← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31254

تنبيهات على أحكام تختص بالمؤمنات

صالح الفوزان

Полный текст (113 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أسود، ويجوز لها أن تستبدلها بغيرها إذا أرادت. [يسن لها أن تلبي بعد الإحرام بقدر ما تسمع نفسها] ٨ - ويسن لها أن تلبي بعد الإحرام بقدر ما تسمع نفسها، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها؛ ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح. انتهى من [المغني] (٢ / ٣٣٠، ٣٣١) . [يجب عليها في الطواف التستر الكامل] ٩ - يجب عليها في الطواف التستر الكامل، وخفض الصوت، وغض البصر، وألا تزاحم الرجال، وخصوصا عند الحجر أو الركن اليماني، وطوافها في أقصى المطاف مع عدم المزاحمة أفضل لها من الطواف في أدناه قريبا من الكعبة مع المزاحمة؛ لأن المزاحمة حرام، لما فيها من الفتنة، وأما القرب من الكعبة وتقبيل الحجر فهما سنتان مع تيسرهما، ولا ترتكب محرما لأجل تحصيل سنة، بل إنه في هذه الحالة ليس سنة في حقها؛ لأن السنة في حقها في هذه الحالة أن تشير إليه إذا حاذته. قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٣٧) : قال أصحابنا: لا يستحب للنساء تقبيل الحجر، ولا استلامه إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره؛ لما فيه من ضررهن وضرر غيرهن. انتهى. وقال في [المغني] (٣ / ٣٣١) : ويستحب للمرأة الطواف ليلا؛

стр. 72

لأنه أستر لها وأقل للزحام، فيمكنها أن تدنو من البيت وتستلم الحجر. انتهى. [طواف النساء وسعيهن مشي كله] ١٠ - قال في [المغني] (٣ / ٣٩٤) : وطواف النساء وسعيهن مشي كله، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حق النساء، ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للكشف. انتهى. [ما تفعله المرأة الحائض من مناسك الحج وما لا تفعله حتى تطهر] ١١ - ما تفعله المرأة الحائض من مناسك الحج وما لا تفعله حتى تطهر: تفعل الحائض كل مناسك الحج؛ من إحرام، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي للجمار، ولا تطوف بالبيت حتى تطهر؛ لقوله ﷺ لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (١) ولمسلم في رواية: «فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» . قال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٥ / ٤٩) : والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل، والنهي

стр. 73

يقتضي الفساد المراد في البطلان، فيكون طواف الحائض باطلا، وهو قول الجمهور. انتهى. ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن السعي لا يصح إلا بعد طواف نسك؛ لأن النبي ﷺ لم يسع إلا بعد طواف. قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٨٢) فرع لو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقدمنا عن الماوردي أنه نقل الإجماع فيه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وحكى ابن المنذر عن عطاء وبعض أهل الحديث: أنه يصح، حكاه أصحابنا عن عطاء وداود. دليلنا أن النبي ﷺ سعى بعد الطواف، وقال ﷺ : «لتأخذوا عني مناسكم» ، وأما حديث ابن شريك الصحابي ﵁ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئا، أو قدمت شيئا، فكان يقول: لا حرج إلا على رجل اقترض من عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي هلك وحرج» ، فرواه أبو داود بإسناد صحيح كل رجاله رجال الصحيح إلا أسامة بن شريك الصحابي، وهذا الحديث محمول على ما حمله الخطابي وغيره، وهو أن قوله: سعيت قبل أن أطوف، أي: سعيت بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة. انتهى.

стр. 74

قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره: [أضواء البيان] (٥ / ٢٥٢) : اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي لا يصح إلا بعد طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإجماع عليه، ثم نقل كلام النووي الذي مر قريبا، وجوابه عن حديث ابن شريك، ثم قال: فقوله: قبل أن أطوف يعني: طواف الإفاضة الذي هو ركن، ولا ينافي ذلك أنه سعى بعد طواف القدوم الذي هو ليس بركن. انتهى. وقال في [المغني] (٥ / ٢٤٥) - طبعة هجر -: والسعي تبع للطواف، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسيا، وإن كان عمدا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: لا حرج، ووجه الأول: أن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم» انتهى. فعلم مما سبق أن الحديث الذي استدل به من قال بصحة السعي قبل الطواف لا دلالة فيه؛ لأنه محمول على أحد أمرين: إما أنه فيمن سعى قبل الإفاضة وكان قد سعى للقدوم فيكون سعيه واقعا بعد طواف، أو أنه محمول على الجاهل والناسي دون العامد،

