← Фикх общий

Фикх общий · id 31252

تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام

ابن باز

Полный текст (208 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام مقدمة الحمد لله الذي خلق الثقلين لعبادته وأرسل الرسل بذلك عليهم الصلاة والسلام، وبين في كتابه العزيز وسنة رسوله الأمين تفاصيل هذه العبادة التي خلقوا لها وأوجب على العباد أداء ما فرض عليهم منها وترك ما حرم عليهم عن إخلاص له سبحانه ورغبة ورهبة ووعدهم على ذلك الأجر العظيم والنعيم المقيم في دار الكرامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله صلى الله وسلم عليه وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه أجوبة مهمة عن أسئلة تتعلق بالعقيدة والصلاة والزكاة والصوم والحج رأيت جمعها في كتاب واحد ليسهل على كل مسلم مراجعتها والاستفادة منها. وسميت هذا الكتاب " تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام " وأسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يضاعف الأجر لكل من سعى في نشرها وإيصالها إلى

стр. 2

من يستفيد منها إنه سبحانه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

стр. 3

[أولا العقيدة] [بيان ما يقع عند القبور وما يتصل بالحلف والأيمان والنذور] العقيدة

стр. 4

١ - انتشرت في بعض المجتمعات الإسلامية مخالفات متعددة منها ما يقع عند بعض القبور ومنها ما يتصل بالحلف والأيمان والنذور، وقد تختلف أحكام هذه المخالفات بين ما يكون منها من قبيل الشرك المخرج من الملة وما يكون دون ذلك، فحبذا لو تفضل سماحتكم ببسط القول وبيان أحكام تلك المسائل عليهم، ونصيحة أخرى لعامة المسلمين ترهيبا لهم من التساهل بأمر تلك المخالفات والتهاون بشأنها؟ الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن كثيرا من الناس تلتبس عليهم الأمور المشروعة بالأمور الشركية والمبتدعة حول القبور، كما أن كثيرا منهم قد يقع في الشرك الأكبر بسبب الجهل والتقليد الأعمى. فالواجب على أهل العلم في كل مكان أن يوضحوا للناس دينهم وأن يبينوا لهم حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك. كما يجب على أهل العلم أن يوضحوا للناس وسائل الشرك وأنواع البدع الواقعة بينهم حتى يحذروها؛ لقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]

стр. 5

الآية (١) وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (٢) . وقال النبي ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» . رواه مسلم في صحيحه. وقال - أيضا ﵊: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» . رواه مسلم أيضا. وفي الصحيحين عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» . والآيات والأحاديث في الدعوة إلى نشر العلم وترغيب الناس في ذلك والتحذير من الإعراض وكتمان العلم كثيرة. أما ما يقع عند القبور من أنواع الشرك والبدع في بلدان كثيرة فهو أمر معلوم وجدير بالعناية والبيان والتحذير منه، فمن ذلك دعاء

стр. 6

أصحاب القبور والاستغاثة بهم، وطلب شفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ونحو ذلك، وهذا كله من الشرك الأكبر الذي كان عليه أهل الجاهلية، قال الله - سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] (١) . وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٢) . وقال - سبحانه -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٣) . والمعنى أمر وأوصى. وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] الآية (٤) . والآيات في هذا المعنى كثيرة. والعبادة التي خلق الثقلان لأجلها وأمروا بها هي توحيده سبحانه وتخصيصه بجميع الطاعات التي أمر بها من صلاة، وصوم، وزكاة، وحج، وذبح، ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة. كما قال - سبحانه -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (٥) . والنسك هو العبادة ومنها الذبح كما قال - سبحانه -: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ - فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢] (٦) .

стр. 7

وقال النبي ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله» . أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. وقال الله - سبحانه -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (١) . وقال : ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (٢) . وقال في سورة فاطر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤] (٣) . فأوضح - سبحانه - في هذه الآيات: أن الصلاة لغيره، والذبح لغيره، ودعاء الأموات والأصنام، والأشجار، والأحجار كل ذلك من الشرك بالله والكفر به. وأن جميع المدعوين من دونه من أنبياء أو ملائكة أو أولياء، أو جن أو أصنام أو غيرهم لا يملكون لداعيهم نفعا ولا ضرا، وأن دعوتهم من دونه - سبحانه - شرك وكفر، كما أوضح - سبحانه - أنهم لا يسمعون دعاء داعيهم، ولو سمعوا لم يستجيبوا له.

