← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31259

خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية

عبد العزيز الحجيلان

Полный текст (400 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ] خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية تقديم لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المشرف العام على مركز البحوث والدراسات الإسلامية الحمد لله أفضل الحمد وأكمله، وأثني عليه أحسن الثناء وأجمله، وأصلي وأسلم على خير خلقه، وأفضل رسله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن من منن الله أن جعل لهذه الأمة مواسم للخيرات، تنال بها أعلى الدرجات، ويكفر عنها السيئات، بأقل عمل تنال عظيم الأجر، وتضع عن نفسها عظيم الوزر، فأعظم بها من منة، وأكرم بها من نعمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن تلك المواسم العظيمة، يوم الجمعة الذي يكفي في بيان فضله وعظيم شأنه قول نبي الأمة ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه» . ومن المنن العظيمة في هذا اليوم، أن شرع الله لعباده فيه خطبة الجمعة، فيها يتعلم الجاهل، ويتذكر الناسي، ورتّب على أدائها وحضورها الأجر العظيم، والثواب الجزيل، ولأهمية هذا وجب على المكلف تعلم أحكام الجمعة وخطبتها بالجملة، لإدراك فضلها

стр. 2

واغتنام أجرها، فخطبة الجمعة - كسائر العبادات - علق بها مع تقادم العهد أمور كدرت السنة، وأحيت البدعة. وقد كان لأئمة الدعوة الإصلاحية، منهج واضح في خطبة الجمعة، بُني على السنة، وما درج عليه أهل العلم من أئمة السلف، فأبانوا عما ينبغي، ويجب توافره فيها، من الحرص على الوعظ والتذكير فيها، والاهتمام بأمر الاعتقاد، وقراءة القرآن، والإِكثار منه، والدعاء لأئمة المسلمين بالخير والثبات، والإيجاز فيها، والحرص على مخالفة أهل البدع فيها، بالترضي عن الأئمة الخلفاء الراشدين، والدعاء لمن ولاه الله الأمر، في أشياء وتفاصيل يطول ذكرها. وكان من فضل الله - جل شأنه - على مؤلف هذا المصنف أن وفقه لبيان أحكام خطبة الجمعة بدليل الكتاب والسنة، وبيان ما عليه أئمة السلف ومن تبعهم من أئمة الدعوة الإصلاحية وغيرهم، ففي هذا المؤلف " خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية " للدكتور عبد العزيز بن محمد الحجيلان - وفقه الله - بيان لجل أحكام الخطبة، فشكر الله له جهده، ونفع به. وأشكر مركز البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على اهتمامه بهذا الموضوع، وعنايته بإصدار هذا الكتاب المفيد. والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد رسوله وعبده وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3

[المقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣) (٤) .

стр. 4

أما بعد. . . فإن نعم الله - تعالى - على هذه الأمة عظيمة وكثيرة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] (١) ومن أعظم النعم التي اختصَّ بها دين الإسلام وتميز بها عن غيره من الأديان الجمعة وخطبتها، فهي - أي الخطبة - موعظة أسبوعية عامة، توقظ القلوب الغافلة، وتشحذ الهمم العالية، وتصل النفوس بخالقها - جل وعلا -، لتعبد ربها على علم وبصيرة حتى يأتيها اليقين، كل ذلك وغيره من الفوائد الكثيرة إنما يدل على أهميتها، والحاجة إلى العناية التامة بها. وإنما تتحقق هذه الفوائد وغيرها إذا توفر للخطيب ما هو مطلوب من الشروط والأركان والسنن، وخلت مما لم يشرعه الله - تعالى - من الأمور المحرمة والمبتدعة، فكانت وفق هدي

