← Фикх общий

Фикх общий · id 31239

تطهير الجنان والقواعد الأربع ومنهج السالكين

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (165 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[عدم ثبوت التوسل عن النبي وأصحابه] عدم ثبوت التوسل عن النبي وأصحابه ولذا لم يثبت التوسل عن الأنبياء بعضهم ببعض، كما لم يثبت التوسل عن الصحابة بالرسول ﷺ ، ولم يثبت عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة ولا غيرهم ممن يعتدً بهم، ولم يتوسلوا إلا بما يلي: التوسل المشروع: التوسل المشروع ثلاثة أنواع: الأول: التوسل بأسماء الله وصفاته. الثاني: التوسل بالإيمان وبالأعمال الصالحة. ولم يقع في هذين خلاف بين العلماء، سواء كان في حياة الرسول أو بعد موته. الثالث: التوسل بدعائه ﷺ في حياته [ومثله التوسل بدعاء أي مسلم صالح له في حياته] ، كما طلب الأعرابي من الرسول أن يستسقي لهم، وكما طلب الأعمى من الرسول أن يدعو له برد

стр. 37

بصره- إن صح حديث الأعمى. وكما طلبت الجارية السوداء من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يعافيها من الصرع، فخيرها الرسول بين الصبر وبين أن يدعو لها، فاختارت الصبر، وسألته أن يدعو الله لها ألّا تتكشف، فدعا لها. وهذا التوسل بطلب دعاء النبي أو أحد الصالحين ينقطع بموته. فلا يجوز لمسلم أن يأتي قبر رسول الله ﷺ ، أو قبر أحد المسلمين الصالحين فيسأله المدد أو قضاء حاجة، أو غفران ذنب، أو كشف ضر أو شفاعة أو وساطة إلى الله. والدليل على ذلك: أن في خلافة عمر بن الخطاب انقطع المطر وأراد عمر أن يستسقي، وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله لهم، فقال: "اللهم إنّا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك نبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" ثم قال: "قم يا عباس فادع الله" رواه البخاري. فلو كان طلب دعاء الرسول بعد موته جائزاً، لما عدلت الصحابة عن الرسول إلى العباس بن عبد المطلب، وهذا من

стр. 38

الوضوح بمكان لا يخفى إلا على من أعماه التعصب والعناد، وسلك سبيل أهل والضلال والفساد. ولزيادة الإيضاح والبيان، نورد لكم بعض أدعية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم وحدهم المعصومون من الخطأ: فهذا أبونا آدم، لما اقترف الخطيئة قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وأمّا ما رواه الحاكم عن توسل آدم بحق محمد ﷺ فقد قال عنه الذهبي إنه موضوع. . فلا حجة في موضوع. كما أخبر الله عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨] وقال الله مخبراً عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وعن يونس، لما التقمه الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]

стр. 39

وعن زكريا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠] وعن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وأدعية الرسول ﷺ كثيرة مبثوثة في كتب السنة، وفي كتب الأذكار. فهل يستطيع أحد أن يأتي بحرف من القرآن، أو من السنة الصحيحة على مشروعية التوسل بالأنبياء أو بالصالحين، فضلاً عن الاستغاثة بأحد منهم على غير الوجه المشروع؟ وهنا فرق؛ فإن الاستغاثة بغير الله شرك لا ريب فيه. وأما التوسل فهو بدعة أدنى من الشرك. ومن الأدلة على أن التوسل يكون بالأعمال الصالحة، ما جاء في الحديث عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فتوسل أحدهم ببر والديه، والثاني توسل بتعففه عن الزنى بعد أن جلس من المرأة مجلس الرجال من النساء، والثالث توسل تنمية أجر

