- لو -
٢٢ - ابن فرحون إبراهيم علي بن محمد اليعمري المدني، في "الديباج المذهب" (القاهرة ١٣٥١ هـ) ص ١٦٨.
٢٣ - طاش كبري زاده، أحمد بن مصطفى المتوفي سنة ٩٦٢ هـ في "مفتاح السعادة" ٢/ ١٩.
٢٤ - ابن العماد الحنبلي عبد الحي بن أحمد بن محمد أبو الفلاح، في "شذرات الذهب، في أخبار من ذهب" (القاهرة ١٩٥٠ هـ) ٤/ ١٣٨ - ١٣٩.
٢٥ - الخوانساري الميرزا محمد باقر الموسوي، في "روضات الجنات" في أحوال العلماء والسادات"، (طهران ١٣٦٧ هـ) ص ٤٨٤.
٢٦ - مرتضى الزبيدي، في "تاج العروس" (حصب).
٢٧ - على القاري، علي بن سلطان الهروي المتوفي سنة ١٠١٤ هـ في مقدمة شرح الشفا ١/ ٢ (استانبول ١٣١٦ هـ).
٢٨ - يوسف البيان سركيس، في "معجم المطبوعات العربية والمعربة"، ٢/ ١٣٩٧، وصحف في تاريخ ميلاده فجعله ٤٩٦ هـ وصوابه ٤٧٦ هـ.
٣٠ - دائرة المعارف الإسلامية (مادة عياض).
٣١ - إسماعيل باشا البغدادي في "هدية العارفين"، وأخطأ في نسبة بعض الكتب إليه، وقد أشرنا إلى الصواب فيها عندما ذكرنا مؤلفات القاضي.
стр. 37
[الجزء الأول من ترتيب المدارك حسب تقسيم المؤلف]
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على [سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفى الكريم وآله وصحبه وسلم تسليما
قال الشيخ الفقيه القاضي العدل، الراوية المحدث الحافظ، الحافل الذكر، الفطن الصالح، العالم القدوة، الجامع للعلوم أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، ﵀ ورضى عنه وغفر له ونفعنا به بمنه آمين
الحمد] [¬١] لله الذي أسبغ على عباده بفضله نِعمًا لا تحصى، وقدَّر على من شاء [¬٢] بعدله أن يُطاع ويُعصى؛ وعيَّن [¬٣] أهل الجنّة والنار بقبضتى [¬٤] القضاء، ومَيَّز في ظهر آدم بين طائفتى السعادة والشقاء.
ثم انتقى منهم، ليتمَّ عدله، خواصَّ وأصفياء، وجعل فيهم رُسُلًا وأنبياء [¬٥] ليُوضّح بهم لمن أراد هدايته [¬٦] منهاجه، ويُقيم على من صد عنه وصدف [¬٧] عن آياته حجاجه، فبذلوا في ذات الله [¬٨] جدَّهم [¬٩]، (١) ونصحو العباد جُهدهم، إلى أن اختار الله لهم ما عنده، وقضي كلُّ واحدٍ منهم ما كُتب له من أثر ومُدّة. عليهم من صلوات الله ما لا يحيط به حَصْر ولا عَدَّة. (٢)
стр. 39
ثم تمَّم الله على المؤمنين فَضلَه [¬١]، وختَم أنبياءه ورسلَه [¬٢] بأَرجعهم مِيزانا، وأرفعهم مكانا، وأَكرمهم أَخلاقا، وأَطيبهم أَعراقا، وأَطولهم في الفضائل باعا، وأكثرِهم أمة وأتباعا، أبي القاسم سيّد ولد آدم، ﷺ كما شرّف وكرّم [¬٣]، فجاهد في الله حَقَّ جِهاده، وزايل الجلائلَ [¬٤] الصَّعْبةَ في إرشاد عِباده، حتى أَقامهم على سَواء مَحجَّته، وأَخَذهم طوعًا، وكرهًا بِبالغ حجّته، وساقَهم في السَّلاسل إلى جنَّته (١)، ودَخلوا في دين الله أفواجًا بدعوته، فأنجزَ الله به [¬٥] وعدَه، وعُبدَ الله تعالى [¬٦] وحده؛ وخصّه بخير أمة أخرجِت للناس (٢)، فآزروه [¬٧] في إقامة شَرعه في حياته، وخَلَفوه في حِياطتهِ وحمايته بعدَ وفاته؛ نص في غير موطن على تفضيلهم، وأَمرَ بالاقتداء بهم، وتوعّد [¬٨] على اتّباع غير سبيلهم؛ بوَّأَهم دار وحيّه ومأْرِز [¬٩] (٣) دينه ومُتبوأَ [¬١٠] شرعه، ومَهْبط ملائكته ومُهاجر نبيه، ومُنْزل كتابه، ومجثم مثوى [¬١١] رُسله، ومجتَمع [¬١٢] الخير كله؛ كهفَ الإيمان والحكمة، ومعدنَ الشريعة والسنّة، وسراج الهَدْى الذي بنوره ضاءت أَقطارُ المشارق والمغارب، ويَنبوع العلم الذي منه استمدّت [¬١٣] سائرُ الأودية والمذانب. (٤)
стр. 40
ثم خلفهم في كل قرن بأتباعِ صدْق وعَدْل، وأَخْلاف هدْيٍ وفضل، وأَكناف معرفة وعلم، ومعادن خير وحلْم؛ اختار منهم أئمة المسلمين [¬١]، ونصَب منهم أعلامًا للدنيا والدين، فبيَّنوا [¬٢] للناس ما نُزّل إليهم، وشرحوا لهم [¬٣] ما أشكل عليهم، [وانقادوا لما ثبت من السنن لديهم] [¬٤]، [واعتَبروا باستنباطهم وصحيح اجتهادهم] [¬٥] حُكمَ ما لم ينُص على عينه، وقاسوا بما فهموا من الشَّرع حُكمه في غيره [¬٦]، ولم بَزيغُوا عن سَنن التحقيق، ولا أخذوا ببنيّات [¬٧] الطريق، (١) ولا حكَّموا الآراء المُضلّة في الدين، ولا انهملُو انهمالَ الملحدين، ولا تنطّعوا تنطُّع المعتدين؛ [بل تبعوا آثار من مضى قبلهم واقتفوا في التمسك] [¬٨] بأصول الشريعة سبلهم [¬٩]، ولم يضرّهم خلاف من خالفهم من الفرقَ، ولا شَغبٌ من لَجّ في هواه وغَرق؛ فالموفَّق من اقتفَى آثارهم، وغاير [¬١٠] شُرود من شَردَ [¬١١] واتْبَاعَهم، وعلِم أن الحقَّ مع هذا النمط الذي هدي اللهُ واقتدي [¬١٢] بهداه، ولم يُعرّج على ناعق نعقَ وإن اختدع [¬١٣] العقولَ بلهجة صداه.
جعَلنا الله ممن اتّبع فسلِم [¬١٤]، واقتفى ما مرّ عليه السواد الأعظم بمنه [¬١٥].
