نشطت حركة الترجمة والتأليف، وتقدمت صناعة الورق كثرت المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية.
وكان بيت الحكمة الذي يترجح أن الرشيد هو الذي وضع أساسه وعمل المأمون من بعده على إمداده بمختلف الكتب والمصنفات من أكبر خزائن الكتب في العصر العباسي.
وقد نشطت حركة الترجمة في عصر المأمون، وأحضر كثيراً من المترجمين والعلماء لترجمة كتب الأمم السالفة، وحضارتهم، وحكى حنين بن إسحاق -وهو أحد المترجمين- أن المأمون كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية مثلاً بمثل-١ فظهر المتكلمون، وقويت شوكة المعتزلة، ومال الخليفة المأمون إلى الأخذ بمذهبهم ومنه القول بخلق القرآن فقرّب أتباع هذا المذهب إليه، ومن ثم أصبحوا ذوي نفوذ كبير في قصر الخلافة، ومما زاد الطين بلّة دعوة المأمون إلى هذا القول الخاطئ وحمل الناس على القول به، وتعذيب من لم يوافقه رأيه.
стр. 37
[الفصل الأول: ترجمة موجزة عن الإمام أحمد ﵀ -]
المبحث الأول "مولده، اسمه، كنيته، لقبه "
مولده:
ولد أبو عبد الله أحمد بن حنبل في مدينة بغداد عاصمة العالم الإسلامي آنذاك، ومدينة العلم والعلماء، وقدم أبواه إليها من مرو وأمه حامل به، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة.١
اسمه، وكنيته، ولقبه
هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ابن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر وائل بن قاسط ابن هنب بن أقصى الشيباني المروزي الذهلي البغدادي.٢
قال ابن الجوزي بعد ذكر الروايات في نسبه:
стр. 38
قد بان بهذه الروايات أن أحمد ﵁ من ولد شيبان بن ذهل بن ثعلبة، لا من ولد ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة هو عم ذهل بن شيبان، وقد غلط أقوام فجعلوه من ولد ذهل بن شيبان.١
стр. 39
المبحث الثاني أسرته
يرجع نسب الإمام أحمد بن محمد بن حنبل إلى بني شيبان، وهي قبيلة من بني ربيعة عدنانية تلتقي مع النبي ﷺ في نزار بن معد بن عدنان.
وكانت منازل شيبان بالبصرة وباديتها، وقد كانت في الجاهلية قريبة المقام من العراق، فلما بنى عمر بن الخطاب ﵁ البصرة مطلة على الصحراء لينزل بها العرب يستنشقون فيها هواء الصحراء ولا يستوخمون بهواء الريف، نزلت شيبان بتلك المدينة الحضرية الصحراوية فسكنوها، وسكنوا باديتها.١
ولم يطل بهم المقام طويلاً، إذا انتقل جده إلى خراسان والياً على سرخس من قبل الدولة الأموية، ولما قامت الدعوة العباسية عاون دعاتها، وانضم إلى صفوفهم، حتى أوذي من أجل ذلك.٢
أما أبوه محمد بن حنبل فقد كان قائداً وجندياً في جيش خراسان فقد وصفه ابن الجوزي عن الأصمعي بأنه كان قائداً.٣
стр. 40
وأما والدته: فاسمها صفية بنت ميمونة، بنت عبد الملك الشيباني من بني عامر كان أبوه نزل بهم وتزوج بها، وكان جدها عبد الملك بن سوادة بن هند الشيباني من وجوه بني شيبان، كانت تنزل عليه قبائل العرب فيستضيفهم.١
وحين بلغ الإمام أحمد من العمر ثلاث سنين توفى أبوه وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره ثلاثين سنة، فنشأ يتيماً تشرف عليه أمه، وتنفق عليه من مال ضئيل تركه له أبوه ببغداد مكون من عقار يسكنه وآخر يغله غلة ضئيلة.٢
وكان للإمام أحمد ﵀ عم اسمه إسحاق بن حنبل الشيباني وكان ملازماً في أكثر أوقاته مجلس أحمد ولعمه ابن اسمه حنبل بن إسحاق ابن حنبل الشيباني توفى عام ٢٧٣ بواسط وكان عمه على صلة بالخلافة، ولم يكن أحمد يستحسن ذلك تورعاً، وابتعاداً عن الريب منذ صباه.٣
стр. 41
المبحث الثالث طلبه للعلم
عاش الإمام أحمد ﵀ طفولته في كنف أم ترأمه، وتدفعه إلى العلا، وتكنف مواهبه لتزكو، وتنمو ولئلا تنطفئ أو تخبو وكانت لوائح النجابة تظهر منه زمن الصبا، وكان حفظه للعلم من ذلك الزمان غزيراً، وعلمه به متوافراً، وربما يريد البكور فتأخذ أمه ثيابه وتقول: حتى يؤذن الناس، أو حتى يصبحوا وقد اختارت أسرته له منذ صباه أن يكون رجل دين، فوجهته إلى حفظ القرآن الكريم، فاستحفظه وأتقنه.
