مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (١).
سادسًا: مسافة قصر الصلاة في السفر: قال البخاري ﵀: ((بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا)) (٢)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((قوله: بابٌ في كم يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة)) (٣). وقول
стр. 37
البخاري ﵀: ((وسمى النبي ﷺ يومًا وليلة سفرًا)). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب)) (١)، قلت: وهو قوله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)) (٢)، وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها)). وفي لفظ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم))، وفي لفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)). وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم)) (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁
стр. 38
قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها)) (١).
ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)) (٢).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة)) (٣)،وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: ((لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٤)،
стр. 39
والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ)) (١).
والخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلاً فله أن يقصر عند الجمهور (٢)، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن
стр. 40
عبد الله ابن باز ﵀ يقول (١): ((الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم بقول الجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين (٢)، أما البريد والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو
стр. 41
أو ثمانون كيلو تقريبًا)) (١).
وقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: ((وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا (٢)، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم وهو
стр. 42
التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك)) (١).
سابعًا: يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع البيوت من القرية التي خرج منها)) (٢)، وهذا مذهب جمهور أهل العلم أن المسافر إذا أراد سفرًا تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت (٣)، قال أنس ﵁: ((صليت الظهر مع النبي ﷺ
стр. 43
بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين))، وفي لفظ: ((أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين)) (١)، وهذا فيه دلالة على أنه ليس لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من عامر بيوت قريته أو مدينته أو خيام قومه ويجعلها وراء ظهره (٢). وخرج علي ﵁ فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها (٣).
وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (٤) والله أعلم (٥).
стр. 44
ثامنًا: إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة ، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة وكان سفره في حج أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر مادام مسافرًا)) (١).
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، قلت: كم أقام بمكة (٢)؟ قال: عشرًا)) (٣).
قال ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أن من لم يُجمع
стр. 45
إقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين)) (١).
أما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمَّ (٢)، قال ابن عباس ﵄: ((قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها
стр. 46
عمرة إلا من معه الهدي)) (١).
قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: ((إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي ﷺ لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي ﷺ أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. والله أعلم)) (٢).
стр. 47
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن إقامة النبي ﷺ عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (١): ((وقد أقام ﷺ في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعاً عليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر)) (٢). وسمعته يقول عن إقامة النبي ﷺ في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٣): ((وإقامته ﷺ
стр. 48
عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع، ثم أذن الله له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي ﷺ في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص
стр. 49
من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه)) (١). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله أعلم (٢).
تاسعًا: قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: ((صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين، وأبي بكر، وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا)) (٣).وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ﵁ بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)) (٤).
стр. 50
وعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا))، وفي لفظ مسلم: ((كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج ... )) (١).
وحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: ((أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا)) (٢)؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي ﷺ وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه ﷺ خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام
стр. 51
بلياليها كما قال أنس ﵁ (١).
وعن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: ((صليت خلف رسول الله ﷺ بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع)) (٢). فهذه سنة رسول الله ﷺ ، فينبغي العمل بها واتباعها (٣).
عاشرًا: جواز التطوع على المركوب في السفر:
يصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة،
стр. 52
وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته)).
وفي لفظ: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) (١)؛ ولحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به)). وفي لفظ: ((ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في المكتوبة)). وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به)) (٢)؛ ولحديث جابر ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا
стр. 53
أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة)) (١). وفي لفظ: ((كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)). وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس ﵁ (٢).
ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس ﵁ ((أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه)) (٣)، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملاً بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٤).
وذكر الإمام النووي ﵀ ((أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ... )) (٥).
وأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز
стр. 54
ذلك، وهو مذهب الجمهور (١)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وقد رجح الإمام ابن جرير ﵀ أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٤).
стр. 55
الحادي عشر: السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر ؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ (١) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). أما سنة الفجر،
стр. 56
والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر أن النبي ﷺ ((لم يكن يدعهما أبدًا)) (١)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ في نوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: ((ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم)) (٢).
وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على البعير)) (٣).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان تعاهده ﷺ
стр. 57
ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما)) (١).
وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (٣).
стр. 58
الثاني عشر: صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر ؛ للآثار في ذلك (١)،والإجماع، قال ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة)) (٢). وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم
стр. 59
يقول: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ)) (١).
فظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٢).
وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل (٣).
الثالث عشر: صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة ، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو
стр. 60
ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: ((تلك سنة أبي القاسم ﷺ )) (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٢).
وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا (٣). وقال: ((قال
стр. 61
أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام)) (١).
ومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا .. )) (٢)(٣).
الرابع عشر: نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين المجموعتين:
اختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره،
стр. 62
والأول أظهر، ومن علم بأحد القولين لم ينكر عليه)) (١). وقال ﵀: ((والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ ، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر ... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى)) (٢)، وقال ﵀: ((والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة
стр. 63
صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر)) (١).
وقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: (( ... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض)) (٢). فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع (٣).
أما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة (٤).
стр. 64
وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي ﷺ في ذلك، والله ولي التوفيق)) (٢) والله أعلم (٣).
стр. 65
الخامس عشر: رخص السفر:
من قواعد الشريعة: ((المشقة تجلب التيسير)) (١)، ولما كان السفر قطعة من العذاب؛ لقوله ﷺ : ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله)) (٢)، رتّب الشارع ما رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء ﵏: ((النادر لا حكم له))، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة ما يلي:
١ - القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر ؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به،
стр. 66
فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.
٢ - الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر: كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز.
٣ - الفطر في رمضان من رخص السفر .
٤ - الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره .
٥ - وكذلك المتنفل الماشي .
٦ - المسح على الخفين، والعمامة، والخمار ، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁، قال: ((جعل رسول الله ﷺ ، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا
стр. 67
وليلة للمقيم)) (١). وأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر.
٧ - ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك ، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا.
٨ - من رخص السفر ما ثبت عن النبي ﷺ - أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) (٢). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها.
стр. 68
وأما صلاة الخوف فليس سببه السفر، ولكنه فيه أكثر (١).
السادس عشر: الجمع وأنواعه ودرجاته:
١ - الجمع بعرفة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة)) (٢)، ((وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما)) (٣). وعن جابر ﵁ في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا)) (٤). ومما يدل على أنه ﷺ صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس ﵁ قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى
стр. 69
الحج .. )) (١).
٢ - الجمع بمزدلفة؛ لحديث جابر ﵁ - أن النبي ﷺ حينما أفاض من عرفة: ((أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما (٢) شيئًا)) (٣)؛ ولحديث أسامة بن زيد ﵁، وفيه: ((أن النبي ﷺ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا)) (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى
стр. 70
المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين)) (١).
٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير (٢)، ويجمع بين المغرب والعشاء)) (٣)، وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير (٤))) (٥)، وعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر)) (٦).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أورد فيه ثلاثة
стр. 71
أحاديث (١): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا)) (٢) وعلى ذلك كثير من الصحابة ﵃ (٣)، وهو الذي تدل عليه الأحاديث
стр. 72
الصحيحة الصريحة (١)، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (٢) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب)) (٣)، وفي رواية
стр. 73
للحاكم في الأربعين: ((صلى الظهر والعصر، ثم ركب)) (١)؛ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: ((كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل)) (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر
стр. 74
والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا واحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم)) (١).
ومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ ﵁ قال: ((خرجنا مع سول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا)) (٢). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ ﵁: ((أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب)) (٣).
стр. 75
٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث (١):
الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى فإنه ينزل في وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية (٢)، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس، وابن عمر، كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة.
الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلاً في وقت الصلاة الأولى ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى، وهذا نظير الجمع بعرفة،