تقاطيع خلقها، مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفا واسعا. انتهى.
٤ - ألا تتشبه بالرجال في لباسها، فقد لعن النبي ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن المترجلات من النساء، وتشبهها بالرجل في لباسه أن تلبس ما يختص به نوعا وصفة في عرف كل مجتمع بحسبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٢| ١٤٨، ١٤٩، ١٥٥) : فالفارق بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء، وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال وما تؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان، ولا التلبية، ولا الصعود إلى الصفا والمروة، ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل، فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه، وألا يلبس الثياب المعتادة، وهي التي تصنع على قدر أعضائه، فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخف. . . إلى أن قال: وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس؛ لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب، وأن تلبس القفازين؛ لأن ذلك لباس
стр. 37
مصنوع على قدر العضو ولا حاجة بها إليه. . . ثم ذكر أنها تغطي وجهها بغيرهما عن الرجال. . . إلى أن قال في النهاية: وإذا تبين أنه لا بد من أن يكون بين لباس الرجال والنساء فرق يتميز به الرجال عن النساء، وأن يكون لباس النساء فيه من الاستتار والاحتجاب ما يحصل مقصود ذلك ظهر (١) أصل هذا الباب، وتبين أن اللباس إذا كان غالبه لبس الرجال نهيت عنه المرأة. . إلى أن قال: فإذا اجتمع في اللباس قلة الستر والمشابهة نهي عنه من الوجهين، والله أعلم. انتهى.
٥ - ألا يكون فيه زينة تلفت الأنظار عند خروجها من المنزل؛ لئلا تكون من المتبرجات بالزينة.
[ثانيا الحجاب معناه وأدلته وفوائده]
ثانيا: الحجاب معناه وأدلته وفوائده: الحجاب: معناه: أن تستر المرأة بدنها عن الرجال الذين ليسوا من محارمها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
стр. 38
والمراد بالحجاب ما يستر المرأة؛ من جدار، أو باب، أو لباس، ولفظ الآية وإن كان واردا في أزواج النبي ﷺ فإن حكمه عام لجميع المؤمنات؛ لأنه علل ذلك بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١) وهذه علة عامة، فعموم علته دليل على عموم حكمه، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٢| ١١٠، ١١١) : والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء، وتسميه العامة: الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى أبو عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب. انتهى.
ومن أدلة السنة النبوية على وجوب تغطية المرأة وجهها عن غير محارمها: حديث عائشة ﵂ قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا
стр. 39
سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه» (١) .
وأدلة وجوب ستر وجه المرأة عن غير محارمها من الكتاب والسنة كثيرة؛ وإني أحيلك أيتها الأخت المسلمة في ذلك على رسالة [حجاب المرأة ولباسها في الصلاة] لشيخ الإسلام ابن تيمية، و [حكم السفور والحجاب] لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ورسالة [الصارم المشهور على المفتونين بالسفور] للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، و [رسالة الحجاب] للشيخ محمد بن صالح العثيمين، فقد تضمنت هذه الرسائل ما يكفي.
واعلمي أيتها الأخت المسلمة أن الذين أباحوا لك كشف الوجه من العلماء مع كون قولهم مرجوحا قيدوه بالأمن من الفتنة، والفتنة غير مأمونة، خصوصا في هذا الزمان الذي قل فيه الوازع الديني في الرجال والنساء، وقل الحياء، وكثر فيه دعاة الفتنة، وتفننت النساء بوضع أنواع الزينة على وجوههن مما يدعو إلى الفتنة، فاحذري من ذلك أيتها الأخت المسلمة، والزمي الحجاب الواقي من الفتنة بإذن الله، ولا أحد من علماء المسلمين المعتبرين قديما ولا حديثا يبيح لهؤلاء المفتونات ما وقعن فيه، ومن النساء المسلمات من
стр. 40
يستعملن النفاق في الحجاب، فإذا كن في مجتمع يلتزم الحجاب احتجبن، وإذا كن في مجتمع لا يلتزم بالحجاب لم يحتجبن، ومنهن من تحتجب إذا كانت في مكان عام، وإذا دخلت محلا تجاريا أو مستشفى، أو كانت تكلم أحد صاغة الحلي أو أحد خياطي الملابس النسائية كشفت وجهها وذراعيها كأنها عند زوجها أو أحد محارمها، فاتقين الله يا من تفعلن ذلك، ولقد شاهدنا بعض النساء القادمات في الطائرات من الخارج لا يحتجبن إلا عند هبوط الطائرة في أحد مطارات هذه البلاد، وكأن الحجاب صار من العادات لا من المشروعات الدينية.
أيتها المسلمة إن الحجاب يصونك من النظرات المسمومة الصادرة من مرضى القلوب وكلاب البشر، ويقطع عنك الأطماع المسعورة، فالزميه وتمسكي به، ولا تلتفتي للدعايات المغرضة التي تحارب الحجاب أو تقلل من شأنه فإنها تريد لك الشر، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] (١) .