стр. 40

الأجير بعد أن ذهب وترك أجرته، ثم رجع بعد مدة طويلة وطلب أجرته فردها عليه فإذا هي مال كثير. وأما احتجاجهم بآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] فالجواب عنه: أن الوسيلة هنا معناها: التقرب إلى الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل المتوسل أو بدعاء له من غيره لا كما يقول المبتدعون، أن نجعل الأنبياء والصالحين شفعاء ووسطاء، فلتراجع التفاسير. إثبات الشفاعة للرسول ﷺ وأما احتجاجهم بثبوت الشفاعة لنبينا ﷺ ، فالجواب: لا ريب أن للرسول ﷺ شفاعات متعددة أعظمها: الشفاعة العظمى يوم القيامة لإراحة الناس من عناء الموقف العظيم، وهذه الشفاعة مخصوصة برسول الله ﷺ ، وله شفاعة أخرى في إخراج بعض من دخل النار من الموحدين، وأخرى رفع درجات المؤمنين في الجنة، كلها في الآخرة. ولكن اعتقادنا بثبوت الشفاعة له؛ لا يسوغ للمسلم اتكالًا على هذه الشفاعة أن يسأل رسول الله بعد موته شفاعته أو غفران

стр. 41

ذنوبه كأن يقول: يا محمد اشفع لي، يا محمد اغفر لي ذنبي، أدركني، أستجير بك ممن ظلمني، أو أسألك يا محمد الشفاعة، فإن هذا كله لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] بل يقول: اللهم ارزقني شفاعة نبيك محمد، اللهم شفع في محمداً. أو يقول: اللهم لا تحرمني من شفاعة محمد ﷺ . فإذا لم يجز للإنسان أن يقول مخاطباً الرسول ﷺ : اشفع لي، أو أغثني، أو أستجير بك. فأولى أن لا يجوز لغيره من الأولياء والصالحين. ولا يغتر بقول بعض الشعراء: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فإن هذا الكلام شرك وضلال، ولكن الله أعلم بقائله، هل مات على هذا أو تاب؟

стр. 42

يقول: ما لي من ألوذ به، ونقول له: لذ بالإله ولا تلذ بسواه ... من لاذ بالملك الجليل كفاه ويقول ما معناه: إن من نعمة النبي ﷺ الدنيا والآخرة، وإن من علومه علم اللوح المحفوظ وعلم القلم مما كان ويكون. ونقول له: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] و ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] الرد على حجج المبتدعين ليعلم القارئ أنه ليس في التوسل بالأموات حديث صحيح أو حسن، وكل ما يوردونه إما ضعيف أو موضوع: ١ - حديث الاحتجاج بتوسل آدم، فقد سبق الجواب عنه بأنه موضوع. ٢ - حديث: «اللهم إني أسألك بحق السائلين» ، فإنه ضعيف قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، عطية وهو العوفي والفضيل بن مرزوق،

стр. 43

والفضل بن الموفق، كلهم ضعفاء. ومع أنهم اختلفوا في الفضيل بن مرزوق فضعفه ابن حبان والنسائي وأبو حاتم، ووثقه ابن معين، فإن الجرح مقدم على التعديل. على أننا لو سلمنا بصحة الحديث، فإن حق السائلين (بفضل الله ووعده) إجابتهم، فهو توسل صحيح شرعي بالعمل الصالح المشروع، وهو الدعاء والإجابة عليه من الله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ٣ - حديث فاطمة بنت أسد ضعيف أيضاً، فإن فيه روح بن صالح المصري وهو ضعيف. ٤ - الاستغاثة في قوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [القصص: ١٥] استغاثة حي بحي فيما يقدر عليه، وليس في هذا خلاف. على أن فعل الرجل الإسرائيلي ليس بحجة، وإجابة موسى له وتقريره عليه ليس بحجة، لأن ذلك قبل أن يوحى إليه. وسكوت الأنبياء قبل بعثتهم لا يدل على جواز المسكوت عنه. وبعد ذلك كله ليس هو في شريعتنا. ٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ [النساء: ٦٤] الآية.