стр. 5

النبي ﷺ ، وأصحابه، والسلف الصالح من هذه الأمة. وقد كنت أفكر في الكتابة في هذا الموضوع من الناحية الفقهية منذ وقت بعيد، لما أرى من أهميته، وحاجة الناس إلى معرفة أحكامه معرفة تامة مبنية على بحث علمي دقيق وعميق كما أسلفت، ولكن الشواغل أدت إلى التأخير حتى يَسَّر الله - تعالى - لي فسحة من الوقت، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهر، وباطنا. وتتلخص أبرز الأسباب التي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع فيما يلي: ١ - أهمية خطبة الجمعة الكبيرة كما أسلفت. ٢ - خلو الساحة - حسب علمي حين الكتابة - من بحث علمي يتناول خطبة الجمعة وأحكامها من الناحية الفقهية بدقة وعمق، فرغبت في القيام به، جامعا أقوال الفقهاء وأدلتها والمناقشات الواردة عليها، ومنتهيا إلى الترجيح المبني على قوة الأدلة. والموجود إما بحوث تتناول الخطبة من الجانب الدعوي، أو الأدبي، أو التاريخي، أو تنبيهات وتوجيهات موجزة حول بعض الأخطاء، أو نحو ذلك، فأردت المشاركة بهذا البحث المتواضع في هذا المجال.

стр. 6

٣ - ما يحتمله مقتضى عملي، حيث أقوم بإلقاء خطبة الجمعة بصفتي إماما احتياطيا، فأردت معرفة أحكامها معرفة مبنية على البحث والتمحيص، وإفادة إخواني المسلمين بها. ٤ - حصول بعض النواقص والأخطاء من بعض الخطباء، نتيجة عدم الإلمام ببعض الأحكام الفقهية للخطبة، مما قلل من الاستفادة منها مع أهميتها كما أسلفت. وبعد القراءة حول الموضوع، وتتبع ما وقع في يدي مما كتب عن الخطبة من مختلف الجوانب، واستشارة بعض مشايخي، وزملائي من الأساتذة، وطلاب العلم عقدت العزم متوكلا على الله ، ومستعينا به في الكتابة في هذا الموضوع [خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية] . منهج البحث: وسلكت في هذا البحث المنهج العلمي المتعارف عليه وذلك حسب النقاط التالية: ١ - اقتصرت على ما يدخل تحت العنوان دخولا ظاهرا، وهو ما يتعلق بذات الخطبة والخطيب من الأحكام، دون ما يتعلق بالحاضرين إلا ما رأيت أنه قد يتعلق بالخطيب في بعض الأحيان كالكلام حال الخطبة ونحوه، وذلك حرصا على المحافظة على مقصود العنوان، وعدم تشعب الموضوع تشعبا يجر إلى الخروج عن مقتضى عنوانه.

стр. 7

٢ - أعبر بلفظ " الخطبة " مفردا وأقصد الخطبتين معا غالبا ما لم تدل قرينة الكلام على قصد أحدهما، وذلك اتباعا لعامة الفقهاء. ٣ - ذكرت الشروط والأركان والسنن المختلف فيها في أماكنها حسب ما ترجح لدي ما عدا الأركان الأربعة: الحمد، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والموعظة، وقراءة آية، فقد ذكرتها أركانا وإن لم أرجح ذلك في جميعها، لكثرة من قال بركنيتها وشهرته. ٤ - اقتصرت على ذكر أقوال أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة - الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي - حسب المستطاع - ومذهب ابن حزم في بعض الأحيان، وقد أذكر أقوال السلف إذا خالفت المذاهب الأربعة، وإذا لم أجد لمذهب قولا في مسألة فإني لا أشير إلى عدم وجوده، بل أسكت، تلافيا للتكرار والإطالة. ٥ - رتبت أقوال الفقهاء حسب القوة، فقدمت القول الذي ظهر لي رجحانه وأخرت الضعيف لكون ذلك - فيما يظهر لي - أوضح للقارئ، ويغني عن تكرار بعض الأدلة وأنسب للبحث. ٦ - رتبت المذاهب داخل القول حسب الترتيب الزمني،

стр. 8

فقدمتُ المذهب الحنفي، ثم المالكي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، ثم ابن حزم. ٧ - اعتمدت في نسبة القول للمذهب على أمهات كتب أصحابه إلا إذا لم أطلع على قول صريح لهم في المسألة فإني أحاول أن أستنتج ذلك ولو لم يكن صريحا، أو أبينه على قول آخر لهم إن ظهر لي ذلك، ولا أوثقه من غير كتب المذهب إلا إذا تعذر ذلك من كتبه. ٨ - اكتفيت في توثيق كل مذهب بالإحالة على بعض كتبه، وقد أنقل بعض النقول إذا رأيت أن المقام يتطلب ذلك لتوضيح القول، أو أن الكلام جيد في تحرير المسألة، أو أن صاحبه من المعروفين بالتحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - أو نحو ذلك. ٩ - نهجت في ترتيب المسائل بتقديم الأقوال، ثم ذكر الأدلة لكل قول، مقدما الأدلة من الكتاب، ثم السنة، ثم آثار الصحابة ﵃، ثم المعقول، وأتبعت كل دليل بما يتعلق به من مناقشة وإجابة عنها ونحو ذلك لأن هذه الطريقة - فيما يظهر لي - أوضح للقارئ، وأبعد عن انقطاع تفكيره. ١٠ - استدللتُ للأقوال التي لم أعثر على أدلة لها - حسب ما