стр. 75

وإنما أطلت في هذه المسألة لأنه قد ظهر الآن من يفتي بجواز السعي قبل الطواف مطلقا، والله المستعان. [تنبيه] لو طافت المرأة، وبعد أن انتهت من الطواف أصابها الحيض فإنها في هذه الحالة تسعى؛ لأن السعي لا تشترط له الطهارة، قال في [المغني] (٥ / ٢٤٦) : أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. . إلى أن قال: قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت، وروي عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة رواه الأثرم. انتهى. [يجوز للنساء أن ينفرن مع الضعفة من المزدلفة بعد غيبوبة القمر] ١٢ - يجوز للنساء أن ينفرن مع الضعفة من المزدلفة بعد غيبوبة القمر ويرمين جمرة العقبة عند الوصول إلى منى؛ خوفا عليهن من الزحمة. قال الموفق في [المغني] (٥ / ٢٨٦) : ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا، ولأن فيه رفقا بهم، ودفعا لمشقة

стр. 76

الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم ﷺ . انتهى. وقال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٥ / ٧٠) والأدلة تدل على أن وقت الرمي بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة - كالنساء وغيرهن من الضعفة - جاز قبل ذلك. انتهى. وقال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ١٢٥) : قال الشافعي والأصحاب: السنة تقديم الضعفاء من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك. [المرأة تقصر من رأسها للحج والعمرة من رؤوس شعر رأسها قدر أنملة] ١٣ - المرأة تقصر من رأسها للحج والعمرة من رؤوس شعر رأسها قدر أنملة، لا يجوز لها الحلق، والأنملة: رأس الأصبع من المفصل الأعلى. قال في [المغني] (٥ / ٣١٠) : والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق، لا خلاف في ذلك، قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم؛ وذلك لأن الحلق في حقهن مثلة، وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» (١) وعن علي قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة

стр. 77

رأسها» (١) وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة، وهو قول ابن عمر والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها، قال: نعم، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة. انتهى. قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ١٥٠، ١٥٤) : أجمع العلماء على أنه لا تؤمر المرأة بالحلق، بل وظيفتها التقصير من رأسها. . . . لأنه بدعة في حقهن وفيه مثلة. [المرأة الحائض إذا رمت جمرة العقبة وقصرت من رأسها فإنها تحل من إحرامها] ١٤ - المرأة الحائض إذا رمت جمرة العقبة وقصرت من رأسها فإنها تحل من إحرامها، ويحل لها ما كان محرما عليها بالإحرام، إلا أنها لا تحل للزوج، فلا يجوز لها أن تمكنه من نفسها حتى تطوف بالبيت طواف الإفاضة، فإن وطئها في هذه الأثناء وجبت عليها الفدية، وهي ذبح شاة في مكة توزعها على مساكين الحرم؛ لأن ذلك بعد التحلل الأول. [إذا حاضت المرأة بعد طواف الإفاضة فإنها تسافر متى أرادت ويسقط عنها] طواف الوداع ١٥ - إذا حاضت المرأة بعد طواف الإفاضة فإنها تسافر متى أرادت ويسقط عنها طواف الوداع؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت: فذكرت

стр. 78

ذلك لرسول ﷺ ، فقال: أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: فلتنفر إذن» (١) . وعن ابن عباس: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (٢) وعنه أيضا: «أن النبي ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة» (٣) . قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٢٨١) : قال ابن المنذر: وبهذا قال عوام أهل العلم، منهم: مالك والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وغيرهم. انتهى. قال في [المغني] (٣ / ٤٦١) : هذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقال: والحكم في النفساء كالحكم في الحائض؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط. انتهى. [المرأة تستحب لها زيارة المسجد النبوي] ١٦ - المرأة تستحب لها زيارة المسجد النبوي (٤) للصلاة فيه

стр. 79

والدعاء، لكن لا يجوز لها زيارة قبر النبي ﷺ ؛ لأنها منهية عن زيارة القبور. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية ﵀ في [مجموع فتاويه] (٣ / ٢٣٩) : والصحيح في المسألة منعهن من زيارة قبره ﷺ ؛ لأمرين: أولا: عموم الأدلة، والنهي إذا جاء عاما فلا يجوز لأحد تخصيصه إلا بدليل، ثم العلة موجودة هنا. . انتهى (١) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في منسكه (٢) لما ذكر زيارة قبر الرسول ﷺ لمن زار مسجده الشريف، قال: وهذه الزيارة إنما تشرع في حق الرجال خاصة، أما النساء فليس لهن زيارة شيء من القبور، كما ثبت عن النبي ﷺ ، أنه «لعن زوارات القبور من النساء، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . وأما قصد المدينة للصلاة في مسجد الرسول ﷺ والدعاء فيه، ونحو ذلك مما يشرع في سائر المساجد فهو مشروع في حق الجميع. انتهى.

