← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 3125

مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه

إسحاق بن منصور الكوسج

Полный текст (4 239 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمّد المصطفى الأمين. أما بعد: فقد شاء الله أن يدون عن الإمام أحمد كثير من المسائل عن طريق جم غفير من تلاميذه، مع كراهته لكتابة المسائل عنه وعن غيره وما ذلك إلا دليل صدقه وورعه فدوَّن كثير من أصحابه عنه مسائل جاءت متفاوتة فيما بينها في القلة والكثرة، والترتيب والتبويب، وحسن الإيراد والمناقشة. ومن بين هذه المسائل "مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (ت٢٥١?) " وهي وإن كانت في أصلها أسئلة موجهة للإمام أحمد ﵀ إلا أن ابن منصور وجه الأسئلة ذاتها ـ غالباً ـ إلى الإمام إسحاق بن راهويه، وقدّم لكثير منها بقول سفيان الثّوري في المسألة، فحفظ لنا بذلك مسائل جمة عن هؤلاء الأئمة أضافت إلى مكتبة الفقه الإسلامي ثروة فقهية تهم المسلمين في جميع شؤونهم. وتعد مسائل ابن منصور هذه ومثيلاتها من المسائل الأخرى المروية عن الإمام أحمد من خير ما يبرز بوضوح معالم فقه أهل السنة والجماعة المبني على الدليل واقتفاء الأثر ومنابذة التقليد واجتناب الشذوذ كيف لا وهو -أي الإمام أحمد- القائل: "إن استطعت أن لا تحك رأسك إلاّ بأثر

стр. 2

فافعل". والقائل: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام". والقائل: "إنّما العلم ما جاء من فوق". وقد امتازت مسائل ابن منصور من بين سائر المسائل بميزات أهمها: ١- مكانة مؤلِّف هذه المسائل علماً وثقة. فقد قال فيه الحاكم: "اعتمداه في الصحيحين أي اعتماد". وقال: "وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل الذي يستهزئ به المبتدعة والمتجرئون". ٢- كَثْرة المسائل التي نقلها ابن منصور عن الإمامين أحمد وإسحاق، وتطرقه إلى جزئيات كثيرة لم يتطرق إليها غيره، حيث تعد مسائله في حجمها وعددها في المرتبة الأولى إذ بلغت عدتها ثلاثة آلاف وستمائة مسألة تقريباً، ولا يضاهيها في هذا إلاّ ما ذكر عن مسائل حرب من أنّ عدتها بلغت ما يقارب أربعة آلاف مسألة، حسب المعلومات التي وصلت إلينا كما في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى١/١٤٥. ٣- كَتَبَ ابن منصور هذه المسائل عن الإمام أحمد، ثم عرضها عليه مرة ثانية، فأقرها له، وأُعجب بذلك منه في قصة مشهورة، كما عرض عبد الله بن الإمام أحمد بعض هذه المسائل على أبيه، مما أضاف إليها مزيداً من التوثيق والتنقيح. ٤- اهتمام العلماء بهذا الكتاب في وقت مبكر واعتمادهم عليه في نقل

стр. 3

آراء الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه. ومِمَن اعتمد على هذا الكتاب الإمام الترمذي في جامعه عند ذكر آراء الفقهاء، والإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه اختلاف الفقهاء، واعتمد عليه ابن المنذر في الأوسط والإشراف، وابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد، وغيرهم من أهل العلم الذين عُنُوا بذكر مذاهب العلماء. ٥- توافر على هذه المسائل ثلاثة أئمة من كبار علماء الإسلام في وقتهم: إسحاق بن منصور بحسن سؤاله وإيراده، والإمام أحمد وإسحاق بأجوبتهما التي جاءت بلغة العلماء الراسخين في العلم. وبالجملة، فهذا الكتاب "مسائل الإمام أحمد وإسحاق برواية إسحاق بن منصور الكوسج" هو من أهم الكتب المعتمدة في نقل مذهب الإمامين أحمد وإسحاق بن راهويه، اطّلع عليه الإمام أحمد في عهده وأعجب به، واهتم به أصحابه من بعده، كما عُنِيَ به أهل العلم في نقل مذاهب الفقهاء، فحري بهذا الكتاب أن ينشر ويتبوأ مكانته في صدارة الكتب العلمية المطبوعة. ولذلك لما خاطبت عمادة البحث العلمي الكلّيّات كيما ترشح الأقسام العلمية فيها ما ترى له الأولية في النّشر من الأعمال العلمية في تخصّصاتها وجاء ترشيح قسم الفقه في كلّيّة الشّريعة لكتاب: (مسائل ابن منصور) .