وكان في موضع إعجاب من الناس حوله، فقد ذكر ابن الجوزي عن أبي سراح بن خزيمة، وهو ممن كان مع أحمد في الكتاب - إن أبي جعل يعجب من أدب أحمد، وحسن طريقته، فقال لنا ذات يوم أنا أنفق على ولدي وآتيهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم انظر كيف يخرج؟ وجعل يعجب.١
وأظهر في هذه الفترة جودة الخط، وحسن التعبير، وكان محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء، حتى أنه ليروى أن الرشيد كان بالرقة
стр. 42
مع جنده، فكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم فيبعث نساؤهم إلى المعلم: ابعث إلينا بأحمد بن حنبل ليكتب لهم جواب كتبهم فيبعثه، فكان يجئ إليهن مطأطئ الرأس فيكتب جواب كتبهن فربما أملين عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهن.١
لقد استرعت هذه الصفات نظر العلماء الذين اتصل بهم في ذلك العقد حتى قال فيه الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه.٢
والتحق الإمام أحمد في مبدأ تعليمه بالكتاب، ولما بلغ من العمر أربع عشرة سنة التحق بالديوان، فقد قال ﵀: اختلفت إلى الكتاب، ثم اختلفت إلى الديوان، وأنا ابن أربع عشرة سنة.٣
وكان يتردد في بداية دراسته إلى مجلس القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، ولكنه مال من بعد إلى المحدثين فكان أول طلبه للحديث وسماعه من مشايخه سنة سبع وثمانين ومائة وقد بلغ من العمر ست عشرة سنة.٤
стр. 43
وقد لازم الإمام أحمد ﵀ لمدة أربع سنوات إماماً من أئمة الحديث وعلم الآثار ببغداد ذلك الإمام هو هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي المتوفى سنة ١٨٣.
روى صالح وعبد الله عن أبيهما قوله "طلبت العلم وأنا ابن ست عشرة سنة وأول سماعي من هشيم سنة تسع وسبعين".١
ومع تخصيصه شيخه هشيم بفضل من الملازمة لم ينقطع عن غيره انقطاعاً تاماً، بل كان يختلط بغيره، ويروي عنهم، ويلقف الأحاديث حيثما وجد الرواي الثقة، فيروى أنه سمع من عمير بن عبد الله بن خالد سنة ١٨٢ قبل موت شيخه هشيم، وسمع في هذه الأثناء عبد الرحمن بن مهدي، وأبا بكر بن عياش ﵏.٢
стр. 44
المبحث الرابع رحلاته في طلب العلم
ما أن انتقل شيخه هشيم بن بشير الواسطي إلى رحمة ربه حتى بدأت رحلات الإمام أحمد ﵀ العلمية.
ففي سنة ثلاث وثمانين ومائة رحل إلى الكوفة لطلب العلم وأخذ من وكيع بن الجراح، وأعجب به فقال: "ما رأت عيني مثل وكيع يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه، ويحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد"، كما أعجب به شيخه وكيع فقال: "ما قدم الكوفة مثل هذا الفتى."١
كما سمع من حسين الجعفي، وجاء إليه ومعه كتاب شفاعة ليحدثه فقال له: يا أحمد لا تجعل فيما بيني وبينك منعماً، فليس تحمل علي بأحد إلا وأنت أكبر منه.٢
ورحل إلى البصرة خمس مرات قال الإمام أحمد: دخلت البصرة خمس دخلات، دخلتها في أول رجب سنة ست وثمانين ومائة سمعت من المعتمر بن سليمان، ودخلت الثانية في سنة تسعين، دخلت الثالثة في سنة أربع وتسعين، وقد مات غندر، فأقمت على يحى بن سعيد ستة أشهر،
стр. 45
ودخلت سنة مائتين١.
ودخل عبادان سنة ست وثمانين في العشر الأواخر من رجب وسمع من علمائها، ودخل واسط، وسمه من يزيد بن هارون الواسطي وصلى الإمام خلفه فلما سلم يزيد من الصلاة التفت إلى أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في العارية؟ قال: مؤداة. فقال له يزيد: أخبرنا حجاج عن الحكم قال: ليست مضمونة فقال له أحمد: قد استعار النبيصلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدرعاً، فقال له: عارية مؤداة؟ فقال له النبي ﷺ : "العارية مؤداة"، فسكت يزيد، وصار إلى قول أحمد بن حنبل.٢
وخرج إلى طرسوس ماشياً٣ كما رحل إلى الحجاز خمس مرات أولاها عام سبعة وثمانين ومائة، وسمع من سفيان بن عيينة وفي هذا العام أدى فريضة الحج، والتقى بالإمام الشافعي، وتوطدت علاقة الإخاء والمحبة بينهما.