стр. 9

ظهر لي - إلا ما لم يتبين لي فيه دليل. ١١ - وجهتُ الاستدلال بكل دليل نقلي من خلال كلام أهل العلم إذا اطلعتُ على كلام لهم فيه، وإلا وجهته ما لم يكن واضح الدلالة. ١٢ - ناقشت ما ورد عليه مناقشة من الأدلة من خلال كلام أهل العلم عليه، مصدرا ذلك بلفظ " نُوقشَ "، وما لم أطلع على كلام لهم عليه ناقشته حسب ما ظهر لي مُصدِّرا ذلك بلفظ " يناقش ". كما أجبتُ عما يمكن الإجابة عنه منها من خلال كلام أهل العلم، مصدرا ذلك بلفظ " أجيب " وإلا أجبتُ عنه حسب ما ظهر لي، مُصدِّرا ذلك بلفظ " يُجاب ". ١٣ - بعد استعراض الأقوال والأدلة والمناقشات والإجابات أعمل على التوفيق إن أمكن إعمالا للأدلة، فإن تعذر عمدتُ إلى الترجيح بناءً على قوة الأدلة، وسلامتها من المناقشات، وبما يتمشى مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، معتمدًا في صيغة الترجيح على قوة الدليل ووضوحه. ١٤ - عزوتُ الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله - تعالى - بذكر السورة ورقم الآية.

стр. 10

١٥ - خرَّجتُ الأحاديث من كتب السنة المعروفة، وما كان منها في الصحيحين أو أحدهما اكتفيتُ بتخريجه منهما، ولم أتعرض للكلام على الحكم عليه؛ للاتفاق على صحة ما ورد فيهما أو في أحدهما، وما لم يكن كذلك خرجته مما ورد فيه من كتب السنة حسب المستطاع مع بيان درجته نقلا عن أصحاب هذا الفن، ولم أترك إلا ما لم أعثر على كلام عنه، وما لم أعثر عليه في كتب السنة أبين من ذكره من الفقهاء، وهي قليلة. ١٦ - خرَّجتُ الآثار من كتب الآثار المعروفة مع الحكم عليها من خلال كلام أهل العلم عليها، ولم أترك إلا ما لم أعثر على كلام حوله، وما لم أعثر عليه في كتب الآثار أبين من ذكره من الفقهاء، وهي قليلة. ١٧ - تجنبتُ ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة إلا ما ظهر لي الاعتماد عليه في الاستدلال بم يكون أكثر من قال بالقول يستدل به، مع بيان ضعفه. ١٨ - عرفتُ الكلمات والألفاظ الغريبة الواردة في بعض الأحاديث والآثار وكلام الفقهاء من كتب اللغة والغريب، والشروح. ١٩ - ترجمتُ لما سوى الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة بترجمة موجزة، حيث رأيتُ أن الشهرة أمر نسبي غير منضبط.

стр. 11

خطة البحث (١) سرتُ في هذا البحث حسب الخطة التالية: قسَّمتُ البحث إلى مقدمة وخمسة فصول، وخاتمة. المقدمة: تشتمل على الافتتاحية، والأسباب الدافعة لبحث الموضوع، ومنهج البحث، وخطته. الفصل الأول: تعريف الخطبة والجمعة، وحكم خطبة الجمعة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الخطبة، والجمعة وتسميتها بذلك. وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الخطبة. المطلب الثاني: تعريف الجمعة وتسميتها بذلك. المبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة. المبحث الثالث: هل الشرط خطبة واحدة، أو خطبتان؟ الفصل الثاني: شروط خطبة الجمعة. وفيه ثمانية مباحث:

стр. 12

المبحث الأول: النية. المبحث الثاني: حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة. وفيه تمهيد، ومطلبان: التمهيد: في أقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا. المطلب الأول: اشتراط العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة. المطلب الثاني: استمرار الحضور حتى نهاية الخطبة. المبحث الثالث: أن تكون بعد دخول وقت الجمعة. المبحث الرابع: تقديمها على الصلاة. المبحث الخامس: القيام. المبحث السادس: الجهر. المبحث السابع: كونها باللغة العربية. المبحث الثامن: الموالاة. وفيه تمهيد، ومطلبان: التمهيد في معنى الموالاة، وضابطها هنا. المطلب الأول: الموالاة بين أجزاء الخطبة. المطلب الثاني: الموالاة بين الخطبة والصلاة. الفصل الثالث: أركان خطبة الجمعة.

стр. 13

وفيه تمهيد، وستة مباحث: التمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا. المبحث الأول: حمد الله - تعالى -. المبحث الثاني: الصلاة على النبي ﷺ . المبحث الثالث: الموعظة. المبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم قراءة شيء من القرآن في الخطبة. المطلب الثاني: أقل مقدار للقراءة. المطلب الثالث: قراءة ما فيه سجود تلاوة في الخطبة، والسجود له. المبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها. المبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها. الفصل الرابع: سنن خطبة الجمعة. وفيه مبحثان:

стр. 14

المبحث الأول: السنن لها. وفيه أحد عشر مطلبا: المطلب الأول: الطهارة. المطلب الثاني: ستر العورة، وإزالة النجاسة. المطلب الثالث: التجمل. المطلب الرابع: أن تكون على منبر أو موضع عال. المطلب الخامس: استقبال الخطيب للناس. المطلب السادس: استقبال الناس للخطيب. المطلب السابع: السلام على الناس. المطلب الثامن: الجلوس على المنبر حتى يفرغ المؤذن. المطلب التاسع: الاعتماد على قوس أو عصا أو سيف أو نحوها. المطلب العاشر: رفع الصوت بها زيادة على القدر الواجب. المطلب الحادي عشر: الجلسة بين الخطبتين. المبحث الثاني: السنن في خطبة الجمعة. وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: تقصيرها. المطلب الثاني: أن تكون فصيحة بليغة مؤثرة مرتبة. المطلب الثالث: قراءة سورة (ق) فيها. المطلب الرابع: الدعاء للمسلمين في الخطبة الثانية.

стр. 15

المطلب الخامس: الدعاء لولاة أمور المسلمين في الخطبة الثانية. المطلب السادس: ختم الخطبة الثانية بالاستغفار. الفصل الخامس: مسائل متفرقة في خطبة الجمعة. وفيه ثلاثة عشر مبحثا: المحبث الأول: التقصير في إعدادها، بالاعتماد على خطب مدونة قديما، ونحو ذلك. المبحث الثاني: إخراجها عن مقصودها الشرعي. المبحث الثالث: صلاة الخطيب تحية المسجد بعد دخوله وقبل صعود المنبر. المبحث الرابع: دعاء الخطيب عند صعود المنبر وقبل جلوسه حال الأذان. المبحث الخامس: الخطبة من صحيفة. المبحث السادس: السلام فيها. وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الكلام في الخطبة. المطلب الثاني: وقت المنع من الكلام في الخطبة. المبحث السابع: الدق بالسيف على المنبر. المبحث الثامن: إشارة الخطيب في أثنائها.

стр. 16

المبحث التاسع: التفات الخطيب يمينا وشمالا في أثنائها. ٥٠ المبحث العاشر: قول الخطيب في آخر الأولى: " ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة "، ونحو ذلك، والمداومة عليه. المبحث الحادي عشر: المبالغة قي الإسراع في الثانية، وخفض الصوت بها. المبحث الثاني عشر: رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة. المبحث الثالث عشر: ختم الثانية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] والمداومة على ذلك. الخاتمة: وتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها. ثم ذيّلتُ البحث بفهارس شاملة تتيح للمطلع سهولة الرجوع إلى ما يريد والاستفادة منه، وهي كما يلي: أولا: فهرس الآيات القرآنية. ثانيا: فهرس الأحاديث النبوية. ثالثا: فهرس الآثار. رابعا: فهرس الأعلام. خامسا: فهرس المصادر والمراجع. سادسا: فهرس الموضوعات.