وبعد فلما تكررت رغبات الأصحاب، شملنا الله وإياهم بسعادته، لإمضاء [¬١٦]
стр. 41
ما كانت * النّيةُ اعتقدته، وتبيضِ ما غدت [¬١] الهمة قد سَوَّدته، من كتاب حاوٍ لأسماء أعيان المالكية وأعلامهم وتبيين طبقاتهم وأزمانهم، وجمْع عيون فضائلهم وآثارهم، وضَمّ نشْر [¬٢] فنون سِيَرهم وأَخبارهم، تَشْمَل منفعتهُ، وتجمل معرفتهُ، وتُسْتغرب فوائده، وتُستعْذَب مصادره ومواردُه؛ إذ هو فنٌّ لم يتقدَّم فيه تاليفٌ جامِع، ولا اختصَّ به تصنيفٌ رَائع، يُوصّل الطَّالِبَ إلى الغرض، ويَقفُ بالرّاغِب [¬٣] على البُغْية، مع شِدَّة حاجة المجتهد [¬٤] والمقلّد إليه، وضرورة الفقيه والمُتفقّه إلى [¬٥] ما يَنطوي عليه؛ إلا مَا جمعَه [¬٦] عبد الله بن محمد بن أَبي دُلَيْم القرطْبيّ (١) من ذلك، ومحمَّد بن حارِث [¬٧] القرَويّ، (٢) مع تَقدم زمنهما، وما اقتَضبه الشيخ أبو إسحاق الفيروزابادِيّ (٣) في موضِع ذِكْرِهم من مختصره (٤).
وكلُّ الكتب فَما شفَت غليلا، ولا تَضمَّنت من الكَثير إلا قليلا، على أنّ ابن أبي دُليم اتّسع اتساعا حسنًا فيمن ذَكَره [¬٨] من المغاربة من أتباع رُواة مالك
стр. 42
من المِصْريّين والاندلسيّين وطائفة من القرّويين، واقتصَر على ذِكْر تطبيقهم وأسمائهم [¬١] دون شيءٍ من أخبارهم وبيان أَحوالهم، ولم يُجْرِ لأحد من الحجازييّن والمشرقيين [¬٢] ذكرا على جلالة [¬٣] مكانتهم وكَثرة أعلامهم.
قال القاضي: ولم أَزَل منذ سمت هِمّتى لمعرفة هذا الفَن، وتحركت نيّتي [¬٤] للاطّلاع عليه، أَستقْرئُ سُبْلَ مسالِكه، وأَفحَصُ [¬٥] عن وجوه مَداركه، وأقيّد أثناءَ مطالعتي شوارِدَه، وأجرّد مدّة بحثى [¬٦] جرائدَه، إلى أَن اجتمع لي من ذلك بعدَ طول المباحثة الشّديدة، والعناية التامّه، والمطالعة المتواترَة، ما وجدتُه بغيةً وغُنْية، وبسَطَ لي في [¬٧] تَجْرِيده [¬٨] أملًا [¬٩] ونِيّة.
ولم أَلْق أحدًا ممن يُعْتَنى [¬١٠] بقوله، ويُلتفتُ إلى حُسن رأيه، ممن وقف لي نُبَذٍ من من أمره، أو انتهَى [¬١١] إليه نَبأ من [¬١٢] ذِكْره، إلا قَلقًا إلى تمِامه، شديدَ التّعطش إلى كماله [¬١٣]، محرضًا على صرف العِناية إلى تحريره [¬١٤] وتهذيبه، راغبًا في تَقْريب الفائدِة بنظمه وتَبْويبهِ، والنّفْس تُمطل بذلك وتُسوّف، وتَوالى القواطع والشَّواعل [يَصْرِف عن ذلك ويصْدِف] [¬١٥]، إلى أن انْبعَثت الآن عزمةٌ [¬١٦] مصمّمة للتفرغ [¬١٧] لتأليفه، وترتيب مضمَّنه وتصْنيفه.
стр. 43
فاستخرت الله تعالى على ذلك، واستعنته جل اسمه لتوطئة هذه المسالك، وجمعت قراطيسي فنفضتها عما استودعْتها، وطالعتُ تعاليقي [¬١] فوقَفت على خَفيّ أسرارها، واستثْبتُّ محفوظاتي فأنجدتني بشَوارِد اذكارها، فنظمت منثورَها. وفصّلْت شُذُورَها، ورتَّبت أعجازها وصدورها، وأبرزته [¬٢] تأليفًا مفرَدًا في مضمونه، بالغًا فيما قُصِر [¬٣] عليه من أنواع هذا العلم وفنونه.
واقتضَى النظر بين يدي الغَرَض تقديمَ مقدمات تمَسُّ الحاجةُ إليها، وتتم الفائدة بالوقوف عليها، تشتمل على أبوابِ في ذكر المدينة وفضلها [¬٤]، وتقديم علمائها وأنعمتها [¬٥]، ووجوب الحجة بإجماع أهلها، رترجيح مذهب مالك بن أنَس إمَامِها؛ وتقصيّت هذه الأبواب تقصّيًا يَشْفى الغليل، وأنْعمْتها نظرًا يَقف بالمنصِف على سواء السّبيل.
ثم قفَّيته [¬٦] باقتداء الأئمة به، وثَناء العلماء عليه ونشر فضائله، وما أضيف من السيَر [¬٧] إليه، إلى سائر ما يحْتاج إليه من معرفة تاريخه ونسَبه، ويُتطلَّع إليه من مجاري أحواله في معاشرته وأدبه؛ واستوعبتُ في هذه الجملة، باختصارِ فنونها والاقتصار على عيونها، ما طالت به تواليفُ جَمّة، وشُحنت به مجلدات عدة؛ إذ أَلّف في فضائل مالك ومناقبه [¬٨] وأَخباره جماعةٌ، من الأئمة، والسلف والخلَف من فِرق هذه الأمة.
فممن أَلَّف في ذلك وأطال [¬٩]:
стр. 44
القاضي أبو عبد الله التُّسْتَري (١) المالكي، له في ذلك نحو [¬١] ثلاث [¬٢] مجلدات.
ومثل ذلك لأبي الحسن بن فهر المصري [¬٣]. (٢)
ولأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضَّرّاب. (٣)
وألّف (*) في ذلك أَيضا [¬٤] القاضي أَبو بكر جعفر بن محمد الفِريَابي [¬٥]. (٤)
وأبو بِشر الدَّولابي. (٥)
وأبو العرب [التّميمي. (٦)
والقاضي] [¬٦] أبو الحسن بن المُنْتَاب. (٧)
وأبو علاقة محمد بن أبي غسّان.
стр. 45
وأبو إسحاق [¬١] بن شعبان. (١)
والزبير بن بكار القاضي الزُّبيري. (٢)
وأبو بكر [¬٢] أحمد بن محمد اليقطيني.
وأبو نَصْر بن الحباب الحافظ.
وأبو بكر بن رازويه [¬٣].
والقاضي أبو عبد الله البركاني [¬٤]. (٣)
وأبو محمد بن الجارود [¬٥].
والحسن بن عبد الله [¬٦] الزُّبَيْدي [¬٧]. (٤)
وأحمد بن مروان المالكي. (٥)
стр. 46
والقاضي أبو الفضل القُشيري. (١)
وأبو عُمر المَغامي [¬١]. (٢)
وأحمد بن رِشدين [¬٢].
وأبو بكر محمد بن صالح الأبهري. (٣)
وأبو بكر بن اللبَّاد. (٤)
وأبو محمد عبد الله بن أبي زيد. (٥)
وأبو عمر بن عبد البر الحافظ. (٦)
والقاضي أبو محمد بن نصر [¬٣]. (٧)
стр. 47
وأبو عبد الله الحاكِم النيسابوري. (١)
وأبو ذَرّ الهَرَوي. (٢)
وأبو عمر الطَّنَمْكنى. (٣)
وأبو عُمَر بن حَزْم الصدَفي. (٤)
وابن الإمام التُطيلي.