стр. 80

[الفصل التاسع أحكام تختص بالزوجية وإنهائها] الفصل التاسع أحكام تختص بالزوجية وإنهائها يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] (١) . ويقول تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] (٢) . يقول الإمام ابن كثير ﵀: هذا أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود. ثم ذكر أن الزواج سبب للغنى، مستدلا بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]

стр. 81

(١) وذكر عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] رواه ابن جرير، وذكر البغوي عن عمر نحوه. انتهى من [تفسير ابن كثير] (٥ / ٩٤، ٩٥) طبعة دار الأندلس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (٣٢ / ٩٠) : فأباح الله سبحانه للمؤمنين أن ينكحوا، وأن يطلقوا، وأن يتزوجوا المرأة المطلقة بعد أن تتزوج بغير زوجها، والنصارى يحرمون النكاح على بعضهم، ومن أباحوا له النكاح لم يبيحوا له الطلاق، واليهود يبيحون الطلاق، لكن إذا تزوجت المطلقة بغير زوجها حرمت عليه عندهم، والنصارى لا طلاق عندهم، واليهود لا مراجعة بعد أن تتزوج غيره عندهم، والله تعالى أباح للمؤمنين هذا وهذا. انتهى. وقال الإمام ابن القيم ﵀ في [الهدي النبوي]

стр. 82

(٣ / ١٤٩) مبينا منافع الجماع الذي هو أحد مقاصد الزوجية: فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية: أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم. الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. انتهى. فالزواج فيه منافع عظيمة أعظمها: أنه وقاية من الزنى، وقصر للنظر عن الحرام. ومنها: حصول النسل وحفظ الأنساب. ومنها: حصول السكن بين الزوجين والاستقرار النفسي. ومنها: تعاون الزوجين على تكوين الأسرة الصالحة التي هي إحدى لبنات المجتمع المسلم. ومنها: قيام الزوج بكفالة المرأة وصيانتها، وقيام المرأة بأعمال البيت، وأداؤها لوظيفتها الصحيحة في الحياة، لا كما يدعيه أعداء المرأة وأعداء المجتمع من أن المرأة شريكة الرجل في العمل خارج البيت، فأخرجوها من بيتها، وعزلوها عن وظيفتها الصحيحة، وسلموها عمل غيرها، وسلموا عملها إلى غيرها؛ فاختل نظام الأسرة، وساء التفاهم بين الزوجين، مما

стр. 83

يسبب في كثير من الأحيان الفراق بينهما أو البقاء على مضض ونكد. قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره [أضواء البيان] (٣ / ٤٢٢) : (واعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن هذه الفكرة الكافرة الخاطئة الخاسئة، المخالفة للحس والعقل، وللوحي السماوي، وتشريع الخالق البارئ من تسوية الأنثى بالذكر في جميع الأحكام والميادين فيها من الفساد والإخلال بنظام المجتمع الإنساني ما لا يخفى على أحد إلا من أعمى الله بصيرته؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل الأنثى بصفاتها الخاصة بها صالحة لأنواع من المشاركة في بناء المجتمع الإنساني صلاحا لا يصلح له غيرها كالحمل والوضع والإرضاع، وتربية الأولاد، وخدمة البيت، والقيام على شؤونه من طبخ وعجن وكنس وغير ذلك، وهذه الخدمات التي تقوم بها للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة وعفاف ومحافظة على الشرف والفضيلة والقيم الإنسانية لا تقل عن خدمة الرجل بالاكتساب، فزعم أولئك السفلة الجهلة من الكفار وأتباعهم أن المرأة لها من الحقوق في الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل، مع أنها في زمن حملها وإرضاعها ونفاسها لا تقدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقة، كما هو مشاهد، فإذا خرجت هي وزوجها

стр. 84

بقيت خدمات البيت كلها ضائعة من حفظ الأولاد الصغار، وإرضاع من هو في زمن الرضاع منهم، وتهيئة الأكل والشرب للرجل إذا جاء من عمله، فلو أجر إنسانا يقوم مقامها لتعطل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطل الذي خرجت المرأة فرارا منه فعادت النتيجة في حافرتها، على أن خروج المرأة وابتذالها، فيه ضياع المروءة والدين) . انتهى. فاتقي الله أيتها الأخت المسلمة، ولا تنخدعي بهذه الدعاية المغرضة، فإن واقع النساء اللاتي انخدعن بها خير شاهد على فسادها وفشلها، والتجربة خير برهان، بادري أيتها الأخت المسلمة بالزواج ما دمت شابة مرغوبة، ولا تؤخريه من أجل مواصلة دراسة أو عمل في وظيفة، فإن الزواج الموفق هو سعادتك وراحتك، وهو يعوض عن كل دراسة ووظيفة، ولا يعوض عنه دراسة ولا وظيفة مهما بلغا. قومي بعمل بيتك وتربية أولادك، فإن هذا هو عملك الأساسي المثمر في الحياة ولا تطلبي عنه بديلا، فإنه لا يعدله شيء، لا تفوتي الزواج بالرجل الصالح، فإن الرسول ﷺ يقول: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد» (١) .