стр. 41
[الفصل الخامس في بيان أحكام تختص بالمرأة في صلاتها]
الفصل الخامس
في بيان أحكام تختص
بالمرأة في صلاتها حافظي أيتها المسلمة على صلاتك في أوقاتها مستوفية لشروطها وأركانها وواجباتها، يقول الله تعالى لأمهات المؤمنين: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (١) وهذا أمر للمسلمات عموما، فالصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الإسلام، وتركها كفر يخرج من الملة، فلا دين ولا إسلام لمن لا صلاة له من الرجال والنساء، وتأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر شرعي إضاعة لها، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] (٢) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن جمع من أئمة المفسرين أن معنى إضاعة الصلاة: إضاعة مواقيتها، بأن تصلى بعدما يخرج وقتها، وفسر الغي الذي يلقونه بأنه الخسار، وفسر
стр. 42
بأنه واد في جهنم.
وللمرأة أحكام في الصلاة تختص بها عن الرجل، وإيضاحها كما يلي:
[ليس على المرأة أذان ولا إقامة]
١ - ليس على المرأة أذان ولا إقامة؛ لأن الأذان شرع له رفع الصوت، والمرأة لا يجوز لها رفع صوتها، ولا يصحان منها، قال في [المغني] (٢| ٦٨) : لا نعلم فيه خلافا.
[كل المرأة عورة في الصلاة إلا وجهها]
٢ - كل المرأة عورة في الصلاة إلا وجهها، وفي كفيها وقدميها خلاف، وذلك كله حيث لا يراها رجل غير محرم لها، فإن كان يراها رجل غير محرم لها وجب عليها سترها، كما يجب عليها سترها خارج الصلاة عن الرجال، فلا بد في صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهور قدميها، قال ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض - يعني: من بلغت الحيض - إلا بخمار» (١) والخمار: ما يغطي الرأس والعنق، وعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» (٢) .
دل الحديثان على أنه لا بد في صلاتها من تغطية رأسها
стр. 43
ورقبتها كما أفاده حديث عائشة، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهور قدميها كما أفاده حديث أم سلمة، ويباح كشف وجهها حيث لا يراها أجنبي؛ لإجماع أهل العلم على ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (٢٢| ١١٣، ١١٤) : فإن المرأة لو صلت وحدها كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة حق لله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عريانا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانا ولو كان وحده، إلى أن قال: فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طردا ولا عكسا. انتهى.
قال في [المغني] (٢| ٣٢٨) : وأما سائر بدن المرأة الحرة فيجب ستره في الصلاة، وإن انكشف منه شيء لم تصح صلاتها إلا أن بكون يسيرا، وبهذا قال مالك والأوزاعي والشافعي.
[أن المرأة تجمع نفسها في الركوع والسجود بدلا من التجافي]
٣ - ذكر في [المغني] (٢| ٢٥٨) : أن المرأة تجمع نفسها في الركوع والسجود بدلا من التجافي، وتجلس متربعة، أو تسدل رجليها وتجعلهما في جانب يمينها بدلا من التورك والافتراش؛ لأنه أستر لها.
وقال النووي في [المجموع] (٣| ٤٥٥) : قال الشافعي ﵀ في [المختصر] : ولا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة
стр. 44
إلا أن المرأة يستحب لها أن تضم بعضها إلى بعض، أو تلصق بطنها بفخذيها في السجود كأستر ما تكون، وأحب ذلك لها في الركوع وفي جميع الصلاة. انتهى.
[صلاة النساء جماعة بإمامة إحداهن فيها خلاف]
٤ - صلاة النساء جماعة بإمامة إحداهن، فيها خلاف بين العلماء بين مانع ومجيز، والأكثر على أنه لا مانع من ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها (١) وبعضهم يرى أنه غير مستحب، وبعضهم يرى أنه مكروه، وبعضهم يرى جوازه في النفل دون الفرض، ولعل الراجح استحبابه، ولمزيد الفائدة في هذه المسألة يراجع [المغني] (٢| ٢٠٢) ، و [المجموع] للنووي (٤| ٨٤، ٨٥) .
وتجهر المرأة بالقراءة إذا لم يسمعها رجال غير محارم.
[يباح للنساء الخروج من البيوت للصلاة مع الرجال في المساجد]
٥ - يباح للنساء الخروج من البيوت للصلاة مع الرجال في المساجد، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن، فقد روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، وقال ﷺ : «لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن» (٢) فبقاؤهن في البيوت وصلاتهن فيها أفضل لهن من
стр. 45
أجل التستر.
وإذا خرجت إلى المسجد للصلاة فلا بد من مراعاة الآداب التالية:
أ - أن تكون متسترة بالثياب والحجاب الكامل، قالت عائشة ﵂: «كان النساء يصلين مع رسول الله ﷺ ، ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» (١) .
ب - أن تخرج غير متطيبة؛ لقوله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات» (٢) ومعنى " تفلات " أي: غير متطيبات، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة» (٣) وروى مسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٣| ١٤٠، ١٤١) : فيه دليل على أن خروج النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة وما هو في تحريك الفتنة نحو البخور، وقال: وقد
стр. 46
حصل من الأحاديث أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة. انتهى.