стр. 44

نزلت في واقعة معينة لا تفيد العموم بمعناها ولا لفظها، وقعت في حياته ﷺ ، فمن أين أخذوا التعميم في الحياة والممات؟ ولو دلت على العموم في الحياة والممات لكانت مخصصة ومقصورة على الحياة، ودليل التخصيص الأخبار الشرعية الدالة على أن الأموات لا يسمعون ولا يجيبون، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وفي الحديث الذي رواه مسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به» . ولأن الصحابة ومَن بعدهم ما فهموا شمولها للموت، ولذا لم يأت إلينا أنهم دعوه ﷺ بعد الموت، كما قد أتى إلينا أنهم سألوه الدعاء في حياته ﷺ وسألوا غيره الدعاء بعد موته. ٦ - أما قولهم: "لا فرق بين الأحياء والأموات في جواز التوسل والاستغاثة، وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر، وقد ثبتت حياة الأنبياء في قبورهم، لأنهم أعلى مقاماً من الشهداء، فجازت الاستغاثة والتوسل بهم وبالشهداء، والأولياء.

стр. 45

فالجواب: أن هذه المقالة مصادمة للقرآن صراحةً، لأن القرآن يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ٧ - وقولهم: إن الأرواح تتصرف بعد مفارقة الأجسام لأنها حية. فكلام باطل لا دليل عليه من الوحي. وأي تصرف لها؟ وهل يلزم من حياتها أن تكون قادرة مجيبة للمستغيثين والسائلين؟ ولو جاز لنا أن نستغيث بهؤلاء لأنهم أحياء، جاز لنا أن نستغيث بالملائكة الذين لا خلاف في حياتهم، وبالحور والولدان، لأنهم أحياء. سبحانك هذا بهتان عظيم! اللهم اهدنا واهدهم إلى صراط الحق والطريق المستقيم. ٨ - حديث: "إذا أعيتكم الأمور. . . " فإنه مكذوب ومن وضع الزنادقة الذين قصدوا إفساد الدين. ٩ - حديث: "توسلوا بجاهي " موضوع، لم يختلف في وضعه اثنان، ولذلك لم يعمل به مَن هو خير منا في القرون الثلاثة المفضلة.

стр. 46

ولا ريب عند المسلمين جميعهم، أن لرسول اللُه ﷺ جاهاً عظيماً ومقاماً محموداً، وأنه أفضل الورى وخاتم الأنبياء والمرسلين. ولكن هذا لا يسوغ لنا التوسل والاستغاثة به، وإن كان الأنبياء أحياءً في قبورهم حياة برزخية كاملة لا يعلمها إلا الله، لأن الحياة البرزخية لا تقاس بالحياة الدنيا، ولا تعطى أحكامها، فإذا جاز أن نسأله ﷺ في حياته الدعاء، بأن يطلب لنا من الله قضاء حاجة أو غفران ذنب، فلا يجوز بعد مماته أن نسأله قياساً على حياته الدنيوية، لأن الله أمرنا بالأولى ولم يأمرنا بالثانية. وأين هؤلاء من الآيات القرآنية التي تنادي بأن ليس لغير الله أمر أو تصرف، أو قدرة في دفع ضر، أو جلب نفع، سواء أكان نبياً أم غيره، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]

стр. 47

إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الخطاب للرسول ﷺ مبيناً أن الذي بيده النفع والضر هو الله وحده لا غير، وأن المعبودات من دون الله لا تغني شيئاً، وأن الرسول ﷺ مع أنه سيد الأولين والآخرين، وإمام الأنبياء والمرسلين لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً عن غيره. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ «أنه قال لما نزلت آية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] "يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار. فإني لا أملك لكم من الله شيئاً» . وفي رواية: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً،

стр. 48

يا فاطمة بنت رسول الله سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً» . وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] أي نخصك بالعبادة ولا نعبد سواك، ونستعين بك في أمور الدنيا والدين، ولا نستعين بأحد غيرك. وحديث: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. لو تدبر هؤلاء المبتدعون تلك الآيات والأحاديث، وراجعوا تفاسير الأئمة المحققين لتلك الآيات، وشروح تلك الأحاديث؟ لعلموا أن توسلاتهم بالرسول، أو بالأنبياء والصالحين ليس لها أصل في الدين، [بل هي بدعة ضلالة] . وأن الاستغاثة والاستعانة بهم من الشرك والكفر المبين.

