُملَ للزّجّاجي، والواضح لأبي بكر الزُّبَيري، والكافي لابن النّحّاس، والمقْتَضَب للمبّرد، والإِيضاح لأبي على الفارِسي، (١٧) وشرح الجُمَل لابن فَضَال (١٨). أما أصول الفقه، وأصول الدين وعلم الكلام (١٩) على مذهب أبي الحسن الأشعري، والجدل والمناظرة، (٢٠) فقرأ أصول الدين على قاضي سبتة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن قاسم اللخمي (المتوفى سنة ٤٥٨ هـ)، (٢١) وقرأ رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٢٢) على محمد بن عيسى التميمي؛ وصحب عبد الغالب بن يوسف السالمي (المتوفي سنة ٦١٦ هـ) المتكلم على مذهب أهل السنة من الأشعرية، مدة إِقامته بستبة، وناوله كثيرًا من مجموعاته (٢٣)، وقرأ على يوسف بن موسى الكلبي، المتكلم على مذهب الأشعرية، أرجوزته _________ (١٦) الغنية ١٣٤ - ١٣٥، وانظر ٤٣، ٦٧. (١٧) الغنية ١٣٥. (١٨) الغنية ١٦٠. (١٩) جاء في "التعريف" صحيفة ٦ أن القاضي عياضا كان متكلمًا أصوليًا، وكان لا يرى الكلام في ذلك إلا عند نازلة. وعلم الكلام، منذ نشأته، يعني الحجاج عن العقيدة والمناظرة عليها، ثم اشتهر - بين أهل السنة - استعماله في معنى الحجاج عن العقيدة السنية بالأدلة البرهانية العقلية، والرد على المخالفين لهم فيها. فالمحاجة والمناظرة جزء من مفهوم علم الكلام. (٢٠) أما "علم الجدل والمناظرة"، فيراد به الجدل في مسائل الفقه تارة، وفي مسائل الاعتقاد تارة أخرى، ومهما كان فهر صناعة الجدل. (٢١) الغنية ١٤٦. (٢٢) الغنية ٢٢. (٢٣) الغنية ١٦٦.

стр. 8

- ح - التي ألفها في الاعتقادات، (٢٤) كما قرأ كتاب المنهاج في الجدل والمناظرة لأبي الوليد الباجي (٢٥). واحتجاج عياض المتكرر في كتاب الشفا بآراء أبى الحسن الأشعري. (٢٦) والقاضي أبي بكر الباقلاني، (٢٧) وأبي بكر بن فورَك، (٢٨) وأبي المعالي إمام الحرمين الجويني، (٢٩) يثبت كلُّ ذلك صلتَهُ الوثيقة بمذهب الأشعرية وبكتُبهم، وقراءتُه لمؤلفاتهم في الاعتقاد، (٣٠) ووصفُه للبَاقلاني، وأبى بكر بن فورك بقوله: "من أئمتنا (٣١) "، دال على أنه أشعري المذهب. ومناقشاته العميقة لآراء المعتزلة، (٣٢) والفرق الاعتقادية الإسلامية على اختلاف مذاهبها، (٣٣) والمفلاسفة، (٣٤) والصوفية، (٣٥) والخوارج (٣٦) - تطلع الدارس لعياض على معرفته الواسعة بالمذاهب الاعتقادية وآراء أصحابها. وصلة القاضي عياض بعلم الكلام وما يتبعه من جدَل ومناظرة، ومعرفته بدقائق آراء المخالفين لأهل السنة فيه، تصل بنا إلى أَن المدرسة التي أخرجت القاضي عياضًا وشيوخَه الذين تعلم عليهم الكلام وأصول الدين، وكثير _________ (٢٤) الغنية ٢١٥. (٢٥) الغنية ١٦٠. (٢٦) الشفا ٢/ ٢٧٧. (٢٧) الشفا ١/ ٢١٥، ٢/ ٢٦٣، ٢٦٧، ٢٧٦. (٢٨) الشفا ١/ ٢١٦، ٢/ ١٥٦. (٢٩) الشفا ١/ ٢٠٥، ٣١١، ٢/ ٢٦٤. (٣٠) الغنية ١٦٦، ٢١٥. (٣١) الشفا ١/ ٢١٦. (٣٢) الشفا ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧٨، ٢٧٩. (٣٣) الشفا ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩. (٣٤) الشفا ٢/ ٢٦٩. (٣٥) الشفا ٢/ ٢٦٩. (٣٦) الشفا ٢/ ٢٧١.

стр. 9

- ط - من العلماء المغاربة الذين اشتغلوا بعلم الكلام واشتهروا به، وترجم لهم في "ترتيب المدارك". نقول: هذه المدرسة كانت على علم تام بالجدل والمناظرة وأصول الدين والكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأن كتب الأشاعرة في علم الكلام كانت معروفة بين رجالها يتدارسونها في كافة أنحاء المغرب. ومن هنا نصل إِلى عدم صحة ما حيك حول مهدي الموحدين، من أن علماء المغرب في عهد المرابطين، لم تكن لهم معرفة بالجدل والنظر، وأَنهم - لذلك لم يستطيعوا أَن يثبتوا له في مناظراته، وأَن التجسيم كان غالبًا عليهم في الاعتقاد، فجاء ابن تومرت بعقيدة التوحيد، ونشرها، وَسمّي أتباعَه الموحَدين، إلى آخر ما قيل وكُرّر (٣٧). إِنه خُدعة سياسة أذاعها ابن تومرت وأنصاره لتوطيد نفوذهم في نفوس الجماهير، واغتربها المؤرخون، ومن العجيب أن يكون ابن خلدون الواعي من ضحاياها. وبسبتة أيضًا عن أعلامها ومحدثيها أخَذ علمَ الحديث، متنَه وغربيَهُ ورجالَه ومصطلحَه. فقرأ الموطأَ للإمام مالك، ومسند الموطأ لأبي القاسم الجوهري، وصحيح البخاري بروايتي الفِرِبْري والنَّسَفي، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وشرح غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وإصلاح الغلط على _________ (٣٧) ابن خلدون، العبر ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٩، ٦/ ٢٦٦.

стр. 10

- ي - أبي عبيد لأبي محمد بن قُتَيبة، وغريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، وعلوم الحديث للحاكم، وكتاب الطبقات لمُسلم الحجّاج صاحب الصحيح، و كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، وكتاب الطبقات له، وكتاب التقصّى لابن عبد البر، (٣٨) والمؤتلف والمختلف للدارقطني، (٣٩) والمؤتنف في تكملة المؤتلف والمختلف للخطيب البغدادي، (٤٠) ومشكل الحديث لابن فورك، (٤١) والإكمال لابن ماكولا (٤٢). أما الفقه المالكي، فدرس رسالة ابن أبي زيد، (٤٣) والمدونة، (٤٤) وتأليفًا في الأيمان اللازمة للقاضي أبى بكر بن العربي المعافري، قرأه عليه بسبتة عند مروره بها. (٤٥) وقرأ أصول الفقه على محمَد بن داود بن عطية القلعي. رحلته بهذا المحصول العلميّ الرّائع رَحل عياض إلى الأندلس. وقد عنى مؤرخوه بتحديد مبدأ رحلته ومدتها، (٤٦) وهي عناية محمودة لها فوائدها، ولكن مبدأ الرحلة ومدتها لا يهمنا ولا يفيدنا الفائدة التي _________ (٣٨) الغنية ٢ - ٢٢، ١٤٦ - ١٩٠ - ١٩١. (٣٩) الغنية ٥ - ٥٦. (٤٠) الغنية ٥١ - ٥٦، ٦٤. (٤١) الغنية ١٣٥. (٤٢) الغنية ٥٦. (٤٣) الغنية ٥٦. (٤٤) الغنية ٢٢. (٤٥) الغنية ١٩، ١١٩، ١٤٦، ٤٠ - ٤٢. (٤٦) في التعريف ٩ - ١٠ وأزهار الرياض ٣/ ٨ - ١٠: أنه خرج من سبتة سنة ٥٠٧ هـ. وعاد من رحلته سنة ٥٠٨ هـ.