стр. 17

هذا وقد بذلتُ جهدي - قدر المستطاع - في الإلمام بالموضوع وجمع أطرافه، معتذرا للقارئ الكريم عما حصل فيه من نقص أو خطأ أو زلة قلم؛ لأن قدرة البشر محدودة، فقد جُبلوا على النقص، إذ الكمال لله وحده، والعصمة لرسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. وفي الختام أحمد الله وأشكره على نعمه العظيمة، وأسأله المزيد من فضله، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ومن العلم الذي يُنتفع به في حياتي وبعد وفاتي، وأرجو من إخواني طلاب العلم والخطباء الذين يطلعون عليه إبداء ما يرونه من توجيهات وملاحظات لتلافيها مستقبلا، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والله - تعالى - من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين. كتبه د / عبد العزيز بن محمد بن عبد الله الحجيلان

стр. 18

[الفصل الأول تعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة] [المبحث الأول تعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك] [المطلب الأول تعريف الخطبة] الفصل الأول تعريف الخطبة والجمعة وحكم خطبة الجمعة وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: تعريف الخطبة، والجمعة وتسميتها بذلك. المبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة. المبحث الثالث: هل الشرط خطبة واحدة، أو خطبتان؟

стр. 19

المبحث الأول تعريف الخطبة والجمعة وتسميتها بذلك وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الخطبة. المطلب الثاني: تعريف الجمعة، وتسميتها بذلك. المطلب الأول: تعريف الخطبة أولا: تعريفها في اللغة: الخُطْبَةُ: هي بضم الخاء، وهي ما يُقال على المنبر، يُقال: خَطَبَ على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وأما خِطْبَة - بكسر الخاء - فهي طلب نكاح المرأة. وهي مشتقة من المخاطبة، وقيل: من الخطب، وهو الأمر العظيم؛ لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا عنده. قال في تهذيب اللغة: " والخطبة مصدر الخطيب، وهو يخطب المرأة ويخطِبُها خِطبة وخِطِّيبى. . . قلت: والذي قال الليث أن الخطبة مصدر الخطيب لا يجوز إلا على وجه واحد، وهو أن الخُطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب، فيوضع موضع المصدر، والعرب تقول: فلانٌ خِطْبُ فلانة، إذا كان يخطبها (١) .

стр. 20

وقال في القاموس: ". . . وخَطَبَ الخاطب على المِنْبَر خَطابة بالفتح، وخُطبة بالضم، وذلك الكلام خُطبة أيضا، أو هي الكلام المنثور المُسَجَّع ونحوه، ورجل خَطِيبٌ حسن الخُطبة بالضم " (١) . - وقال في مختار الصحاح: " خاطَبَه بالسلام مُخَاطَبة وخِطَابا، وخطب على المنبر خُطْبَة - بضم الخاء - وخَطَابة، وخَطَب المرأة في النكاح خِطْبَة - بكسر الخاء - يخْطُبُ بضم الخاء فيهما، واختَطَبَ أيضا فيهما، وخَطُبَ من باب ظَرُفَ صار خطيبا " (٢) . وقال في المصباح: " خَاطَبَه مُخَاطَبَة وخِطَابا، وهو الكلام بين متكلم وسامع، ومنه اشتقاق الخُطبَة - بضم الخاء وكسرها - باختلاف معنيين، فيُقال في الموعظة: خَطَبَ القوم وعليهم من باب قتل، خُطبة - بالضم -، وهي فُعلة بمعنى مفعولة. . . وجمعها خُطب، وهو خطيب القوم إذا كان هو المتكلم عنهم، وخَطَبَ المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة - بالكسر -. . . . (٣) .