стр. 8

فالواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس الحذر من ذلك، والتحذير منه، وبيان بطلانه، وأنه يخالف ما جاءت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - من الدعوة إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) . وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٢) . وقد مكث ﷺ في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى الله - سبحانه -، يحذر الناس من الشرك به، ويوضح لهم معنى لا إله إلا الله، فاستجاب له الأقلون، واستكبر عن طاعته واتباعه الأكثرون، ثم هاجر إلى المدينة، ﵊، فنشر الدعوة إلى الله - سبحانه - هناك بين المهاجرين والأنصار، وجاهد في سبيل الله، وكتب إلى الملوك والرؤساء وأوضح لهم دعوته، وما جاء به من الهدى، وصبر وصابر في ذلك هو وأصحابه ﵃ حتى ظهر دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر التوحيد وزال الشرك من مكة والمدينة، ومن سائر الجزيرة على يده ﷺ وعلى يد أصحابه من بعده، ثم قام

стр. 9

أصحابه بالدعوة إلى الله - سبحانه - والجهاد في سبيله في المشارق والمغارب حتى نصرهم الله على أعدائه ومكن لهم في الأرض، وظهر دين الله على سائر الأديان، كما وعد بذلك - سبحانه - في كتابه العظيم حيث قال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] (١) . ومن البدع ووسائل الشرك ما يفعل عند القبور من الصلاة عندها، والقراءة عندها، وبناء المساجد والقباب عليها، وهذا كله بدعة ومنكر، ومن وسائل الشرك الأكبر، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . متفق على صحته من حديث عائشة ﵂ وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . فأوضح، ﷺ في هذين الحديثين وما جاء في معناهما: أن اليهود والنصارى كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فحذر أمته من التشبه بهم باتخاذها مساجد، والصلاة عندها، والعكوف عندها، والقراءة عندها؛ لأن هذا كله من وسائل

стр. 10

الشرك. ومن ذلك: البناء عليها، واتخاذ القباب والستور عليها. فكل ذلك من وسائل الشرك والغلو في أهلها. كما قد وقع ذلك من اليهود والنصارى ومن جهال هذه الأمة، حتى عبدوا أصحاب القبور، وذبحوا لهم، واستغاثوا بهم، ونذروا لهم، وطلبوا منهم شفاء المرضى، والنصر على الأعداء. كما يعلم ذلك من عرف ما يفعل عند قبر الحسين، والبدوي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وابن عربي وغيرهم من أنواع الشرك الأكبر، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن تجصيص القبور، والقعود عليها، والبناء عليها، والكتابة عليها، وما ذاك إلا لأن تجصيصها والبناء عليها من وسائل الشرك الأكبر بأهلها. فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبا الحذر من هذا الشرك ومن هذه البدع، وسؤال أهل العلم المعروفين بالعقيدة الصحيحة، والسير على منهج سلف الأمة عما أشكل عليهم من أمور دينهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، عملا بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] (١) . وقول النبي ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس

стр. 11

فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» . وقوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا، يفقهه في الدين» . ومعلوم أن العباد لم يخلقوا عبثا وإنما خلقوا لحكمة عظيمة وغاية شريفة، وهي عبادة الله وحده دون كل ما سواه، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) . ولا سبيل إلى معرفة هذه العبادة إلا بتدبر الكتاب العظيم والسنة المطهرة، ومعرفة ما أمر الله به ورسوله من أنواع العبادة وسؤال أهل العلم عما أشكل في ذلك. وبذلك تعرف عبادة الله التي خلق العباد من أجلها، وتؤدى على الوجه الذي شرعه الله، وهذا هو السبيل الوحيد إلى مرضاة الله - سبحانه - والفوز بكرامته، والنجاة من غضبه وعقابه، وفق الله المسلمين لكل ما فيه رضاه، ومنحهم الفقه في دينه وولى عليهم خيارهم وأصلح قادتهم، ووفق علماء المسلمين لأداء ما يجب عليهم من الدعوة والتعليم، والنصح والتوجيه إنه جواد كريم. ومن أنواع الشرك الحلف بغير الله، كالحلف بالأنبياء، وبرأس فلان، وحياة فلان، والحلف بالأمانة والشرف، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من كان حالفا

стр. 12

فليحلف بالله أو ليصمت» . متفق على صحته. وقوله ﷺ : «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» . رواه الإمام أحمد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح. وقوله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن عمر ﵄، وقال ﵊: «من حلف بالأمانة فليس منا» . وقال أيضا ﵊: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والحلف بغير الله من الشرك الأصغر، وقد يفضي إلى الشرك الأكبر إذا اعتقد تعظيمه مثل تعظيم الله، أو أنه ينفع ويضر دون الله أو أنه يصلح لأن يدعى أو يستغاث به. ومن هذا الباب قول: ما شاء الله وشاء فلان. ولولا الله وفلان. وهذا من الله وفلان. وهذا كله من الشرك الأصغر لقول النبي ﷺ : «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» . وبهذا يعلم أنه لا حرج بأن يقول: لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم فلان. . إذا كان له تسبب في ذلك. وثبت عنه ﷺ «أن رجلا قال له: ما شاء الله