стр. 85

[أخذ رأي المرأة في تزويجها] أخذ رأي المرأة في تزويجها: التي يراد تزويجها لا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون صغيرة بكرا، وإما أن تكون بالغة بكرا، وإما أن تكون ثيبا، ولكل واحدة حكم خاص. ١ - فأما البكر الصغيرة فلا خلاف أن لأبيها أن يزوجها بدون إذنها؛ لأنه لا إذن لها؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ زوج ابنته عائشة ﵂ رسول الله ﷺ ، وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين (١) . قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٨، ١٢٩) : في الحديث دليل على أنه يجوز للأب أن يزوج ابنته قبل البلوغ، وقال أيضا: فيه دليل على أنه يجوز تزويج الصغيرة بالكبير، وقد بوب لذلك البخاري، وذكر حديث عائشة، وحكى في [الفتح] الإجماع على ذلك. . انتهى. وقال في [المغني] (٦ / ٤٨٧) : قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن إنكاح الأب ابنته الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء. انتهى. أقول: وفي تزويج أبي بكر ﵁ لعائشة ﵂

стр. 86

وهي بنت ست سنين من النبي ﷺ أبلغ رد على الذين ينكرون تزويج الصغيرة من الكبير، ويشوهون ذلك، ويعتبرونه منكرا، وما هذا إلا لجهلهم، أو أنهم مغرضون. ٢ - أما البكر البالغة فلا تزوج إلا بإذنها، وإذنها صماتها؛ لقوله ﷺ : «ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» (١) فلا بد من إذنها، ولو كان المزوج لها أبوها على الصحيح من قولي العلماء. قال العلامة ابن القيم في [الهدي] (٥ / ٩٦) : وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين لله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأمره ونهيه. انتهى. ٣ - وأما الثيب فلا تزوج إلا بإذنها، وإذنها بالكلام، بخلاف البكر، فإذنها الصمات. قال في [المغني] (٦ / ٤٩٣) : أما الثيب فلا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن إذنها الكلام للخبر، ولأن اللسان هو المعبر عما في القلب، وهو المعتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن. انتهى.

стр. 87

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٣٢ / ٣٩، ٤٠) : المرأة لا ينبغي لأحد أن يزوجها إلا بإذنها، كما أمر النبي ﷺ ، فإن كرهت ذلك لم تجبر على النكاح إلا الصغيرة البكر، فإن أباها يزوجها، ولا إذن لها، وأما البالغ الثيب فلا يجوز تزويجها بغير إذنها لا للأب ولا لغيره بإجماع المسلمين، وكذلك البكر البالغ ليس لغير الأب والجد تزويجها بدون إذنها بإجماع لمسلمين، فأما الأب والجد فينبغي لهما استئذانها. واختلف العلماء في استئذانها هل هو واجب أو مستحب؟ والصحيح أنه واجب، ويجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وينظر في الزوج هل هو كفء أو غير كفء، فإنه يزوجها لمصلحتها لا لمصلحته. انتهى. [اشتراط الولي في تزويج المرأة وحكمته] اشتراط الولي في تزويج المرأة وحكمته: ليس معنى إعطاء المرأة حق اختيار الزوج المناسب لها، إطلاق العنان لها في أن تتزوج من شاءت، ولو كان في ذلك ضرر أقاربها وأسرتها، وإنما هي مربوطة بولي يشرف على اختيارها ويرشدها في أمرها، ويتولى عقد تزويجها، فلا تعقد لنفسها، فإن عقدت لنفسها فعقدها باطل؛ لما في السنن من حديث عائشة ﵂: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل.»

стр. 88

الحديث، قال الترمذي: حديث حسن، وفي السنن الأربع: «لا نكاح إلا بولي» ، دل الحديثان وما جاء بمعناهما أنه لا يصح النكاح إلا بولي؛ لأن الأصل في النفي نفي الصحة، وقال الترمذي: (العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم، وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا: «لا نكاح إلا بولي» ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) . وانظر [المغني] (٦ / ٤٤٩) . [حكم ضرب النساء للدف من أجل إعلان النكاح] حكم ضرب النساء للدف من أجل إعلان النكاح: يستحب ضرب النساء للدف حتى يعرف النكاح ويشتهر، ويكون ذلك بين النساء خاصة، ولا يكون مصحوبا بموسيقى، ولا بآلات لهو، ولا أصوات مطربات، ولا بأس بإنشاد النساء الشعر بهذه المناسبة بحيث لا يسمعهن الرجال، فال رسول الله ﷺ : «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (١) . قال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ٢٠٠) : في ذلك دليل على أنه يجوز في النكاح ضرب الأدفاف ورفع الأصوات بشيء من الكلام نحو: أتيناكم أتيناكم ونحوه، لا بالأغاني المهيجة للشرور، والمشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة

стр. 89

الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، وكذلك سائر الملاهي المحرمة. انتهى. أيتها المسلمة لا تسرفي في شراء الحلي والأقمشة بمناسبة الزواج، فإن هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، وأخبر أنه لا يحب أهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (١) . عليك بالاعتدال وترك المباهاة. [وجوب طاعة المرأة لزوجها وتحريم معصيتها له] وجوب طاعة المرأة لزوجها وتحريم معصيتها له: يجب عليك أيتها المرأة المسلمة طاعة زوجك بالمعروف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت» (٢) وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» (٣) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم

стр. 90

تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (١) وفي رواية للبخاري ومسلم، قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها» . ومن حق الزوج على زوجته أن تقوم برعاية بيته وأن لا تخرج منه إلا بإذنه، قال ﷺ : «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها» (٢) ومن حقه عليها أن تقوم بعمل البيت ولا تحوجه إلى جلب خادمة يتحرج منها ويتعرض بسببها للخطر في نفسه وأولاده. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٣٢ / ٢٦٠، ٢٦١) : قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] (٣) يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقا من خدمة وسفر معه، وتمكين له، وغير ذلك، كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ . انتهى. وقال العلامة ابن القيم في [الهدي] (٥ / ١٨٨، ١٨٩) :

стр. 91

واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأما ترفيه المرأة وخدمة الزوج لها وكنسه وطحنه وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (١) وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] (٢) وإذا لم تخدمه المرأة بل يكون هو الخادم لها فهي القوامة عليه، إلى أن قال: فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها وما جرت به عادة الأزواج. وأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقال: ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين - يعني فاطمة ﵂ كانت تخدم زوجها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يشكها. انتهى. [إذا رأت المرأة من زوجها عدم رغبة فيها وهي ترغب البقاء معه، فكيف] تعالج الموقف س: إذا رأت المرأة من زوجها عدم رغبة فيها وهي ترغب البقاء معه، فكيف تعالج الموقف؟ ج: يقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]

стр. 92

(١) . قال الحافظ ابن كثير: إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا حرج عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] (٢) أي: خير من الفراق. . . ثم ذكر قصة سودة بنت زمعة ﵂، وأنها لما كبرت وعزم رسول الله ﷺ على فراقها صالحته على أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك. انظر [تفسير ابن كثير] (٢ / ٤٠٦) الطبعة الأخيرة. [إذا كانت المرأة مبغضة للزوج ولا تريد البقاء معه فماذا تفعل] س: إذا كانت المرأة مبغضة للزوج ولا تريد البقاء معه فماذا تفعل؟ ج: يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣) .

стр. 93

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١ / ٤٨٣) : (وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على معاشرته فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها. انتهى، وهذا هو الخلع. [إذا طلبت منه الفراق من غير عذر فماذا عليها من الوعيد] س: إذا طلبت منه الفراق من غير عذر فماذا عليها من الوعيد؟ ج: عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» (١) ؛ وذلك لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وإنما يصار إليه عند الحاجة، أما بدونها فإنه مكروه لما بترتب عليه من الأضرار التي لا تخفى، والحاجة التي تلجئ المرأة إلى طلب الطلاق أن يمتنع من القيام بحقها عليه على وجه تتضرر بالبقاء معه، قال الله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٢) وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] (٣) .

стр. 94

[ما يجب على المرأة عند انتهاء عقد الزواج] ما يجب على المرأة عند انتهاء عقد الزواج: الفرقة بين الزوجين على نوعين: أحدهما: فرقة في الحياة، والثانية: فرقة بالموت، وفي كلا الفرقتين تجب عليها العدة، وهي تربص محدود شرعا، والحكمة فيها أنها حرم لانقضاء النكاح لما كمل، واستبراء للرحم من الحمل لئلا يطأها غير المفارق لها فيحصل الاشتباه وتضيع الأنساب، وفيها احترام لعقد النكاح السابق، واحترام لحق الزوج المفارق، وإظهار للتأثر من فراقه. [العدة أربعة أنواع] [النوع الأول عدة الحامل] والعدة أربعة أنواع: النوع الأول: عدة الحامل: وهي بوضع الحمل مطلقا، بائنة كانت أو رجعية، مفارقة في الحياة أو متوفى عنها، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (١) . [النوع الثاني عدة المطلقة التي تحيض] النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيض، وهي ثلاثة قروء، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٢) أي: ثلاث حيض. [النوع الثالث التي لا حيض لها] النوع الثالث: التي لا حيض لها، وهي نوعان: صغيرة لا

