نقول لهم: كلا، فالطائرة أشد خطرا من غيرها؛ لأن الركاب يختلطون فيها، وربما تجلس إلى جنب رجل، وربما يعرض للطائرة ما يصرفها عن اتجاهها إلى مطار آخر، فلا تجد من يستقبلها فتكون معرضة للخطر، وماذا تكون المرأة في بلد لا تعرفه، ولا محرم لها فيه؟
[من أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما] لها
٤ - ومن أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما لها: قال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان» ، وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم» ، قال المجد في [المنتقى] : رواهما أحمد، وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه.
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٠) : والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ في [الفتح] ، وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة؛ لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. انتهى.
وقد يتساهل بعض النساء وأولياؤهن بأنواع من الخلوة وهي:
أ - خلوة المرأة مع قريب زوجها وكشف وجهها عنده، وهذه
стр. 107
الخلوة أعظم خطرا من غيرها، قال النبي ﷺ : «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو: الموت» (١) وقال: ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره أن يخلو بها.
قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (٩ / ٣٣١) : قال النووي: اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء: أقارب زوج المرأة؛ كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وقال أيضا: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، قال: وجرت العادة بالتساهل، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع. انتهى.
وقال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٢) : قوله: الحمو: الموت، أي: الخوف منه أكثر من غيره، كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره. انتهى.
فاتقي الله أيتها المسلمة، ولا تتساهلي في هذا الأمر، وإن تساهل به الناس؛ لأن العبرة بحكم الشرع لا بعادة الناس.
ب - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بركوب المرأة وحدها في
стр. 108
السيارة مع سائق غير محرم لها مع أن ذلك خلوة محرمة.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ٥٢) : والآن لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها سواء كانت المرأة خفرة (١) أو برزة (٢) والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة، قليل الغيرة على محارمه؛ وقد قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث يشاء من البلد أو خارج البلد طوعا منها أو كرها، ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم ما يترتب على الخلوة المجردة. انتهى.
ولا بد أن يكون الشخص الذي تزول به الخلوة كبيرا، فلا يكفي وجود الطفل، وما تظنه بعض النساء أنها إذا استصحبت معها طفلا زالت الخلوة ظن خاطئ.
قال الإمام النووي (٩ / ١٥٩) : وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية
стр. 109
من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره لا تزول به الخلوة المحرمة.
ج - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بدخول المرأة على الطبيب بحجة أنها بحاجة إلى العلاج، وهذا منكر عظيم، وخطر كبير، لا يجوز إقراره والسكوت عليه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ١٣) : وعلى كل حال، فالخلوة بالمرأة الأجنبية محرمة شرعا، ولو للطبيب الذي يعالجها لحديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، فلا بد من حضور أحد معها، سواء كان زوجها أو أحد محارمها الرجال، فإن لم يتهيأ فلو من أقاربها النساء، فإن لم يوجد أحد ممن ذكر وكان المرض خطرا لا يمكن تأخيره فلا أقل من حضور الممرضة ونحوها؛ تفاديا من الخلوة المنهي عنها. انتهى.
وكذا لا يجوز خلوة الطبيب بالمرأة الأجنبية منه، سواء كانت طبيبة زميلة له أو ممرضة، ولا خلوة المدرس الكفيف أو غيره بالطالبة، ولا خلوة المرأة المضيفة بالطائرة مع رجل أجنبي منها، وهذه الأمور قد تساهل فيها الناس باسم الحضارة الزائفة والتقليد الأعمى للكفار، ولعدم المبالاة بالأحكام الشرعية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 110
ولا تجوز خلوة الرجل بالخادمة التي تخدم في بيته، ولا خلوة المرأة صاحبة البيت بالخادم، ومشكلة الخدم مشكلة خطيرة ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمان، بسبب انشغال النساء بالدراسات والأعمال خارج البيوت، وذلك مما يوجب على المؤمنين والمؤمنات شدة الحذر، وعمل الاحتياطات اللازمة، وأن لا يتجاروا مع العادات السيئة.
[تتمة يحرم على المرأة أن تصافح رجلا ليس من محارمها]
تتمة:
يحرم على المرأة أن تصافح رجلا ليس من محارمها.
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ﵀ في [الفتاوى] الذي طبعته مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية (١ / ١٨٥) : لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا، سواء كن شابات أم عجائز، وسواء كان المصافح شابا أو شيخا كبيرا؛ لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إني لا أصافح النساء» ، وقالت عائشة ﵂: «ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام» ، ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل لعموم الأدلة، ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة. انتهى.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره
стр. 111
[أضواء البيان] (٦ / ٦٠٢، ٦٠٣) : اعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه، ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها، والدليل على ذلك أمور: الأمر الأول: أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: «إني لا أصافح النساء. .» الحديث، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (١) فيلزمنا ألا نصافح النساء؛ اقتداء به ﷺ ، والحديث المذكور قدمناه موضحا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقا في الإحرام وغيره للرجال، وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه، وكونه ﷺ لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا بصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها ﷺ في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته ﷺ ؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره.
الأمر الثاني: هو ما قدمناه من أن المرأة كلها عورة، يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيا إلى
стр. 112
الفتنة من النظرة بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك.
الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلي التلذذ بالأجنبية؛ لقلة تقوى الله في هذا الزمان، وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مرارا أن بعض الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل - المحرم بالإجماع - سلاما، فيقولون: سلم عليها يعنون: قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن كبرها لمس الرجل شيئا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها. . انتهى.
[وختاما]
وختاما أيها المؤمنون والمؤمنات أذكركم بوصية الله لكم في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]