стр. 49

٣ - توحيد الأسماء والصفات: وهو أن يعتقد العبد اعتقاداً جازماً أن ما أخبر الله به في كتابه، من أوصافه العلى وأسمائه الحسنى، وكذا ما جاءت به الأحاديث الصحيحة من أسمائه وصفاته، هي حق كما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه. فمن تلك الصفات صفة الحي القيوم له ﷻ ، فيثبت الصفة على حقيقتها وأنها لا تماثل صفة المخلوق كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وصفة العلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وصفة اللطيف والخبير. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وصفة الإرادة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] والقدرة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]

стр. 50

والسمع والبصر، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] والكلام، لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] والرحمة، لقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] وصفة الحب، لقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] واليدين، لقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] والوجه، لقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] والاستواء على العرش، لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] والنزول، للحديث الصحيح: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، فينادي: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأترب عليه» . إلى غير ذلك من الصفات التي لا نستطيع حصرها في عشرين صفة، وحصرها في عشرين أو أقل أو أكثر من مبتدعات الخلف. وإنما الواجب الأيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من صفات اللُه وأسمائه، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل.

стр. 51

والقول الشامل في هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ . فمذهب السلف حق بين باطلين، بين باطل التمثيل وباطل التعطيل. فالمشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إله الأرض والسماء. والآية الجامعة لذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فصدر الآية تنزيه لله عن مماثلة المخلوقات، وهي رد على المشبهة. وآخر الآية إثبات صفتي السمع والبصر في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وهي رد على المعطلة. فالسلف الصالح لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه. كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا يعطلونها. فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، فصفاته لا تشبه صفات المخلوقين.

стр. 52

وإذا قلنا لله علم وللمخلوق علم، فلأن الله قال عن نفسه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] وقال في حق المخلوق: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ولا شك أن علم الله ليس كعلم إسحاق ﵇. ووصف نفسه بالرأفة والرحمة، فقال: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وقال في حق الرسول ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فليست رحمة الله كرحمة المخلوق، ولا رأفته كرأفة المخلوق. ووصف نفسه بالسمع والبصر، في غير ما آية من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقال في حق المخلوق: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ونحن لا نشك أن كل ما في القرآن حق، فلله سمع وبصر.

стр. 53

حقيقتان لائقتان بجلاله وكماله، كما أن للمخلوق سمعاً وبصراً حقيقتين مناسبتين لحاله من فقره وفنائه. وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق. ووصف نفسه بالحياة، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ووصف بعض المخلوقين بالحياة. فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فليست حياة الخالق كحياة المخلوق. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال في حق المخلوق: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] فليس استواؤه كاستواء السفينة على الجودي تعالى الله وتنزه. والحاصل، أننا لا نتعدى القرآن والحديث، ولا نؤول صفات الله الواردة في الوحيين بتأويلات الجهمية والمعتزلة القائلين: إن اليد بمعنى النعمة، والاستواء بمعنى الاستيلاء. والوجه بمعنى الذات، والرحمة بمعنى التفضل، ونزوله بمعنى نزول أمره أو رحمته، أو ملائكته، وما أشبه ذلك من التأويلات الفاسدة، النابعة من منابع الفلسفة والهوى.

стр. 54

تلك التأويلات التي تؤول بالإنسان إلى الكفر، وتجعل الشريعة ألعوبة بأيدي المبطلين والهدامين، بحيث أنه لا يريد مبطل أن يهدم عقيدة أو حكماً شرعياً، إلا وأتى من باب التأويل. [والوحي يقين، والرأي محتمل للخطأ، والعقول متفاوتة] . وعلى اعتقاد ما وصف الله به نفسه، أو وصفه رسوله، بما أتى في القرآن والأحاديث الصحيحة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، مضى عصر الرسول والصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة المعتبرين، كالإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبي داود، والثوري، وابن عيينة، وغيرهم من المحدثين والفقهاء المعتبرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، نسأل الله أن ينفعنا وينفع إخواننا المسلمين بهذه الرسالة، إنه سميع قريب مجيب الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 55