ج - ألا تخرج متزينة بالثياب والحلي، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: لو أن رسول الله ﷺ رأى من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها (١) .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] على قول عائشة: (لو رأى ما رأينا) يعني: من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج، وإنما كان النساء يخرجن في المرط والأكسية والشملات الغلاظ.
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتاب [أحكام النساء] صفحة ٣٩: ينبغي للمرأة أن تحذر من الخروج مهما أمكنها، إن سلمت في نفسها لم يسلم الناس منها، فإذا اضطرت إلى الخروج خرجت بإذن زوجها في هيئة رثة، وجعلت طريقها في المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، واحترزت من سماع صوتها، ومشت في جانب الطريق لا في وسطه. انتهى.
د - إن كانت المرأة واحدة صفت وحدها خلف الرجال؛ «لحديث أنس ﵁ حين صلى بهم رسول الله ﷺ قال:
стр. 47
قمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا» (١) .
وعنه: «صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي خلفنا - أم سليم -» رواه البخاري.
وإن كان الحضور من النساء كثر من واحدة فإنهن يقمن صفا أو صفوفا خلف الرجال؛ لأنه ﷺ كان يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان، رواه أحمد، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٢) .
ففي الحديثين دليل على أن النساء يكن صفوفا خلف الرجال، ولا يصلين متفرقات إذا صلين خلف الرجال، سواء كانت صلاة فريضة أو صلاة تراويح.
هـ - إذا سهى الإمام في الصلاة فإن المرأة تنبهه بالتصفيق ببطن كفها على الأخرى؛ لقوله ﷺ : «إذا نابكم في الصلاة شيء فليسبح الرجال، وليصفق النساء» (٣) وهذا إذن إباحة لهن في
стр. 48
التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب، ومنها سهو الإمام؛ وذلك لأن صوت المرأة فيه فتنة للرجال، فأمرت بالتصفيق ولا تتكلم.
و إذا سلم الإمام بادرت النساء بالخروج من المسجد وبقي الرجال جالسين؛ لئلا يدركوا من انصرف منهن؛ لما روت أم سلمة قالت: إن النساء كن إذا سلمن من المكتوية قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال.
قال الزهري: فنرى ذلك - والله أعلم - أن ذلك لكي ينفذ من ينصرف من النساء، رواه البخاري، انظر [الشرح الكبير على المقنع] (١|٤٢٢) .
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (٢| ٣٢٦) : الحديث فيه أنه يستحب للإمام مراعاة أحوال المأمومين والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحظور، واجتناب مواقع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت. انتهى.
قال الإمام النووي ﵀ في [المجموع] (٣| ٤٥٥) : ويخالف النساء الرجال في صلاة الجماعة في أشياء: أحدها: لا تتأكد في حقهن كتأكدها في الرجال.
الثاني: تقف إمامتهن وسطهن.
стр. 49
الثالث: تقف واحدتهن خلف الرجل لا بجنبه، بخلاف الرجل.
الرابع: إذا صلين صفوفا مع الرجال فآخر صفوفهن أفضل من أو لها. انتهى.
ومما سبق يعلم تحريم الاختلاط بين الرجال والنساء.
ز - خروج النساء إلى صلاة العيد: عن أم عطية ﵂ قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة - وفي لفظ: المصلى - ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين» (١) .
قال الشوكاني: والحديث وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وغيرها ما لم تكن معتدة أو كان خروجها فتنة أو كان لها عذر. . انتهى. انظر [نيل الأوطار] (٣|٣٠٦) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في [المجموع] (٦|٤٥٨، ٤٥٩) : فقد أخبر المؤمنات أن صلاتهن في البيوت
стр. 50
أفضل لهن من شهود الجمعة والجماعة إلا العيد، فإنه أمرهن بالخروج فيه - ولعله والله أعلم - لأسباب: الأول: أنه في السنة مرتين، فقبل بخلاف الجمعة والجماعة.
الثاني: أنه ليس له بدل، بخلاف الجمعة والجماعة فإن صلاتها في بيتها الظهر هو جمعتها.
الثالث: أنه خروج إلى الصحراء لذكر الله، فهو شبيه بالحج من بعض الوجوه؛ ولهذا كان العيد الأكبر في موسم الحج موافقة للحجيج. انتهى.
وقيد الشافعية خروج النساء لصلاة العيد بغير ذوات الهيئات.
قال الإمام النووي في [المجموع] (٥| ١٣) : قال الشافعي والأصحاب ﵏: يستحب للنساء غير ذوات الهيئات حضور صلاة العيد، وأما ذوات الهيئات فيكره حضورهن. . إلى أن قال: وإذا خرجن استحب خروجهن في ثياب بذلة، ولا يلبسن ما يشهرهن، ويستحب أن يتنظفن بالماء، ويكره لهن الطيب، هذا كله حكم العجائز اللواتي لا يشتهين ونحوهن، وأما الشابة وذات الجمال ومن تشتهي فيكره لهن الحضور؛ لما في ذلك من خوف الفتنة عليهن وبهن، فإن قيل: هذا مخالف حديث أم عطية المذكور، قلنا: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت
стр. 51
نساء بني إسرائيل، ولأن الفتن وأسباب الشر في هذه الأعصار كثيرة بخلاف العصر الأول، والله أعلم. انتهى.