стр. 95

تحيض، وكبيرة قد يئست من الحيض، فبين الله سبحانه عدة النوعين بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] (١) أي: فعدتهن كذلك. [النوع الرابع المتوفى عنها زوجها] النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها، بين عدتها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٢) فهذا يتناول المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل؛ لأنها خرجت بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] انتهى. من [الهدي النبوي] لابن القيم (٥ / ٥٩٤، ٥٩٥) الطبعة المحققة. [ما يحرم في حق المعتدة] [حكم خطبتها] ما يحرم في حق المعتدة ١ - حكم خطبتها: أ - المعتدة الرجعية: تحرم خطبتها تصريحا وتعريضا، لأنها في حكم الزوجات، فلا يجوز لأحد أن يخطبها؛ لأنها ما زالت في عصمة زوجها. ب - المعتدة غير الرجعية: تحرم خطبتها تصريحا لا تعريضا؛

стр. 96

لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (١) والتصريح إظهار الرغبة في تزوجها، كأن يقول: أريد أن أتزوجك؛ لأنه قد يحملها الحرص على الزواج على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها فعلا، بخلاف التعريض، فإنه غير صريح ببيان تزوجها فلا يترتب عليه محذور، ولمفهوم الآية الكريمة. ومثال التعريض: أن يقول: إني في مثلك لراغب - مثلا - ويباح للمعتدة غير الرجعية أن تجيب عن التعريض تعريضا، ولا يحل لها أن تجيب عن التصريح، ولا يباح للرجعية أن تجيب من خطبها، لا تصريحا ولا تعريضا. [يحرم العقد على المعتدة من الغير] ٢ - يحرم العقد على المعتدة من الغير: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٢) . قال ابن كثير في تفسيره (١ / ٥٠٩) : يعني: ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة. انتهى.

стр. 97

[فائدتان] الأولى: من طلقت قبل الدخول فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (١) . قال ابن كثير في تفسيره (٥ / ٤٧٩) : هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها فلا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت. الثانية: أن من طلقت قبل الدخول وقد سمي لها مهر فلها نصفه، ومن لم يسم لها مهر فلها المتعة بما تيسر من كسوة ونحوها. ومن طلقت بعد الدخول فلها المهر، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٢) إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٣) أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح بتطليق

стр. 98

النساء قبل المسيس وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لها فإنه ينجبر بالمتعة، وهي من كل زوج بحسب حاله عسرا ويسرا بما جرى به العرف، ثم ذكر سبحانه التي سمي لها مهر وأمر بإعطائها نصفه. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١ / ٥١٢) : وتشطير الصداق - والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء لا خلاف بينهم في ذلك. انتهى. [يحرم على المعتدة من وفاة خمسة أشياء تسمى بالحداد] ٣ - يحرم على المعتدة من وفاة خمسة أشياء تسمى ب (الحداد) : أحدها: الطيب بجميع أنواعه: فلا تتطبب في بدنها، ولا ثوبها، ولا تستعمل الأشياء المطيبة؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «ولا تمس طيبا» . الثاني: الزينة في بدنها: فيحرم عليها الخضاب، وكل أنواع التزين كالاكتحال وأنواع الأصباغ الجلدية، إلا إذا اضطرت إلى الاكتحال تداويا لا زينة، فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهارا، ولا بأس أن تداوي عينيها بغير الكحل مما لا زينة فيه. الثالث: التزين بالثياب المعدة للزينة مما صنع للزينة، وتلبس من الثياب ما لا زينة فبه، ولا يتعين لون خاص مما جرت العادة بلبسه. الرابع: لبس الحلي بجميع أنواعه حتى الخاتم.

стр. 99

الخامس: المبيت في غير منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه، ولا تتحول عنه إلا بعذر شرعي، ولا تخرج لعيادة مريض، ولا لزيارة صديق أو قريب، ويباح لها الخروج في النهار لحاجاتها الضرورية، ولا تمنع من غير هذه الأشياء الخمسة مما أباح الله. قال الإمام ابن القيم في [الهدي النبوي] (٥ / ٥٠٧) : ولا تمنع من تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (٣٤ / ٢٧، ٢٨) : ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله كالفاكهة واللحم، وكذلك شرب ما يباح من الأشربة، إلى أن قال: ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن. انتهى. وما يقوله العوام: أنها تغطي وجهها عن القمر، ولا تصعد لسطح المنزل، ولا تكلم الرجال، وتغطي وجهها عن محارمها، وغير ذلك كله لا أصل له. والله أعلم.