стр. 11

- يا - تعود علينا من معرفة ما فعله القاضي في رحلته، وما خلفته هذه الرحلة من آثار في معلوماته وفي تفكيره. والرحلة في طلب العلم، تعنى - في ميدان التربية العلمية وتقويم أسس التفكير في الإسلام - أمرين: الأول: التأكد من سلامة المنهج النقلى ومن كماله، ويتطلب ذلك تصحيح المتون المروية، والبحث عن أصولها، ووصل أسانيدها بأصحابها، والبحث عن أعلى هذه الأسانيد وأقومها وأصحّها. فهذه المادة المروية، إذا لم تثبُت بصورة صحيحة نسبتها إلى أَصحابها، لا تصلح أن تتخذ أساسا للبحث والدرس وبناء أحكام عليها، سواءً كانت هذه الأحكام دينية أو علمية أو أدبية. والحرص على إكمال المنهج النقلى وسلامته، واضح في عناية القاضي البالغة بالتوسع في الرواية والقراءة، فنراه يقرأ كتبا جديدة لم يقرأها بلده، (٤٧) وبمُقَابلة كتبه (٤٨) بالأصول الصحيحة، والبحث عن أصول العلماء الخطية المسنَدة، (٤٩) والتنصيص على الأصح والأفضل من رواياتها إلى أصحابها، إن تعددت الطرق والروايات، (٥٠) وبالنّص - كذلك - على أنه قابل أو صَحَّح. والأمر الثاني: _________ (٤٧) الغنية ١٤٢، ١٥٥. (٤٨) الغنية ١٥، ٢٦، ٢٧، ١٧٢. (٤٩) الغنية ١١. (٥٠) الغنية ١٤٢، ١٥٥.

стр. 12

- يب - تصحيح منهج التفكير، وإقامة أسسه على قواعد ثابتة. وتقول مصادر ترجمته: إنه عُنى في رحلته بلقاءِ الشيوخ، (٥١) ولم يكن غرض عياض الأساسي من رحلته أن يرى وجوه الشيوخ، وإنما كان يعنى - بعد أن سَلِم له المنهج النقلى - أن يقابل أفكارهم؛ فيزنها بما تعلّمه في بلده من أفكار. وقديما قيل: "إذا أردت أن تعرف مقدار شيخك فجالس غيره". ولقاء الشيوخ هو الذي أتاح لعياض أن يرصُد عن كَثَب مناهجهم في التفكير، ويرقُبَ كيف يتناولون المسائل بالدرس والبحث، يردّون منها ما يردون، ويقبَلون ما يقبلون، فينقله ما شاهد ومَا فَهِم إلى ما تعلّمه عن علماءِ بلده من أسس ومناهج، يقارن بينها ويُفاضِل، فيُبْقِى في ذهنه - بعد الموازنة والعرض على ميزان النقد - ما يصلح أن يبقى، ويَنفى ما لا يثبت للنقد. وبعملية الاختبار والمفاضلة. والتنقيح والتلقيح هذه، تَمّ له بناءُ الجهاز النقدي، وتكاملت له أصول التفكير على أَساس من المقارنة والاختيار. شهادة أهل العلم له وعرف مكانه عند أشياخه أثناء رحلته وقبل أَن يعود إلى وطنه، وقد أُثِرت عنهم كلماتٌ تشير إلى فراستهم فيه، وتقديرهم له، واعترافهم بفضله _________ (٥١) الصلة ٤٤٦، الوفيات ١/ ٤٩٧.

стр. 13

- يج - وعلمه. قال له أستاذه أبو عبد الله بن حَمْدِين، وقت رحلته: "وَحقِّى يا أَبا الفضل إن كنت تركت بالمغرب مثلك (٥٢) ". وأراد الرحلة إلى بعض الأشياخ بالأندلس للأخذ عنه، فقال له الوزير أبو الحسين بن سراج: "لهو أحوج إليك منك إليه (٦٣) ". وقال أبو محمد بن أبي جعفر: "ما وصل إلينا من المغرب أنبل من عياض (٥٤) ". ولقيه بسبتة الوزير الكاتب الشاعر عبد المجيد بن عَبْدُون (المتوفى سنة ٥٢٧ هـ)، فأقسم له أنه ما قصد سَبتة إِلا للُقياه (٥٥) ". وفي رحلته كتب عنه أبو عامر محمد بن أحمد بن إسماعيل الطليطلي أشياء من حديثه (٥٦). وعاد عياض من رحلته، قبسًا من النور يُضيء، ومَعينا عذْبا فياضًا من العلم لا يلحقه النُّضوب، وصوتًا عاليا للحق ينادي - مُرشدًا، وحاكِمًا - فيُسْمِع النداء، وطاقةً هائلةً من الإيمان والثبات والخُلق. وإِلى هذا جميعًا إحساسٌ واع بنفسه وببلده، (٥٧) وبالمكانة التي تهيأت _________ (٥٢، ٥٣، ٥٤) التعريف صحيفة ١٢١. (٥٥) الغنية ١٦٧. (٥٦) الغنية ٥٩. (٥٧) من مظاهر هذا الإحساس عنايته بأخبار سبتة، وتأليفه كتاب "العيون الستة". والعناية بتاريخ المدن المغربية قديم؛ فقد ألف محمد بن يوسف التاريخي الوراق أخبار تاهرت، والبصرة، وسجلماسه ونكور، وغيرها.

стр. 14

- يد - له، بما ورثه عن سلفه، وبما أفاده بسعيه، وتقدير للمسؤوليات الثقيلة التي تفرضها عليه تقاليد هذه المكانة، من إرشاد وهداية، وتوجيه وتنوير، وحماية إن كانت السلامة في الكرامة الإنسانية وفى المقدّسات لا تحفظ إلا بالحماية. وفتحت له بلادُه قلبها، فأحبّته وأكبرته، وأسنَدت إليه قيادها، فكان عياض في جميع ذلك الرائد الأمين الذي لا يَكْذب أهله. حدّث ابنه في "التعريف"، وابن صَعْد في "النجم الثاقب" وعنه الإفراني في "دُرَر الحجال في سَبعة رجال" في السمط الثاني منه: أن القاضي عياضًا لما ولى قضاء بلده كانت الخاصة والعامة على غاية من محبته وإجلاله وإكباره، وكان له من الهيبة والجلالة عند الأمراء والولاة، ما جعلهم يقبلون قوله، حين يطالبهم بأداء حقٍّ من حقوق الرعية، ويتنافسون في قضاء حقه والقيام بواجبه. وحدثوا عن سيرة القاضي في قومه، فقالوا: إنه كان صلبًا في الحق لا تأخذه فيه لومة لائم، محبًا في طلبة العلم محرضا لهم على طلبه، (٥٨) كثير التواضع، يقبل على المساكين والفقراء، فيسألهم عن أحوالهم ويكثر الصدقة عليهم، (٥٩) ويعاشر الناس بالأخلاق الحسنة، والجانب اللين، ويؤثرهم بما _________ (٥٨) و (٥٩) التعريف ٧.