وابن حارث القَرَوي.
وابن حَبيب. (٥)
والقاضي أبو الوليد الباجي. (٦)
وأبو مروان بن الأصَبغ القُرشي النَّقيب.
وأكثر تعويلى [¬١] على كتابَيْ [¬٢] التستَرى والضَّرّاب، وتتبعْت من غيرهما ما فيه زيادة فائدة [¬٣]، أو نادرة لم تقَع فيهما، وحذفتُ كثيرًا مما أطالوا به من كلامه في التفسير [¬٤] والجوامع [¬٥] والرجال؛ إذ ليس من الغَرَض، وله مَظَانُّ
стр. 48
أَخَرهنَّ أَليق به [¬١].
ثم أثبت بعد ذلك جريدةً في أسماء مشاهير الرواة عن مالك وحَمَلة الفقه والعلم عنه، مختصّة [¬٢] بالتعريف بهم [¬٣]، مُعَرَّاةً من تواريخهم وأخبارهم، إذ قَدْ اتسَعْنا [¬٤] في أخبار الفقهاء منهم بعدَ هذا، ومن عداهم فليس من غرضنا ذكرُهم.
ولم أَقصد في هذه الورقات لاستيعاب كلّ من ذُكِرْت له عنه رواية أَو مُجالسة أو سؤال، إذ قد أودعنا ذلك كتابًا آخر في جَمهرة رواة مالك، انطوى على أزيد من ألف وثلاثمائة راوٍ تقصَّيْتُها [¬٥] من الكُتب المؤلفة في ذلك؛ إذ أَلفت في ذلك كتَب عدة.
ككتاب أبي الحسن الدَّارَقُطْنى الحافظ. (١)
وكتاب ابن إسماعيل الضراب المصري.
وأبى بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي. (٢)
وأبي إسحاق بن شعبان القرطبي [¬٦].
وأبى الحسن بن أبي عمر عمر البَلْخي.
وأبي عبد الله بن الحارث [¬٧] القَرَوي.
وأبي نُعَيم الأصبهاني، (٣) ومنهم من بلَغ الألف، ومنهم من قصّر دُونها [¬٨].
стр. 49
ومن الأندلسيين:
أبو عبد الله محمد بن مُفرج (١)، وعبد الله ابن أبي دُليم، وهما أقل عَددًا.
وأبو محمد عبد الرحمان بن محمد البَكرى.
وفي كل واحدٍ من هذه الكتب ما لم يَذكره الآخَر.
فتتبعتُ [¬١] ذلك جهدى، وأضفتُ إليه ما شَذَّ عنها وند [¬٢] فيما [¬٣] طالعتهُّ من كتب أهل الحديث وغيرهم.
اقتصرنا في هذه الورقات على ذكر ألف اسم منهم [¬٤] ممّن عرف اسمه وصحت روايته وشهرت صحبته، ورأينا أن لا نُخلى هذا الديوان من هذا القَدر [لتتم في بابه فوائده] [¬٥]، وتكمل في فنّه معارُفه.
وبعد هذا اطَّرَدت أغراضُ التأليف، واتسَقَت طبقات التصنيف، فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصَّة، ثم بأتباعهم طبقةً طبقة، وأخلافهم أمّة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم، وأئمة زماننا [¬٦] الذين عاصرناهم، ممن شُهرت إمامتُه، وعُرفت معرفته، أو ظهرت تواليفه، ونُقلت أقواله [¬٧]، وامتثلت فتاويه وآراؤه، على حسب تقدّم [¬٨] أزمانهم [¬٩]، وتعاقُب أوقاتهم.
فأنبأنا بأسْمائهم، وأعْربنا [¬١٠] عن ألقابهم وأنسابهم، وقيدنا مُهملها، لئلا يقع
стр. 50
فيها تصحيف، وأزحْنا علّة مشكلها ليأمن من اطلع عليها من التحريف؛ فقد قال أبو إسحاق ابرهيم بن عبد الله النَّجيرَمِي [¬١]: (١) أولى الأشياء بالضّبط أسماء الناس؛ لأنه لا يدخلها قياس، ولا قبلها ولا بعدَها شيء يدّل عليه [¬٢].
وقال على بن المديني: أشدُّ التصحيف التصحيفُ في أسماء الرجال.
وقد قال ابن جُريج: طلبُت اسم جُندع [¬٣] (٢) بن ضَمَرَة ثمانى سنين حتّى عرفتُه [¬٤].
وكثيرًا ما شاهدُت [¬٥] وسمعُت في بعضها من التصحيف الشنيع ما يقبُح ذكرُه، ويشهد [¬٦] على الجاهل (*) بها نقصُه [¬٧].
وقد غلب على ألسنة الفقهاء أحمد بن مُيسّر [¬٨] (٣) بكسر السين، وصوابُه بفتحها، كذا قيّده عبد الغني وغيره.
وكذلك أحمد بن المعدل كثيرٌ من يقوله بدال مهملة، وصوابه بمعجمة [¬٩].
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه، في رواة سحنون من الأندلسين: إبراهيم بن محمد بن ديّان. ولا [¬١٠] يعرف ذلك في الأندلسيين [¬١١]، وقد
стр. 51
رده عليه أهل الصنعة؛ والأشبه أنه ابن باز (١)، وهو من جملة [¬١] تلك الطبقة.
وكذلك صنع في أسماء كثيرة منهم وأنسابهم [¬٢]، وذكرهم في غير طبقاتهم.
فأما تمييز [¬٣] المشتَبِه [¬٤] منها [¬٥] فمما [¬٦] لا يقف عليه إلا التحرير ولا يعرفه إلا الفطن بهذا الباب البصير.
ولقد بَعث سحنون في محمد بن رزين [¬٧]، (٢) وقد بلغتَه أنه يروي عن عبد الله بن نافع، (٣) فقال له [¬٨]: أَأَنت سمعت من ابن نافع؟
فقال: أصلحك الله! إنما هو الزُّبيْريّ، وليس [بالصائغ (٤).
فقال له: فلم دَلسَّت؟ [¬٩] ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدى من المقارب؟ فقد رأى سحنون وجَوب [¬١٠] بيانهما وإن كانا ثقتين إمامين، حتّى لا تختلط روايتُهما [¬١١] وأقوالُهما: فإن الصّائغ] [¬١٢] أكبر وأقدم وأثبت في مالك، لطول محبته له، وهو الذي خلَفَه في مجلسه بعد ابن كنانة، وهو الذي يَحكى عنه
стр. 52
سُحنون ويحيى بن يحيى ويرويان عنه، ولم يسمع سحنون منه سماعه، وإنما سِمعه من أشهب كما نذكره بعدُ، ووفاته سنة ست وثمانين ومائة.
والزبَيْرى من متأخرى أصحاب مالك، وهو شيخ ابن حبيب، وسعيد بن حسّان، ووفاته سنة سَّت عشرة ومائتين (١).