قلت: وفي عصرنا أشد.
وقال الإمام ابن الجوزي في كتاب [أحكام النساء] ص ٣٨: قلت: قد بينا أن خروج النساء مباح، لكن إذا خيفت الفتنة بهن أو منهن فالامتناع من الخروج أفضل؛ لأن نساء الصدر الأول كن على غير ما نشأ نساء هذا الزمان عليه، وكذلك الرجال. . انتهى.
يعني كانوا على ورع عظيم.
ومن هذه النقولات تعلمين أيتها الأخت المسلمة أن خروجك لصلاة العيد مسموح به شرعا؛ بشرط الالتزام، والاحتشام، وقصد التقرب إلى الله، ومشاركة المسلمين في دعواتهم وإظهار شعار الإسلام، وليس المراد منه عرض الزينة والتعرض للفتنة، فتنبهي لذلك.
стр. 52
[الفصل السادس أحكام تختص بالمرأة في باب أحكام الجنائز]
الفصل السادس
أحكام تختص بالمرأة
في باب أحكام الجنائز كتب الله الموت على كل نفس، واختص هو بالبقاء، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] (١) واختص جنائز بني آدم بأحكام يجب على الأحياء تنفيذها، ونحن نذكر في هذا الفصل ما يختص بالنساء، منها:
[يجب أن يتولى تغسيل المرأة الميتة النساء]
١ - يجب أن يتولى تغسيل المرأة الميتة النساء: ولا يجوز للرجال أن يغسلوها، إلا الزوج فإن له أن يغسل زوجته، ويتولى تغسيل الرجل الميت الرجال، ولا يجوز للنساء تغسيله، إلا الزوجة فإن لها أن تغسل زوجها؛ لأن عليا ﵁ غسل زوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها، وأسماء بنت عميس ﵂ غسلت زوجها أبا بكر الصديق ﵁.
[يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب بيض]
٢ - يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب بيض: إزار تؤزر به، وخمار على رأسها، وقميص تلبسه، ولفافتين تلف بهما فوق
стр. 53
ذلك؛ لما روت ليلى الثقفية قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقى، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر» (١) والحقى هو الإزار.
قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] : والحديث يدل على أن المشروع في كفن المرأة: أن يكون إزارا ودرعا وخمارا وملحفة ودرجا. انتهى. [نيل الأوطار] (٤| ٤٢) .
[ما يصنع بشعر رأس المرأة الميتة]
٣ - ما يصنع بشعر رأس المرأة الميتة: يجعل ثلاث ضفائر، وتلقى خلفها؛ «لحديث أم عطية في صفة غسل بنت النبي ﷺ : فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناه خلفها» (٢) .
[حكم اتباع النساء للجنائز]
٤ - حكم اتباع النساء للجنائز: عن أم عطية ﵂ قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا» متفق عليه، النص ظاهره التحريم، وقولها: (لم يعزم علينا) قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٤| ٣٥٥) : قد يكون مرادها لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي ﷺ لا في ظن غيره.
стр. 54
[تحريم زيارة القبور على النساء]
٥ - تحريم زيارة القبور على النساء: عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ «لعن زوارات القبور» (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف، وكثرة الجزع، وقلة الصبر، وأيضا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها، ولافتتان الرجال بصوتها وصورتها، كما جاء في حديث آخر: «فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت» ، وإذا كانت زيارة النساء - للقبور - مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال - والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع؛ ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها، فيحرم هذا الباب؛ سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة؛ لما في ذلك من الفتنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر، وليس في ذلك - أي: زيارتها للقبور - من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها. انتهى، من [مجموع الفتاوى] (٢٤|٣٥٥، ٣٥٦) .
стр. 55
[تحريم النياحة]
٦ - تحريم النياحة: وهي: رفع الصوت بالندب، وشق الثوب، ولطم الخد، ونتف الشعر، وتسويد الوجه وخمشه؛ جزعا على الميت، والدعاء بالويل، وغير ذلك مما يدل على الجزع من قضاء الله وقدره، وعدم الصبر، وذلك حرام وكبيرة لما في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» ، وفيهما أيضا أنه ﷺ : «بريء من الصالقة والحالقة والشاقة» ، والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة، وفي [صحيح مسلم] أنه ﷺ «لعن النائحة والمستمعة» ، أي التي تقصد سماع النياحة وتعجبها.
فيجب علبك أيتها الأخت المسلمة تجنب هذا العمل المحرم عند المصيبة، وعليك بالصبر والاحتساب، حتى تكون المصيبة في حقك تكفيرا لسيئاتك، وزيادة في حسناتك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]
стр. 56
(١) .
نعم، بجوز البكاء الذي ليس معه نياحة، ولا أفعال محرمة، ولا تسخط من قضاء الله وقدره؛ لأن البكاء فيه رحمة للميت ورقة للقلب، وأيضا هو مما لا يستطاع رده، فكان مباحا وقد يكون مستحبا، والله المستعان.