стр. 4

بادرت العمادة لتشكيل اللّجان المناسبة لفحص الكتاب والتّأكّد من صلاحيته وجاهزيته للنّشر، واقتضى هذا عملاً دؤوباً وجهوداً متواصلة، نظراً إلى حجم الكتاب من جهةٍ، وإلى وجود بعض الأبواب فيه بقيت دون تحقيق من جهةٍ أخرى، ومن جهةٍ ثالثةٍ لاختلاف مناهج التّحقيق لأجزائه المختلفة. ويمكن تلخيص خطوات العمل التي تمت في هذا المشروع في النقاط التالية: أولاً: استكمال تحقيق الأبواب التي لم تحقّق بعد، وقد انتدب لهذه المهمّة بعض أعضاء هيئة التّدريس، وبهذا يكون قد شارك في تحقيق هذا الكتاب عشرة من الباحثين من خلال عشرة أعمال علمية، منها خمس رسائل جامعية أربع منها من درجة العالمية "الماجستير"، وواحدة من درجة العالمية العالية "الدكتوراه"، والأعمال الخمسة الأخرى عبارة عن أبحاث علمية محكَّمة، مع العلم أن الرسائل الخمس قد أعيد تحكيمها من جديد، فكان لا بد والحالة هذه من التنسيق بين أعمال الباحثين ليأخذ الكتاب طبيعة العمل الموحد ما أمكن، فكوّن مجلس العمادة لهذا الغرض لجنتين علميتين: أساسية تتألف من ستة أعضاء من هيئة التدريس من مختلف التّخصّصات، ومساندة تتألف من عضوين آخرين من أعضاء هيئة التدريس. ثانياً: قامت اللّجان المكلّفة بفحص الكتاب وتنسيقه وَفق الخطوات

стр. 5

الآتية: ١- التدقيق في سلامة النص المحقق وصحته، فقد أعيدت مقابلته على الأصول الخطية أكثر من مرّة. ٢- نظراً لاختلاف المحقِّقين في الإشارة إلى أوائل اللوحات وفي موضع هذه الإشارة من النسختين المعتمدتين في التحقيق، بل إن بعضهم لم يشر إلى ذلك أصلاً، لذلك فقد جرى توحيد وتعميم الإشارة بذكر رمز النسخة، فرقم اللوحة، فرمز الوجه، وذلك داخل النص بين معقوفَين. ٣- حذف دراسة بعض المسائل التي أثبتها بعض الباحثين في أوائل رسائلهم، إذ إنّها وضعت لإفادة الباحث، والكشف عن ملكته الفقهية لا غير. ٤- حذف العناوين الجانبية التي وضعها بعض الباحثين لمسائل الكتاب، لما في إثباتها من إثقال النص، وتحميله ما لا يحتمل. ٥- حذف تراجم المشهورين، والمكرّر من التّراجم وكذا المكرّر من التعريفات اللغوية والأماكن. ٦- حذف بعض التعليقات التي يمكن الاستغناء عنها، كإثبات بعض المحققين رأيه الشخصي في بعض المسائل، أو ذكره لآراء بقية المذاهب الأربعة أو نقله بعض النصوص المطولة من كتب الفقه أو نحو ذلك مما لا يقتضيه منهج التحقيق المتعارف عليه، ويؤدي إلى

стр. 6

إثقال هوامش الكتاب. ٧- التدقيق في تخريج الأحاديث والآثار بالإبقاء على أَتَمِّهَا وإن تأخر موضعه، واختصار بعض التخريجات المطولة بما يفي بالغرض ولا يخل بالفائدة. ٨- إبقاء منهج كل محقق وطريقته في التحقيق على ما هي عليه، لأنه من الصعب جداً توحيد العمل بعد نهايته، ولأنّ في الأمر سعة في اختيار إحدى طرائق التحقيق المتبعة لدى أهل هذا الفنّ. ٩- اختيار إحدى الدراسات المناسبة للكتاب والشخصيات، وإثباتها في المقدمة، وقد وقع الاختيار على دراسة الدكتور سليم بن محمد البلوشي. ١٠- توحيد الفهارس الفنية للكتاب وجعلها في جزء مستقل، خلا فهرسي المصادر والموضوعات، فأبقي عليهما في مكانهما من كل جزء. هذا ويحسن التّنبّه إلى أمور: ١- وجود إحالات في هوامش بعض المسائل على مصادر كانت مخطوطة عند رجوع الباحثين إليها، إلا أنها أصبحت الآن في عداد المطبوعات، فهذه لم يتعرض لها، وأبقيت كما كانت عليه لسهولة الاهتداء إلى مواضعها بعد الطباعة. ٢- غياب تطبيق بعض الفقرات المنصوص عليها في مناهج بعض المحققين،

стр. 7

ولكن بالرجوع إلى خطوات العمل في تنسيق مادة هذا الكتاب يتضح السبب. ٣- وجود بعض الآثار والإشارات إلى بعض الأحاديث لم تخرج، فهذه لم تدخل ضمن أعمال اللجنة وإنما هي مسئولية الباحثين أنفسهم. وأخيراً ومع كل ما سبق عرضه من جهود في تحقيق هذا الكتاب وتنسيقه وإعداده للنشر، لا ندعي الكمال لعملنا فالنقص والخطأ ملازم للبشر، ولكن حسبنا أننا اجتهدنا وبذلنا ما في وسعنا لإظهار هذا الكتاب بالمظهر اللائق بمنْزلته وقيمته العلمية. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. عمادة البحث العلمي

стр. 8

تمهيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ١ وبعد.. فإن من عظيم فضل الله ، وامتنانه على عباده، أن أرسل رسوله محمد بن عبد الله ﷺ الذي أنار سبل الرشاد، وبيّن مسالك الحلال والحرام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي

стр. 9

ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. فكان نعم المزكي والمعلم للكتاب والحكمة، علّم الكتاب، وفقّه المسلمين، وقد حثّ الله عباده على التفقّه في الدين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .٢ وقال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"٣ استجابة لقول الله تعالى ورغبة في الخير الذي وعد به رسول الله ﷺ عُني علماء هذه الأمة منذ عهد النبوة بالفقه - أعني فقه الكتاب والسنة- جيلاً بعد جيل، وطبقة بعد طبقة، فنرى الصحابة رضوان الله عليهم تفقهوا على يدي رسول الهدى ﷺ ، وبرز من بينهم عدد اشتهروا بفقهاء الصحابة وتلقى التابعون العلم والفقه من الصحابة، ونبغ من بينهم عدد واشتهروا بذلك، وهكذا الأتباع ومن دونهم تفقه المتأخر من المتقدم حتى