стр. 15

- يه - يجد؛ أنفق في ذلك أكثر ما ورثه عن أَبيه، وباع فيه رباعه بسبتة وأملاكَه، ومات مدينًا بخمسمائة دينار (٦٠). أما صلة القاضي عياض بربّه في عبادته، فكان متين الدين، مجتهدًا، كثير الصوم، قوام الليل، تاليًا لجزء من كتاب الله في الجزء الأخير من الليل، لم يتركه - ما قدَر على تلاوته - في أيّة حالَة، ملتزما لحدود الشريعة، سُنيًا في عقيدته شديدَ التمسُّك بها إلى حَد التعصب (٦١). ولم يصرفه واجبُه الديني والاجتماعي عن الواجب العلمي المقدس؛ فكان دائمة الصِّلة بعلمِه، لا يفارق كُتُبَه، يقرأ، ويدرّس، وَيبحث ويؤلّف. * * * وتطوَّرت الأحداث، وأرغمته على أن يخوض غمارها، وكانت هناك مقرّرات سنية عَقَدِيةً لا سبيل إلى التخلى عنها، آمن بها أهلُ هذا المغرب، ومنهم علماؤُه الذين جاهدوا في سبيل المحافظة عليها بكلّ ما كان لديهم من الوسائل. والعقيدةُ السُّنية تجيء في طليعة هذه المقررات، وهي تقرّر - فيما تُقرّر - أَن لا عِصمةَ لأحدٍ من الناس غير الأنبياء. _________ (٦٠) التعريف ١٢٨. (٦١) شذرات الذهب ٤/ ١٣٩.

стр. 16

- يو - أضف إِلى قضية العصمة، ما كانت تستلزمه من مظاهر التشيع وهناك الموقف الحذر أو العدائي الذي اتفق عليه أعلام المغرب، أو كادوا، تجاه مباحث واتجاهات في كتاب: "إحياء العلوم" للغزالي. ويمكن حصر هذه المباحث التي رفضتها الأوساط الفكرية في المغرب في نُقطتيْن: الأولى: ذلك الموقف السلبي الخطير الذي يقفه الغزالى في كتاب الإحياء وغيره - من الاشتغال بالعلوم الإسلامية، باستثناء التصوف. والثانية: ما عرض للبحث فيه من "علوم المكاشفة"، وما بناه عليه من نتائج وأحكام. وآمن عياض بما آمن به، أهل السنة في المغرب، وكان شديد التمسك بما آمن به، وقرأ على محمد بن عبد العزيز التغلبي (المتوفى سنة ٥٠٨ هـ) ردوده على الغزالى (٦٢) وأغلب الظن - ولا شيء يمنع من - أَنه كان على علم بموقف المازري شيخه من كتاب "إحياء العلوم" للغزالى. فكان لعياض - من هذا جميعه - رأيُه في كتب الغزالى وآرائه مماثلا لما رآه شيوخه ومُعاصروه فيها؛ كان عياض يرى أن الغزالى لو اختصر الإحياء واقتصر فيه على العلم الخالص، وهذه عبارته، لكان كتابا مفيدا (٦٣) وغيرُ الخالص من العلم في كتاب الإحياء - فيما يعنى عياض - _________ (٦٢) الغنية ٢٥. (٦٣) التعريف ١٢١.

стр. 17

- يز - هو "علم المكاشفة". وحكى ابن العِماد الحنبلي، (٦٤) والشَّعراني (٦٥) أن عياضًا كان يَرى أن كتاب الإحياء يجب أن يُحرق، وليسَ غريبًا ما حكياه عنه؛ فلعياض في كتاب الشفا (٦٦) حكم على أبي حامد الغزالي - رحمهما الله - في غاية القَسوة. وكان لعياض كذلك اعتقادُه في العِصْمة التي وصَف المهدي بها نفسه. وجاء مَهدي الموحِّدين فصَدَم أهلَ المغرب في أقدَس ما لديهم وهى عقيدتهم السنية، وسماهم مجسمين كافرين، وقاتلهم قتال كُفر، وحصَر التوحيد في أصحابه وأتباعه (٦٧). وأقام حركته على دعامتين: عصمة الإمام، وهو كان الإمام. وعلمه بالمغيبات، وقد استفاده من كتاب الجَفْر الذي يتضمّن علوم أَهل البيت. وعصمةُ الإمام، عند الإمامية، وعنهم ينقل ابن تومرت: تَعنى أن الإمام لا يجوز أن تصدُر عنه مَعصية صغيرة، ولا يجوز أن يحصل منه سَهو في الدين، ولا يجوز أن ينسى شيئا من الأحكام (٦٨). ومن كرامة الإمام عندهم أَن يعرفَ ضمَائر الناس وأَن يعرف ما يكون _________ (٦٤) الشذرات ٤/ ١٣٩. (٦٥) طبقات الشعراني ١/ ١٥. (٦٦) ٢/ ٢٦٧. (٦٧) ابن خلدون، العبر ٢/ ٢٢٦، ٢٧٦، ٢٢٨، ٢٢٩، ٦/ ٢٦٦، وابن زيدان، أعلام الناس ١/ ٨٧، ٨٨. (٦٨) أوائل المقالات ٣٦.

стр. 18

- يح - قبل كونه (٦٩). وموقف العقيدة السنية من عِصمة الأئمة أنها لا تقبل عِصمة أحد من الناس غير الأنبياء، كما أنها ترفض وصف الأئمة بأنهم يعلمون الغيب وما تكنّه ضمائر الناس، ويخفيه الغد. وتعرضُ الغزالي لعلوم المكاشفة، وإفاضته فيها، واعتمادُه عليها - (٧٠) من الأسباب التي حدَت بالعلماء في المغرب أَن يقفوا من كتاب "الإحياء" موقفهم العدائى المعروف، ومن أجل هذا أيضا كان موقف عياض ورأيه، الذي رأى، في الغزالى وَفي كتبه. ومن السهل - بعد هذا الذي أَشرتُ إليه - أن يفهم الدارس لماذا قاوم المغاربة في كل مكان دعوة الموحدين، ثم لماذا ثارت سبتة وكررت العصيان، بزعامة عياض في وجه نظام الموحدين. والموضوع لا يسمح لي بتفصيل القول في هذا هنا، ولاكني أريد أن أقول: إن عياضا لم يتنازل قط عن عقيدته السّنية، وما كان الظنُّ به أن يفعل، وإِنّ الموحدين لم يسامحوه قطّ، ولذلك غرّبوه عن بلده، فجزع ﵀ لفراقها، وكان يقول لمواطنيه عند وداعهم بسبتة: "جعلني الله فداءكم" ويبكي، (٧١) ونغَّصوا عليه أواخر حياته، إلى أن لقِى ربّه _________ (٦٩) أوائل المقالات ٣٧. (٧٠) فصلنا القول عن هذا في مقدمتنا لشفاء السائل لابن خلدون. (٧١) التعريف ١٣١.

стр. 19

- يط - في سابع جمادى الأخيرة، أو في رمضان من سنة ٥٤٤ هـ. وانطلقت في الفضاء بعده الرُّؤَي والمنامات والقصص والحكايات؛ له، وعليه. وما أكثر ما تُحاك الأقاصيص حول النابهين من الناس بعد أن يفارقوا هذه الحياة الدنيا! وما أسهل أن يقول فيها القائلون: إنها خرافات لا تثبت للنقد ويُبعدوها عن مادة التاريخ! وهو صنيعٌ خاطيء تسخر منه الخبرة بنفسيات الشعوب والأمم. إن هذه الجنود المجنَّدة من الحكايات، وهو التعبير الذي اختاره لها أسلافنا، هي الأسلوب ذو المنطق الخاص الذي يبعد الزمان والمكان، وكثيرًا من مُقررات وقواعد الأحاديث الرسمية من حسابه، وهو الطريقة التي تختارها الشعوب للتعبير عن إحساسها نحو من تريد أن لا تنساهم من الناس، ولتسجيل رأيها فيهم. ففي رؤاها وأحلامها وأقاصيصها وأسجاعها وأمثالها، وفقرها القصيرة اللتي تشبه الأمثال، وتطير كالسهام - في هذه الصور جميعا تصوغ أفكارها، وتسكب حبّها أو كراهيتها لأولائك الذين تستودعهم التراب. ولأمرٍ ما قالوا: "لسانُ الخلق أقلام الحق". والذي دفنوا عياضا ﵀ فئتان من الناس: حكام الموحّدين وسادتهم، وأمة المغرب، وشعور الفئتين نحوه مختلف متباعد. أما الموحّدون فحكت أقاصيصهم أن الغزالى بلَغَه رأىُ عياض في كتبه،