قال الإمام أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلاً، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً، وضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى
стр. 46
٢- الهادي: هو موسى بن محمد بن المهدي بن عبد الله المنصور ولي الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة، وكان شهماً خبيراً بالملك كريماً، وشرع الهادي في تتبع الزنادقة، فقتل منهم طائفة كثيرة واقتدى في ذلك بأبيه، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك، وتوفى في ربيع الأول سنة سبعين ومائة.
وكانت ولايته سنة وستة أشهر، وذكر بعضهم غير هذا وله أربع وعشرون سنة.١
٣- الرشيد: هو هارون الرشيد بن المهدي محمد بن منصور بويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي.
وكانت سنّة يوم وُلّي اثنتين وعشرين سنة.
وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مراراً، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية وهذا الذي جعل أباه يعقد له البيعة بعد أخيه.
стр. 47
وفقت على الطريق.
قال ابن كثير: أول حجة حجها- الإمام أحمد - في سنة سبع وثمانين ومائة ثم سنة إحدى وتسعين، وفيها حج الوليد بن مسلم ثم سنة ست وتسعين وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين.١
وكان الإمام أحمد قد نوى الذهاب إلى عبد الرزاق الصنعاني باليمن برفقة صاحبيه في طلب العلم يحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية ومن حسن حظهم أن عبد الرزاق قدم للحج في ذلك العام فالتقوا به، وقدم يحيى بن معين الإمام أحمد إلى عبد الرزاق، وعرفه به قائلاً له: هذا أحمد ابن حنبل أخوك فقال عبد الرزاق: حياه الله وثبته فإنه يبلغني عنه كل جميل.٢
لم يكتف الإمام أحمد بلقيا عبد الرزاق الصنعاني العاجلة، والسماع منه لموسم الحج، بل نفذ عزمه في الرحيل إليه، والسماع منه في عقر داره حيث يوجد كتبه، فبعد انقضاء موسم الحج، وانصراف الحجيج يمموا وجوههم شطر اليمن قاصدين صنعاء والسماع من محدّثها الجليل القدر
стр. 48
عبد الرزّاق، وقد نال الإمام أحمد كثيراً من المشقّة إذا انقطعت به النفقة في الطريق، فأكرى نفسه من بعض الحمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً.١
ولندع المجال للإمام أحمد يحكي قصة لقياه بعبد الرزاق.
قال: لما قدمت صنعاء اليمن أنا ويحيى بن معين في وقت صلاة العصر فسألنا عن منزل عبد الرزاق فقيل لنا بقرية يقال لها الرمادة، فمضيت لشهوتي للقائه، وتخلف يحيى بن معين، فلما ذهبت أدق الباب قال لي بقال تجاه داره: مه، لا تدق فإن الشيخ مهوب فجلست حتى إذا كان قبل صلاة المغرب خرج للصلاة، فوثبت إليه وفي يدي أحاديث قد انتقيتها فقلت له: سلام عليكم: تحدثني بهذه رحمك الله؟ فإنني رجل غريب فقال لي: ومن أنت وزبرني قلت: أنا أحمد بن حنبل قال: فتقاصر؟ وضمني إليه وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث فلم يزل يقرؤها حتى أشكل عليه الظلام فقال للبقال هلم بالمصباح حتى خرج وقت صلاة المغرب وكان يؤخرها.٢
وبعد هذه الجلسة قدم صاحبا الإمام إلى الرمادة.
ومكث الإمام أحمد في اليمن قرابة السنتين، وكتب عن عبد الرزاق
стр. 49
حديث الزهري عن سالم عن عبد الله عن أبيه، وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.١
كما التقى في مدة إقامته باليمن بإبراهبم بن عقيل، وكان عسراً لا يوصل إليه فأقام على بابه يوماً، أو يومين حتى وصل إليه فحدثه بحديثين وكان عنده أحاديث وهب عن جابر فلم يقدر على سماعها منه لعسره.٢
وجملة القول في رحلاته ما ذكر العليمي فقال: سافر في طلب العلم أسفاراً كثيرة إلى البلاد: الكوفة، والبصرة والحجاز، ومكة، والمدينة واليمن والشام، والثغور والسواحل والفراتين وأرض فارس وبلد خراسان، والجبال والأطراف، وغير ذلك ثم رجع إلى بغداد وساد أهل عصره، ونصر الله به دينه، وصار أحد الأعلام، من أئمة الإسلام.٣
стр. 50
المبحث الخامس شيوخه
لقد ارتحل الإمام أحمد ﵀ كثيراً في طلب العلم، والتقى بعدد كبير من علماء عصره الذين يشار إليهم بالبنان، ويشد الرحال إليهم، ليتزود من علومهم، والكتابة عنهم، ولا شك أن للشيخ أثره الكبير في بناء شخصية الطالب، ونضوج عقله وميله للعلم الذي برع فيه شيخه، ويكون التأثير بحسب قوة شخصية الشيخ، وقدرته العلمية.