стр. 57
[الفصل السابع أحكام تختص بالمرأة في باب الصيام]
الفصل السابع
أحكام تختص بالمرأة في باب الصيام صوم شهر رمضان واجب على كل مسلم ومسلمة، وهو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (١) ومعنى (كتب) : فرض، فإذا بلغت الفتاة سن التكليف بظهور إحدى أمارات البلوغ عليها، ومنها: الحيض، فإنه يبدأ وجوب الصوم في حقها، وقد تحيض وهي في سن التاسعة، وقد تجهل بعض الفتيات أنه يجب عليها الصيام حينذاك، فلا تصوم؛ ظنا منها أنها صغيرة، ولا يأمرها أهلها بالصيام، وهذا تفريط عظيم بترك ركن من أركان الإسلام، ومن حصل منها ذلك وجب عليها قضاء الصوم الذي تركته من حين بداية الحيض بها، ولو مضى على ذلك فترة طويلة؛ لأنه باق في ذمتها (٢) .
стр. 58
[من يجب عليه رمضان]
إذا دخل شهر رمضان وجب على كل مسلم ومسلمة بالغين صحيحين مقيمين صيامه، ومن كان منهما مريضا أو مسافرا في أثناء الشهر فإنه يفطر ويقضي عدد ما أفطر من أيام أخر، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) كما أن من أدركه الشهر وهو كبير هرم لا يستطيع الصيام أو مريض مرضا مزمنا لا يرجى ارتفاعه عنه في وقت من الأوقات من رجل أو امرأة فإنه يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع من قوت البلد، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] (٢) قال عبد الله بن عباس ﵄: هي للكبير الذي لا يرجى برؤه، رواه البخاري، والمريض الذي لا يرجى برؤ مرضه في حكم الكبير، ولا قضاء عليهما؛ لعدم إمكانه، ومعنى (يطيقونه) يتجشمونه.
[تختص المرأة بأعذار تبيح لها الإفطار في رمضان]
وتختص المرأة بأعذار تبيح لها الإفطار في رمضان على أن
стр. 59
تقضي ما أفطرته بسبب تلك الأعذار من أيام أخر.
وهذه الأعذار هي: ١ - الحيض والنفاس: يحرم على المرأة الصوم أثناءهما، ويجب عليها القضاء من أيام أخر؛ لما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ، وذلك لما سألتها امرأة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ بينت ﵂ أن هذا من الأمور التوقيفية التي يتبع فيها النص.
حكمة ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (٢٥| ٢٥١) : (والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم، والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها، فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا لا يخرج فيه الدم الذي يقوي البدن الذي هو مادته، وصومها في الحيض يوجب أن بخرج فيه دمها الذي هو مادتها، ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض) انتهى.
٢ - الحمل والإرضاع: اللذان يحصل بالصيام فيهما ضرر على المرأة، أو على طفلها، أو عليهما معا، فإنها تفطر في حال حملها وإرضاعها، ثم إن كان الضرر الذي أفطرت من أجله يحصل على
стр. 60
الطفل فقط دونها فإنها تقضي ما أفطرته وتطعم كل يوم مسكينا، وإن كان الضرر عليها فإنه يكفي منها القضاء، وذلك لدخول الحامل والمرضع في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] (١) .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره (١| ٣٧٩) : ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تفطر، وتقضي عن كل يوم يوما، وتطعم عن كل يوم مسكينا رطلا من خبز. انتهى. (٢٥| ٣١٨) .
[تنبيهات]
١ - المستحاضة: وهي التي يأتيها دم لا يصلح أن يكون حيضا - كما سبق - يجب عليها الصيام، ولا يجوز لها الإفطار من أجل الاستحاضة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ذكر إفطار الحائض قال: (بخلاف الاستحاضة، فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز
стр. 61
منه، كذرع القيء، وخروج الدم بالجراح والدمامل، والاحتلام، ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه، فلم يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض) انتهى (٢٥| ٢٥١) .
٢ - يجب على الحائض، وعلى الحامل والمرضع إذا أفطرن قضاء ما أفطرنه فيما بين رمضان الذي أفطرن منه ورمضان القادم، والمبادرة أفضل، وإذا لم يبق على رمضان القادم إلا قدر الأيام التي أفطرنها فإنه يجب عليهن صيام القضاء حتى لا يدخل عليهن رمضان الجديد وعليهن صيام من رمضان الذي قبله، فإن لم يفعلن ودخل عليهن رمضان وعليهن صيام من رمضان الذي قبله وليس لهن عذر في تأخيره وجب عليهن القضاء، وإطعام مسكين عن كل يوم، وإن كان لعذر فليس عليهن إلا القضاء، وكذلك من كان عليها قضاء بسبب الإفطار لمرض أو سفر حكمها كحكم من أفطرت لحيض على التفصيل السابق.