стр. 21

وقال في حلية الفقهاء: " وأما الخُطْبة فاشتقاقها من المُخاطبة، ولا تكون المخاطبة إلا بالكلام بين المُخاطَبين، وكذلك خِطْبَة النكاح، وقال قوم: إنما سمِّيتْ الخُطبة لأنهم كانوا لا يجعلونها إلا في الخَطْب والأمر العظيم، فلهذا سميت خُطْبة " (١) . ثانيا: تعريفها في الاصطلاح: عرَّفها بعضهم بأنها: الكلام المؤلف المُتضمِّن وعظا وإبلاغا (٢) . ولكن هذا فيه إجمال. وأوضح منه تعريف من قال: إنها قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة، من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم (٣) . وعرَّف بعض المعاصرين الخطابة: بأنها فنّ من فنون الكلام، يقصد به التأثير في الجمهور عن طريق السمع والبصر معا (٤) . وكل هذه التعريفات ونحوها تدور حول التعريف بالخطبة عموما، ومعناها متقارب.

стр. 22

وأما خطبة الجمعة بخصوصها فلم أطلع على تعريف صريح لها - فيما بين يدي من كتب الفقهاء - لعلهم تركوا ذلك لوضوحها عندهم، وقد جاء في بدائع الصنائع في معرض كلامه على أحكام خطبة الجمعة قوله: " والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم " (١) . وهذا بيان لمعناها حسب المتعارف عليه، وليس تعريفا دقيقا تتوفر فيه الشروط المعتبرة عند الأصوليين. ولكن بعد تأمل ما تقدم ذكره من التعريف اللغوي والتعاريف الأخرى، وبناءً على ما ترجح في أحكامها يمكن أن أعرّفها تعريفا تقريبيا بأنها: ما يُلقى من الكلام المتوالي الواعظ باللغة العربية قبيل صلاة الجمعة بعد دخول وقتها بنية جهرا قياما مع القدرة على عدد يتحقق بهم المقصود.

стр. 23

[المطلب الثاني تعريف الجمعة وتسميتها بذلك] المطلب الثاني: تعريف الجمعة وتسميتها بذلك هي بضم الميم وإسكانها وفتحها: الجُمُعَة، والجُمْعَة، والجُمَعَة، والمشهور الضم، وبه قُرئ في السبع في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (١) والإسكان تخفيف منه، ووجه الفتح بأنها تجمع الناس كما يُقال: هُمزة، وضُحكة للمكثرين من ذلك، والفتح لغة بني عُقَيل، ويُجمع على جُمُعات وجُمَع. قال في لسان العرب: ". . . والأصل فيها التخفيف جُمْعَة فمن ثقل أتبع الضمة الضمة، ومن خفف فعلى الأصل، والقرّاء قرءوا بالتثقيل، ويُقال: يوم الجُمَعَة لغة بني عُقَيل، ولو قُرئ بها كان صوابا، قال: والذين قالوا: الجُمَعَة ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يُقال: رجل هُمَزة لُمَزة ضُحَكة، وهو الجُمْعَة، والجُمُعَة والجُمَعَة. . . ويُجمع على جُمُعات، وجُمَع، وقيل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعَة، والجُمَعَة لأنها تجمع الناس كثيرا كما قالوا: رجل لُعَنة يُكثر لعن الناس، ورجل ضُحَكة يُكثر

стр. 24

الضحك. . . . (١) . وقال في مختار الصحاح: " ويوم الجُمُعَة بسكون الميم وضمها يوم العروبة، ويُجمع على جُمُعات وجُمَع، والمسجد الجامع، وإن شئت قلتَ مسجد الجامع بالإضافة، كقولك: حق اليقين، والحق اليقين، بمعنى مسجد اليوم الجامع، وحق الشيء اليقين، لأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز إلا على هذا التقدير " (٢) . وقال في تحرير ألفاظ التنبيه: " الجُمُعَة بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاها الفراء والواحدي، سُميت بذلك لاجتماع الناس، وكان يُقال ليوم الجمعة في الجاهلية العروبة، وجمعها جُمُعات وجُمَع " (٣) . - تسميتها وسببها: يُقال إن هذا اليوم كان يُسمى في الجاهلية بـ " يوم العُروبة " كما تقدم في النقول السابقة (٤) ونقل ابن حجر الاتفاق على

стр. 25

ذلك (١) ثم سُمِّي قبيل الإسلام بـ " يوم الجمعة "، سمَّاه بذلك كعب (٢) بن لؤي، فكانت قريش تجمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظهم، وقيل: لم يسم بيوم الجمعة إلا بعد الإسلام " (٣) . وأما سبب التسمية فتعددت الأقوال فيه: - فقيل: لأن الله - تعالى - جمع فيه خلق آدم ﵇، ويستدلون بما روي عن النبي ﷺ أنه قيل له: لأي شيء سُمِّي يوم الجمعة؟ قال: «لأن فيها طُبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استُجيب له» (٤) .