стр. 13

وشئت، فقال له ﷺ : أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده» . فدل هذا الحديث على أنه إذا قال: ما شاء الله وحده، فهذا هو الأكمل، وإن قال: ما شاء الله ثم شاء فلان فلا حرج جمعا بين الأحاديث والأدلة كلها، والله ولي التوفيق. [التوسل المشروع والتوسل الممنوع بالنبي ﷺ ] ٢ - يخلط بعض الناس بين التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ، ومحبته وطاعته، والتوسل بذاته وجاهه كما يقع الخلط بين التوسل بدعائه، ﵊، في حياته وسؤاله الدعاء بعد مماته، وقد ترتب على هذا الخلط التباس المشروع من ذلك بالممنوع منه، فهل من تفصيل يزيل اللبس في هذا الباب، ويرد به على أصحاب الأهواء الذين يلبسون على المسلمين في هذه المسائل؟ الجواب: لا شك أن كثيرا من الناس لا يفرقون بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع بسبب الجهل وقلة من ينبههم ويرشدهم إلى الحق، ومعلوم أن بينهما فرقا عظيما، فالتوسل المشروع هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وخلق من أجله الثقلين، وهو عبادته - سبحانه - ومحبته ومحبة رسوله، ﵊، ومحبة جميع الرسل والمؤمنين والإيمان به وبكل ما أخبر الله به ورسوله من البعث والنشور، والجنة والنار، وسائر ما أخبر الله به ورسوله.

стр. 14

فهذا كله من الوسيلة الشرعية لدخول الجنة والنجاة من النار، والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك دعاؤه - سبحانه - والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ومحبته، والإيمان به وبجميع الأعمال الصالحة التي شرعها لعباده، وجعلها وسيلة إلى مرضاته والفوز بجنته وكرامته، والفوز أيضا بتفريج الكروب وتيسير الأمور في الدنيا والآخرة، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (١) . وقال - سبحانه -: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] (٢) . وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] (٣) . وقال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] (٤) . وقال - سبحانه -: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] (٥) . وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] الآية (٦) . هو العلم والهدى والفرقان. والآيات في هذا المعنى كثيرة. ومن التوسل المشروع التوسل إلى الله - سبحانه - بمحبة نبيه،

стр. 15

صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، واتباع شريعته؛ لأن هذه الأمور من أعظم الأعمال الصالحات، ومن أفضل القربات، أما التوسل بجاهه ﷺ أو بذاته، أو بحقه، أو بجاه غيره من الأنبياء والصالحين أو ذواتهم أو حقهم، فمن البدع التي لا أصل لها؛ بل من وسائل الشرك، لأن الصحابة ﵃ وهم أعلم الناس بالرسول ﷺ وبحقه لم يفعلوا ذلك، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولما أجدبوا في عهد عمر ﵁ لم يذهبوا إلى قبره ﷺ ولم يتوسلوا به ولم يدعوا عنده؛ بل استسقى عمر ﵁ بعمه ﷺ العباس بن عبد المطلب أي بدعائه فقال ﵁ وهو على المنبر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. رواه البخاري في صحيحه. ثم أمر ﵁ العباس أن يدعو فدعا وأمن المسلمون على دعائه فسقاهم الله . وقصة أهل الغار مشهورة وهي ثابتة في الصحيحين، وخلاصتها أن ثلاثة ممن كان قبلنا آواهم المبيت والمطر إلى غار، فدخلوا فيه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فقالوا فيما بينهم: لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فدعوه - سبحانه - واستغاثوا به وتوسل أحدهم ببر والديه، والثاني بعفته عن