стр. 10

جاء الأئمة المشهورون أصحاب المذاهب السائدة وغيرهم، فلم يألوا جهداً في خدمة الفقه تعليماً وتأليفاً وجمعاً فأسسوا، ووضعوا قواعد وأصولاً لاستنباط الأحكام والفروع منها، ودونوا في ذلك كتباً، ودواوين، وأدلى فيه كل فقيه بدلوه، وكل مجتهد بنصيبه، وكل عالم بجل اهتمامه، وتركوا لنا آثاراً طيبة، وصارت ثروة الفقه الإسلامي أعظم وأضخم ثروة، وأكبر تراث بعد الحديث، ولكن للأسف لم يزل كثير من هذه الثروة العلمية إما مفقودة، أو مخطوطة ورهينة مكتبات لم تر النور بعد، أو حبيسة خزانات لا يمكن الوصول إليها والانتفاع منها إلا بشق الأنفس، ولأهمية الفقه الإسلامي، وعناية الأمة وعلمائها به -كما أشرت- كان الشوق يجرّني، والرغبة تدفعني للإسهام بجهد المقل في إظهار جزء صغير من آثار أولئك الأئمة من قفص المخطوطات إلى حيز المطبوعات فالتحقت بشعبة الفقه من قسم الدراسات العليا وكنت أتمنى أن أحظى بخدمة كتاب أو أثر لإمام مشهور من علماء السلف لعلى أنال ما بشر به الرسول الكريم ﷺ من الخير أو أسير في الطريق الذي ساروا فيه. وقد حقق الله رغبتي هذه فاخترت جزءاً من كتاب اجتمع فيه من العلم والدقة والفقه ما يحتاج إليه العلماء المبرزون بل طلبة العلم الصغار من أمثالي ألفه الحافظ الثقة إسحاق بن منصور المروزي المعتمد عليه في الصحيحين استقاه من أمامي أهل السنة وفقيهي أهل

стр. 11

الحديث في زمانهما ألا وهو كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية. واخترت المشاركة في خدمة هذا الكتاب للأسباب الآتية: ١- قيمة الكتاب العلمية. ٢- أهمية هذه المسائل حيث عرضت على إمامين جليلين في وقت قطعت فيه الحضارة الإسلامية شوطاً كبيراً في التمدن والرقي واختلطت الأمم وتمازجت عاداتهم فتجددت لهم مسائل كثيرة أرادوا أن يعرفوا حكم الإسلام فيها، وخاصة في حاضرة العالم الإسلامي مدينة السلام - بغداد- فجاء هذا الكتاب مجيباً على كثير من تلك المسائل. ٣- غزارة المادة العلمية حيث نقلت كثيراً من فتاوى الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وحكم عليها الإمامان أحمد وإسحاق مع بيان ما يؤخذ وما يرد مع بيان سبب الأخذ والرد. ٤- إخراج فقه الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف براهوية الذي كان إماماً مجتهداً، وضاع كتبه الفقهية، ولم يبق منها إلا ما دونه تلميذه النجيب إسحاق بن منصور المروزي. ٥- ولأن الكتاب من المراجع الأساسية لمعرفة مذهب الإمام أحمد، والذي اعتمد عليها كتب المذهب الحنبلي، وأكثر كتب الخلاف من النقل منه. ٦- ولأن الكتاب من أقدم كتب المسائل التي دونت عن الإمام

стр. 12

أحمد وعرضها مؤلفها على الإمام فيما بعد وأخذ موافقته على تدريسها. ٧- ولأن مؤلف الكتاب من الفقهاء المحدثين، والمشتغل فيه يستفيد لمعرفة الحديث وصحته وضعفه وطرقه ورجاله وما يستنبط منه من أحكام. ٨- رغبتي في دراسة حياة الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ومذهبهما المبني على الكتاب والسنة. والقياس في حالة الضرورة. ٩- حرصي الشديد في تحقيق الكتب وخاصة كتب العلماء المتقدمين الذين جمعوا بين الفقه والحديث. ١٠- محاولة للإسهام في إخراج هذا الكتاب القيم الذي ظلّ دفينَ المكتبات زمناً طويلاً. وقد قسمت البحث إلى: مقدمة وقسمين: قسم في الدراسة، وقسم في التحقيق. وقسمت القسم الدراسي إلى مقدمة وأربعة فصول: المقدمة: وهي نبذة موجزة عن عصر الأئمة الثلاثة ويشمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: الحالة الدينية. المبحث الثاني: الحالة السياسية. المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.

стр. 13

المبحث الرابع: الحالة العلمية. الفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام أحمد ﵀ وفيه أحد عشر مبحثاً: المبحث الأول: في مولده، واسمه، وكنيته، ولقبه. المبحث الثاني: أسرته. المبحث الثالث: طلبه للعلم. المبحث الرابع: رحلاته. المبحث الخامس: شيوخه. المبحث السادس: جلوسه للفتوى، وتلاميذه. المبحث السابع: فقهه. المبحث الثامن: أصول مذهبه. المبحث التاسع: مصطلحاته في مسائله، بعض مصطلحات أصحابه في كتبهم المبحث العاشر: محنته، ووفاته. المبحث الحادي عشر: آثاره العلمية. الفصل الثاني: ترجمة موجزة عن الإمام إسحاق بن راهوية ﵀ وفيه تسعة مباحث المبحث الأول: في اسمه، ونسبه، ولقبه، وشهرته. المبحث الثاني: ولادته، ونشأته.