ولكثرة تجوال الإمام أحمد، وطلبه للعلم في سن مبكرة فقد كثر الشيوخ الذين أخذ عنهم مختلف العلوم.
قال الذهبي: عدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف، وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء منهم ستة وثمانين١.
وقد أورد ابن الجوزي في مناقبه أربعة عشر وأربعمائة شيخ وامرأة واحدة روى عنها هي أم عمر بنت حسان بن زيد الثقفي وقد ذكرهم ورتبهم على الحروف.
وذكر المزي في تهذيب الكمال سبعة وعشرين ومائة شيخ كما سرد جملة منهم خطيب البغدادي في تاريخ بغداد وقال: وخلق سواهم يطول
стр. 51
ذكرهم، ويشق إحصاء أسمائهم.١
وسأكتفي بذكر عدد منهم ممن تأثر بهم الإمام أحمد وأخذ العلم عنهم ورتبت هؤلاء الشيوخ على حسب سني وفاتهم:
١- القاضي أبو يوسف ١١٣-١٨٢
وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي- صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيهاً علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة وتفقه بالحديث والرواية ثم لزم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي، والرشيد ومات في خلافته ببغداد وهو على القضاء.٢
وكان الإمام أحمد في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف وأخذ عنه فقه الرأي، ثم انصرف عنه لرغبته الشديدة في الأخذ عن رجال الحديث.٣
стр. 52
٢- هشيم بن بشير ١٠٤-١٨٣
هو ابن أبي حازم قاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي نزيل بغداد: مفسر من ثقات المحدثين، لازمه الإمام أحمد أربع سنين١ من سنة تسع وسبعين إلى أن توفي سنة ثلاث وثمانين قال الإمام أحمد: كتبنا عنه كتاب الحج نحواً من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء، وكتباً صغاراً قال السائل: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر.٢
روى حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: حفظت كل شيء سمعته من هشيم، وهشيم حيّ قبل موته٣ ولم يقتصر استفادة الإمام أحمد على حفظ حديث هشيم بل تأثر واقتبس من انصرافه للعلم، وجهاده في سبيله، وتحمّل المشاق من أجله مع الورع والتقوى والضبط، والدقة في حمل الحديث ومعرفة رواته مما فاق فيه هشيم سواه من علماء بغداد.٤
стр. 53
٣- معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري
يلقب بالطفيل ثقة توفي سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة أخرج له أصحاب الكتب الستة.١
٤- جرير بن عبد الحميد بن قرط- بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب توفي سنة ثمان وثمانين وله إحدى وسبعون سنة.٢
٥- محمد بن جعفر بن غندر أبو عبد الله البصري الهذلي بالولاء عالم بالحديث متعبد من أهل البصرة، كان يرمى بالغفلة عاش نحواً من سبعين عاماً، وكان أصح الناس كتابة للحديث توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة أخرج له أصحاب الكتب الستة.٣
٦- إسماعيل بن إبراهيم ١١٠-١٩٣
ابن مقسم الأسدي، البصري أبو بشر من أكابر حفاظ الحديث كوفي الأصل، تاجر، كان حجة في الحديث ثقة، مأموناً وولي صدقات البصرة، ثم المظالم ببغداد في آخر خلافة هارون الرشيد وتوفي بها، وكان
стр. 54
يكره، أن يقال له" ابن عليه " وهي أمه أخرج له أصحاب الكتب الستة.١
٧- وكيع بن الجراح ١٢٩-١٩٧
ابن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ كان محدث العراق في عصره قال الإمام أحمد: ما رأيت أوعى للعلم منه، ولا أحفظ، ولا رأيت معه كتاباً قط، ولا رقعة، وكان الإمام يذاكر وكيعاً بحديث الثوري ولشدة اهتمامه بشيخه يحفظ ما يتلقاه عنه.