стр. 16

الزنا بعد القدرة، والثالث بأدائه الأمانة. فأزاح الله عنهم الصخرة وخرجوا، وهذه القصة من الدلائل العظيمة على أن الأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في تفريج الكروب والخروج من المضائق، والعافية من شدائد الدنيا والآخرة. أما التوسل بجاه فلان أو بحق فلان أو ذاته، فهذا من البدع المنكرة، ومن وسائل الشرك، وأما دعاء الميت والاستغاثة به فذلك من الشرك الأكبر. والصحابة ﵃ كانوا يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو لهم، وأن يستغيث لهم إذا أجدبوا، ويشفع في كل ما ينفعهم حين كان حيا بينهم، فلما توفي ﷺ ، لم يسألوه شيئا بعد وفاته، ولم يأتوا إلى قبره يسألونه الشفاعة أو غيرها؛ لأنهم يعلمون أن ذلك لا يجوز بعد وفاته ﷺ ، وإنما يجوز ذلك في حياته ﷺ قبل موته ويوم القيامة حين يتوجه إليه المؤمنون ليشفع لهم ليقضي الله بينهم ولدخولهم الجنة، بعدما يأتون آدم، ونوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، عليهم الصلاة والسلام، فيعتذرون عن الشفاعة، كل واحد يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، فإذا أتوا عيسى ﵊، اعتذر إليهم وأرشدهم إلى أن يأتوا نبينا محمدا ﷺ فيأتونه فيقول: «أنا لها، أنا لها» لأن الله - سبحانه - قد وعده ذلك فيذهب ويخر ساجدا بين يدي الله

стр. 17

- ويحمده بمحامد كثيرة ولا يزال ساجدا حتى يقال له: أرفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وهو حديث الشفاعة المشهور، وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله سبحانه - في قوله - تعالى - في سورة الإسراء: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (١) . ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان، وجعلنا الله من أهل شفاعته إنه سميع قريب. [معنى لا إله إلا الله وبيان مقتضاها وشروطها] ٣ - يلاحظ جهل كثير من المحسوبين على الأمة الإسلامية بمعنى لا إله إلا الله وقد ترتب على ذلك الوقوع فيما ينافيها ويضادها أو ينقصها من الأقوال والأعمال، فما معنى لا إله إلا الله؟ وما مقتضاها؟ وما شروطها؟ الجواب: لا شك أن هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله هي أساس الدين، وهي الركن الأول من أركان الإسلام، مع شهادة أن محمدا رسول الله، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله

стр. 18

وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» . متفق على صحته من حديث ابن عمر ﵄. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ لما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن، قال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» . الحديث متفق عليه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي تنفي الإلهية بحق عن غير الله - سبحانه - وتثبتها بالحق لله وحده، كما قال الله في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] (١) وقال - سبحانه - في سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] (٢) وقال في سورة

стр. 19

البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١) وقال في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (٢) . والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذه الكلمة العظيمة لا تنفع قائلها ولا تخرجه من دائرة الشرك إلا إذا عرف معناها وعمل به وصدق به. وقد كان المنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم لم يؤمنوا بها ولم يعملوا بها. وهكذا اليهود تقولها وهم من أكفر الناس - لعدم إيمانهم بها -، وهكذا عباد القبور والأولياء من كفار هذه الأمة يقولونها وهم يخالفونها بأقوالهم وأفعالهم وعقيدتهم، فلا تنفعهم ولا يكونون بقولها مسلمين؛ لأنهم ناقضوها بأقوالهم، وأعمالهم، وعقائدهم، وقد ذكر بعض أهل العلم أن شروطها ثمانية جمعها في بيتين فقال: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها وزيد ثامنها الكفران منك بما ... سوى الإله من الأشياء قد ألها

стр. 20

وهذان البيتان قد استوفيا جميع شروطها: الأول: العلم بمعناها المنافي للجهل وتقدم أن معناها لا معبود حق إلا الله، فجميع الآلهة التي يعبدها الناس سوى الله - سبحانه - كلها باطلة. الثاني: اليقين المنافي للشك فلابد في حق قائلها أن يكون على يقين بأن الله - سبحانه - هو المعبود بالحق. الثالث: الإخلاص وذلك بأن يخلص العبد لربه - سبحانه - وهو الله جميع العبادات فإذا صرف منها شيئا لغير الله من نبي، أو ولي، أو ملك، أو صنم، أو جني أو غيرها فقد أشرك بالله ونقض هذا الشرط وهو شرط الإخلاص. الرابع: الصدق، ومعناه أن يقولها وهو صادق في ذلك، يطابق قلبه لسانه، ولسانه قلبه، فإن قالها باللسان فقط وقلبه لم يؤمن بمعناها فإنها لا تنفعه، ويكون بذلك كافرا كسائر المنافقين. الخامس: المحبة، ومعناها أن يحب الله فإن قالها وهو لا يحب الله صار كافرا لم يدخل في الإسلام كالمنافقين. ومن أدلة ذلك قوله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (١) وقوله - سبحانه -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]

стр. 21

(١) والآيات في هذا المعنى كثيرة. السادس: الانقياد لما دلت عليه من المعنى، ومعناه أن يعبد الله وحده وينقاد لشريعته، ويؤمن بها، ويعتقد أنها الحق، فإن قالها ولم يعبد الله وحده، ولم ينقد لشريعته بل استكبر عن ذلك، فإنه لا يكون مسلما كإبليس وأمثاله. السابع: القبول لما دلت عليه، ومعناه أن يقبل ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه، وأن يلتزم بذلك ويرضى به. الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله، ومعناه أن يتبرأ من عبادة غير الله ويعتقد أنها باطلة، كما قال الله - سبحانه -: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] (٢) . وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» . وفي رواية عنه ﷺ أنه قال: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» . أخرجه مسلم في صحيحه.