٣ - لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعا إذا كان زوجها حاضرا إلا بإذنه؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» ، وفي بعض الروايات عند أحمد وأبي داود: إلا رمضان، أما إذا سمح لها زوجها بالصيام تطوعا، أو لم يكن حاضرا عندها، أولم يكن لها زوج فإنها يستحب لها أن تصوم
стр. 62
تطوعا، خصوصا الأيام التي يستحب صيامها؛ كيوم الاثنين، ويوم الخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وستة أيام من شوال، وعشر ذي الحجة، وبوم عرفة، ويوم عاشوراء مع يوم قبله أو يوم بعده، إلا أنه لا ينبغي لها أن تصوم تطوعا وعليها قضاء من رمضان حتى تصوم القضاء. والله أعلم.
٤ - إذا طهرت الحائض في أثناء النهار من رمضان فإنها تمسك بقية يومها وتقضيه مع الأيام التي أفطرتها بالحيض، وإمساكها بقية اليوم الذي طهرت فيه يجب عليها؛ احتراما للوقت.
стр. 63
[الفصل الثامن أحكام تختص بالمرأة في الحج والعمرة]
الفصل الثامن
أحكام تختص بالمرأة في الحج والعمرة الحج إلى بيت الله الحرام كل عام واجب كفائي على أمة الإسلام، ويجب على كل مسلم توفرت فيه شروط وجوب الحج أن يحج مرة في العمر، وما زاد عن ذلك فهو تطوع، والحج أحد أركان الإسلام، وهو نصيب المرأة المسلمة من الجهاد؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (١) وللبخاري عنها أنها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور» .
[في الحج أحكام تختص المرأة]
[المحرم]
وفي الحج أحكام تختص المرأة منها:
١ - المحرم: الحج له شروط عامة للرجل والمرأة وهي: الإسلام، والعقل، والحرية، والبلوغ، والاستطاعة المالية، وتختص المرأة باشتراط وجود المحرم الذي يسافر معها للحج، وهو زوجها أو من تحرم عليه تحريما مؤبدا بنسب؛ كأبيها وابنها
стр. 64
وأخيها، أو بسبب مباح؛ كأخيها من الرضاع، أو زوج أمها، أو ابن زوجها.
والدليل على ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب، يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق فحج مع امرأتك» (١) وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافر المرأة ثلاثا، إلا معها ذو محرم» (٢) .
والأحاديث في هذا كثيرة تنهى عن سفر المرأة للحج وغيره بدون محرم؛ لأن المرأة ضعيفة يعتريها ما يعتريها من العوارض والمصاعب في السفر لا يقوم بمواجهتها إلا الرجال، ثم هي مطمع للفساق، فلا بد من محرم يصونها ويحميها من أذاهم.
ويشترط في المحرم الذي تصحبه المرأة في حجها العقل والبلوغ والإسلام؛ لأن الكافر لا يؤمن عليها، فإن أيست من وجود المحرم لزمها أن تستنيب من يحج عنها.
стр. 65
[إذا كان الحج نفلا اشترط إذن زوجها لها بالحج]
٢ - وإذا كان الحج نفلا اشترط إذن زوجها لها بالحج؛ لأنه يفوت به حقه عليها، قال في [المغني] (٣ / ٢٤٠) : فأما حج التطوع فله منعها منه، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن له منعها من الخروج إلى حج التطوع؛ وذلك لأن حق الزوج واجب فليس لها تفويته بما ليس بواجب كالسيد مع عبده. انتهى.
[يصح أن تنوب المرأة عن الرجل في الحج والعمرة]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [مجموع الفتاوى] (٢٦ / ١٣) : يجوز للمرأة أن تحج عن امرأة أخرى باتفاق العلماء، سواء كانت بنتها أو غير بنتها، وكذلك يجوز أن تحج المرأة عن الرجل عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، كما «أمر النبي ﷺ المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها لما قالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي وهو شيخ كبير، فأمرها النبي ﷺ أن تحج عن أبيها، مع أن إحرام الرجل أكمل من إحرامها.» انتهى.
[إذا اعترى المرأة وهي في طريقها إلى الحج حيض أو نفاس فإنها تمضي في] طريقها
٤ - إذا اعترى المرأة وهي في طريقها إلى الحج حيض أو نفاس فإنها تمضي في طريقها، فإن أصابها ذلك عند الإحرام فإنها تحرم كغيرها من النساء الطاهرات؛ لأن عقد الإحرام لا تشترط له الطهارة.
стр. 66
قال في [المغني] (٣ / ٢٩٣، ٢٩٤) : وجملة ذلك أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام كما يشرع للرجال؛ لأنه نسك وهو في حق الحائض والنفساء آكد؛ لورود الخبر فيهما، قال جابر: «حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي» (١) وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «النفساء والحائض إذا أتيا على الوقت يحرمان ويقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت» (٢) وأمر النبي ﷺ عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض. انتهى.
والحكمة في اغتسال الحائض والنفساء للإحرام التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وتخفيف النجاسة، وإن أصابهما الحيض أو النفاس وهما محرمتان لم يؤثر على إحرامهما، فتبقيان محرمتين، وتجتنبان محظورات الإحرام، ولا تطوفان بالبيت حتى تطهرا من الحيض أو النفاس وتغتسلا منهما، وإن جاء يوم عرفة ولم تطهرا وكانتا قد أحرمتا بالعمرة متمتعتين بها إلى الحج فإنهما تحرمان بالحج،
стр. 67
وتدخلانه على العمرة، وتصبحان قارنتين.