стр. 20

- ك - فدعا عليه، فمات فجأة في الحمام يوم الدُّعاء عليه (٧٢). وقالت أيضا: إن المهدى هو الذي أمر بقتله بعد أَن ادّعى عليه أهل بلده بأنه يهودي، لا، لأنه كان لا يخرج يوم السبت … فقتله المهدي لأجل دعوة الغزالي (٧٣). وأما الأمة المغربية، فكانت أصابُعها تشير إلى الموحدين تتّهمهم وتقول: "سم ابن العربي، وخُنِق اليحصبي (٧٤). وتقول، وهي تعدُّه، بقولها هذا في الشهداء: "سمه يهودى" (٧٥). ورُؤَاها المتعلقة بعياض، والتي تربطها ببلده حيث نشأ ودرج وأَفاد وأرشد، وبالجزيرة الخضراء حيث أزال عن أهلها مظالم بعض حكامها، (٧٦) ومراكش حيث قدّم نفسه فداءً لمواطنيه، - هذه الرُّؤَى (٧٧) كانت تشير جميعا إلى أنه في الجنة منعّمًا مكرمًا، جزاءً لما قدمه من أعمال الخير يوم كان حيًا يسْعَى، وأجابت أمته عن كلّ ما من شأنه أن يمس ذكراه العاطرة بكلمتها التي ردّدتها الشفاه أعواما تتلوها أعوام: لولا عياض لما ذكر المغرب. _________ (٧٢) طبقات الشعراني ١/ ١٥. (٧٣) فهرس الفهارس ٢/ ١٨٥. (٧٤) المرقبة العليا ٩٥. (٧٥) الديباج ١٧٢. (٧٦) التعريف ١٣١. (٧٧) التعريف ١٢٩ - ١٣١.

стр. 21

- كا - تآليفه: وعياض، إلى هذه الحياة الحافلة، مؤلف مجيد مكثر أثنى العلماء على مؤلفاته، واستفادوا منها، وعنوانها. وقد بلغت المؤلفات المنسوبة إليه الثلاثين أو تزيد، والذي وصل إلينا منها قليل، وقد حرصنا على إحصائها وذكر أسمائها جميعا - مرتبة على حروف المعجم - رجاء أن يفيد ذكرها في الحصول على ما لم يعرف وجوده منها. وهي: ١ - الأجوبة المحبرة عن المسائل المتخيرة. وهو من الكتب التي لم يكملها القاضي عياض، وذكر ابنه في التعريف ١٣٣ - ١٣٤: أنه وجد منه يسيرا فضمه إلى ما وجده في بطائق أبيه، أو عند أصحابه، من معان شاذة في أنواع شتى سئل عنها - رحمة الله عليه - فأجاب عنها. جمع ذلك كله في جزء، وقد ذكره أيضا في الإحاطة ١٨٣ - ١، وأزهار الرياض ٢: ٢٩٩ خ (المخطوط)، وكشف الظنون ١: ١١. ٢ - أجوبته فيما نزل في أيام قضائه من نوازل الأحكام. لم يكمله أيضا، واختلفت المراجع في تقدير ما ترك منه، ففى الإحاطة ١٨٣ - ١، والتعريف ١٣٤ أنه جزء، وفي أزهار الرياض ٢: ٢٣٠ خ أنه جزآن. ٣ - أجوبة القرطبيين. قال ابنه: رأيت هذه الترجمة بخطه، ولم أجدها عنده مبيضة. غير أني وجدتها في بطائق فجمعتها مع أجوبة غيرهم. ذكره في التعريف ١٣٤، الإحاطة ١٨٣ - ١ - أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ. ٤ - أخبار القرطبيين، ذكره في كشف الظنون ١: ٢٨، وفي هدية العارفين ١: ٨٠٥، وتاريخ الفكر الأندلسي ٢٨٨ وقال: وله تاريخ العلماء قرطبة يسمى أخبار القرطبيين.

стр. 22

- كب - وأخشى أن يكون "أجوبة القرطبيين" السابق ذكره. ٥ - اختصار شرف المصطفى، "والمتوفى سنة ٤٠٦ هـ، وهو ثمان مجلدات، ويسمى أيضا "شرف النبوة". وقد اختصره القاضي عياض، حدث به عنه ابن خير إجازة ومشافهة وإذنا، وذكره في فهرست ما رواه عن شيوخه ٢٨٩، ٤٩٧، وذكره أيضا صاحب كشف الظنون، ٢: ١٠٤٥. وكأن القاضي كان يمهد لتأليف كتابه الشفا، فاستطال كتاب شرف المصطفى. فلخصه ليسهل رجوعه إليه، واستفادته منه. ٦ - الإعلام بحدود قواعد الإسلام ذكره ابنه في التعريف ١٢٢، والإحاطة ١٨٣ - ١ وكشف الظنون ١: ١٢٧، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. وقد طبعته وزارة الشؤون الإسلامية في سلسلة مطبوعاتها. ٧ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، وهو شرح على صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، كمل به شرح أبي عبد الله محمد بن علي المازري المسمى بالمعلم بفوائد مسلم. ذكره القاضي عياض في أول مشارق الأنوار ١: ٧، وابن وابن خير في فهرست ما رواه عن شيوخه ١٩٦، ٤٩٤، ورواه عن مؤلفه. وابنه في التعريف ١٣٢. والإحاطة ١٨٣ - ١، وقدره كابنه بتسعة وعشرين جزءا. وذكره في كشف الظنون، ١: ١٤٥، ١: ٥٥٧، والوفيات ١: ٤٩٦، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. وهو موجود بالخزانة العامة. ٨ - الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع. ذكره ابنه في التعريف ١٣٣، والضبي في بغية الملتمس ٤٢٥، والإحاطة ١٨٣ - ١، كشف الظنون ١: ١٥٨، هدية العارفين ١: ٨٠٥، تاريخ الفكر الأندلسي ٣٩٧. وهو من الكتب التي كثر اعتماد المتكلمين في مصطلح الحديث عليه، وقد

стр. 23

- كج - وصلنا، ففي كل من مكتبة الاسكوريال، وأيا صوفيا نسخة منه. ٩ - بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، وهو أوفى شروح هذا الحديث، وأغزرها مادة. ذكره ابنه في التعريف ١٣٣، والذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ٩٧، وابن خير في فهرست ما رواه عن شيوخه، ورواه عن مؤلفه ١٩٧، ٤٧٨، وابن خلكان ١: ٤٩٦، كشف الظنون ١: ٢٤٨، هدية العارفين ١: ٨٠٥، وفي الخزانة العامة، وبرلين نسخ منه. طبع. ١٠ - تاريخ المرابطين، انتهى فيه إلى سنة ٥٤٠ هـ. ذكره ابن خاتمة في "مزية المرية". أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ، وانظر: الجامع في التاريخ. ١١ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب مالك - يأتي الحديث عنه. ١٢ - التنبيهات المستنبطة، على الكتب المدونة والمختلطة. قدره ابنه، وعنه الإحاطة بعشرة أجزاء. وكان عليه المعول في حل ألفاظ المدونة وحل مشكلاتها، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها، ويرجع السبب في ذلك إلى أنه جمع بين شرح المعانى وإيضاحها، وضبط الألفاظ، وذكر من رواها من الشيوخ والحفاظ. ذكره ابنه في التعريف ١٣٢ والوفيات ١: ٤٩٦، وعنه الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ٩٧، والإحاطة ١٨٣ - ١، أزهار الرياض ٣: ٢١، كشف الظنون ١: ٤٩٣، ٢: ١٦٤٤ هدية العارفين ١: ٨٠٥. وفي الخزانة العامة نسخة منه. ١٣ - الجامع في التاريخ، يقول القاضي عياض في ترجمة عبد الله بن ياسين القائم بدعوة المرابطين: "وقد بسطنا أخباره في كتاب التاريخ"، وذكر تلميذ عياض محمد بن حمادة البرنسى السبتي، وعنه الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ٩٧ بعنوان "جامع التاريخ"، والمقرى في أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ: أنه تاريخ المرابطين، انتهى.