стр. 22

فالواجب على جميع المسلمين أن يحققوا هذه الكلمة بمراعاة هذه الشروط، ومتى وجد من المسلم معناها والاستقامة عليه فهو مسلم حرام الدم والمال. وإن لم يعرف تفاصيل هذه الشروط لأن المقصود هو العلم بالحق والعمل به، وإن لم يعرف المؤمن تفاصيل الشروط المطلوبة، والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] (١) الآية. وقال - سبحانه -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) ومن كان لا يرضى بذلك من المعبودين من دون الله كالأنبياء والصالحين والملائكة فإنهم ليسوا بطواغيت، وإنما الطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزينها للناس، نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من كل سوء. وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله، والتي تنافي كمالها الواجب، فهو: أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها. كدعاء الأموات، والملائكة، والأصنام، والأشجار، والأحجار، والنجوم ونحو ذلك. . والذبح لهم، والنذر والسجود لهم وغير ذلك.

стр. 23

فهذا كله ينافي التوحيد بالكلية ويضاد هذه الكلمة ويبطلها، وهي لا إله إلا الله، ومن ذلك استحلال ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كالزنا، وشرب المسكر، وعقوق الوالدين، والربا ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا جحد ما أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وبر الوالدين، والنطق بالشهادتين ونحو ذلك. أما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان، وتنافي كمالها الواجب، فهي كثيرة ومنها: الشرك الأصغر: كالرياء، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان، أو هذا من الله ومن فلان، ونحو ذلك، وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان وتنافي كمالها الواجب، فالواجب الحذر من جمع ما ينافي التوحيد والإيمان أو ينقص ثوابهما. والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك كثيرة أوضحها أهل العلم في كتب العقيدة وكتب التفسير والحديث فمن أرادها وجدها والحمد لله. ومن ذلك قول الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] (١) وقوله

стр. 24

سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] (١) وقوله - سبحانه -: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] الآية (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة. [أهمية توحيد الإلهية] ٤ - تكثر في العصر الحاضر البحوث والمؤلفات والمحاضرات في إثبات وجود الله وتقرير ربوبيته من غير الاستدلال بذلك على لازم ذلك ومقتضاه وهو توحيد الإلهية، وقد ترتب على ذلك: الجهل بتوحيد الإلهية، والتهاون بأمره فحبذا لو ألقيتم الضوء على أهمية توحيد الإلهية من حيث إنه أساس النجاة ومدارها ومفتاح دعوة الرسل، عليهم الصلاة والسلام، والأصل الذي يبنى عليه غيره؟ الجواب: لا ريب أن الله - سبحانه - أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان حقه على عباده ودعوتهم إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - دون كل ما سواه، وتخصيصه بجميع عباداتهم؛ لأن أكثر أهل

стр. 25

الأرض قد عرفوا أن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما وقعوا في الشرك به - سبحانه - بصرف عباداتهم أو بعضها لغيره، جهلا بذلك وتقليدا لآبائهم وأسلافهم، كما جرى لقوم نوح ومن بعدهم من الأمم. وكما جرى لأوائل هذه الأمة، فإن الرسول ﷺ لما دعاهم إلى توحيد الله استنكروا ذلك واستكبروا عن قبوله، وقالوا كما ذكر الله ذلك عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) هكذا في سورة ص. وقال عنهم - سبحانه - في سورة الصافات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] (٢) وقال عنهم - سبحانه - في سورة الزخرف،: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على علماء المسلمين وعلى دعاة الهدى أن يوضحوا للناس حقيقة توحيد الألوهية. . والفرق بينه وبين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن كثيرا من المسلمين يجهل ذلك فضلا عن غيرهم، وقد كان كفار قريش وغيرهم من العرب وغالب الأمم يعرفون أن الله خالقهم ورازقهم، ولهذا احتج عليهم - سبحانه - بذلك؛ لأنه