стр. 14

المبحث الثالث: طلبه للعلم، ورحلاته. المبحث الرابع: بعض شيوخه. المبحث الخامس: بعض تلاميذه. المبحث السادس: مبلغ علمه، وقوة حفظه. المبحث السابع: فقه الإمام إسحاق بن راهوية. المبحث الثامن: آثار الإمام إسحاق بن راهوية. المبحث التاسع: وفاته. الفصل الثالث: في ترجمة إسحاق بن منصور المرزوي وفيه مباحث: المبحث الأول: اسمه، ونسبه، وبلده، ومولده، وأسرته. المبحث الثاني: طلبه للعلم. المبحث الثالث: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث الرابع: شيوخه. المبحث الخامس: تلاميذه. المبحث السادس: مؤلفاته. المبحث السابع: وفاته. الفصل الرابع: في وصف المخطوطة وفيه مباحث: المبحث الأول: وصف نسخ المخطوطة ومحتوياتها. المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.

стр. 15

المبحث الثالث: منهج المؤلف في كتاب المسائل. المبحث الرابع: مميزات مسائل ابن منصور. المبحث الخامس: منهجي في تحقيق المخطوطة. المبحث السادس: دراسة بعض المسائل مع بيان الراجح فيها.

стр. 16

[قسم الدراسة] المقدمة المبحث الأول: في الحالة الدينية عندما يريد الباحث دراسة شخصية من الشخصيات التي تركت طابعها المميز في مجتمعه وكان لها أثر عظيم في حياة مجتمعه والمجتمعات اللاحقة، فلابد من الإلمام بالبيئة التي عاش فيها والعوامل التي تأثر بها والظروف التي أحاطت به، وذلك لأنه ما من مولود إلا يولد على الفطرة١ ويتأثر بأبويه في تكوين شخصيته، ثم بالبيئة التي تحيط به، والإنسان مدني بالطبع لابد له أن يعيش مع الناس لحبّه المؤانسة، وإيثاره الاجتماع ولتلبية احتياجاته المختلفة، فيتأثر بهم٢، فعلى حسب العوامل المختلفة الأثر تكون طبيعة النبوغ ونوعيته، ودرجته. وعلى هذا، فإن للعصر تأثيراً قوياً في حياة الأشخاص وسيرتهم لذلك رأيت أن أقدم نبذة موجزة عن العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإسحاق بن منصور الكوسج، ﵏، وهي الفترة ما بين (١٦١-٢٥١هـ.) والكلام عن هذا العصر سيكون من نواحيه الأربعة: الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والعلمية باختصار. فأقول وبالله التوفيق،،،

стр. 17

المبحث الأول الحالة الدينية من المعلوم أن كمال المجتمع، وصلاحه، وسعادته في تمسكه بدينه، وعقيدته، وكلما ازداد في تمسكه والتزامه بدينه وعقيدته يزداد سعادة وكمالاً، ويبتعد عن مزالق الفتن، ويحظى بتوافر العز. والقارئ لتاريخ الأمة الإسلامية يدرك ذلك تمام الإدراك فكلما كانت الأمة متمسكة بدينها، قائمة بأمر ربها ، سائرة على نهج رسولها ﷺ كان لها العزة، والقوة، ونفوذ الكلمة بين الشعوب، والهيبة في قلوب الأعداء، والطامعين. ولما دب فيهم ضعف الإيمان، وقلة اليقين، والانفلات من عرى الإسلام، والإخلاد إلى الراحة واللامبالاة، سيطر عليهم الأعداء، واحتلوا بلاد الإسلام، وعندما يعود المسلمون إلى دينهم يعود إليهم مجدهم التليد. والأئمة الذين نحن بصدد الكلام عنهم كادوا ي دركوا القرون المفضلة، المشهود لها بأنها خير القرون، فقد روى الإمام البخاري ﵀ بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم١ ثم الذين يلونهم.

стр. 18

- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثاً - ثم إن بعدكم قوماً يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن."١ وفي العصر الذي عاش فيه الأئمة الثلاثة، كان الإسلام بتعاليمه القيمة ومبادئه السمحة، قد صهر الأمم الإسلامية على اختلاف ألوانها ولغاتها وأجناسها في بوتقة واحدة، وتقلصت الفروق، وحل محلها وحدة إسلامية، وارتبطت الحياة العامة سياسياً وإدارياً ومعاملة، وحكماً ارتباطاً وثيقاً بتعاليم الدين الحنيف بل كل مرافق الحياة.٢ واشتهر كثير من الأئمة في هذا العصر ممن كانوا المثل الأعلى في الإيمان، يتبين فيهم القارئ لتراجمهم ورعهم، وتقواهم، وإيمانهم الصادق، وزهدهم عن الدنيا، وسعيهم الدائب لإعزاز الدين، ورقي المسلمين، وقد التقى الأئمة الثلاثة بكثير من هؤلاء الفضلاء، وأخذوا عنهم العلم، وتأثروا بمواقفهم وسلوكهم كما سيأتي إن شاء الله في مبحث شيوخ كل واحد