стр. 24

- كد - فيه إلى سنة ٥٤٠ هـ وأنه كتاب أربى على جميع المؤلفات، فيه أخبار الملوك بالأندلس، والمغرب، منذ دخول الإسلام إليهما، واستوعب أخبار سبتة وقطانها وفقهاءها، وجميع ما جرى من الأمور فيها، واستوفى أخبار الدولة الحسنية، وذكره في كشف الظنون ١: ٥٣٨ تحت عنوان "جامع التاريخ"، وهدية العارفين ١: ٨٠٨ ولم يضيفا شيئا زائدا على هذا العنوان، وانظر: العيون الستة، والقنوان الستة. ١٤ - كتاب "خطبه" في سفر. ذكره ابنه في التعريف ١٣٣، وذكروا في ترجمة القاضي أنه كان لا يخطب إلا من إنشائه. ١٥ - سر السراة، في آداب القضاة. قال ابنه (التعريف ١٣٤): رأيت أيضا هذه الترجمة بخطه، ولم أجد من هذا الكتاب شيئا، ولا وقفت له على خبر. وذكره في الإحاطة ١٨٣ - ا. وأزهار الرياض ٢: ٢٣٨ خ وقال: ومما تركه في المبيضة سر السراة الخ. وهو كلام لا معنى له بعد قول ابنه السابق ١٦ - كتاب سؤالات وترسيل. انظر: غنية الطالب ١٧ - السيف المسلول، على من سب أصحاب الرسول. خ ذكره كشف الظنون ٢: ١٠١٨، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. ١٨ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وسماها الذهبي: الشفا في شرف المصطفى؛ وهو أشهر من أن يعرف. أقرأه القاضي في حياته وأجاز به. ذكره ابنه ١٣٢، وعنه الإحاطة ١٨٣ - ا، وقدراه بستة أجزاء، وأزهار الرياض ٢: ٢٣٨ خ، وتذكرة الحفاظ ٤: ٩٧، كشف الظنون ٢: ١٠٥٢ - ١٠٥٥، هدية العارفين. ٨٠٥:١. ١٩ - الصفا بتحرير الشفا للقاضي سبق، هذا ص كشف الظنون ٢: ١٠٧٩.

стр. 25

- كه - وهي عبارة موهمة فهم إسماعيل باشا البغدادى منها أن "الصفا بتحرير الشفا" اسم كتاب لعياض، فذكره له في ترجمته ١: ٨٠٥. وهو فهم خاطئ، والصفا بتحرير الشفا من تأليف قطب الدين محمد بن محمد بن الخيضرى المتوفى سنة ٨٣٤ هـ. كما في كشف الظنون عند الحديث عن شروح الشفا. ٢٠ - العيون الستة في أخبار ستة، هكذا ذكره كشف الظنون ٢: ١١٨٦، وهدية العارفين ١: ٨٠٥، وتاريخ الفكر الأندلسي ٢٨٣. وانظر: الفنون الستة ٢١ - غريب الشهاب، ذكره كشف الظنون ٢: ١٠٢٧، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. ٢٢ - الغنية في أسماء شيوخه. ذكرها ورواها عنه ابن خير في فهرست ما رواه عن شيوخه ٤٣، ٥١٢، الإحاطة ١٨٣ - ا، التعريف ١٣٣، كشف الظنون ٢: ١٢١٣، هدية العارفين ١: ٨٠٥. ٢٣ - غنية الكاتب، وبغية الطالب في الصدور والترسيل. هكذا أورده ابنه في التعريف ١٣٣، والمقرى في أزهار الرياض ٢: ٢٣٠ خ، وبقية المصادر مختلفة في إيراد هذا الاسم، ففي الكشف: "في صدور الرسائل"، وفي الإحاطة: " … في الصدور أو الرسائل"، وقال ابن خاتمة: كتاب في سؤالات وترسيل له، في نحو أربعة سفار. . قال المقرى: وانظر هذا الذي قاله ابن خاتمة هل هو غنية الطالب المذكور أو غيره. ٢٤ - كتاب العقيدة. ذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ٩٧، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. وفي فهرس دار الكتب المصرية القديم ٧: ٢٩٥: "شرح بالقول لبعض الفضلاء على عقيدة الإمام الأجل القاضي عياض". وأظن هذه العقيدة هي كتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام الذي ذكره.

стр. 26

- كو - ٢٥ - الفنون الستة في أخبار سبتة. هكذا سماه في الإحاطة ١٨٣ - ١، وابنه في التعريف ١٣٣، والمقري في أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ، وهو مما لم يكمله من تآليفه. وعبارة الإحاطة: مما تركه في المبيضة، وانظر: العيون الستة، والجامع في التاريخ. ٢٦ - القواعد، هكذا مجردا عن الإضافة - ذكره في هدية العارفين، ولم يذكر غيره. وهو، فيما أرجح: كتاب "الإعلام بحدود قواعد الإسلام". ٢٧ - مسألة الأهل المشترط بينهم التزاور، من الكتب التي تركها القاضي في المبيضة، وذكره ابنه في التعريف ١٣٣، والمقرى في أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ. ٢٨ - مشارق الأنوار، على صحاح الآثار، وهو من اقوم ما خلف القاضي عياض ﵀، درس فيه الموطأ، وصحيح البخارى، وصحيح مسلم: عمد إلى كلمات المتن وأسماء الاماكن، والرجال وكناهم وألقابهم، فرتب كل ذلك على حروف المعجم، ثم شرع في عمله، فضبط متونها وصححها على الأصول، ونبه على رواياتها المختلفة، وأشار إلى الصواب أو الأرجح منها، اعتمادا على المقارنة بين الروايات، ومتون اللغة، واستفادة من دراسات السلف التي سبقته، واعتمادا بعد هذا كله، على استقصائه وكثرة بحثه. ثم أفرد فصلا لأسماء الأمكنة فضبطها، وكذلك فعل في الأسماء والألقاب والكنى والأنساب الواردة في أسانيد هذه الكتب الثلاثة المذكورة، وعاد فعرض إلى ما وقع في كل فصل من هذه الفصول من تصحيف وتحريف يقومه وينبه على الصواب فيه، وختم هذا العمل المعجز بشرح وجيز لغريب كلمات الكتب الثلاثة. وقد ترك هذا الكتاب في مبيضته، ووصف خط القاضي فيه بأنه غاية في التثبيج، (والتثبيج التعمية في الخط) والإدماج والإشكال وإهمال الحروف، وجاء الحافظ المحدث أبو عبد الله محمد بن سعيد الغرناطى العروف بالطرار، فجمع أصولا وأمهات حافلة من كتب الغريب واللغة، واستعان بها على إخراج نص هذا الكتاب من مسودته.