[القواعد الأربع] [مقدمة] (٢) القواعد الأربع تأليف محمد بن سليمان التميمي من أكبر علماء القرن الثاني عشر

стр. 56

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين أسأل الله الكريمَ ربَّ العرش العظيم أن يتولاّك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركاً أينما كُنْتَ، وأن يجعلكَ مِمن إذا أعطي شَكَر، وإذا ابْتُلي صَبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الثلاث عنوانُ السعادة. اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية مِلةَ إبراهيمَ أنْ تَعبُدَ الله مُخلصاً له الدين، وبذلك أمرَ الله جميع الناس، وخَلَقهم لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا عرفتَ أن الله خلقك لعبادته فاعلم أنّ العبادةَ لا تُسمى عبادةً إلا مع التوحيد، (كما أنّ الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة) ، فإذا دخل الشركُ فيها فسدتْ، (كالحَدَثِ إذا دخل في الصلاة) ، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]

стр. 57

فإذا عرفتَ أنّ الشرْكَ إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفتَ أن أهمَّ ما عليك: معرفةُ ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرْكُ بالله وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله في كتابه: [القاعدة الأولى الكفارَ الذين قاتَلَهمْ رسولُ الله صلى الله عليه] وسلم كانوا مقرّين أنّ الله هو الخالقُ الرازقُ القاعدة الأولى: أنْ تعلم أن الكفارَ الذين قاتَلَهمْ رسولُ الله ﷺ كانوا مقرّين أنّ الله هو الخالقُ الرازقُ المحي المميتُ النافعُ الضار الذي يُدبر جميعَ الأمور، وما أدخلهم ذلك في الإسلام. والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [القاعدة الثانية الكفار كانوا يقولون ما توجهنا إليهم ودعوناهم إلّا] لِطَلَب القُربة والشَّفاعة القاعدة الثانية: أن أولئك الكفار كانوا يقولون: ما توجهنا إليهم ودعوناهم إلّا لِطَلَب القُربة والشَّفاعة، نريد مِنَ الله لا منهم، لكنْ بشفاعتهم والتقرب إليهم. ودليلُ القُرْيَةِ قوله تعالىَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] وقوله تعالى:

стр. 58

﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [القاعدة الثالثة النبيَّ ﷺ ظهر على أناس متفرقين] في عباداتِهِم غير الله القاعدة الثالثة: أن النبيَّ ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتِهِم غير الله، منهم من يعبدُ الشمسَ والقمر، ومنهم من يعبد الصالحين، ومنهم من يعبدً الملائكة، ومنهم من يعبدُ الأنبياء، ومنهم من يعبدُ الأشجار والأحجارَ، وقاتلهم ﷺ جميعاً وما فرق بينهم. والدليل على قتالهم جميعاً قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] ودليلُ عبادتهم الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]

стр. 59

ودليل عبادتهم الصالحين قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] ودليل عبادتهم الصلاة قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ - فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤٢] ودليل عبادتهم الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] ودليل عبادتهم الأشجار والأحجار حديث أبي واقد الليثي، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حُدَثاء عهد بكفر،

стр. 60

وللمشركين سِدْرة (١) يعكفون عندها وينوطون (٢) بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ : الله أكبر إنها السنن، قلتم - والذي نَفْسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠] » [القاعدة الرابعة أن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين] القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين؛ لأن الأولين كانوا يخلصون لله في الشدة ويشركون في الرخاء، أما مشركو زماننا فشركُهم دائم في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ - لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥ - ٦٦] والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 61

[منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين] [مقدمة] (٣) منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين تأليف عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي من أكبر علماء جزيرة العرب

стр. 62

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فهذا كتاب مختصر في الفقه، جمعت فيه بين المسائل والدلائل، لأن العلم معرفة الحق بدليله. و"الفقه" معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. واقتصرت على الأدلة المشهورة خوفاً من التطويل. وإذا كانت المسألة خلافية، اقتصرت على القول الذي ترجح عندي، تبعاً للأدلة الشرعية.