والدليل على ذلك «أن عائشة ﵂ حاضت وكانت أهلت بعمرة، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، قال: ما يبكيك لعلك نفست؟ قالت: نعم، قال: هذا شيء قد كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (١) وفي حديث جابر المتفق عليه: «ثم دخل النبي ﷺ على عائشة فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي ففعلت ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» انتهى.
قال العلامة ابن القيم في [تهذيب السنن] (٢ / ٣٠٣) : والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلت أولا بعمرة ثم أمرها رسول الله ﷺ لما حاضت أن تهل بالحج فصارت قارنة؛ ولهذا قال لها النبي ﷺ : «يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك» انتهى.
стр. 68
[ما تفعله المرأة عند الإحرام]
٥ - ما تفعله المرأة عند الإحرام: تفعل كما يفعل الرجل من حيث الاغتسال والتنظيف بأخذ ما تحتاج إلى أخذه من شعر وظفر وقطع رائحة كريهة؛ لئلا تحتاج إلى ذلك في حال إحرامها وهي ممنوعة منه، وإذا لم تحتج إلى شيء من ذلك فليس بلازم، وليس هو من خصائص الإحرام، ولا بأس أن تتطيب في بدنها بما ليس له رائحة ذكية من الأطياب؛ لحديث عائشة: «كنا نخرج مع رسول الله ﷺ فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراها النبي ﷺ فلا ينهانا» (١) .
قال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٥ / ١٢) : سكوته ﷺ يدل على الجواز؛ لأنه لا يسكت على باطل. انتهى.
[عند نية الإحرام تخلع البرقع والنقاب]
٦ - عند نية الإحرام تخلع البرقع والنقاب - إن كانت لابسة لهما - قبل الإحرام، وهما غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما؛ لقوله ﷺ : «لا تنتقب المحرمة» رواه البخاري، والبرقع أقوى من النقاب، وتخلع ما على كفيها من القفازين - إن كانت قد لبستهما قبل الإحرام - وهما شيء يعمل لليدين يدخلان فيه يسترهما - وتغطي وجهها بغير النقاب والبرقع بأن تضع عليه الخمار أو الثوب عند رؤية الرجال غير المحارم لها، وكذا تغطي
стр. 69
كفيها عنهم بغير القفازين، بأن تضفي عليهما ثوبا؛ لأن الوجه والكفين عورة يجب سترهما عن الرجال في حالة الإحرام وغيرهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما المرأة فإنها عورة؛ فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب التي تستتر بها، وتستظل بالمحمل، لكن نهاها النبي ﷺ أن تنتقب، أو تلبس القفازين، والقفازان غلاف يصنع لليد، ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه فالصحيح أيضا أنه يجوز، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك، فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويديها، وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه، وأزواجه ﷺ كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ أنه قال: إحرام المرأة في وجهها، وإنما هذا قول بعض السلف. انتهى.
قال العلامة ابن القيم في [تهذيب السنن] (٢ / ٣٥٠) : وليس عن النبي ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب. . إلى أن قال: وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا
стр. 70
بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها؛ فإذا جاوزنا كشفناه» (١) . انتهى.
فاعلمي أيتها المسلمة المحرمة أنك ممنوعة من تغطية الوجه والكفين بما خيط لهما خاصة كالنقاب والقفازين، وأنه يجب عليك ستر وجهك وكفيك عن الرجال غير المحارم بخمارك وثوبك ونحوهما، وأنه لا أصل لوضع شيء يرفع الغطاء عن ملامسة الوجه، لا بوضع عود ولا عمامة ولا غيرهما.
[يجوز للمرأة أن تلبس حال إحرامها ما شاءت من الملابس النسائية التي] ليس فيها زينة
٧ - يجوز للمرأة أن تلبس حال إحرامها ما شاءت من الملابس النسائية التي ليس فيها زينة، ولا مشابهة لملابس الرجال، وليست ضيقة تصف حجم أعضائها، ولا شفافة لا تستر ما وراءها، وليست قصيرة تنحسر عن رجليها أو يديها، بل تكون ضافية كثيفة واسعة.
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القمص والدروع والسراويلات والخمر والخفاف. انتهى من [المغني] (٣ / ٣٢٨) .
ولا يتعين عليها أن تلبس لونا معينا من الثياب كالأخضر، وإنما تلبس ما شاءت من الألوان المختصة بالنساء أحمر أو أخضر أو
стр. 71
أسود، ويجوز لها أن تستبدلها بغيرها إذا أرادت.
[يسن لها أن تلبي بعد الإحرام بقدر ما تسمع نفسها]
٨ - ويسن لها أن تلبي بعد الإحرام بقدر ما تسمع نفسها، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها؛ ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح. انتهى من [المغني] (٢ / ٣٣٠، ٣٣١) .