стр. 19

منهم. وكان المسلمون على مختلف طبقاتهم متمسكين بدينهم متقيدين بأحكامه يبذلون النفس والنفيس في الدفاع عنه. كما أن الخلفاء العباسيين كانوا مثالاً للشعب في ذلك وكانت نظرة الشعب إليهم على أنهم حماة للإسلام وأهله فنجد أبا جعفر المنصور قد أحاط الخلافة بالإجلال الديني، كما أن المهدي كان شديد الحرص على التمسك بالدين، وعدم الزيادة فيه والنقصان، يظهر ذلك من موقفه الذي رد به على رجل عندما دخل عليه وهو يلعب بالحمام، فقيل له حدث أمير المؤمنين، فحدثه عن أبي هريرة مرفوعاً "لا سبق إلا في حافر أو نابل، وزاد فيه" أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف ردهم، فلما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذّاب، وإنما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت."١ وكان الرشيد كثير الغزو والحج، وكان يصلي في خلافته في كل

стр. 20

يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله هذا مع إجلاله للعلم وأهله، وتعظيمه لحرمات الإسلام، وبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه، وكان يبكي على نفسه، وعلى إسرافه، وذنوبه، سيما إذا وعظ. دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه.١ وكان العلماء يقومون بواجبهم من النصح للخلفاء، وتحذيرهم من مغبة التهاون بمسؤولياتهم، وتذكيرهم بالأمانة التي أنيطت بعواتقهم لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة يوم القيامة، حدثنا ليث عن مجاهد ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ، قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا،٢ فجعل هارون يبكي ويشهق ولما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر أعيان دولته أن يعزوه وله أخبار - إن صحت - في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.٣

стр. 21

والمأمون كان من طلبة العلم، وبرع في الفقه، والعربية، وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة، وعلم الأوائل ومهر فيها،١ غير أنه أخذ عليه أمران: الأول: إدخاله علوم الفلسفة، وتشجيعه على نشرها، وتعليمها بينما كان السلف الصالح في غنى عنها. والثاني: البلاء الذي نتج عن هذه العلوم الدخيلة حيث جرّ إلى القول بخلق القرآن، واضطهد بسببه جمع من العلماء، وكان من أشدهم بلاء في ذلك إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀ كما سيأتي إن شاء الله في مبحث محنته. وكان في المجتمع طبقة من ضعفاء التدين، والمتشككين، ومن يقرأ كتاب الأغاني، ودواوين شعراء هذه الحقبة يخال أن الحياة كلها لهو ومجون وإباحة، وإذا قرأ طبقات المحدثين والكتب التي دونت سير العلماء، وحياتهم ومعيشتهم خال أن الحياة كلها دين وورع وتقوى. والإنصاف أن الحياة كانت ذات صنوف وألوان، وأن كلتي السمتين كانتا موجودة٢، إلا أن الطابع العام للدولة: التدين والتمسك بالإسلام.

стр. 22

وأما اللهو والمجون فكان سمة بعض المترفين، ومن يلوذ بهم من الشعراء وغيرهم، وتلك سنة الله في عباده لابد في كل مجتمع أيّاً كان ذلك المجتمع من وجود الصنفين من الناس، متبع لأمر الله، ومخالف للمنهج القويم، وضال للصراط المستقيم.

стр. 23

المبحث الثاني الحالة السياسية تعتبر الفترة التي عاش فيها الأئمة الثلاثة من أزهى عصور الإسلام سياسياً، وحضارياً، وثقافياً، وقد تولى الحكم فيها ثمانية من خلفاء بني العباس، وهم مرتبون على حسب ترتيبهم التاريخي: ١- المهدي: هو أبو عبد الله محمد بن جعفر المنصور الملقب بالمهدي ولد سنة سبع وعشرين ومائة وبويع بالخلافة بعد موت أبيه لستٍ مضين من ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين ومائة فكان حكمه إبان قوة الدولة العباسية. وكانت خلافته مرفهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور فأطلق كثيراً من السجناء، وأمر ببناء الأحواض في طريق مكة ليكون الاستقاء سهلاً لرجال القوافل، وأقام البريد بين مدينة الرسول ﷺ ومكة واليمن، وقام بتوسيع المسجد الحرام. وكان خلافته عشر سنين وشهراً، وبعض شهر، وكان محمود العهد والسيرة محبباً إلى الرعية، حسن الخلق والخلق جواداً١

стр. 24

ولما أفضت إليه الخلافة كان من أحسن الناس سيرة، وأكثرهم غزواً وحجاً، وكان عهده عهد خيرٍ وازدهار، واستقرار على الرغم من كل الفتن التي تغلب عليها الرشيد بسياسته ودهائه كما قام بتحصين الحدود، وتعيين خيرة القادة عليها، ونتيجة لذلك تفوقت القوة الإسلامية، وانتصرت على البيزنطيين، ووصلت الدولة العباسية إلى قمة مجدها، وأوج عظمتها نفوذاً في السلطان ورقياً في العمران، وعروجاً في العلم، واستتباباً في الأمن، واتساعاً في الأرض، حتى أن الرشيد كان يستلقي على ظهره، وينظر إلى السحابة المارة ويقول: اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك. توفي هارون الرشيد بطوس سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة وكانت مدة ولايته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً وله ست وأربعون سنة١. وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في زمن خلافة الرشيد يطلب العلم ويحصله ليله ونهاره كله في سبيله.٢ ٤- الأمين: هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، بويع له في سنة