стр. 100

[الفصل العاشر في بيان أحكام تحفظ للمرأة كرامتها وتصون عفتها] [المرأة كالرجل مأمورة بغض البصر وحفظ الفرج] الفصل العاشر في بيان أحكام تحفظ للمرأة كرامتها وتصون عفتها ١ - المرأة كالرجل مأمورة بغض البصر وحفظ الفرج، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١] (١) . قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره [أضواء البيان] : أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج حفظه من الزنى واللواط والمساحقة، وحفظه من الإبداء للناس والانكشاف لهم. . . إلى أن قال: وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية، من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى قوله:

стр. 101

﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (١) انتهى. من [أضواء البيان] (٦ / ١٨٦، ١٨٧) . قوله: والمساحقة، المساحقة هي إتيان المرأة المرأة بالمدالكة، وذلك جريمة عظيمة تستحق عليها الفاعلتان تأديبا رادعا. قال في [المغني] (٨ / ١٩٨) : وإن تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ، وعليهما التعزير؛ لأنه زنا لا حد فيه. انتهى (٢) . فلتحذر المرأة المسلمة خصوصا الشابات من فعل هذا المنكر القبيح. وأما عن غض البصر، فقد قال عنه العلامة ابن القيم في [الجواب الكافي] صفحة ١٢٩، ١٣٥: وأما اللحظات فهي رائد

стр. 102

الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك، وقد قال النبي ﷺ : «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى» المراد بها: نظرة الفجأة التي تقع بدون قصد، قال: وفي [المسند] عنه ﷺ : «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» . . . إلى أن قال: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع؛ ولهذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. انتهى. فعليك أيتها الأخت المسلمة بغض البصر عن النظر إلى الرجال، وعدم النظر في الصور الفاتنة التي تعرض في بعض المجلات، أو على الشاشات في التلفاز أو الفيديو تسلمي من سوء العاقبة، فكم نظرة جرت على صاحبها حسرة، والنار من مستصغر الشرر. [من أسباب حفظ الفرج الابتعاد عن استماع الأغاني والمزامير] ٢ - ومن أسباب حفظ الفرج الابتعاد عن استماع الأغاني والمزامير. قال الإمام العلامة ابن القيم في [إغاثة اللهفان] (١ / ٢٤٢، ٢٤٨، ٢٦٤، ٢٦٥) : ومن مكائد الشيطان التي كاد بها

стр. 103

من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى. . . إلى أن قال: وأما سماعه من المرأة أو الأمرد فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادا للدين. . إلى أن قال: ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، وقال أيضا: ومن المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان؛ وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا، فإذا كان الصوت بالغناء دار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، قال: فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا؟! انتهى. فاتقي الله أيتها المرأة المسلمة، واحذري هذا المرض الخلقي الخطير، وهو استماع الأغاني التي تروج بين المسلمين بمختلف الوسائل وأنواع الأساليب، مما جعل كثيرا من الفتيات الجاهلات يطلبنها من مصادرها، ويتهادينها بينهن.

стр. 104

[من أسباب حفظ الفروج منع المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم] ٣ - ومن أسباب حفظ الفروج، منع المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم يصونها ويحميها من أطماع العابثين والفسقة: فقد جاءت الأحاديث الصحيحة تمنع سفر المرأة بدون محرم، منها: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ «نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين إلا ومعها زوجها، أو ذو محرم» متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم ولبلة إلا مع ذي محرم عليها» متفق عليه. والتقدير في الأحاديث بثلاثة الأيام واليومين واليوم والليلة المراد به ما كان على وسائل النقل مما هو معروف آنذاك من سير الأقدام والرواحل، واختلاف الأحاديث في هذا التقدير بثلاثة أيام أو يومين أو يوم وليلة، وما هو أقل من ذلك أجاب عنه العلماء بأنه ليس المراد ظاهره، وإنما المراد كل ما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه. قال الإمام النووي في [شرح صحيح مسلم] (٩ / ١٠٣) : فالحاصل: أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك؛

стр. 105

لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» ، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا، والله أعلم. انتهى. وأما من أفتى بجواز سفرها مع جماعة من النساء للحج الواجب فهذا خلاف السنة، قال الإمام الخطابي في [معالم السنن] (٢ / ٢٧٦، ٢٧٧) مع [تهذيب] ابن القيم: وقد حظر النبي ﷺ عليها أن تسافر إلا ومعها رجل ذو محرم منها، فإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم الشريطة التي أثبتها النبي ﷺ خلاف السنة، فإذا كان خروجها مع غير ذي محرم معصية لم يجز إلزامها الحج، وهو طاعة بأمر يؤدي إلى معصية. انتهى. أقول: وهم لم يبيحوا للمرأة أن تسافر من دون محرم مطلقا، وإنما أباحوا لها ذلك في سفر الحج الواجب فقط. يقول الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٢٤٩) : ولا يجوز في التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحوهما إلا بمحرم. انتهى. فالذين يتساهلون في هذا الزمان في سفر المرأة بدون محرم في كل سفر لا يوافقهم عليه أحد من العلماء الذين يعتد بقولهم. وقولهم: إن محرمها يركبها في الطائرة ثم يستقبلها محرمها الآخر عند وصولها إلى البلد الذي تريده؛ لأن الطائرة مأمونة بزعمهم لما فيها من كثرة الركاب من رجال ونساء.