قال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بكلام.٢
٨- سفيان ين عيينة ١٠٧-١٩٨
هو ابن ميمون الهلالي الكوفي أبو محمد محدث الحرم المكي ولد بالكوفة، وسكن مكة، وتوفى بها، كان حافظاً ثقة واسع العلم كبير القدر.٣
стр. 55
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: فاتني مالك فأخلف الله علي سفيان بن عيينة، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية.١
٩ - عبد الرحمن بن مهدي ١٣٥-١٩٨
ابن حسان العنبري البصري اللؤلؤي أبو سعيد من كبار حفاظ الحديث، حدث ببغداد، ومولده ووفاته في البصرة، وكان عبد الرحمن فقيهاً، بصيراً بالفتوى، عظيم الشأن، وكان يذهب في الفقه إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين. وقد استفاد الإمام أحمد منه فقه أهل المدينة.٢
١٠- يحيى بن سعيد ١٢٠-١٩٨
ابن فروخ القطان التميمي أبو سعيد من حفاظ الحديث ثقة حجة من أقران مالك وشعبة، من أهل البصرة، كان يفتي بقول أبي حنيفة ﵀ أخرج له أصحاب الكتب الستة.٣
١١- يحيى بن آدم توفي٢٠٣
ابن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ فاضل فقيه
стр. 56
واسع العلم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.١
١٢- الإمام الشافعي١٥٠-٢٠٤
محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان، بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أحد الأئمة الأربعة، وإليه نسبة الشافعية كان من أشعر الناس، وآدبهم، وأعرفهم بالفقه، والقراءات وهو أول من أصل علم أصول الفقه، وصنف فيه رسالته، وعرض فيها مناقشاته واستنباطاته.٢
ويعتبر الإمام الشافعي من أبرز الشخصيات التي التقى بهم الإمام أحمد، واستفاد منه الكثير، فقد أخذ منه فقهه وأصوله وبيانه للناسخ والمنسوخ، وكان يحرص على مجالسته، وتلقي العلم منه حرصه على الأخذ من ابن عيينة.
قال محمد بن الفضل الفراء سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل فنزلت في مكان واحد معه، فخرج باكراً، وخرجت معه، فدرت المساجد فلم أره في مجلس ابن عيينة ولا غيره، حتى وجدته جالساً مع أعرابي فقلت: يا أبا عبد الله تركت ابن عيينة وجئت إلى هذا؟ فقال لي: اسكت، إنك إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف ألا تجده، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى، قلت:
стр. 57
ومن هذا؟ قال: محمد بن إدريس.١
وكان إعجاب الإمام أحمد في الإمام الشافعي منصباً على أخص ما امتاز به الشافعي، وهو التفكير الفقهي، والضبط العقلي، ووضع أصول الاستنباط، فهو يعد الموجه الثاني للإمام أحمد ﵀، وجهه هشيم في صدر حياته إلى الحديث، وطلب السنة، وجهه الشافعي إلى أصول الاستنباط، فتوجه أحمد إلى الينبوعين.٢
وكان الإعجاب متبادلاً بينهما، فكان الإمام الشافعي يعجب من حفظ الإمام أحمد للحديث وكثرة روايته له، ومعرفته بالرجال ودرجة الحديث فقد كان يعول عليه في معرفة صحة الحديث أحياناً.
قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين ومائة قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلموني به أذهب إليه حجازياً كان أو شامياً، أو عراقياً، أو يمنياً.٣
١٣- يزيد بن هارون ١١٨-٢٠٦
ابن زاذان بن ثابت السلمي بالولاء الواسطي أبو خالد من حفاظ الحديث الثقات كان واسع العلم بالدين ذكياً كبير الشأن ومولده ووفاته
стр. 58
بواسط وكان يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسنادها ولا فخر، قال المأمون: "لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت أنّ القرآن مخلوق"، فقيل: ومن يزيد حتى يتّقى؟ قال: "أخاف إن أظهرته فيردّ علي فيختلف الناس وتكون فتنة".١
١٤- عبد الرزاق الصنعاني ١٢٦-٢١١هـ
ابن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر٢ أخذ عنه الإمام أحمد باليمن ولازمه، قيل للإمام أحمد: لقد شققت على نفسك في خروجك إلى عبد الرزاق، فقال: ما أهون المشقة فيما استفدنا من عبد الرزاق.
وقد حرص الإمام أحمد ﵀ ألا يأخذ من حفظ عبد الرزاق فقال: ما كتبنا من حفظه شيئاً إلا المجلس الأول، وذلك أنا دخلنا بالليل فوجدناه في موضع جالساً فأملى علينا سبعين حديثاً ثم التفت إلى القوم فقال: لولا هذا ما حدثتكم.٣
١٥- أبو عاصم النبيل١٢٢-٢١٢
الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني بالولاء البصري
стр. 59
وكان يلقب بالنبيل لنبله وعقله، وقيل غير ذلك، وهو شيخ حفاظ الحديث في عصره، ولد بمكة، وتحول إلى البصرة فسكنها وتوفي بها.١
١٦- أبو المغيرة عبد القدوس توفي ٢١٢
عبد القدوس بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي محدث الشام روى عن حريز بن عثمان، والأوزاعي، وأخرج له أصحاب الكتاب الستة، أخذ عنه الإمام أحمد أحاديث الشاميين، ثم حضر وفاته بحمص، وصلى عليه٢.