стр. 63

[الأحكام خمسة] الأحكام خمسة: الواجب: وهو ما أثيب فاعله وعوقب تاركه. والحرام: ضده. والمسنون: وهو ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه. والمكروه: ضده. والمباح: هو الذي فعله وتركه على حد سواء. ويجب على المكلف أن يتعلم من الفقه كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته. قال ﷺ : «من يرِدِ الله به خيراً يفَقههُ في الدين» متفق عليه. [فصل أصل دين جميع الرسل وأتباعهم] فصل قال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» متفق عليه. فشهادة أن لا إله إلا الله: علم العبد واعتقاده، والتزامه: أنه لا يستحق الألوهية والعبادة إلّا الله وحده لا شريك له.

стр. 64

فيوجب ذلك على العبد: إخلاص جميع الدين لله تعالى، وأن تكون عباداته- الظاهرة والباطنة- كلها لله وحده، وأن لا يشرك به شيئاً في جميع أمور الدين. وهذا أصل دين جميع الرسل وأتباعهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وشهادة أن محمداً رسول الله: أن يعتقد العبد أن الله أرسل محمداً ﷺ إلى جميع الثقلين- الإنس والجن- بشيراً ونذيراً، يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته، بتصديق خبره، وامتثال أمره، وأنه لا سعادة ولا صلاح في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان به وبطاعته، وأنه يجب تقديم محبته على النفس والولد والناس أجمعين، وأن الله أيده بالمعجزات الدالة على رسالته، وبما جبله الله عليه من العلوم الكاملة والأخلاق العالية، وبما اشتمل عليه دينه من الهدى والرحمة والحق، والمصالح الدينية والدنيوية. وآيته الكبرى: هذا القرآن العظيم، بما فيه من الحق في الأخبار والأمر والنهي والله أعلم.

стр. 65

[أقسام الطهارة] فصل وأما الصلاة: فلها شروط تتقدم عليها. فمنها: الطهارة، كما قال النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» رواه البخاري ومسلم. فمن لم يتطهر من الحدث الأكبر والأصغر والنجاسة فلا صلاة له. والطهارة نوعان: أحدهما: الطهارة بالماء، وهي الأصل. فكل ماء نزل من السماء، أو خرج من الأرض: فهو طهور، يطهِّر من الأحداث والأخباث ولو تغير طعمه أو لونه أو ريحه بشيء طاهر. كما قال النبي ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» رواه أهل السنن، وهو صحيح. فإن تغير أحد أوصافه بنجاسة فهو نجس يجب اجتنابه. والأصل في الأشياء: الطهارة والإباحة. فإذا شك المسلم في نجاسة ماء أو ثوب أو بقعة أو غيرها: فهو طاهر، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث: فهو طاهر. لقوله ﷺ في الرجل

стр. 66

يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» متفق عليه. وجميع الأواني مباحة، إلا آنية الذهب والفضة، ومما فيه شيء منهما، إلّا اليسير من الفضة للحاجة، لقوله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» متفق عليه. [باب الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة] باب الاستنجاء، وآداب قضاء الحاجة يستحب إذا دخل الخلاء: أن يقدم رجله اليسرى ويقول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإذا خرج منه: قدم اليمنى، وقال: "غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " (١) . ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويستتر بحائط أو غيره، ويبعد إن كان خرج عن البنيان. ولا يحل له أن يقضي حاجته في طريق، أو محل جلوس