وكثيرًا ما تختلط روايتهما [¬١] عند الفقهاء حتى لا علمَ عند أكثرهم بأنهما رجلان، وربما جاءت روايةُ أحدهما مخالفةً لرواية الآخر، فيقولون: في ذلك اختلاف من رواية ابن نافع عن مالك؛ وقد وهِم فيهما [¬٢] عظيمٌ من شيوخ أهل الأندلس [¬٣] بعد أن فرق بينَهما، لكنه زعم أن صاحب السماع هو الزُّبيرى، وأنه المذكور في العُتْبية.
ومثلُ ذلك عليُّ بن زياد التونسي، (٢) وعلى بن زياد الاسكندرانى (٣)، كلاهما من أصحاب مالك؛ فاضلٌ مشهور؛ فالأول الفقيه شيخ سحنون وغيره، والآخر صالحٌ يعرف بالمحتسب.
وقد جرى ذكر ابن زياد مرة بحَضْرة من يفهَم هذا الباب، فلم يكن عنده شك أن الفقيه المشهور [¬٤] اسكندراني، فقلت له: هما اثنان وأوقفته على من قال ذلك.
فمعرفة هذا [¬٥] مما يُضطر إليه، لاسيما إذا كان بينهما بونٌ في العلم، ومزية في العدالة والفضل [¬٦].
стр. 53
ثم ذكرنا من مولدهم، ووفاتهم، وذكر مشائخهم ورواتهم، وتصنيف زمانهم، وطبقاتهم ما انتهى إلينا علمُه، وصحَّ عندنا نقله، لتصرف بذلك أوقاتُهم، وتستبين [¬١] في التقدم والتأخر درجاتُهم، ويتمَيَّزَ بذلك المتصلُ من المنقَطع من رواياتهم [¬٢].
وكثيرا ما يَخلِط الفقهاء هذا الباب، فربما [¬٣] حكوا الرواية وأسندوها عن المتقدم عن المتأخر إذا اشتبهَت عليهم طبقاتُهم، ولم تتميَّز لهم أوقاتهم.
وقد شاهدتُ مُعظَّمًا منهم ذكر عن ابن حارث الفقيه مسألة قال فيها ابن حارث: وقد شاهدُت أحمد بن نصر يفتى بذلك، فحمَل هذا الشيخ أنه ابن نصر الداودي (١) المتأخر، وطبقته بعد ابن حارث، تُوفى ابن حارث سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وتوفى الداودي سنة اثنتين وأربعمائة، وإنما أراد ابن حارث أحمد بن نصر بن زياد الهواري [¬٤] (٢) المتقدم من أصحاب ابن سحنون وابن عُبدوس كاتب القاضي حَماس [¬٥]، ووفاته سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
فلو عرف الشيخ - والله أعلم - أنهما اثنان، وميز طبقتهما لما سقط هذا السقوط.
ولعَدَم المعرفة بهذا ما وهم جماعةٌ فعدوا في الرواة عن مالك وأصحابه مَن لا تصحّ له عنه رواية، ولا جمعه معه زمن، والله أعلم.
فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٣) أن أبا يحيى الوقار ممن سَمع [¬٦] من مالك، وعده في طبقة أصحابه، ولم يذكر هذا أحدٌ ممن جمع رواة مالك، وإنما عدّوه في أتباع [¬٧]
стр. 54
أصحابه، وهو الصحيح والله أعلم.
وكذلك ذكر أبو إسحاق في أتباع أصحابه من يبعد عمّا ذكَرَهُ غيره في أصحابه [¬١].
وكذلك ذكر أبو إسحاق بن شعبان (*) ابرهيم بن محمد بن باز الأندلسى في رواة مالك، وهو من أصحاب سحنون، مَولده بعَد وفاة مالك بمدَّة، وتوفي سنة أربع وسبعين ومائتين.
وكذلك ذكر أبو بكر الخطيب على تقدُّمه [¬٢] وحفظه عبد الملك بنَ حبيب في الرواة عن مالك، وأدخَل له حديثًا من المعنمن عنه [¬٣]، وهو غلط عظيم، لاسيما من مثله؛ وعبد الملك بن حبيب إنما رحل سنة ثمان ومائتين بعد موت مالك بنحو ثلاثين سنة، وإنما ولد بعد موت مالك بسنَتبن علي ما تراه في اخباره ان شاء الله تعلى.
وكذلك ما ذكَره الشيرازي (١) أيضًا ان عبد الملك بن حبيب تفقه اولًا بيحيى، وعيسَى، وحسين بن عاصم، وهو وهم، هاؤلاء نظراؤه، وإنما تفقه أولا بشيوخ هؤلاء بالأندلس: زياد، وصعصعة، والغازى بن قيس، ونظرائهم.
وكذلك ذكر عبدَ الله بن غافق [¬٤] (٢) في طبقة سحنون، وزعم أنه سَمع من على بن [زياد، وذلك باطل] [¬٥]، هو من أصحاب سحنون، وليس من ذوي الأسنان منهم، ومولده بعد موت على بن زياد بأزيدَ من عشرين سنة كما سَنذكُره.
стр. 55
وكذلك ذكر الرازي في استيعابه [¬١]، وأحمد بن عبد البرّ أن عيسى بن دينار سمع [من مالك وأنه رحل] [¬٢] مع زياد وأقام بعده، وهذا كلُّه وهم، وسنبين ذلك كلّه في مكانه [¬٣] إن شاء الله تعالى مع أمثاله [¬٤].
ثم ذكَرنا بعَد هذا من فضائلهم ومناقبهم، وثناء الجِلَّة [¬٥] عليهم، وتوثيق المزكَّين [¬٦] منهم، ومنازلهم من الزكاء [¬٧] والعدالة، ومراتبهم في العلم والرواية، ومن تكلم فيه منهم على قلَّتهم، وأعَّد منْهم في أولى التّقدم والإمامة، مع ما يَحتاج إليه الناظر المجتهد ممّن يعتد [¬٨] بخلافه واجماعه، ويَضطر إليه المتفقّه والمقلّد في معرفة مَن يَدين بإمامته واتّباعه.
ودَحضنا الدَّلس [¬٩] عن قومٍ منهم، تحامَل المتعصبون عليهم، أو تَجمَّل أهل الرّيب بإضافتهم إليهم، وقد صَحّ عنهم وُعرف خلافُ ذلك، بما سنجلبه [¬١٠] إن شاء الله تعلى عنهم؛ إذ نزَّه الله تعالى أهل هذا المذَهب عما خالَط مِن الهوى سواهم من أهل المذاهب، وعَصَمهم من علة الافتراق والتدابُرِ؛ فليس في أئمتهم بحمد الله من صحَّت عنه بدعة، ولا مَن، اتَّفق أهلُ التزكية على تركه لكذِبٍ أو جُرحة.
فإن كان أبو خَيْثمة زُهير بن حرب تكلَّم في أبي مُصْعب الزُّهرى، ويحيى بنُ معين في إسماعيل بن أبي أوَيْس، ويحيى بن بُكير، فما ضرَّهُم ذلك؛ فقد خرج عنهم إمام المعدلين صاحبُ الصحيح محمد بن إسماعيل البخارى، إذ لم ينُسْبهم إلى كذب ولا ريبة.
стр. 56
وإن كان الساجي [¬١] تعسُّف فيما نقله عن عبد الملك بن الماجشون في علله، فالصحيح عنه ضدُّ ذلك، وهو المشهور من مذهبه حسبما نُبيّنُه عند ذكر كلّ واحد منهم في مَوضعه.