стр. 27

- كز - وذكره ابنه في التعريف ١٣٣، وعنه الإحاطة ١٨٣ - ا، والمقرى في أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ وقدروه ستة أجزاء ضخمة، وابن خلكان ١: ٤٩٦، وكشف الظنون ٢: ١٦٨٧، وهدية العارفين ١: ٨٠٥. وقد طبعه السلطان المولى عبد الحفيظ بفاس سنة ١٣٢٨ هـ. ٢٩ - مطامح الأفهام في شرح الأحكام. ذكره في كشف الظنون ٢: ١٧١٨، وهدية العارفين ٨٠٥:١. ٣٠ - المعجم في ذكر أبي على الصدفى وأخباره وشيوخه وأخبارهم، وهو يتضمن نحو المائتي شيخ. ذكره القاضي عياض نفسه في الغنية ١٢٣، وابنه في التعريف ١٣٣، والإحاطة ١٨٣ - ا. ٣١ - المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان. من الكتب التي لم يكملها، قال ابن خاتمة: أنه في سفرين. ذكره ابنه ١٣٣، الإحاطة ١٨٣ - ا، أزهار الرياض ٢: ٢٣٨ خ، وقد تركه في المبيضة أيضا، وهو في جزء. ٣٢ - نظم البرهان على صحة جزم الأذان. ذكره ابنه ١٣٣، الإحاطة ١٨٣ - ا، أزهار الرياض ٢: ٢٣٩ خ، كشف الظنون ١: ١٩٦١، هدية العارفين ١: ٨٠٣.

стр. 28

- كح - أما "ترتيب المدارك، وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مَذْهب مالك"، فقد قدره ابنه، وعنه ابن الخطيب، والمقري، بخمسة أسفار. وهناك ظواهر يلحظها القارئ لنسخ هذا الكتاب الخطية، تلح في إيجاد تفسير لها، يمكن إجمالها فيما يلى: ١ - اختلاف النسخ في عدد أجزاء الكتاب، ونعنى الإجزاء التي نظن أن المؤلف جزّء إليها كتابه، وهى أجزاء يدل الموجود منها على أنه كان يبتديء كل جزء منها بالبسملَة والتصلية، وينهيه بالتنصيص على نهاية الجزء. ولم تلتزم النسخ التي يبدنا - بصورة دائمة - النص على بداية كل جزء ونهايته على الصورة التي ذكرناها، بل تركته أكثر مما عنيت بذكره. ٢ - كثرة الفروق بين النسخ في الكلمات والجمل بلغت حدًا يدعو إلى البحث عن الوجه فيه؛ بل وصل الأمر فيها في بعض الأحيان إلى أن كانت لكل نسخة روايتها التي لا تشارك فيها غيرها من النسخ. ٣ - الاختلاف بين النسخ في ترتيب التراجم، تقديما وتأخيرًا. ٤ - تكرار التراجم، بحيث ترد ترجمة الشخص الواحد في مكانين. وهي مظاهر لا أن يكون وراءها ما أنتجها. وقد اتفقت المصادر المعتد بها في ترجمة عياض - على أنه لم يسمع كتاب "ترتيب المدارك" في حياته لأحد من الناس، وهى إشارة فيها - فيما نظن - التفسير لهذه الاختلافات؛ فهي على كل حال تعنى

стр. 29

- كط - أن الكتاب لم يقرأه الناس على مؤلفه فتتحدّد عند قراءته - بصورة علنية ونهائية - أجزاؤه، وتتحد - بشكل جماعي - النّسَخ المسموعة منه على متن واحد، وعلى ترتيب واحد، وتحذف منه التراجم المتكررة. لم يسمع الكتاب، بل ظل في مسوَّدة المؤلف، (٧٨) إلى أن تداولته أيادي النساخ، فأخرجوه من المسوَّدة باجتهادهم. ووصف خط عياض عند الحديث على مسوَّدة "مشارق الأنوار" من تأليفه، فقيل: إنه "في أنهَى درجات التثبيج (٧٩) والإدماج والإشكال وإهمال الحروف (٨٠) ". وهي صفات وسعت المجال للاجتهاد، فولدت المظاهر التي سبق الحديث عنها. ومهما كان الأمر فقد حدث الاختلاف، وكان له أثره في عملنا في نشر الكتاب؛ فقد أرغمنا، إزاء ذلك، أن نستكثر من النسخ بغية الوصول - أو المقاربة - إلى درجة الاطمئنان. وكان علينا أن نختار من الفروق ما تتحقق دلالته على معنى صحيح، غير أنا آثارنا أن نضع بين يدي القارئ كلَّ، أو جُلَّ، الفروق ليكون له أن يختار، إذا وجب عليه أن يختار، ولم نجتهد إلا في اختيار النص الذي أثبتناه، فهو - حسب اجتهادنا - النص المرجّح، وما وُضع من _________ (٧٨) كانت هذه المسودة التي بخط المؤلف عند التباهي، وقد أشار إليها مرات في "المرتبة العليا". (٧٩) التثبيج: التعمية وعدم البيان في الخط. (٨٠) الديباج ٢٩٢.

стр. 30

- ل - الروايات في أسفل المتن بين الفروق نَصٌّ مرجوح، في أغلب الأحيان. وقد اعتمدنا في تقويم هذا الجزء على النسخ التالية: أ - نسخة تحتفظ بها الخزانة الملكية، وهي نسخة جيدة. وقد التزمنا ترقيم صفحاتها، فالأرقام المحصورة بين قوسين عن يسار المتن. أو يمينه، تشير إلى صفحات هذه المخطوطة، وكذلك أرقام فهرس الموضوعات. ب - نسخة محفوظة بالخزانة العامة تحت رقم ٢:٣٤ - D . ت - نسخة خاصة بمكتبتنا. خ - نسخة خاصة بمكتبتا أيضا. ط - نسخة محفوظة بالخزانة العامة أيضا تحت رقم ٢٠٣٥ - D . ك - نسخة محفوظة بالخزانة العامة تحت رقم ٢٦٣٣ - . D . وقد أغنانا القاضي عياض - بما بيّنه في مقدمة ترتيب المدارك، عن الحديث عن منهجه في التأليف، وتمثله للأصول العلمية المقررة في عهده وتطبيقها، واستيفاء المراجع ونقدها - عن تكرار الحديث في ذلك؛ فهو أفصح منا لسانًا في التعبير عن عمله. وبعد فلأبي الفضل عياض، ولكتبه مكانة خاصة في نفوس الأسرة العلَوية المالكة منذ القديم؛ فالمغفور له السلطان مولاي محمد بن عبد الله كان

стр. 31

- لا - شديد العناية بكتب عياض، يقرأها ويطلع على خفاياها، وينقد ما لا يروقه منها، لقد أمر جمعا من العلماء أن يشرحوا مشارق الأنوار للصاغاني فشرح الشيخ التاودي ابن سودة الثلث الأول منه، وكان على الشيخ عبد القادر بوخريص - حسب الأمر السلطاني - أن يشرح الثلث الثاني، فكان السلطان مولاي محمد بن عبد الله يدل الشيخ على المراجع والمآخذ، وكان من بينها شرح عياض على صحيح مسلم (٨١). وعنى بقراءة كتاب الشفا، ولم تعجبه التفاصيل واستقصاء الجزئيات في قسم "حكم من سب رسول الله ﷺ "، فانتقد عياضا، وبعث بانتقاداته إلى علماء مصر يسألهم رأيهم، فأجابه من علماء الأزهر الشيخ الأمير والشيخ عبد المعطى الحريري، يؤيدان وجهة نظره. والسلطان مولاي عبد العزيز - قدس الله روحه - أنشأ قراءة الشفا للقاضي عياض في الضريح الإدريسي بفاس عند شروق كل يوم، وعين لذلك جماعة من جلة العلماء، وخصص لكل واحد منهم راتبا يوميا لقاء القيام بعمله (٨٢). وعناية السلطان مولاي عبد الحفيظ - أسكنه الله دار رضوانه - بعياض معروفة؛ فقد طبع على نفقته كتابه "مشارق الأنوار"، وعزم على طبع "ترتيب المدارك" بمصر، فعهد إلى وكيل الدولة المغربية بها إذ ذاك، الحاج محمد بن العباس بن شقرون أن يطبعه ضمن المجموعة القيمة _________ (٨١) الدرر الفاخرة ٥٥. ٥٩. (٨٢) الدرر الفاخرة III .