стр. 67

للناس، أو تحت الأشجار المثمرة، أو في محل يؤذي به الناس. ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها حال قضاء حاجته. لقوله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا» متفق عليه. فإذا قضى حاجته استجمر بثلاثة أحجار ونحوها، تنقي المحل، ثم استنجى بالماء. ويكفي الاقتصار على أحط لا. ولا يستجمر بالروث والعظام، لنهي النبي ﷺ عن ذلك، وكذلك كل ما له حرمة. ويكفي في غسل النجاسات- على البدن، أو الثوب، أو البقعة، أو غيرها- أن تزول عينها عن المحل. لأن الشارع لم يشترط في غسل النجاسة عدداً إلا في نجاسة الكلب، فاشترط فيها سبع غسلات إحداها بالتراب. والأشياء النجسة: بول الآدمي وعذرته والدم، إلا أنه يعفى عن الدم اليسير. ومثله الدم المسفوح من الحيوان المأكول دون الذي يبقى في اللحم والعروق، فإنه طاهر. ومن النجاسات: بول وروث كل حيوان محرم أكله. والسباع

стр. 68

كلها نجسة. وكذلك الميتات، إلا ميتة الآدمي وما لا نفس له سائلة، والسمك والجراد فإنها طاهرة. قال قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] الآية". وقال النبي ﷺ : «المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً» (١) وقال: «أحل لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان: فالحوت والجراد. وأما الدمان: فالكبد والطحال» رواه أحمد وابن ماجه. وأمّا أرواث الحيوانات المأكولة وأبوالها: فإنها طاهرة. ومني الآدمي طاهر. «كان النبي ﷺ يغسل رطبه ويفرك يابسه» . وبول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام لشهوة: يكفي فبه النضح كما قال النبي ﷺ : «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» رواه أبو داود والنسائي. وإذا زالت عين النجاسة طهرت، ولم يضر بقاء اللون أو الرائحة، كما «قال النبي ﷺ لخولة بنت يسار في دم الحيض "يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» .

стр. 69

[باب صفة الوضوء] باب صفة الوضوء وهو أن ينوي رفع الحدث، أو الوضوء للصلاة ونحوها. والنية: شرط لجميع الأعمال من طهارة وغيرها. لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه. ثم يقول: "بسم الله" ويغسل كفيه ثلاثاً ثم يتمضمض، ويستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مع المرفقين ثلاثاً. ويمسح رأسه من مقدمه إلى قفاه بيديه. ثم يعيدهما إلى المحل الذي بدأ منه مرة واحدة. ثم يدخل سبابتيه في أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاثاً ثلاثاً. هذا أكمل الوضوء كما فعله النبي ﷺ . والفرض من ذلك: أن يغسلها مرة واحدة، وأن يرتبها على ما ذكره الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]- الآية وأن لا يفصل بينها بفاصل كثير عرفاً، بحيث ينبني بعضه على بعض. وكذا كل ما اشترطت له الموالاة. فإن كان عليه خفان ونحوهما: مسح عليهما إن شاء، يوماً

стр. 70

وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، بشرط أن يلبسهما على طهارة، ولا يمسحهما إلا في الحدث الأصغر. عن أنس مرفوعاً: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة» رواه الحاكم وصححه. فإن كان على أعضاء وضوئه جبيرة على كسر، أو دواء على جرح، ويضره الغسل: مسحه بالماء في الحدث الأكبر والأصغر حتى يبرأ. وصفة مسح الخفين: أن يمسح أكثر ظاهرهما. وأما الجبيرة: فيمسح على جميعها. [باب نواقض الوضوء] باب نواقض الوضوء وهي: الخارج من السبيلين مطلقاً، والدم الكثير ونحوه، وزوال العقل بنوم أو غيره، وأكل لحم الجزور، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج، وتغسيل الميت، والردة. (وهي تحبط الأعمال كلها) ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] «وسئل النبي ﷺ : "أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فقال: نعم» رواه مسلم. وقال في الخفين: «ولكن من غائط وبول ونوم» رواه النسائي والترمذي وصححه.