стр. 106

نقول لهم: كلا، فالطائرة أشد خطرا من غيرها؛ لأن الركاب يختلطون فيها، وربما تجلس إلى جنب رجل، وربما يعرض للطائرة ما يصرفها عن اتجاهها إلى مطار آخر، فلا تجد من يستقبلها فتكون معرضة للخطر، وماذا تكون المرأة في بلد لا تعرفه، ولا محرم لها فيه؟ [من أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما] لها ٤ - ومن أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما لها: قال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان» ، وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم» ، قال المجد في [المنتقى] : رواهما أحمد، وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه. قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٠) : والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ في [الفتح] ، وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة؛ لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. انتهى. وقد يتساهل بعض النساء وأولياؤهن بأنواع من الخلوة وهي: أ - خلوة المرأة مع قريب زوجها وكشف وجهها عنده، وهذه

стр. 107

الخلوة أعظم خطرا من غيرها، قال النبي ﷺ : «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو: الموت» (١) وقال: ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره أن يخلو بها. قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (٩ / ٣٣١) : قال النووي: اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء: أقارب زوج المرأة؛ كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وقال أيضا: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، قال: وجرت العادة بالتساهل، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع. انتهى. وقال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٦ / ١٢٢) : قوله: الحمو: الموت، أي: الخوف منه أكثر من غيره، كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره. انتهى. فاتقي الله أيتها المسلمة، ولا تتساهلي في هذا الأمر، وإن تساهل به الناس؛ لأن العبرة بحكم الشرع لا بعادة الناس. ب - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بركوب المرأة وحدها في

стр. 108

السيارة مع سائق غير محرم لها مع أن ذلك خلوة محرمة. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ٥٢) : والآن لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها سواء كانت المرأة خفرة (١) أو برزة (٢) والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة، قليل الغيرة على محارمه؛ وقد قال ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث يشاء من البلد أو خارج البلد طوعا منها أو كرها، ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم ما يترتب على الخلوة المجردة. انتهى. ولا بد أن يكون الشخص الذي تزول به الخلوة كبيرا، فلا يكفي وجود الطفل، وما تظنه بعض النساء أنها إذا استصحبت معها طفلا زالت الخلوة ظن خاطئ. قال الإمام النووي (٩ / ١٥٩) : وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية

стр. 109

من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره لا تزول به الخلوة المحرمة. ج - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بدخول المرأة على الطبيب بحجة أنها بحاجة إلى العلاج، وهذا منكر عظيم، وخطر كبير، لا يجوز إقراره والسكوت عليه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في [مجموع الفتاوى] (١٠ / ١٣) : وعلى كل حال، فالخلوة بالمرأة الأجنبية محرمة شرعا، ولو للطبيب الذي يعالجها لحديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، فلا بد من حضور أحد معها، سواء كان زوجها أو أحد محارمها الرجال، فإن لم يتهيأ فلو من أقاربها النساء، فإن لم يوجد أحد ممن ذكر وكان المرض خطرا لا يمكن تأخيره فلا أقل من حضور الممرضة ونحوها؛ تفاديا من الخلوة المنهي عنها. انتهى. وكذا لا يجوز خلوة الطبيب بالمرأة الأجنبية منه، سواء كانت طبيبة زميلة له أو ممرضة، ولا خلوة المدرس الكفيف أو غيره بالطالبة، ولا خلوة المرأة المضيفة بالطائرة مع رجل أجنبي منها، وهذه الأمور قد تساهل فيها الناس باسم الحضارة الزائفة والتقليد الأعمى للكفار، ولعدم المبالاة بالأحكام الشرعية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 110

ولا تجوز خلوة الرجل بالخادمة التي تخدم في بيته، ولا خلوة المرأة صاحبة البيت بالخادم، ومشكلة الخدم مشكلة خطيرة ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمان، بسبب انشغال النساء بالدراسات والأعمال خارج البيوت، وذلك مما يوجب على المؤمنين والمؤمنات شدة الحذر، وعمل الاحتياطات اللازمة، وأن لا يتجاروا مع العادات السيئة. [تتمة يحرم على المرأة أن تصافح رجلا ليس من محارمها] تتمة: يحرم على المرأة أن تصافح رجلا ليس من محارمها. قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ﵀ في [الفتاوى] الذي طبعته مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية (١ / ١٨٥) : لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا، سواء كن شابات أم عجائز، وسواء كان المصافح شابا أو شيخا كبيرا؛ لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إني لا أصافح النساء» ، وقالت عائشة ﵂: «ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام» ، ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل لعموم الأدلة، ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة. انتهى. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره
следующие страницы →