стр. 25

ثلاث وتسعين ومائة ومضى مدة خلافته في الدفاع عن الملك من أخيه المأمون فدارت رحى الحرب بينهما ولم تسكن حتى قتل الأمين سنة ١٩٨. وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام، قتل وله سبع وعشرون سنة. وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب، واقتناء السودان والخصيان، وإعطاءه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنيين من سائر البلاد والاعتناء ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، فأنفق في ذلك أموالاً كثيرة جداً فكثر النكير عليه بسبب ذلك١. ٥- المأمون: هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي تولى الخلافة بعد قتل أخيه الأمين سنة ثمان وتسعين ومائة، وظل بخرسان، ويدير أموره الفضل بن سهل الذي كان يرى لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون، وكان لهذا التدبير مضار شديدة واضطرابات كادت تقضي على ملك المأمون وتنبه المأمون لحالة البلاد فتولى زمام الأمور بنفسه، ورجع إلى بغداد حاضرة آبائه، ومن ذلك الوقت ابتدأ ملكه الحقيقي، وتجلت مزاياه العالية، ونهض بأعباء الدولة، وتصريف أمورها

стр. 26

وما أن استقرت الأمور حتى عادت الغزوات ضد الأعداء، وقد قاد بعضها المأمون بنفسه حتى مات غازياً بأرض الروم، ودفن بطرسوس. أخذ عليه اتباعه القول بخلق القرآن ودعوته إلى ذلك، والمبالغة في حمل الناس على هذا الرأي الخاطئ. وكان وفاته سنة ثماني عشرة ومائتين، وكانت ولايته عشرين سنة وأشهراً.١ ٦- المعتصم بالله: هو محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبو إسحاق ولي الخلافة في رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، كان شهماً وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وكان همّه الإنفاق في الحرب دون سواها، فملك من آلات الحرب، والدواب ما لم يتفق لغيره وكان أمياً لا يحسن الكتابة، وقيل كان يكتب كتابة ضعيفة، حمل الناس على القول بخلق القرآن، وعذب العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بالسياط كما سيأتي ذكره في المحنة إن شاء الله. وكانت وفاته بسُرّ من رأى سنة سبع وعشرين ومائتين٢.

стр. 27

٧- الواثق بالله: هو هارون بن المعتصم، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان يكنى أبا جعفر، واستمرت في عهده محنة القول بخلق القرآن، وأهان العلماء، وقتل بيده أحمد بن نصر الخزاعي، ثم أمر بتتبع أصحابه، فأخذ من كبارهم نحو ثلاثين رجلاً، فأودعهم السجون، وعذبهم توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكانت ولايته خمس سنين وثمانية أشهر١. ٨- المتوكل على الله: هو جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. ومن محاسنه: أنه أظهر السنة بعد البدعة، وضرب على أيدي المبتدعين وأخمد القول بخلق القرآن، وأخرج العلماء المسجونين، من بينهم الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وبقى خليفة للمسلمين إلى أن قتل سنة سبعة وأربعين ومائتين بأمر من ابنه المنتصر.٢ واستمرت الدولة العباسية زهاء خمسة قرون قال الخيري: إن هذه

стр. 28

الدولة من كبار الدول، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تديناً، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة، ثم مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة. وقال في موضع آخر: كانت دولة كثيرة المحاسن، جمة المكارم أسواق العلوم فيها قائمة، وبضائع الآداب فيها نافقة. وشعائر الدين فيها معظّمة والخيرات فيها دارّة، والدنيا عامرة، والحرمات مرعية، والثغور محصنة. وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها، فأنتشر الجبر، واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة.١ ويعتبر عصر الخلفاء الذين تقدمت الدارسة عنهم من أفضل عصور الخلافة العباسية وبعد هذا العصر بدأت الخلافة العباسية تميد بالخطوب والفتن وتنافس عليها الخصوم، والعناصر المختلفة، كما تنازع القادة فيما بينهم وكان هذا نذير الفناء والبلاء. والأئمة الثلاثة أدركوا الدولة العباسية وهي في قمة مجدها، وعظمة قوتها، وحضارتها لا سيما أيام الرشيد، وولده المأمون كما أدركوها وهي تنحدر من هذه القمة إلى مهاوي الانقسام السياسي والعصبي، وكان من أثر السياسة التي سار عليها المعتصم في الاستعانة بالأتراك، وأزجل لهم

стр. 29

الهبات والعطايا دون غيرهم أن دب في نفوس العرب دبيب الغيرة والحسد لهؤلاء الأتراك، مما أدى إلى إقصاء قواد العرب والفرس تدريجياً، ووقوع المعتصم في أيدي قواده الأتراك. كما كان لاعتماد المعتصم على الأتراك أثر سيئ في نفوس العرب فثاروا في بلاد الشام تحت زعامة أبي حرب المبرقع اليماني. وكان هؤلاء حرباً عليه وعلى خلفائه من بعده، وتلا ذلك فساد واضطراب في بغداد حاضرة الدولة، والأقاليم التابعة لها ومضى القرن الأول العباسي والأندلس للأمويين، والمغرب الأقصى للأدارسة، وإفريقيا للأغالبة، وخراسان لآل طاهر بن الحسين، والفرس والترك وطوائف من العرب حرب للدولة يكيدون لها المكايد ويتربصون بها الدوائر. وقد نأى الإمام أحمد عن الخلافة، واعتزلها، وامتنع عن أخذ الأعطيات وترك السياسة إلى العلم، وسنة رسول الله ﷺ ، فلم يشايع الولاة، ولم يحرّض عليهم وعاش راغباً عن العطاء، ومع ذلك فقد قاوم مذاهبهم المنحرفة، مثل القول بخلق القرآن ووقف كالطود الشامخ في تلك الفتنة التي لم يثبت فيها إلا القلة بينما كان الإمام إسحاق بن راهوية الذي سكن خراسان كان على علاقة وثيقة مع واليها عبد الله بن طاهر، بل يعد من خواص جلسائه، وكان يرجع إليه، ويسأله، ويستفسر منه، فيوضح له. قال الحسين بن محمد المرزوي: سمعت إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يناشد أبا عبد الله -أحمد- ويسأله الدخول على الخليفة ليأمره