стр. 26

وصحَّحَ هذا القول في فتح الباري (١) ونيل الاوطار (٢) . - فقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع لصلاتهم (٣) . - وقيل: لأن الله - تعالى - جمع فيه آدم مع حواء في الأرض. - وقيل: لما جُمع فيه من الخير (٤) . وقيل غير ذلك. وهذه الأقوال بعضها مأخوذ من دلالة الاسم، وبعضها مستند إلى أحاديث لم تثبت، ولا مانع أن تكون كل هذه الأشياء سببا للتسمية، والله أعلم.

стр. 27

[المبحث الثاني حكم خطبة الجمعة] المبحث الثاني: حكم خطبة الجمعة اختلف الفقهاء في حكم الخطبة لصلاة الجمعة هل هي شرط لها فلا تصح بدونها، أو سنة فتصح الصلاة بدون خطبة؟ وذلك على قولين: القول الأول: أن الخطبة شرط للجمعة. وبهذا قال الحنفية (١) وجمهور المالكية وهو الصحيح عندهم (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) . قال في الحاوي: " فهو مذهب الفقهاء كافة إلا الحسن البصري فإنه شذ عن الإجماع وقال: إنها ليست واجبة " (٥) .

стр. 28

وقال في المغني: " وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها. . . ولا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن " (١) . القول الثاني: أن الخطبة سنة للجمعة. وبه قال الحسن البصري (٢) . (٣) . وهو مروي عن الإمام مالك، وبه قال بعض أصحابه (٤) . وبه قال ابن حزم (٥) (٦) .

стр. 29

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة والتابعين: أولا: من الكتاب: ١ - قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية (١) . وقد اختلف السلف في المراد بذكر الله فيها على قولين: فمنهم من قال: الخطبة، ومنهم من قال: الصلاة (٢) وصحَّح ابن العربي (٣) أنها تشمل الجميع (٤) . فعلى القول بأن المراد الخطبة تدل على وجوبها من وجهين:

стр. 30

الأول: أنه أمر بالسعي إليها، والأصل في الأمر الوجوب، والسعي الواجب لا يكون الا إلى واجب (١) . الثاني: أن الله أمر بترك البيع عند النداء لها، أي أن البيع يحرم في ذلك الوقت، فتحريمها للبيع دليل على وجوبها، لأن المستحب لا يحرم المباح (٢) . وعلى القول بأن المراد الصلاة فإن الخطبة من الصلاة، والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبِّحا لله بفعله (٣) . ٢ - قول الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية (٤) . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - ذمهم على الانفضاض وترك الخطبة، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا (٥) .

стр. 31

ثانيًا: من السنة: ١ - ما رواه عبد الله (١) بن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن» (٢) . ٢ - ما رواه جابر (٣) بن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد

стр. 32

كذب، فقد صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة» (١) . وهذا الفعل دلالته ظاهرة. مناقشة هذين الدليلين: نوقشا بأن ما ورد فيهما مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الواجب (٢) . الإجابة عن هذه المناقشه: يجاب عنها بالتسليم بذلك لو لم يكن هناك دليل غيرهما على المسألة، لكن ورد الأمر بالخطبة مجملا في قوله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] كما تقدم، فيكون هذا الفعل بيانا لهذا الأمر المجمل، فيكون واجبا، والله أعلم. ٣ - ما جاء في حديث مالك (٣) بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤) .

стр. 33

وجه الدلالة: قال غير واحد من أهل العلم: والنبي ﷺ ما صلى الجمعة في عمره بغير خطبة (١) وقد أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، ولو جازت الجمعة بغير خطبة لفعله ولو مرة تعليما للجواز (٢) . مناقشة هذا الاستدلال: نوقش من وجهين: الأول: أن هذا الحديث - حديث مالك بن الحويرث - لا يصلح الاستدلال به على الوجوب؛ لأنه لو قيل بذلك للزم أن يكون كثير من السنن واجبات لفعل النبي ﷺ لها في صلاته (٣) . الإجابة عن هذا الوجه: يجاب عنه بأنه يقال بذلك لو لم يكن هناك أدلة أخرى تفيد الوجوب، وتجعل هذا الفعل دالا على الوجوب كما سبق في الآيات وكما سيأتي - إن شاء الله - بالإضافة إلى المداومة.