стр. 32

- لب - من الكتب التي طبعها جلالته على نفقته، هناك وبالمغرب، وأرسل له النُّسخ الخطية ليشرع في العمل، غير أن مانعًا من الموانع حال دون ذلك. وفي سنة ١٣٣٠ هـ بدأ مولاى عبد الحفيظ بطبع ترتيب المدارك بفاس على نفقته أيضا، فطبعت منه ست عشرة صحيفة، ثم حال حائل دون الاستمرار في الطبع. وفي أيام الاحتفال بالذكرى الألفية لجامعة القرويين، حدثني بعض المقريين إلى حضرة صاحب الجلالة الملك الخالد الذكر، مولانا محمد الخامس - أنزله الله مقعد الصدق عنده - أن جلالته قد عزم على طبع "ترتيب المدارك"، وأنه أمر بجمع نُسَخِه لهذا الغرض، غير أن هذه الأمنية الغالية لم يكتب لها حينذاك أن تتحقق. وهكذا ظلت العناية بترتيب المدارك عهدا يتوارثه ملوك هذه الأسرة العلوية الكريمة الأماجد لاحق عن سابق، حرصًا منهم جميعًا على إحياء مجد هذه الأمة، والحفاظ على مقدّساتها. وأبت الأقدار الإلهية - حين حالت مرارًا دون أن تتحقق رغباتهم الكريمة، وحين اختارت لتنفيذها وتحقيقها حضرة صاحب الجلالة مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني، نصره الله - إلا أن تقرن هذه المأثرة العلمية الخالدة بعهده، وتكتب هذه الحسنة المقبولة في صحفه. فقد أمر جلالة الملك - حياه الله وأيده - بطبع ترتيب المدارك،

стр. 33

- لج - وتكرم بالإذن في الاستفادة من نسخة منه تحتفظ بها الخزانة الملكية، وواصل جلالته اهتمامه بإنجاز العمل فيه منذ بدايته إلى نهايته. ففي نور هديه الرشيد سار العمل، وإلى جلالته - بدءًا وختامًا - يعود الفضل في إخراج هذا الجزء من "ترتيب المدارك". ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يسعدها أن ترفع لجلالة العامل العظيم الجوهرة الثانية من كنوز القاضي عياض، وهي بمناسبة ذلك ترجو أن يسدد الله - جلت قدرته - خطأه ويرعاه، حتى يصل بأمته إلى المكان الذي يليق بها وبأمجادها، وأن يقر عينه الكريمة بولي عهده ويحفظه فيه، فهو ﷻ ولى الإجابة المتفضل بها. وقسم التأليف والترجمة والنشر بهذه الوزارة يرى لزاما عليه أن يسجل لمعالى السيد الوزير الحاج أحمد بركاش شكره الجزيل إزاء ما يلقاه من معاليه من تشجيع واهتمام دائمَيْن، فالله الكريم يجزيه على عمله أحسن الجزاء. أما أنا فقد بذلت، وحسبى أنني بذلت، ما في وسعى فإن أصبت فبتوفيق ربي، وإن كانت الأخرى فلى أجر ما اجتهدت. والله يهديني للتي هي أقوم. محمد بن تاويت الطبخي الرباط ١٧ شوال عام ١٣٨٤ هـ موافق ١٩ فبراير سنة ١٩٦٥ م

стр. 34

- لد - وهذه لائحة بمراجع ترجمة القاضي عياض، أثبتها هنا لعلها أن تفيد من يريد التوسع في تاريخه. فقد أفرده بالتأليف: ١ - ابنه أبو عبد الله محمد بن عياض، (١) قاضي دانية المتوفي سنة ٥٧٥. فعرف به، وجمع أخباره، وذكر شيئا من أشعاره، وأحصى تأليفه وذكر شيوخه - في مجلدة متوسطة الحجم. وأكثر من ترجموا للقاضي بعد ابنه كان هذا الكتاب عمدتهم، وقد أشرنا إليه في الحواشي باسم "التعريف". واعتمدنا على النسخة المحفوظة بالخزانة العامة تحت رقم (٥٥٣. ك). ٢ - وأبو العباس المقري: أحمد بن محمد المتوفي سنة ١٠٤١ هـ في كتابه: "أزهار الرياض"، والأخبار التي تخص القاضي عياضا فيما طبع من أزهار الرياض - في الجزء الأول صحيفة ٢٣ - ٢٩، والثالث صحيفة ١٦ - ٢١، ٥٩ - ٦٤، ٩٥ - ١٠١، ١٤٩ - ١٦٧ - ٢٨٢. وترجم له من المغاربة: ٣ - الضبي أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة القرطبي، في بغية الملتمس، في تاريخ رجال أهل الأندلس (مدريد ١٨٨٢ - ١٨٨٣ م)، رقم ١٢٩٦. ٤ - ابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر البلنسي، في المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (مدريد ١٨٨٥ م)، رقم ٢٧٩. ٥ - الفتح بن خاقان، في قلائد العقيان ٢٢٢ (بولاق ١٢٨٣ هـ). ٦ - ابن بشكوال أبو القاسم بن خلف بن عبد الملك القرطبي، في "الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم (مدريد ١٨٨٣ - ١٨٩٢ م) رقم ٩٧٢. ٧ - ابن سعد التلمساني محمد بن أحمد، في "النجم الثاقب، فيما لأولياء الله من مفاخر المناقب"، واعتمدنا على نسخة الخزانة العامة (رقم ١٩٩٢، ك). _________ (١) جاء في المرقبة العليا للنباهي ص ١٠١. وعنه المقري في أزهار الرياض ٣/ ١٧ - " .. ذكر ذلك حفيده في الجزء الذي صنفه في التعريف به وبتواليفه". فنسب هذا التعريف لحفيد القاضي وكأنه تصحيف، ولم يتنبه له المقري عند نقله.

стр. 35

- له - ٨ - النباهي على بن عبد الله بن محمد الجذامي، في "المرقبة العليا، فيمن يستحق القضاء والفتيا" (القاهرة ١٩٤٨ م) ص ١٠١. ٩ - ابن القاضي أحمد بن محمد بن أبي العافية، في "جذوة الاقتباس، فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس" (فاس ١٣٠٩ هـ) ص ٢٧٧. ١٠ - ابن الخطيب محمد بن عبد الله بن محمد، في "الإحاطة في أخبار غرناطة" (مصورة الخزانة العامة رقم ١٧٠٧ - D) لوح ١٨٠ ب - ١٨٣ ب. ١١ - الكتاني محمد بن جعفر بن إدريس المتوفي سنة ١٣٤٥ هـ في "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس" (فاس ١٣١٦ هـ) ١/ ١٥١. ١٢ - الكتاني عبد الحي بن عبد الكبير المتوفي سنة ١٣٨٢ هـ، في "فهرس الفارس"، (فاس ١٣٤٦ هـ) ٢/ ١٨٣. ١٣ - الأفراني محمد الصغير، في "درر الحجال، في سبعة رجال، ١٤ - الناصري، أحمد بن خالد، في "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ١/ ١٤١، ١٤٥. ١٥ - محمد بن محمد مخلوف التونسي. في "شجرة النور الزكية" (القاهرة ١٣٤٩ هـ) ص ١٤٠ - ١٤١. ١٦ - العباس بن إبراهيم المراكشي، في "إظهار الكمال في تتميم مناقب أولياء مراكش سبعة رجال"، ١/ ٨١ - ١١٨. ومن المشارقة: ١٧ - ابن خلكان أحمد بن محمد بن إبراهيم، في "وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، مما ثبت بالنقل أو السماع وأثبته العيان"، (بولاق ١٢٧٥ هـ)، ١/ ٤٩٦. ١٨ - الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، في "تذكرة الحفاظ" (حيدرآباد ١٣٣٣ - ١٣٣٤ هـ) ٤/ ٩٦ - ٩٩. ١٩ - الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، في "دول الإسلام" (حيدرآباد ١٣٦٤ هـ) ٢/ ٤٤. ٢٠ - ابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي. في "البداية والنهاية" ١٢/ ٢٢٥. ٢١ - أبو الفداء إسماعيل صاحب حماة، في "الخبر عن البشر"، "استانبول ١٢٨٦ هـ) ٣/ ٢٣.