وكذلك صَنَع يحيى بعَبد الله بن عبد الحكَم فَلم يقلد في قوله، وقد خالفه أبو حاتم الرَّازي في ذلك وغيرُه.
كما أن قول القاضي أبي الوليد ﵀ في القَزْويني: إنه مجهول، لا يُلتَفت إليه. وكذلك قال في الصالحي.
فلو اعتنَى ﵀ بهذا الباب لعلم أن الصالحي هو أبو بكر محمد بن صالح [¬٢] الأبْهَري ولما قال فيه هذا، ولتبيَّن حالَ أبي سَعيد القزويني [¬٣] وجلالتَه وإمامته في العلم وحسن تصانيفه، فصحَّح [¬٤] روَايته، ولم يَرْتَب في نقله.
وكذلك ذكر في ابن خُوَيْزَ منْداد (١)، وهو في شُهرته وكثرة تصانيفه بحيث لا يُنكر، أنه مجهول، وقال: إن أحدًا من أئمتنا البغداديّين لم يذكره، وهذا الشيرازي قد ذكره في كتابه (٢)، وهذا أبو محمد عبد الوهاب يحكي عنه ويقول فيه: وقال أبو عبد الله البصرى.
وأنت أيُّها المُنصف متى اعتبرتهم مع غيرهم وجدتهم أصحَّ يقينا، وأمتن دينا، وأكثر أتباعا، وأزكى صحابة واتّباعا، حتى إنّ سيِّآتهم حسنات سواهم، وما ينتقد بعضُهم على بعضٍ لا يَلتفت إليه من عداهم.
ولهذا قال سحنون ﵀ تعلى: المدنيُّ إذا لم يكن هكذا، يريد في الدّين وشدَّ يدَه، لم يَسْو شيئًا، أو كما قال.
стр. 57
وفي كتاب الحكم المستَنصر (١) إلى الفقيه أبي إبرهيم (*)، وكان الحكم ممن طالع الكُتب ونقَّر عن أخبار الرجال تنقيرًا لم يَبْلغ فيه شاوه كثير من أهل العلم، فقال في كتابه: وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن دين على قلبه، وزين له سوءُ عمله.
وقد نظرنا طويلًا في أخبار الفقهاء، وقرأنا ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا، فلم نَرَ مذهبًا من المذاهب غَيرَهُ أسلمَ منه؛ فإن فيها [¬١] الجَهْمِيّةَ والرافِضَةَ [¬٢] والخَوارجَ والمرجئة والشّيعة، إلا مذهب مالك ﵀ تعلى، فإنا ما سمعنا أن أحدًا ممن تقَلّد مذهبَه قال بشيء من هذه البَدع؛ فالاستمساكُ به نجاة إن شاء الله تعالى.
وقد مَزق القَرَويُّون اسمِعتهم من ابن أبي حَسّان، وطَرحوها على بابه الكلمة بدرت منه لأمير أفريقية، حرَّضه بها على العُصاة، لا يبعد صوابها في بعض الأحوال، كان الأولى مثله غيرها؛ لإمامته وفضله وتقدمه، ستأتي مُستَوعبةً إن شاء الله.
ولهذا ما تتركوا الحَمل عن محمد بن راشد [¬٣] وكان ثقة من نمط سُحنون، وإليه كانت الرحلة معه؛ لتساهُلٍ رئ منه [¬٤] في المعاملة، وترخُّص في العينة [¬٥]، والأخذ برأي من لم ير الذَّريعة فتركوه، حتى إنه لمامات لم يَنظُر سُحنون في تركته، وأسندها إلى حَبيب صاحب مظالِمِه.
стр. 58
قال القاضي أبو الفضل ﵁:
ثم جَمَعنا من أخبارهم وقصَصِهم، وفقَرٍ من سِير حُكامهم وقُضاتهم، ونوادر من فتاوي فقهائهم وأئمّتهم، ما يَحتاج الحُكّام إليه، ولا غِنَى بالعلماء عنه؛ وأثبتْنا من حكم حُكمائهم، ورقائق وعاظهم، ومَناهج صلحائهم وزهّادهم ما تُرجَى بركتُه، ولا تخيب - إن شاء الله تعلى - مَنفعتُه.
وقد قال سُفيان بنُ عيينة، ﵀: عند ذكر الصالحين تنزَّل الرحمة. وقال أبو حَنيفة: الحكاياتُ عن العلماء ومَحاسِنهم أحبُّ إلى من كثيرٍ من الفقه؛ لأنها آدابُ القوم. وقال بعضُ المشايخ: الحكايات جُندٌ من جُنود الله يثبت بها قلوبَ أوليائه، قال: وشاهدُه قوله تعالى: "وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ من أَنباء الرُّسُل ما نُثبتُ به فُؤَادَك". (١)
وذكرْنا من محن ممتحنيهم، وبلايا مبتليهم ما فيه مسلاة للممتحنين، وأدلة على ثَبات قدمهم في الصّالحين؛ قال النبي ﷺ : "أشدهم، يعني الناس، بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل". (٢)
وإنّما يُبتلى المرءُ على قدر إيمانه؛ فإن كان إيمانه شديدًا كان البلاءُ عليه أشد، حتى إن العبد يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة.
وقال: "إذا أحبَّ الله عبدًا ابتلاه ليسمع تضرُّعَهُ". (٣)
وذكرنا من بُلدانهم وأوطانهم ورحاليهم وقُطانهم؛ إذ كان ينبوع هذا المذهب بالمدينة، فيها تفجَّر، ومنْها انتشَر؛ فكانت المدينة [¬١] كلُّها على ذلك الرأي، وخرَج منها إلى جهاتٍ من الحجاز واليَمن، فانتشَر هناك [¬٢] بأبى
стр. 59
قرة القاضي، ومحمد بن صدقة الفَدَكي، وأمثالهما [¬١].
واستقرَّ من بلاد العراق بالبصرة، فغلب عليها بابن مهْدي والقعْنبيّ وغيرهما، ثم بأتباعهم [¬٢] من ابن المعذَّل ويعقوب بن شبيبة، وآل حمّاد [¬٣] بن زيد، إلى أن دخلها بعض الشافعية فتشارك المذهبان [¬٤] جميعا بها إلى وقتنا هذا، وكان آخرُ الأئمة بها [¬٥] من المالكيّين في زمننا ومرتبة شيوخنا أبا يعلى العبديّ، وأبا منصور ابن باخي، وأبا عبد الله بن صالح، فدخل [¬٦] هذا المذهب بغداد وغيرها من بلاد العراق، فانتشر بها مع غيره من المذاهب، ولكنه غلب وفشا أيام قضاء آل حمّاد بن زيد، وانقطع ببغداد، فلم يبق [¬٧] له بها إمام من نحو الخمسين والأربعمائة عند وفاة أبي الفضل بن عبدوس. ثم سكنها ابن صالح بعد التسعين.
وأما خُراسان وما وراء العراق من أرض المشرق [¬٨] فدخلها هذا المذهب أولا يحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله المبارك، وقُتَيبة بن سعيد، وكان هناك له [¬٩] أئمةٌ على مَرّ الأزمان، وفشا بقزوين وأبهَر [¬١٠] وما والاها (*) من بلاد الجَبل، وكانَ آخرَ من درَس فيه [¬١١] بنيسابور أبو إسحاق بن القطّان [¬١٢]، وغلب على تلك البلاد مذهبُ أبي حَنيفةَ والشّافعي.