стр. 71

[باب ما يوجب الغسل وصفته] باب ما يوجب الغسل، وصفته ويجب الغسل من الجنابة، وهي إنزال المني بوطء أو غيره، أو بالتقاء الختانين، وخروج دم الحيض والنفاس، وموت غير الشهيد، وإسلام الكافر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]- الآية أي إذا اغتسلن. وقد أمر النبي ﷺ بالغسل من تغسيل الميت (١) وأمر من أسلم أن يغتسل. وأما صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة: فكان يغسل فرجه أولاً، ثم يتوضأ وضؤاً كاملًا، ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثاً، يرويه بذلك. ثم يفيض الماء على سائر جسده. ثم يغسل رجليه بمحل آخر. والفرض من هذا: غسل جميع البدن، وما تحت الشعور الخفيفة والكثيفة. والله أعلم.

стр. 72

[باب التيمم] باب التيمم وهو النوع الثاني من الطهارة. وهو بدل عن طهارة الماء إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة، أو بعضها، لعدمه، أو خوف ضرر باستعماله. فيقوم التراب مقام الماء، بأن ينوي رفع ما عليه من الأحداث. ثم يقول: "بسم الله" ثم يضرب التراب بيده مرة واحدة، يمسح بها جميع وجهه وجميع كفيه. فإن ضرب مرتين فلا بأس، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» متفق عليه. ومن عليه حدث أصغر: لم يحل له أن يصلي، ولا أن يطوف بالبيت، ولا يمس المصحف.

стр. 73

ويزيد من عليه حدث أكبر: أنه لا يقرأ شيئاً من القرآن ولا يلبث في المسجد بلا وضوء. وتزيد الحائض والنفساء: أنها لا تصوم، ولا يحل وطؤها، ولا طلاقها. والأصل في الدم الذي يصيب المرأة: أنه حيض بلا حد لسنه ولا قدره، ولا تكرره، إلّا إن أطبق الدم على المرأة، أو صار لا ينقطع عنها إلّا يسيراً، فإنها تصير مستحاضة، فقد أمرها النبي ﷺ أن تجلس عادتها، فإن لم يكن لها عادة، فإلى تمييزها، فإن لم يكن لها تمييز، فإلى عادة النساء الغالبة: ستة أيام أو سبعة. والله أعلم. [كتاب الصلاة] كتاب الصلاة تقدم: أن الطهارة من شروطها. ومن شروطها: دخول الوقت، والأصل فيه: حديث جبريل «أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وآخره وقال: يا محمد، الصلاة ما بين هذين الوقتين» رواه أحمد والنسائي والترمذي.

стр. 74

وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر. ووقت العصر: ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب: ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء: إلى نصف الليل. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم. ويدرك وقت الصلاة بإدراك ركعة. لقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» متفق عليه. ولا يحل تأخيرها، أو تأخير بعضها عن وقتها لعذر أو غيره، إلا إذا أخرها ليجمعها مع غيرها. فإنه يجوز لعذر: من سفر، أو مطر، أو مرض، أو نحوها. والأفضل: تقديم الصلاة في أول وقتها، إلا العشاء إذا لم يشق، وإلا الظهر في شدة الحر. قال النبي ﷺ : «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة. فإن شدة الحر من فيح جهنم» متفق عليه. ومن فاتته الصلاة وجب عليه المبادرة إلى قضائها مرتبا. فإن نَسِيَ الترتيب أو جهله، أو خاف فوت الصلاة: سقط الترتيب. ومن شروطها: ستر العورة بثوب مباح لا يصف البشرة.

стр. 75

والعورة ثلاثة أنواع: مغلظة، وهي: عورة المرأة الحرة البالغة، فإن جميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها. ومخففة: وهي عورة ابن سبع سنين إلى عشر. فإنها الفرجان. ومتوسطة: وهي عورة من عداهم، من السرة إلى الركبة. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ومنها: استقبال القبلة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] فإن عجز عن استقبالها لمرض أو غيره: سقط، كما تسقط جميع الواجبات بالعجز عنها. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] «وكان النبي ﷺ يصلي في السفر النافلة على راحلته حيث توجهت به» متفق عليه. وفي لفظ: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» . ومن شروطها: النية. وتصح الصلاة في كل موضع، إلا في محل نجس، أو مغصوب، أو في مقبرة، أو حمام، أو أعطان إبل. وفي سنن الترمذي مرفوعاً: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام»
следующие страницы →