١٧- علي بن عياش - بتحتانية ومعجمة - الألهاني - بفتح الهمزة وسكون اللام - الحمصي ثقة ثبت مات سنة تسع عشرة ومائتين.٣
١٨- الفضل بن دكين ٣٠-٢١٩
واسمه عمرو بن حماد التميمي بالولاء الملائي أبو نعيم: محدث حافظ من أهل الكوفة، وفي أيامه امتحن المأمون الناس في مسألة القول بخلق القرآن ودعاه والي الكوفة فسأله، فقال: أدركت الكوفة وبها أكثر من سبعمائة شيخ، الأعمش ومن دونه، يقولون القرآن كلام الله وعنقي أهون
стр. 60
من زري هذا، فقام إليه أحمد بن يونس فقبل رأسه - وكان بينهما شحناء - وقال: جزاك الله من شيخ خيراً.١
١٩- عفان بن مسلم ١٣٤-٢٢٠هـ
ابن عبد الله الصفار أبو عثمان: من حفاظ الحديث الثقات من أهل البصرة وسكن بغداد وحدث بها، ولما أظهر المأمون القول بخلق القرآن أمر بسؤال عفان، وإذا لم يجب يقطع رزقه وهو خمسمائة درهم في الشهر فلما سئل قال: "وفي السماء رزقكم وما توعدون"٢، وخرج ولم يجب.٣
٢٠- سليمان بن حرب١٤٠-٢٢٤
ابن بجيل الأزدي أبو أيوب قاض من أهل البصرة سكن مكة وولى قضاءها سنة أربع عشرة ومائتين وعزل عنها سنة تسع عشرة ومائتين فرجع إلى البصرة فتوفي فيها.٤
وغير هؤلاء كثير، وليس القصد من ذكر هؤلاء الشيوخ الغضّ من
стр. 61
قدر ما تلقاه من غيرهم، فإنه قد تلقى عن غيرهم الكثير من السنن والآثار، وكان يرحل إلى بعضهم الرحلات المختلفة، وكلٌّ له فضل في القدر الذي وصل إليه الإمام أحمد من العلم.١
وإنما اقتصرت على ذكر هؤلاء فقط محاولة الاختصار.
стр. 62
المبحث السادس جلوسه للفتوى
كان الإمام أحمد ﵀ يفتي في شبابه في بعض الأوقات ويحدث إذا سئل، فقد قال نوح بن حبيب القومسي: رأيت أحمد بن حنبل في مسجد الخيف سنة ثمان وتسعين، وابن عيينة حي وهو يفتي فتيا واسعة- وقال في رواية ثانية: فجعل يعلمهم الفقه، والحديث ويفتي الناس في المناسك.١
إلا أنه لم يتصدر للحديث والفتوى، ولم ينصب نفسه لهما حتى تم له أربعون سنة، حين بلغ أشده، وتمكن من علمه، ووثق من إطلاعه، واجتمع لديه ثروة كبيرة من نصوص السنة، وأقوال الصحابة٢ رضوان الله عليهم، وسرى بين الناس حديث صلاحه وتقواه وورعه، وزهده، وعفته عما في أيدي الناس، وعكوفه على الحديث يسير لطلبه، ويركب الصعب، والذلول حتى يصل إلى عالم يتلقى عنه وقد كان الازدحام على درسه شديداً، فكان عدة من يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف، وكان
стр. 63
يكتب منهم نحو خمسمائة.١
وكان وقت درسه في المسجد بعد العصر، وقت صفاء النفس وفراغها من مشاغل الحياة، واضطرابها، فيكون الحديث والإفتاء والنفس مستجمعة مقبلة، والدرس عند إقبال النفس أعمق أثراً فيها، وأكثر شيوعاً في نواحيها، وكان يسود مجلسه الوقار، والسكينة مع تواضع واطمئنان نفسي.
وكان في كُلّ مجالسه لا يمزح، ولا يلهو، وقد علم مخالطوه منه ذلك، فكانوا لا يمزحون في حضرته.
وكان إذا قال حديثاً نبوياً لا يقوله إلا من كتاب، حرصاً على جودة النقل وإبعاداً لمظنة الخطأ ما أمكن،٢ مع قوة حفظه الذي شهد به أصحابه، قال عبد الله: ما رأيت أبي حدث من غير كتاب إلا بأقل من مائة حديث.٣
قال ابن معين الرازي: سمعت ابن المديني يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، لنا فيه أسوة.٤
стр. 64
ووصف المرّوذي مجلسه فقال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أحمد، كان مائلاً إليهم، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر.١
وقد تخرج على يديه جهابذة كثيرون في مختلف العلوم من الفقه والحديث، ومعرفة الرجال، وأسهموا في التقدم العلمي وحفظ السنة واستنباط الأحكام منها، ومكافحة البدع، وبث السنة.