стр. 34

الثاني: أن حديث مالك هذا ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة (١) . الإجابة عن هذا الوجه: يجاب عن ذلك بأن الخطبة وإن كانت ليست بصلاة فهي عمل متعلق بها ومن أجلها، ولا اعتبار له بدونها فأخذ حكمها، بالإضافة إلى أن بعض السلف - كما سيأتي إن شاء الله - قال: إن الخطبتين بدل عن ركعتين، فيكون لهما حكم الصلاة، والله أعلم. ثالثا: من آثار الصحابة ﵃ والتابعين: - ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " الخطبة موضع الركعتين، من فاتته الخطبة صلى أربعا " (٢) وفي رواية: " إنما جُعِلَت الخطبة مكان الركعتين فإن لم يدرك الخطبة فليصل أربعا " (٣) .

стр. 35

وجه الدلالة: دل هذا الأثر على أن الخطبتين بدل عن ركعتين من صلاة الظهر، وهما واجبتان؛ لأنهما جزء منها، فكذلك حكم بدلهما. مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين: الأول: أن هذا الأثر منقطع السند (١) فلا يصلح للاستدلال. الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته قول صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به. وقد نُسِبَ القول بذلك إلى عبد الله بن عمر ﵄ (٢) وإلى عائشة (٣) ﵂ (٤) .

стр. 36

ويناقش بالوجه الثاني من وجهي مناقشة أثر عمر ﵁ المتقدم. كما قال بمثل ذلك بعض التابعين (١) ولكن قولهم ليس بحجة، فلا أطيل بذكر ذلك، وإنما أشرتُ إليه لاستدلال بعض الفقهاء به. دليل أصحاب القول الثاني: أن الجمعة تصح ممن لم يحضر الخطبة، ولو كانت شرطا يجب الإتيان به لم يصح إدراك الجمعة إلا بها (٢) . مناقشة هذا الدليل: قال صاحب الحاوي بعد ذكر هذا الدليل: " وهذا خطأ، ويوضحه إجماع من قبل الحسن وبعده "، ثم ناقشه بأنه غير صحيح، لأن الركعتين واجبتان بالإجماع.

стр. 37

ثم إنه لا يتعلق إدراك الجمعة بها، فلو أدرك ركعة صحت له بالجمعة، فكذلك الخطبة (١) . الترجيح: الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الخطبة شرط لصحة الجمعة، لقوة أدلته، بل نقل بعضهم شبه إجماع عليه كما تقدم عن صاحب الحاوي.

стр. 38

[المبحث الثالث هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان] المبحث الثالث هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان؟ اختلف القائلون في المسألة السابقة باشتراط الخطبة للجمعة - وهم الجمهور - فيما يتحقق به هذا الشرط، هل يتحقق بخطبة واحدة، أو لا بد من خطبتين؟ وذلك على قولين: القول الأول: أنه يشترط خطبتان. وبهذا قال الإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (١) وبه قال الشافعية (٢) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه (٣) . القول الثاني: أنه لا يشترط خطبتان، بل يجزئ خطبة واحدة.

стр. 39

وبهذا قال الحنفية (١) والإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (٢) وهو رواية عن الإمام أحمد (٣) . الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» (٤) . ٢ - ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما. . .» الحديث (٥) . وجه الدلالة من هذين الحديثين: أن فيهما أن النبي ﷺ كان يخطب للجمعة خطبتين، وقد قال:

стр. 40

«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١) (٢) . ويرد على هذا الاستدلال ما ورد عليه في المسألة السابقة من أن هذا مجرد فعل، وهو لا يدل على الوجوب، ولكن يجاب عنه بما أجيب عنه هناك. ٣ - أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين من صلاة الظهر، فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين (٣) . مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشته بأن اعتبار الخطبتين بدل عن ركعتين من الظهر لم يثبت كما تقدم (٤) فلا يصح الاستدلال به، والله أعلم. أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة: - أولا: من السنة: ما رواه جابر بن سمرة ﵁ «أن رسول الله
следующие страницы →