[يجب عليها في الطواف التستر الكامل]
٩ - يجب عليها في الطواف التستر الكامل، وخفض الصوت، وغض البصر، وألا تزاحم الرجال، وخصوصا عند الحجر أو الركن اليماني، وطوافها في أقصى المطاف مع عدم المزاحمة أفضل لها من الطواف في أدناه قريبا من الكعبة مع المزاحمة؛ لأن المزاحمة حرام، لما فيها من الفتنة، وأما القرب من الكعبة وتقبيل الحجر فهما سنتان مع تيسرهما، ولا ترتكب محرما لأجل تحصيل سنة، بل إنه في هذه الحالة ليس سنة في حقها؛ لأن السنة في حقها في هذه الحالة أن تشير إليه إذا حاذته.
قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٣٧) : قال أصحابنا: لا يستحب للنساء تقبيل الحجر، ولا استلامه إلا عند خلو المطاف في الليل أو غيره؛ لما فيه من ضررهن وضرر غيرهن. انتهى.
وقال في [المغني] (٣ / ٣٣١) : ويستحب للمرأة الطواف ليلا؛
стр. 72
لأنه أستر لها وأقل للزحام، فيمكنها أن تدنو من البيت وتستلم الحجر. انتهى.
[طواف النساء وسعيهن مشي كله]
١٠ - قال في [المغني] (٣ / ٣٩٤) : وطواف النساء وسعيهن مشي كله، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ وذلك لأن الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حق النساء، ولأن النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للكشف. انتهى.
[ما تفعله المرأة الحائض من مناسك الحج وما لا تفعله حتى تطهر]
١١ - ما تفعله المرأة الحائض من مناسك الحج وما لا تفعله حتى تطهر: تفعل الحائض كل مناسك الحج؛ من إحرام، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ورمي للجمار، ولا تطوف بالبيت حتى تطهر؛ لقوله ﷺ لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (١) ولمسلم في رواية: «فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» .
قال الشوكاني في [نيل الأوطار] (٥ / ٤٩) : والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل، والنهي
стр. 73
يقتضي الفساد المراد في البطلان، فيكون طواف الحائض باطلا، وهو قول الجمهور. انتهى.
ولا تسعى بين الصفا والمروة؛ لأن السعي لا يصح إلا بعد طواف نسك؛ لأن النبي ﷺ لم يسع إلا بعد طواف.
قال الإمام النووي في [المجموع] (٨ / ٨٢) فرع لو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عندنا، وبه قال جمهور العلماء، وقدمنا عن الماوردي أنه نقل الإجماع فيه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وحكى ابن المنذر عن عطاء وبعض أهل الحديث: أنه يصح، حكاه أصحابنا عن عطاء وداود.
دليلنا أن النبي ﷺ سعى بعد الطواف، وقال ﷺ : «لتأخذوا عني مناسكم» ، وأما حديث ابن شريك الصحابي ﵁ قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئا، أو قدمت شيئا، فكان يقول: لا حرج إلا على رجل اقترض من عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي هلك وحرج» ، فرواه أبو داود بإسناد صحيح كل رجاله رجال الصحيح إلا أسامة بن شريك الصحابي، وهذا الحديث محمول على ما حمله الخطابي وغيره، وهو أن قوله: سعيت قبل أن أطوف، أي: سعيت بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة. انتهى.
стр. 74
قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره: [أضواء البيان] (٥ / ٢٥٢) : اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي لا يصح إلا بعد طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإجماع عليه، ثم نقل كلام النووي الذي مر قريبا، وجوابه عن حديث ابن شريك، ثم قال: فقوله: قبل أن أطوف يعني: طواف الإفاضة الذي هو ركن، ولا ينافي ذلك أنه سعى بعد طواف القدوم الذي هو ليس بركن. انتهى.
وقال في [المغني] (٥ / ٢٤٥) - طبعة هجر -: والسعي تبع للطواف، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسيا، وإن كان عمدا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: لا حرج، ووجه الأول: أن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم» انتهى.
فعلم مما سبق أن الحديث الذي استدل به من قال بصحة السعي قبل الطواف لا دلالة فيه؛ لأنه محمول على أحد أمرين: إما أنه فيمن سعى قبل الإفاضة وكان قد سعى للقدوم فيكون سعيه واقعا بعد طواف، أو أنه محمول على الجاهل والناسي دون العامد،
стр. 75
وإنما أطلت في هذه المسألة لأنه قد ظهر الآن من يفتي بجواز السعي قبل الطواف مطلقا، والله المستعان.
[تنبيه]
لو طافت المرأة، وبعد أن انتهت من الطواف أصابها الحيض فإنها في هذه الحالة تسعى؛ لأن السعي لا تشترط له الطهارة، قال في [المغني] (٥ / ٢٤٦) : أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. . إلى أن قال: قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت، وروي عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة رواه الأثرم. انتهى.
[يجوز للنساء أن ينفرن مع الضعفة من المزدلفة بعد غيبوبة القمر]
١٢ - يجوز للنساء أن ينفرن مع الضعفة من المزدلفة بعد غيبوبة القمر ويرمين جمرة العقبة عند الوصول إلى منى؛ خوفا عليهن من الزحمة.
قال الموفق في [المغني] (٥ / ٢٨٦) : ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا، ولأن فيه رفقا بهم، ودفعا لمشقة