стр. 26

- جل وعلا - وهو المستحق لأن يعبدوه، لكونه خالقهم، ورازقهم، والقادر عليهم من جميع الوجوه، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (١) . وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ [العنكبوت: ٦١] (٢) . وقال - عر وجل - آمرا نبيه ﷺ أن يسألهم عمن يرزقهم: ﴿يَفْتَرُونَ - قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣٠ - ٣١] (٣) قال الله - سبحانه -: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] والآيات في هذا المعنى كثيرة، يحتج عليهم - سبحانه - بما أقروا به من كونه ربهم، وخالقهم، ورازقهم، وخالق السماء والأرض، ومدبر الأمر على ما أنكروه من توحيد العبادة، وبطلان عبادة الأصنام والأوثان وغيرها من كل ما يعبدون من دون الله. وهكذا أمر - سبحانه - عباده بأن يؤمنوا بأسمائه وصفاته، وأن ينزهوه عن مشابهة الخلق، فقال - سبحانه -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]

стр. 27

(١) وقال في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة (٢) . وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] (٣) وقال : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (٤) وقال - سبحانه -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقد أوضح أهل العلم ﵏ أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة، ويوجب ذلك ويقتضيه، ولهذا احتج الله عليهم بذلك، وهكذا توحيد الأسماء والصفات يستلزم تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها لأنه - سبحانه - هو الكامل في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وهو المنعم على عباده، فهو المستحق لأن يعبدوه ويطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه. وأما توحيد العبادة، فهو يتضمن النوعين، ويشتمل عليهما لمن حقق ذلك واستقام عليه علما وعملا. وقد بسط أهل العلم بيان هذا المعنى في كتب العقيدة والتفسير،

стр. 28

كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي وغيرهم، وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، ورد العلامة عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي وغيرهم من علماء السلف ﵏ في كتبهم. وممن أجاد في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمة الله علمهما - في كتبهما. وهكذا أئمة الدعوة الإسلامية في القرن الثاني عشر وما بعده، كالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأبنائه، وتلاميذه، وأتباعهم من أهل السنة. ومن أحسن ما ألف في ذلك: "فتح المجيد" وأصله تيسير العزيز الحميد الأول للشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ والثاني للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ﵀. ومن أحسن ما جمع في ذلك الأجزاء الأولى من الدرر السنية التي جمعها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم ﵀ فإنه جمع فيها فتاوى أئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم من علماء القرن الثاني عشر وما بعده في العقيدة والأحكام فأنصح بقراءتها ومراجعتها وغيرها من كتب علماء السنة لما في ذلك من الفائدة العظيمة. ومن ذلك مجموعة الرسائل الأولى لأئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم ﵏ وردود المشايخ: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله

стр. 29

أبابطين، والشيخ سليمان بن سحمان، وغيرهم من أئمة الهدى وأنصار التوحيد لما فيها من الفائدة وإزالة الشبه الكثيرة، والرد على أهلها، ﵏ جميعا رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وجعلنا من أتباعهم بإحسان. ومن ذلك أعداد مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لما فيها من المقالات العظيمة والفوائد الكثيرة في العقيدة والأحكام. ومن ذلك: المجلدات الأولى من الفتاوى والمقالات الصادرة مني فيما يتعلق بالعقيدة وهي مطبوعة بحمد الله، وموجودة بين طلبة العلم. نفع الله بها. [التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم والتبرك بالنبي ﷺ ] ٥ - هناك من يرى جواز التبرك بالعلماء والصالحين وآثارهم مستدلا بما ثبت من تبرك الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ فما حكم ذلك؟ ثم أليس فيه تشبيه لغير النبي ﷺ بالنبي ﷺ ، وهل يمكن التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته، وما حكم التوسل إلى الله - تعالى - ببركة النبي ﷺ ؟ الجواب: لا يجوز التبرك بأحد غير النبي ﷺ -

стр. 30

لا بوضوئه، ولا بشعره، ولا بعرقه، ولا بشيء من جسده؛ بل هذا كله خاص بالنبي ﷺ ، لما جعل الله في جسده وما مسه من الخير والبركة. ولهذا لم يتبرك الصحابة ﵃ بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ ، لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم، فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص بالنبي ﷺ ، دون غيره، ولأن ذلك وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله سبحانه. . وكذا لا يجوز التوسل إلى الله - سبحانه - بجاه النبي ﷺ ، أو ذاته أو صفته أو بركته لعدم الدليل على ذلك؛ ولأن ذلك من وسائل الشرك به والغلو فيه ﵊، ولأن ذلك أيضا لم يفعله أصحابه ﵃ ولو كان خيرا لسبقونا إليه؛ ولأن ذلك خلاف الأدلة الشرعية، فقد قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (١) ولم يأمر بدعائه - سبحانه - بجاه أحد أو حق أحد أو بركة أحد. ويلحق بأسمائه - سبحانه - التوسل بصفاته كعزته، ورحمته، وكلامه وغير ذلك. ومن ذلك ما جاء في الأحاديث الصحيحة من التعوذ بكلمات الله