стр. 36

- لو - ٢٢ - ابن فرحون إبراهيم علي بن محمد اليعمري المدني، في "الديباج المذهب" (القاهرة ١٣٥١ هـ) ص ١٦٨. ٢٣ - طاش كبري زاده، أحمد بن مصطفى المتوفي سنة ٩٦٢ هـ في "مفتاح السعادة" ٢/ ١٩. ٢٤ - ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد بن محمد أبو الفلاح، في "شذرات الذهب، في أخبار من ذهب" (القاهرة ١٩٥٠ هـ) ٤/ ١٣٨ - ١٣٩. ٢٥ - الخوانساري الميرزا محمد باقر الموسوي، في "روضات الجنات" في أحوال العلماء والسادات"، (طهران ١٣٦٧ هـ) ص ٤٨٤. ٢٦ - مرتضى الزبيدي، في "تاج العروس" (حصب). ٢٧ - على القاري، علي بن سلطان الهروي المتوفي سنة ١٠١٤ هـ في مقدمة شرح الشفا ١/ ٢ (استانبول ١٣١٦ هـ). ٢٨ - يوسف البيان سركيس، في "معجم المطبوعات العربية والمعربة"، ٢/ ١٣٩٧، وصحف في تاريخ ميلاده فجعله ٤٩٦ هـ وصوابه ٤٧٦ هـ. ٣٠ - دائرة المعارف الإسلامية (مادة عياض). ٣١ - إسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين"، وأخطأ في نسبة بعض الكتب إليه، وقد أشرنا إلى الصواب فيها عندما ذكرنا مؤلفات القاضي.

стр. 37

[الجزء الأول من ترتيب المدارك حسب تقسيم المؤلف]

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على [سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفى الكريم وآله وصحبه وسلم تسليما قال الشيخ الفقيه القاضي العدل، الراوية المحدث الحافظ، الحافل الذكر، الفطن الصالح، العالم القدوة، الجامع للعلوم أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، ﵀ ورضى عنه وغفر له ونفعنا به بمنه آمين الحمد] [¬١] لله الذي أسبغ على عباده بفضله نِعمًا لا تحصى، وقدَّر على من شاء [¬٢] بعدله أن يُطاع ويُعصى؛ وعيَّن [¬٣] أهل الجنّة والنار بقبضتى [¬٤] القضاء، ومَيَّز في ظهر آدم بين طائفتى السعادة والشقاء. ثم انتقى منهم، ليتمَّ عدله، خواصَّ وأصفياء، وجعل فيهم رُسُلًا وأنبياء [¬٥] ليُوضّح بهم لمن أراد هدايته [¬٦] منهاجه، ويُقيم على من صد عنه وصدف [¬٧] عن آياته حجاجه، فبذلوا في ذات الله [¬٨] جدَّهم [¬٩]، (١) ونصحو العباد جُهدهم، إلى أن اختار الله لهم ما عنده، وقضي كلُّ واحدٍ منهم ما كُتب له من أثر ومُدّة. عليهم من صلوات الله ما لا يحيط به حَصْر ولا عَدَّة. (٢)

стр. 39

ثم تمَّم الله على المؤمنين فَضلَه [¬١]، وختَم أنبياءه ورسلَه [¬٢] بأَرجعهم مِيزانا، وأرفعهم مكانا، وأَكرمهم أَخلاقا، وأَطيبهم أَعراقا، وأَطولهم في الفضائل باعا، وأكثرِهم أمة وأتباعا، أبي القاسم سيّد ولد آدم، ﷺ كما شرّف وكرّم [¬٣]، فجاهد في الله حَقَّ جِهاده، وزايل الجلائلَ [¬٤] الصَّعْبةَ في إرشاد عِباده، حتى أَقامهم على سَواء مَحجَّته، وأَخَذهم طوعًا، وكرهًا بِبالغ حجّته، وساقَهم في السَّلاسل إلى جنَّته (١)، ودَخلوا في دين الله أفواجًا بدعوته، فأنجزَ الله به [¬٥] وعدَه، وعُبدَ الله تعالى [¬٦] وحده؛ وخصّه بخير أمة أخرجِت للناس (٢)، فآزروه [¬٧] في إقامة شَرعه في حياته، وخَلَفوه في حِياطتهِ وحمايته بعدَ وفاته؛ نص في غير موطن على تفضيلهم، وأَمرَ بالاقتداء بهم، وتوعّد [¬٨] على اتّباع غير سبيلهم؛ بوَّأَهم دار وحيّه ومأْرِز [¬٩] (٣) دينه ومُتبوأَ [¬١٠] شرعه، ومَهْبط ملائكته ومُهاجر نبيه، ومُنْزل كتابه، ومجثم مثوى [¬١١] رُسله، ومجتَمع [¬١٢] الخير كله؛ كهفَ الإيمان والحكمة، ومعدنَ الشريعة والسنّة، وسراج الهَدْى الذي بنوره ضاءت أَقطارُ المشارق والمغارب، ويَنبوع العلم الذي منه استمدّت [¬١٣] سائرُ الأودية والمذانب. (٤)

стр. 40

ثم خلفهم في كل قرن بأتباعِ صدْق وعَدْل، وأَخْلاف هدْيٍ وفضل، وأَكناف معرفة وعلم، ومعادن خير وحلْم؛ اختار منهم أئمة المسلمين [¬١]، ونصَب منهم أعلامًا للدنيا والدين، فبيَّنوا [¬٢] للناس ما نُزّل إليهم، وشرحوا لهم [¬٣] ما أشكل عليهم، [وانقادوا لما ثبت من السنن لديهم] [¬٤]، [واعتَبروا باستنباطهم وصحيح اجتهادهم] [¬٥] حُكمَ ما لم ينُص على عينه، وقاسوا بما فهموا من الشَّرع حُكمه في غيره [¬٦]، ولم بَزيغُوا عن سَنن التحقيق، ولا أخذوا ببنيّات [¬٧] الطريق، (١) ولا حكَّموا الآراء المُضلّة في الدين، ولا انهملُو انهمالَ الملحدين، ولا تنطّعوا تنطُّع المعتدين؛ [بل تبعوا آثار من مضى قبلهم واقتفوا في التمسك] [¬٨] بأصول الشريعة سبلهم [¬٩]، ولم يضرّهم خلاف من خالفهم من الفرقَ، ولا شَغبٌ من لَجّ في هواه وغَرق؛ فالموفَّق من اقتفَى آثارهم، وغاير [¬١٠] شُرود من شَردَ [¬١١] واتْبَاعَهم، وعلِم أن الحقَّ مع هذا النمط الذي هدي اللهُ واقتدي [¬١٢] بهداه، ولم يُعرّج على ناعق نعقَ وإن اختدع [¬١٣] العقولَ بلهجة صداه. جعَلنا الله ممن اتّبع فسلِم [¬١٤]، واقتفى ما مرّ عليه السواد الأعظم بمنه [¬١٥]. وبعد فلما تكررت رغبات الأصحاب، شملنا الله وإياهم بسعادته، لإمضاء [¬١٦]
следующие страницы →