стр. 30

وينهاه وقال له: إنه يقبل منك، هذا إسحاق بن راهوية يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه، فقال له أبو عبد الله: تحتج عليّ بإسحاق؟ فأنا غير راضٍ بفعاله، ماله -أي الخليفة- في رؤيتي خير، ولا لي في رؤيته خير١.

стр. 31

المبحث الثالث في الحالة الاجتماعية اختلف حالة المجتمع الإسلامي في العهد العباسي عنه في العهد الأموي ففي العصر العباسي اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فقد كان من أجزائها المغرب -حيناً- ومصر والشام وجزيرة العرب، والعراق وفارس، وما وراء النهر، وكانت هذه الأمم تختلف فيما بينها كل الاختلاف، وكلها خضعت للجزء الإسلامي، وتكون منها جميعاً مملكة واحدة وانصهرت كلها في بوتقة واحدة، وربطها الإسلام برباطه الوثيق، واجتمعت تحت كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكانت العناصر التي يتألف منها المجتمع هم العرب وبخاصة المضريين واليمنيين،، ومن الفرس وبخاصة الخراسانيين الذين ساعدوا على قيام الدولة العباسية، والترك، وعلى الأخص أيام المعتصم والمغاربة والروم والهنود والزنوج١. فكان مجتمعاً واحداً انعدمت فيه الفوارق بين العناصر المتعددة متبعين في ذلك تعاليم الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .٢

стр. 32

فنعم المجامع بأسباب الرخاء والسعادة، كما كان الثراء والترف يشمل طبقة كبيرة من المجتمع، وكانت قصور الخلفاء، والأمراء وكبار رجال الدولة مضرب المثل في حسن رونقها وبهائها كما امتازت بضخامة بنائها واتساعها، وما يكتنفها من حدائق غناء وأشجار متكاثفة، كما ازدانت بالمناضد الثمينة والزهريات الخزفية، والتربيعات المرصّعة والمذهّبة. كما تفننوا في أنواع الطعام، واللباس، وكان الطابع الفارسي بيناً فيها. وكان الرقيق يكونون طبقة كبيرة من طبقات المجتمع الإسلامي في العصر العباسي الأول إذ كان اتخاذ الرقيق منتشراً انتشاراً كبيراً. ولم يخل المجتمع من الفقراء والمعوزين ممن عضّهم الفقر بنابه، ووجد كذلك كثير من متوسطي الحال، والذين لم يخفوا تذمرهم من غلاء الأسعار، كما أن تعدد الأجناس في المجتمع جعل الدولة عرضة للدعوات السرية، والفتن الداخلية، وساعد اتساع الدولة، وبعد المسافات بين الولايات على نجاح كثير من أصحاب الفتن في بث دعوتهم ونشر عقيدتهم.١

стр. 33

المبحث الرابع الحالة العلمية بدأ العلم في الازدهار من عهد النبوة، حيث أخذ الصحابة يهتمون بالتعلّم والقراءة، امتثالاً لقول الله تعالى في أول آية نزلت من القرآن الكريم ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ .١ والنبي ﷺ حث على التعلم في أحاديث كثيرة، وطلب من أسرى بدر أن يعلموا كل منهم عشرة من أبناء المسلمين مقابل الفداء على أنفسهم. وكان ذلك هو الأساس المتين للنشاط العلمي فيما بعد مع ما امتاز به من صفاء، لصفاء مصدريه وعدم اختلاط الأفكار الأجنبية بمعانيهما. وتوسعت الحركة العلمية في نواح مختلفة. وفي العصر العباسي نمت تلك الحركة نموا عظيماً، وأخذ الخلفاء يشجعون هذه الحركة لدفعها إلى الإمام في شتى نواحيها، ويضفون عليها ظلال رعايتهم كما كانوا يبالغون في إكرام العلماء، والفقهاء، والمحدثين، والأدباء، ويجالسونهم، ويقربونهم إليهم، واقتدى بهم أعيان دولتهم، ووزراؤهم، فظهر في هذا العصر أئمة الفقه في الدين، ونوابغ اللغويين،

стр. 34

وجهابذة النحويين، ومهرة الكتاب وأعلام المؤلفين، وفحول الشعراء وصفوة المؤرخين، والأخباريين والأطباء والحكماء.١ وفي هذا العصر شرع العلماء في تدوين الحديث، والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ في المدينة بمشورة أبي جعفر المنصور والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف إسحاق في المغازي، وصنف أبو حنيفة في الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة، ثمّ ابن المبارك، وأبو يوسف القاضي، وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ، وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف غير مرتّبة.٢ وفي هذا العصر غدا الناس جميعاً من الخليفة إلى أقل أفراد العامة شأناً غدوا طلاباً للعلم، وكان الناس يجوبون ثلاث قارات سعياً إلى موارد العلم والعرفان، ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهفين، ثم يصنفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه

стр. 35

المصنفات التي هي أشبه شيءٍ بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم إلينا.١ ورحل الرشيد بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على الإمام مالك ﵀.٢ وكان المحدثون أنشط الناس للرحيل، وأصبرهم على العناء، ذلك أن الصحابة عند الفتح تفرقوا في الأمصار، فمنهم من سكن فارس، ومنهم من سكن العراق، ومن سكن مصر، ومن سكن الشام، ومن سكن المغرب، وكان كل هؤلاء يحملون حديثاً عن رسول الله ﷺ أخذه عنهم التابعون ومن بعدهم، فكان في كل مصر طائفة من الحديث لا تعرف في الأمصار الأخرى، فَجَدَّ العلماء في الرحلة يأخذون الأحاديث عن أهلها، ويجمعون ما تفرق منها، وكان باعثهم الديني يذلل كل عقبة، ويسهل كل مشقة.٣ وكانت المساجد تعد من أكبر معاهد الثقافة لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة، وقد تنوعت العلوم التي كانت تدرس في هذا العصر، وأصبح كثير من هذه المساجد مراكز للحركات العلمية ولما

стр. 36

نشطت حركة الترجمة والتأليف، وتقدمت صناعة الورق كثرت المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية. وكان بيت الحكمة الذي يترجح أن الرشيد هو الذي وضع أساسه وعمل المأمون من بعده على إمداده بمختلف الكتب والمصنفات من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي. وقد نشطت حركة الترجمة في عصر المأمون، وأحضر كثيراً من المترجمين والعلماء لترجمة كتب الأمم السالفة، وحضارتهم، وحكى حنين بن إسحاق -وهو أحد المترجمين- أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية مثلاً بمثل-١ فظهر المتكلمون، وقويت شوكة المعتزلة، ومال الخليفة المأمون إلى الأخذ بمذهبهم ومنه القول بخلق القرآن فقرّب أتباع هذا المذهب إليه، ومن ثم أصبحوا ذوي نفوذ كبير في قصر الخلافة، ومما زاد الطين بلّة دعوة المأمون إلى هذا القول الخاطئ وحمل الناس على القول به، وتعذيب من لم يوافقه رأيه.

стр. 37

[الفصل الأول: ترجمة موجزة عن الإمام أحمد ﵀ -] المبحث الأول "مولده، اسمه، كنيته، لقبه " مولده: ولد أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مدينة بغداد عاصمة العالم الإسلامي آنذاك، ومدينة العلم والعلماء، وقدم أبواه إليها من مرو وأمه حامل به، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.١ اسمه، وكنيته، ولقبه هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل بن قاسط ابن هنب بن أقصى الشيباني المروزي الذهلي البغدادي.٢ قال ابن الجوزي بعد ذكر الروايات في نسبه:

стр. 38

قد بان بهذه الروايات أن أحمد ﵁ من ولد شيبان بن ذهل بن ثعلبة، لا من ولد ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان، وقد غلط أقوام فجعلوه من ولد ذهل بن شيبان.١

стр. 39

المبحث الثاني أسرته يرجع نسب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل إلى بني شيبان، وهي قبيلة من بني ربيعة عدنانية تلتقي مع النبي ﷺ في نزار بن معد بن عدنان. وكانت منازل شيبان بالبصرة وباديتها، وقد كانت في الجاهلية قريبة المقام من العراق، فلما بنى عمر بن الخطاب ﵁ البصرة مطلة على الصحراء لينزل بها العرب يستنشقون فيها هواء الصحراء ولا يستوخمون بهواء الريف، نزلت شيبان بتلك المدينة الحضرية الصحراوية فسكنوها، وسكنوا باديتها.١ ولم يطل بهم المقام طويلاً، إذا انتقل جده إلى خراسان والياً على سرخس من قبل الدولة الأموية، ولما قامت الدعوة العباسية عاون دعاتها، وانضم إلى صفوفهم، حتى أوذي من أجل ذلك.٢ أما أبوه محمد بن حنبل فقد كان قائداً وجندياً في جيش خراسان فقد وصفه ابن الجوزي عن الأصمعي بأنه كان قائداً.٣

стр. 40

وأما والدته: فاسمها صفية بنت ميمونة، بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر كان أبوه نزل بهم وتزوج بها، وكان جدها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان، كانت تنزل عليه قبائل العرب فيستضيفهم.١ وحين بلغ الإمام أحمد من العمر ثلاث سنين توفى أبوه وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره ثلاثين سنة، فنشأ يتيماً تشرف عليه أمه، وتنفق عليه من مال ضئيل تركه له أبوه ببغداد مكون من عقار يسكنه وآخر يغله غلة ضئيلة.٢ وكان للإمام أحمد ﵀ عم اسمه إسحاق بن حنبل الشيباني وكان ملازماً في أكثر أوقاته مجلس أحمد ولعمه ابن اسمه حنبل بن إسحاق ابن حنبل الشيباني توفى عام ٢٧٣ بواسط وكان عمه على صلة بالخلافة، ولم يكن أحمد يستحسن ذلك تورعاً، وابتعاداً عن الريب منذ صباه.٣
следующие страницы →