стр. 31

التامات، والتعوذ بعزة الله وقدرته. ويلحق بذلك أيضا التوسل بمحبة الله - سبحانه - ومحبة رسوله ﷺ وبالإيمان بالله وبرسوله، والتوسل بالأعمال الصالحات، كما في قصة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار فدخلوا فيه فانحدرت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا دفعها، فتذاكروا بينهم في وسيلة الخلاص منها، واتفقوا بينهم على أنه لن ينجيهم منها إلا أن يدعوا الله بصالح أعمالهم، فتوسل أحدهم إلى الله - سبحانه - في ذلك ببر والديه، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج منه. ثم توسل الأول بعفته عن الزنا بعد القدرة عليه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء لكنهم لا يستطيعون الخروج من ذلك. ثم توسل الثالث بأداء الأمانة فانفرجت الصخرة وخرجوا. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن النبي ﷺ من أخبار من قبلنا لما فيه من العظة لنا والتذكير. وقد صرح العلماء ﵏ بما ذكرته في هذا الجواب. . كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، والشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد وغيرهم. وأما حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ في حياته ﷺ فشفع فيه النبي ﷺ ودعا له فرد الله عليه بصره، فهذا توسل بدعاء النبي

стр. 32

وشفاعته وليس ذلك بجاهه وحقه، كما هو واضح في الحديث. وكما يتشفع الناس به يوم القيامة في القضاء بينهم، كما يتشفع به يوم القيامة أهل الجنة في دخولهم الجنة. وكل هذا توسل به في حياته الدنيوية والأخروية. وهو توسل بدعائه وشفاعته لا بذاته وحقه كما صرح بذلك أهل العلم، ومنهم من ذكرنا آنفا. [حكم وقوع الكثير من العامة في جملة من المخالفات الفادحة في التوحيد] ٦ - يقع كثير من العامة في جملة من المخالفات الفادحة في التوحيد فما حكمهم؟ وهل يعذرون بالجهل؟ وحكم مناكحتهم وأكل ذبائحهم؟ وهل يجوز دخولهم مكة المكرمة؟ الجواب: من عرف بدعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم، ونحو ذلك من أنواع العبادة فهو مشرك كافر لا تجوز مناكحته، ولا دخوله المسجد الحرام، ولا معاملته معاملة المسلمين، ولو ادعى الجهل حتى يتوب إلى الله من ذلك. لقول الله في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] الآية (١)

стр. 33

وقوله - سبحانه - في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١) ولقوله في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية (٢) . ولا يلتفت إلى كونهم جهالا بل يجب أن يعاملوا معاملة الكفار حتى يتوبوا إلى الله من ذلك، لقول الله - سبحانه - في أمثالهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠] (٣)

стр. 34

ولقول الله في النصارى وأمثالهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] (١) . والآيات في هذا المعنى كثيرة. [الاستهزاء بشعائر الدين الظاهرة] ٧ - ظهر في كثير من المجتمعات الإسلامية الاستهزاء بشعائر الدين الظاهرة: كإعفاء اللحى، وتقصير الثياب، ونحوهما، فهل مثل هذا الاستهزاء بالدين الذي يخرج من الملة؟ وبماذا تنصحون من وقع في مثل هذا الأمر؟ وفقكم الله. الجواب: لا ريب أن الاستهزاء بالله ورسوله وبآياته وبشرعه وأحكامه من جملة أنواع الكفر لقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] الآية من سورة التوبة (٢) . ويدخل في ذلك الاستهزاء بالتوحيد، أو بالصلاة، أو بالزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو غير ذلك من أحكام الدين المتفق عليها.

стр. 35

أما الاستهزاء بمن يعفي لحيته أو يقصر ثيابه ويحذر الإسبال أو نحو ذلك من الأمور التي قد تخفى أحكامها، فهذا فيه تفصيل، والواجب الحذر من ذلك، ونصيحة من يعرف منه شيء من ذلك حتى يتوب إلى الله - سبحانه - ويلزم بشرعه، ويحذر الاستهزاء بمن تمسك بالشرع في ذلك، طاعة لله ورسوله ﷺ وحذرا من غضب الله وعقابه والردة عن دينه وهو لا يشعر، نسأل الله لنا وللمسلمين جميعا العافية من كل سوء إنه خير مسئول. والله ولي التوفيق. [أهم الكتب التي ينصح بها سماحتكم أن تقرأ في مجال العقيدة] ٨ - ما هي الكتب التي ينصح بها سماحتكم أن تقرأ في مجال العقيدة؟ الجواب: أحسن كتاب وأعظم كتاب وأصدق كتاب يجب أن يقرأ في تعليم العقيدة والأحكام والأخلاق، هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقد قال الله فيه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] (١) .