ودخَل أيضًا من [¬١٣] أئمة هذا المذهب إلى بلاد فارس القاضي أَبو عبد الله
стр. 60
البرنكاني، ولى قضاء الأهواز [¬١]. وانتشر عنه هذا المذهب.
وغلَب على بلاد فارس مذهبُ داوود.
وأما الشّام فكان بها من أصحاب مالك الوليدُ بن مسلم، وأبو مُسْهِر، ومروان بن محمد الطاطري، وغيرُهم؛ وغلَب عليها أولًا مذهبُ الاوزاعيّ، ثم دخَلْتها المذاهب.
وأما أرض مصر فأولُ أرضٍ انتشَر بها مذهبُ مالك بعدَ المدينة، وغَلب عليها، وأَصفَق [¬٢] أهْلها على الاقتداء به، إلى أن قدِم عليهم الشافعي، فكان واحدًا منهم، معدودا [¬٣] فيهم، إلى أن أكثر عليه [¬٤] فِنيان ابن أبي السَّمح من فقهائهم، وجَرت بينه وبينَه خطوبٌ اقتضت تَحيزه مع أصحابه، كما سنذكره في موضع ذِكْره؛ فنسبَعَ بها حينئذ مذهبُ الشافعي، وكثر [¬٥] أصحابُه والمتعصّبون له، وقد انتشر في الآفاق؛ ومذهَبُ مالك في كلّ ذلك [¬٦] ظاهرٌ بها غالب عليها [¬٧] إلى وقتنا هذا؛ ودخلَها أئمةٌ من أصحاب أبي حنيفة.
وأما إفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالبُ عليها في القديم مذهبَ الكوفيّين إلى أن دخل عليُّ بن زياد، وابنُ أَشرس، والبهلول بن رَاشد، وبعدَهم أَسَدُ بن الفرات، وغيرُهم، بمذهب مالك، فأخذ به [¬٨] كثير من الناس، ولم يزَل يَفشو إلى أن جاء سُحنون فغَلب في أيامه،
стр. 61
وفضَّ حلَق المخالفين [¬١]، واستقرَّ المذهبُ بعده [¬٢] في أصحابه، فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا.
وكان بالقيروان قومٌ قِلَّة في القَديم أخذوا بمذهب الشافعي، ودَخلَها شيء من مذهب داود، ولكنّ الغالبَ عليها إذ ذاك مذهبُ المدينة والكوفة، وكان الظهور في دَولة بني عبيد لمذهب الكوفيين، لموافقتهم إياهم في مسألة التّفضيل، فكان فيهم القضاءُ والرياسةُ.
وتشَرّق منهم قوم تقَمّنًا لمسَرّاتهم [¬٣]، واصطيادًا لدنياهم، وأخرجوا أضغانهم على المدنيّين [¬٤]، فجَرت على المالكية في تلك المدة محَنٌ، ولكنّهم مع ذلك كثيرٌ، والعامّة تقتدِي بهم، والناشيء فيهم ظاهرٌ، إلى أن ضعُفت دولةَ بني عُبيد بها [¬٥]، من لدن فتنة أبي يزيد الخارِجي، فظهَروا وفشوا عليهم [¬٦]، وصنّفوا المصنفات الجليلة، وقام منهم أئمة جَلّة طار ذكرهم [¬٧] بأقطار الأرض؛ ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن خرجَت القيروان [¬٨] وأهلها وجهاتُها، وسائرُ بلاد المغرب مُصفِقةً [¬٩] على هذا المذهب، مجتمعة [¬١٠] عليه، لا يُعرَف لغيره بِها قائم [¬١١].
وأما أهل الأندلس فكان رأيهم منذ فُتحت على رأى الأوزاعي إلى أن رَحل إلى مالك زيادُ بن عبد الرّحمن، وَقرْ عُوس بن العبّاس، والغاز بن قَيس، ومَن بعدَهم [¬١٢]، فجاءوا بعالمه، وأبانوا للناس فضله [¬١٣] واقتداء
стр. 62
الأُمَّة به، فعُرف حقُّه، ودُرس مذهبُه، إلى أن أَخذ أمير الأندلس، إذ ذاك هِشام بن عبد الرحمن بن مُعاوية بن هشام بن عبد الملك [¬١] بن مَروان الناسَ جميعا بالتزام مذهب مالك. وصيّر القضاءَ والفُتيا عليه، وذلك في عشرة السبعين ومائة من الهجرة في حياة مالك رحمه الله تعالى [¬٢]، وشيخٌ المفتين حينئذ [¬٣] صَعصعة بن سلّام إمام الاوزاعية، وراويتُهم، وقد لحِق به من أصحاب مالك عِدّة، فألتزمَ الناس بها من يومئذ [¬٤] هذا المذهَب وحموهٌ بالسّيف عن غيره جملة، وأدخل بها قومٌ من الرَّحالين والغرباء شيئًا من مذهب الشافعي، وأبى حنيفة، وأحمد، وداود، فلم يمكنوا من نشره، فمات بموتهم [¬٥] على اختلاف ازمانهم، إلا من تديّن به في نفسه ممن لا يؤبه لقوله، على ذلك مَضى امر الأندلس إلى وقتنا هذا.
فبدأنا في كل طبقة بأهل المدينة، ثم بمن والآها من جزيرة (*) العزب، ثم بأهل المشرق، ثم كررنا على المصريّين ومَن والاهم [¬٦] من المغاربة، وختمنا بأهل الأندلس، إِلا مَن لم نجد له من أَهل تِلك البلاد في تلك الطّبقة اسما فتعدَّى إلى ما بَعده على الرسم.
وانتقَينا أثناء ذلك [¬٧] من نوادر ظُرفائهم وملح آدابهم ومحاسن شُعرائهم [¬٨] ما ينشّط النفس عند كسَلها، ويصقل عنها رَيْن صدئها؛ فقد قال عليٌّ رضى الله تعالى عنه: سَلُّوا النُّفوس ساعة، فإنها تصدَأُ كما يَصدَأُ الحديد.
стр. 63
وذكرنا ما يَنتحِله كل واحد منهم من المعارف، وما أضيف من الخِصال إليه ونبّهنا على الغالب من أنواع العُلوم عليه، وسمَّينا من تأليفُ مُؤلّفيهم، وإملاءات مصنِّفيهم ما لا غِنَى عنه، وما ينَبّه المتفقه على الاقتباس منه.
ولم نأْلْ فيما جمَعنا من ذلك تَحريرًا [¬١] للاختصار الفنونه، وتحرّيا للاقتصار على فُصوصه وعُيونه، وحذفًا للطرق والأسانيد، وضَمًّا للتفاريق والأباديد [¬٢].
واستصفيناه من كبار تصانيف المحدّثِين، وأمهات تواليف المؤرخين.
ككتاب أَبي عبد الله البخاري (١).
وعبد الرحمن بن أَبي حاتم (٢).
وأبي الحسن الدّارَقُطْني.
والزبير بن [بكّار القاضي.
وأبي بكر بن حيان القاضي] [¬٣] وكيع في تاريخ القضاة [¬٤] (٣).
وكتب أبي جعفر الطبري (٤).
стр. 64
والصولى (١).
وابن كامل [¬١] (٢).
وكتب أبي عمر الكندى [¬٢] (٣).
وأَحمد بن يونس المصري في المصريين (٤).
ومن تاريخ أبي عُمَر الصدفى القرطبي.