стр. 36

وقال أيضا : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] (١) . وقال فيه - سبحانه -: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (٢) . وقال فيه : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] (٣) . وقال فيه : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] (٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وقال فيه النبي ﷺ ، في الحديث الصحيح في خطبته في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله» .

стр. 37

وقال ﷺ في خطبته يوم غدير خم حين رجع من حجة الوداع إلى المدينة: «إني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى، والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به» . فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» . خرجهما مسلم في صحيحه، الأول من حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثاني من حديث زيد بن أرقم ﵁، وقال ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . خرجه البخاري في صحيحه. وقال أيضا ﵊: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» . خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ثم إن أحسن الكتب بعد القرآن الكريم كتب الحديث النبوية، وهي كتب السنة كالصحيحين، والسنن الأربع وغيرها من كتب الحديث المعتمدة، فينبغي أن تعمر المجالس والحلقات بتلاوة القرآن الكريم وتعليمه، وتفقيه الناس فيه، وبدراسة كتب الحديث

стр. 38

الشريف، والعناية بها، وتفقيه الناس فيها، وأن يتولى ذلك أهل العلم والبصيرة، الموثوق بعلمهم ودرايتهم، ونصحهم واستقامتهم. ومن الكتب المناسبة في ذلك، قراءة كتاب رياض الصالحين، والترغيب والترهيب، والوابل الصيب، وعمدة الحديث الشريف، وبلوغ المرام، ومنتقى الأخبار وغيرها من كتب الحديث المفيدة. أما الكتب المؤلفة في العقيدة فمن أحسنها: كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وشرحه لحفيديه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد، وهما تيسير العزيز الحميد، وفتح المجيد. ومن ذلك: مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وكتاب الإيمان، والقاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة، والعقيدة الواسطية، والتدمرية، والحموية، وهذه الخمسة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ومن ذلك: زاد المعاد في هدي خير العباد، والصواعق المرسلة علي الجهمية والمعطلة، واجتماع الجيوش الإسلامية، والقصيدة النونية، وإغاثة اللهفان من مكائد الشيطان، وكل هذه الكتب الخمسة للعلامة ابن القيم ﵀. ومن ذلك شرح الطحاوية لابن أبي العز، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، واقتضاء الصراط المستقيم له أيضا، وكتاب

стр. 39

التوحيد لابن خزيمة، وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، والاعتصام للشاطبي، وغيرها من كتب أهل السنة المؤلفة في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة. ومن أجمع ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والدار السنية في الفتاوى النجدية، جمع العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀. [المزاح بألفاظ فيها كفر أو فسق وموقف طلبة العلم والدعاة منه] ٩ - المزاح بألفاظ فيها كفر أو فسق أمر موجود في بعض المجتمعات المسلمة، فحبذا لو ألقى سماحتكم الضوء على هذا الأمر وموقف طلبة العلم والدعاة منه؟ الجواب: لا شك أن المزاح بالكذب وأنواع الكفر من أعظم المنكرات ومن أخطرها ما يكون بين الناس في مجالسهم، فالواجب الحذر من ذلك، وقد حذر الله من ذلك بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (١) .

стр. 40

وقد قال كثير من السلف ﵏ إنها نزلت في قوم قالوا فيما بينهم في بعض أسفارهم مع النبي ﷺ : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله فيهم هذه الآية، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثم ويل له» . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح. فالواجب على أهل العلم وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات الحذر من ذلك والتحذير منه لما في ذلك من الخطر العظيم والفساد الكبير والعواقب الوخيمة، عافانا الله والمسلمين من ذلك وسلك بنا وبهم صراطه المستقيم إنه سميع مجيب. [ما يخطر ببال الإنسان من وساوس وخواطر وخصوصا في مجال التوحيد والإيمان] ١٠ - يخطر ببال الإنسان وساوس وخواطر وخصوصا في مجال التوحيد والإيمان، فهل المسلم يؤاخذ بهذا الأمر؟ الجواب: قد ثبت عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» . وثبت «أن الصحابة ﵃ سألوه ﷺ عما يخطر لهم من هذه الوساوس المشار إليها في السؤال، فأجابهم ﷺ بقوله: " ذاك صريح الإيمان» وقال ﵊: «لا
следующие страницы →