ومن كتب [¬٣] أبى عبد الله بن حارث في القَرَويين والأندلسيين.
ومن كتاب أَبى العَرب التّميمي.
وأبي إسحاق الرقيق الكاتب (٥).
وأبي علي بن البصري في القرويين.
وتعاليق وجدتها بخط الشيخ أبي عمران الفاسِي (٦) في ذلك.
وما وقع إلى من تاريخ أَبي بكر بن أبي عبد الله المالكي (٧) في القَرويّين.
ومن تواريخ الأندلسيين [¬٤]، ككتاب أبي عبد الملك بن عبد البر (٨)،
стр. 65
وكتاب الاحتفال لأبي عمَر بن عفيف (١)، والانتخاب لأبي القاسم بن مفرج (٢)، وكتاب القاضي أبي الوليد بن الفرضي، (٣) وتواريخ أبي مروان [¬١] بن حَيان (٤)، والرازي (٥)، وكتاب أحمد بن عبد الرحمن بن مطاهر (٦) في الطُّلَيْطِليّين، وسوى هذه الكتب، ككتاب ابن أبي دلُّيم المقدَّم ذكرُه، وممّا وقَع إِليَّ من كتاب أَبى بكر الخطيب في البغداديين، واوراقٍ جُمعت للحكَم المستنصِر بالله، وَجدتُّها عليها خطّه [¬٢] في كتابٍ في العِراقيّين، وما وقع من من ذلك في كتاب الأمير أبي نَصْر (٧)، وفى كتاب الشيخ أبي إسحاق، وكتاب إلى عمر بن عبد البَرّ في ذكر الأئمة الثلاثة ورواتهم ورُواتهم، وغير هذ الكتب مما عسى ان يكون وقع من غَرِضا فيها التَّافِهُ اليسير إلى ما تلقّفناه من أفواه الرجال، والتقطناه بفرط الاعتناء والاهتبال [¬٣].
стр. 66
وأنا أضرع [¬١] إلى ذى العزة والجلال، ألا يجعل حظّي من هذا الكتاب مجرّد التعب، وواصَل السَّهَر والنَّصَب، وأن يُحسِن فيه النية، ويكمل بعفوه عن زللنا المنة.
وجدِيرٌ بمطَالِعه [¬٢] أن يُحسِن الظّن، وأن لا يبادَر إلى الطّعن، حتى يُجِيدَ [¬٣] النظر، ويحقق ما أنكر [¬٤]؛ فإن تَيَقَّن بعدُ زَلّةً أصلحها، أو وَجد مبهمةً [¬٥] أَو ضحَها، وأن يَشكُر ما كَفَيناه [¬٦] في جمعه من شُغْل الخاطِر، والفَراغ للبحث والطلب المتواتر، ويعذر فيما عساه يَعثُر عليه من زللِ خفِيّ أو ظاهر؛ فالغالِبُ على المَرءِ التّقصير، والأمر الذي ارتكبتُه خطير، ويُفْتفَر القليلُ للكثير.
وصلى الله على سيدنا [¬٧] محمد البشير النذير، وعلى آلِه وسلّم [¬٨].
* * *
стр. 67
باب ما ورد من الآثار [¬١] في فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ لها
روي أَنس بن مالك (١) أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارِك لهم [¬٢] في مِكيالهم [¬٣]، وبارك لهم في صاعهم، ومُدّهم" يعني أهلَ * المدينة.
وعن أبي هُريرة ﵁[¬٤] عن النبي ﷺ : "اللهم [بارِك لنا في ثِمارنا [¬٥]، وبارِك لنا في مدينتنا] [¬٦]، وبارك لنا في صاعِنا ومُدّنا؛ اللهم إن إبرهيم عبدُك وخليلُك ونبيك، وإني عبدُك ونَبيُّك، وإِنه دَعاك لمكة [¬٧]، (٢) وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثلِه معه" (٣).
وقال عُمر بن الخطاب (٤) لعبد الله بن عياش [¬٨]: (٥) آنت القائل: لمكةُ [¬٩] خيرٌ من المدينة؟ فقال عبدُ الله [¬١٠]: فقلت [¬١١]: هي حَرَم الله وأمْنه، وفيها بيتُه،
стр. 68
فقال عُمر: لا أَقول في حَرَم الله ولا في بيته وأمنه [¬١] شيئًا، ثم قال له عمر كما قال أولًا، فأجابه عبدُ الله بجوابه، وأجابه عُمر بمثل الأول [¬٢]. ثلاثَ مرّات، ثم انصرَف". أنا اختصَرتُه.
ورَوى ابن عُمر أن النّبي ﷺ ، قال: لا يَصبِرُ أَحدٌ على لأواء (١) المدينة وشِدَّتها إلّا كنت [¬٣] له شَهيدا أَو شفيعًا [¬٤] يوم القيامة" (٢)، وفي رواية: "وَشفيعا".
وعن جابِر بن عبد الله (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما المدينةُ كالكِير تَنفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ (٤) طَيْبها"، وفي حديث أَبي هُريرة (٥): "تَنْفِي الناسَ كما يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديد" (٦).
وفي حديث زيد بن ثابت [¬٥]: (٧) "أنها تَنفِي الرجالَ كما تَنفِي النار خَبَث الفضّة" ورى سفيان بن أبي زُهير [¬٦] (٨) قال: قال رسول الله صلى
стр. 69
الله عليه وسلم: "تُفتَح اليمَن [¬١] فيأتي قوم يُبسُّون (١) فيَتحَمَّلون [¬٢] بأهليهم ومَن أطاعَهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون".
وذكَر في فَتح العِراق والشّام مثلَه، أَنا اختصرتُه.
وعن أبي هريرة [¬٣]، رضي الله تعالى عنه، عنه [¬٤] ﷺ بمعناه [¬٥]، وقال: "والذي نفسي بيده لا يخرج أحد منها رغبةَ عنها [¬٦] إلا خلف الله فيها من هو خير منه" (٢).
وعن أبي هُريرة عنه ﷺ : "على أنقاب (٣) المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدَّجَّال". (٤)
قال مالك بن أنَس: "المدينة محفوفةً بالشُّهَداء [¬٧]، وعلى أنقابها ملائكةً يحرسونها، لا يدخلها الدَّجَّال ولا الطَّاعون، وهي دار الهجرة والسُّنة، وبها خيار الناس بعد رسول الله ﷺ ، وهجرة النَّبِي ﷺ وأصحابه، واختارها الله له بعد [¬٨] وفاته، فجعل بها قبره، وبها روضَةٌ من رياض الجنَّة، ومِنبر
стр. 70
رسول الله ﷺ ، وليس ذلك لشيء من البلاد [¬١] غيرها".
وفي رواية: "ومنها تُبعت أشراف هذه الأمّة [¬٢] يوم القيامة".
وهذا كلامٌ لا يقوله مالكٌ عن نفسه؛ إذ لا يُدرَك بالقياس.
وقال حمّاد بن واقد الصّفّار (١) لمالك [¬٣]: يا أَبا عبد الله: أيُّما أَحَبُّ إليك: المقامُ ها هنا أو بمكة؟ فقال: ها هنا، وذلك أن الله تعالى اختارها لِنَبيّه [¬٤] ﷺ من جميع بقاع الأرض [¬٥]، ثم ذكر حديث أبي هريرة [¬٦] في فضلها.
وقال جعفر بن محمد: قيل لِمالك: اخترت مُقامك بالمدينة وتركتَ الريف والخصْب، فقال: وكيف لا [¬٧] أختاره، وما بالمدينة طريقٌ إلّا سلك عليه رسول الله ﷺ ، وجبريلُ ﵇ ينزل [¬٨] عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة.
قال أبو مُصْعب الزُّهريّ: قيل لمالك: لِمَ صار لأهل المدينة لينُ القلوب، وفي أهل مكة قساوة القلوب؟ فقال: لِأنَّ أهل مَكّة أخرجوا نَبيّهم، وأهل المدينة آوَوْه.
وقال محمد بن مَسْلَمة (٢): سمعتُ مالكًا يقول: دخلتُ على المَهدّي
стр. 71
فقال: أوصني، فقلت [¬١]: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطفِ على أهل بلَد رسُول الله ﷺ وجِيرانه، فإنّه بلَغنا أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: المدينة مُهَاجَري، ومنها مَبْعَثي، وبها قبري [¬٢]، وأهلُها جيراني وحَقيقٌ على [¬٣] أُمّتي حِفظي في جِيراني؛ فمن حفظهم في كنتُ له شَهِيدًا أو شفيعًا يومَ القيامة، ومن لَم يحفظ وصِيتي [¬٤] في جِيراني سقاه الله مِن طِينَته الخَبَال [¬٥] (١).
باب الآثار في اختصاص المدينة بفضل العلم [¬٦] والإيمان والسنة والقرآن
(*) روت عائشة رضي الله تعالى عنها [¬٧] أن النبي ﷺ قال: فُتحت المدائنُ بالسّيْف [¬٨]، وافتتحت المدينةُ بالقرآن (٢).
وعن أبي سَعِيد المَقبُريّ عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 72
وسلَّم: المدينة قبة الإسلام، ودار الإيمان، وأرضُ الهجرة، ومبدأ الحلال: والحرام". (١)
وروي كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الدين لَيَأرِز إلى المدينة"، وفي رواية: "الحجاز" كما تأِرزُ الحَيّة إلى جُحْرها (٢)، وليعْقلَنّ الدينُ من الحجاز معقَل الأرْوية [¬١] من رأس الجبَل. إن الدّين بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطُوبى للغُرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدى من سنتى (٣) ".
وعن عائشة [¬٢] رضي الله تعالى [¬٣] عنها عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنحازّن [¬٤] الإسلام إلى المدينة كما يحوز السيل الدّمَن".
وعن أبي هريرة عنه ﵊ [¬٥] أنه قال [¬٦]: "لا تقوم الساعة حتى يأرِزَ الإيمانُ إلى المديِنة كما تأرِزُ الحَيّة إلى جحْرهَا.
قال أبو مُصْعَبَ الزُّهري [¬٧] في هذا الحديث":
والله ما يأرِز إلا إلى أَهله [¬٨] الذين يقومون به، ويشرعون شرائعه، ويعرفون
стр. 73
تأويله، ويقومون بأحكامه.
وما ذاك من رسول الله ﷺ [مدحًا للأرض والدُّور، وما ذاك إلّا مدحًا] [¬١] لأهلها، وتنبيهًا [¬٢] على أن ذلك باق فيهم، زائلٌ عن غيرهم حين يُرفع [¬٣] العِلم، فيتخذُ الناس رؤساء جُهالًا [¬٤]، فيسألون فيقولون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون.
قال ابن [¬٥] أبي أوَيِس: سمعت مالكًا يقول في معنى الحديث:
"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ" [¬٦]، أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها.
باب فضل علم أهل المدينة وترجيحه [¬٧] على علم غيرهم واقتداء السلف بهم
قال زيد بن ثابت:
إذا رأيت أهل المدينة على شيءٍ فاعلم أنه السُّنة.
قال ابن عُمَر:
لو أن النّاس إذا وقعت فتنةٌ رَدُّوا الأمر فيه إلى [¬٨] أَهل المدينة، فإذا اجتمعوا على شيء، يعني [¬٩] فَعَلوه، صلح الأمر، ولكنه إذا نعَق ناعِقٌ تبِعَه الناس.
стр. 74
قال مَالك:
كان ابن مسعود [¬١] يُسأَل بالعراق [¬٢] عن شيء [¬٣] فيقول فيه، ثم يَقدُم المدينة [فيسأل فيجد الأمر] [¬٤] على غير ما قال؛ فإذا رجع لم يَحطَّ رحلَه [¬٥]، ولم يدخل بيته [¬٦]، حتى يرجع إلى ذلك الرجل [¬٧] فيخبِرَه بذلك.
قال:
وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعَلّمهُم السُّنن والفقه، ويكتُب إلى المدينة يَسألهم عمّا [¬٨] مضَى، لعلّه يَعمل بِما [¬٩] عندَهم.
وكتب إلى أبي بكر بن حَزْم [¬١٠] أن يَجمَع له السُّنَن ويكتبَ بها إليه، فتوفي، وقد كتب لَه ابن حَزْم كتُبا [¬١١]، قبل أَن يبعث بها إليه [¬١٢].
قال مالك:
والله ما استوحشَ سعيدَ بن المسيب ولا غيره من أهل المدينة لقول قائل من النّاس، ولولا أن عمرَ بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة لشَكّكَه كثيرٌ من الناس.
وقال عبدُ الله بن عُمر بن الخطّاب:
كتَب إليّ عبدُ الله، يَعني ابنَ الزُّبير، وعبدُ الملك بنُ مَروان، كلاهما يَدْعوني إلى المَشُورة، فكتَبتُ إليهما [¬١٣]: "إن كنتما تريدان المشورة، فعليكما بدار الهجرة والسّنة".
стр. 75
وقال رجل لأبي بكر بن عمرو بن حَزم [¬١] في أمر: "والله [¬٢] ما أدري كيف أصْنَع في كذا"؟ فقال أبو بكر: يابنَ أخي! [¬٣] إذا وجدتَ أهل هذا البلَد [¬٤] قد أَجمَعوا على شيء [¬٥] فلا تشكَّن فيه أنه الحقّ.
وقال الشافعي: إذا وجدت مُعتمدًا من أهل المدينة على شيء، فلا يكن في قَلبك منه شيء.
وقال الشّافعي أيضا: أمّا أصول أهل المدينة فَليسَ فيها حيلةٌ من صِحّتها [¬٦].
قال ابن نافِع: كان مالك يَرى أن أهل الحَرَمْين إذا بايعوا لزِمت البيعةُ أهلَ الإسلام.
قال مالك: كان ابن سِيرين أشبهَ الناس بأهل المدينة [¬٧] في ناحية ما يأخذ بِه [¬٨].
قال أبو نُعيم: سألت مالكًا عن شيء، (*) فقال لي: إن أردتَ العِلم فأقِم، يعني بالمدينة؛ فإنَّ القرآن [¬٩] لم ينزل على الفُرات.
قال الشّافعي [¬١٠]: رحلت إِلى المدينة فكتبتْ بها اختلافَهم، زاد في رواية: "في الجَدّ" [¬١١].
قال مِسْعَر: قلت لحبيب بن أبي ثابت: أيُّما أعلَم بالسنّة، أَو بالفِقه؟ أهلُ الحجاز [¬١٢]، أم أهل العِراق؟ قال: أهلُ الحجاز.