стр. 65
تلاميذه:
لقد حظي الإمام أحمد ﵀ بعدد من التلاميذ الأجلاء، إلا أن التعرف على تلاميذه، وحصرهم يعتبر أمراً عسيراً، وخاصة في هذه العجالة علماً بأن هناك كتباً تخصصت في ذكر تلاميذه، وشيوخه، أما عدد تلاميذه: فقد ذكر العليمي أن الطبقة الأولى الذين عاصروه، وتفقهوا عليه، ورووا عنه عدتهم خمسمائة وثمانية وسبعون نفساً، مهم جماعة كانوا على مذهبه في الأصول والفروع، وأخذوا عنه الفقه ونقل عنهم إلى من بعدهم، إلى أن وصل إلينا.
وقال إن أصحاب الإمام أحمد من الفقهاء المشهورين مائة وثلاثة وثلاثون نفساً، وسرد أسماءهم.١
وذكر القاضي أبو يعلى أسماء تلاميذ الإمام أحمد مرتبة على الحروف الهجائية في المجلد الأول من طبقاته.
وذكر المرداوي أبرز التلاميذ الذين نقلوا عن الإمام أحمد فقهَه وعددهم واحد وثلاثون ومائة نفس، والمكثرون منهم أربعة وثلاثون نفساً.٢
ذكر بعض أسماء التلاميذ على وجه التمثيل وهم:
стр. 66
الإمام البخاري ١٩٤-٢٥٦
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله حبر الأمة والحافظ لحديث رسول الله ﷺ ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، ولد في بخارى، ونشأ يتيماً، وقام برحلة طويلة سنة عشرة ومائتين في طلب العلم، فزار خراسان، والعراق، ومصر، والشام، وسمع من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث، اختار منها في صحيحه ما وثق برواته، وهو أول من وضع في الإسلام كتاباً على هذا النحو.
قال الذهبي كان رأساً في الذكاء، رأساً في العلم، رأساً في الورع والعبادة، وكان شيخاً نحيفاً، ليس بطويل ولا قصير، يميل إلى السمرة.١
ابن هانئ ت ٢٦٠
هو أحمد بن هانئ الطائي، أبو بكر الأثرم، كان جليل القدر حافظاً إماماً سمع من الإمام أحمد، وعفان بن مسلم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وكان من أفراد الحفاظ، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، صنفها، ورتبها أبواباً.
قال الأثرم: كنت أحفظ الفقه، والاختلاف، فلما صحبت أحمد بن
стр. 67
حنبل تركت كل ذلك، توفى بعد الستين ومائتين.١
الإمام مسلم ٢٠٤-٢٦١
هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، أبو الحسين حافظ، من أئمة المحدثين، ولد بنيسابور، ورحل إلى الحجاز ومصر والشام، والعراق، وسمع من الإمام أحمد، وإسحاق ويحيى النيسابوري وقتيبة بن سعيد، وعبيد الله القواريري، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وتوفى بظاهر نيسابور، وأشهر كتبه " صحيح مسلم " جمع فيه إثنى عشر ألف حديث، كتبها في خمس عشرة سنة، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند أهل السنة في الحديث.
مات عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائة.٢
صالح بن الإمام أحمد ٢٠٣-٢٦٥
هو صالح بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو الفضل، أكبر أولاده، سمع أباه، وعلي بن المديني، وأبا الوليد الطيالسي، وإبراهيم بن الفضل الزارع، وسمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من
стр. 68
خراسان، ومن المواضع يسأل لهم أباه عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جياد، وكان والده يحبه ويكرمه، ويدعو له، تولى القضاء بطرسوس، وبعدها بأصبهان، وتوفى بها في شهر رمضان١
المميوني ت ٢٧٤
هو عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، صحب الإمام أحمد على الملازمة من سنة سبع وعشرين، فكان أبو عبد الله يضرب به مثل ابن جريج في عطاء من كثرة ما يسأله، ويقول ما أصنع بأحد ما أصنع بك وعنده عن أبي عبد الله مسائل كثيرة في ستة عشر جزءاً.
وكان أبو عبد الله يسأله عن أخباره، ومعايشه، ويحثه على إصلاح معيشته ويعتني به عناية شديدة، توفى سنة أربع وسبعين ومائتين.٢
أبو داود ٢٠٢-٢٧٥هـ
هو سليمان بن الأشعث، بن إسحاق، بن بشير الأزدي السجستاني أبو داود، إمام أهل الحديث في زمانه، نشأ محباً للعلم من صغره، فبعد أن أخذ العلم من علماء بلده رحل في طلبه إلى بلاد شتى: فسمع من مشايخ مصر، والشام، والجزيرة، والعراق، وخراسان.
وقد سمع عن كثير منهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق
стр. 69
ابن راهوية، وقد أثنى عليه كثير من العلماء، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، توفى يوم الجمعة لأربع عشرة بقين من شوال.١
ابن هانئ النيسابوري ٢١٨-٢٧٥
هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، ولد أول يوم من رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وخدم الإمام أحمد وهو ابن سبع سنين، وكان ورعاً.
نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وعنده أقام الإمام أحمد في مدة اختفائه، توفى إسحاق بن هانئ ببغداد سنة خمس وسبعين ومائتين.٢
حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد
له مسائل عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية نحو أربعة آلاف مسألة قال حرب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء، لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين. مات سنة ثمانين ومائتين.٣
стр. 70
إبراهيم الحربي ١٩٨-٢٨٥
هو إبراهيم بن إسحاق بن بشر بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وسمع أبا نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم، وعبد الله بن صالح العجلي، والإمام أحمد، ونقل عنه مسائل، كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد عارفاً بالفقه، بصيراً بالأحكام حافظاً للحديث، وصنف كتباً كثيرة، منها غريب الحديث، ودلائل النبوة قال محمد بن صالح القاضي: لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والحديث والفقه، والزهد.١
عبد الله بن الإمام أحمد ٢١٣-٢٩٠
عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن، من أكثر الناس رواية عن أبيه، سمع المسند، والتفسير، والناسخ والمنسوخ، والتاريخ، وحديث شعبة، والمقدم والمؤخر في كتاب الله تعالى وغيرها.
قال عبد الله: كل شيء أقول " قال أبي " فقد سمعته مرتين وثلاثاً، وأقله مرة، توفى عبد الله يوم الأحد ودفن في آخر النهار لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومائتين.٢
стр. 71
ساقط
стр. 72
المبحث السابع فقه الإمام أحمد ﵀
لا يمارى أحد في تفوق الإمام أحمد في الحديث، ونزعته الشديدة للأثر والتمسك به، ولكن شدة انشغاله بالحديث والأثر لم يؤخره عن ركب أئمة الفقه البارزين فإن الحديث هو أصل الفقه، وتوفر النصوص لديه أغناه عن القول في كثير من المسائل بالرأي المجرد، والخطأ تطرقُه إلى الرأي المجرد أكثر وأقوى من تطرقه إلى المنقول، ومع ذلك فقد تلقى الإمام أحمد في مبدأ حياته الفقه على يد كبير القضاة في الدولة العباسية القاضي أبي يوسف، فقد قال عباس الدوري: سمعت أحمد يقول: أول ما طلبت العلم اختلفت إلى أبي يوسف القاضي١ ويبدو أنه كان على إطلاع واسع، ومستمر بما كتب فيه من كتب فقد قال عبد الله: كتب أبي عن أبي يوسف، ومحمد الكتب، وكان يحفظها فقال لي مهنا: كنت أسأله فيقول: ليس ذا في كتبهم، فأرجع إليهم فيقولون: صاحبك أعلم منا بالكتب.٢
كما قرأ الإمام أحمد موطأ الإمام مالك أربع مرات على شيخه عبد
стр. 73
الرحمن بن مهدي الشهير باللؤلؤي.١
كما آثر سماع فقه الشافعي على رواية الحديث بعلو من ابن عيينة، وقال لصاحبه الذي تعجب من صنيعه: أسكت إن فاتك حديث بعلو وجدته بنزول، وإن فاتك عقل هذا أخاف ألا تجده.٢
وقد أخذ الإمام أحمد من الإمام الشافعي ضوابط الفهم الصحيح للكتاب، والمقابلة بين الأصول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وتعلم منه كيف يكون الاستنباط وكيف يستخرج أحكام الفروع من مصادر الشرع الأولى.٣
ومما سبق يتبين لنا: أن الإمام أحمد كان على ارتباط وثيق بالفقه وعلى علم بالآثار الفقهية، وأقوال العلماء فيه، بالإضافة إلى ما تجمع لديه من آثار الصحابة والتابعين، وكان ثمرة هذا العلم أن استطاع أن يدرس السنة، والآثار دراسة قويمة، ويسلك في فقهه طريق الأثر، فإن لم يعلم أن في المسائل التي يستفتي فيها قضية لصاحبي، أو تابعي قارب ولم يباعد، فكان فقهه بذلك آثاراً أو محاكاة صحيحة للآثار، أو مقاربة لها، فكان الفقه الأثري في حقيقته - وفي منحاه، وفي مظاهره، لذلك يحق لنا أن
стр. 74
نقول: إن الإمام أحمد إمام في الحديث، ومن طريق هذه الإمامة في الحديث، والآثار كانت إمامته في الفقه.١
والإمام أحمد ﵀ لما كان شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، فلذا لم يصنف كتاباً يجمع فقهه ولكن الله قيض له من التلاميذ من يحفظ فقهه ويدونه عنه، وبفضل اهتمام تلاميذه الذين عنوا بجمع أقواله، وفتاويه، وآرائه تكونت بذلك مجموعة فقهيه منسوبة إليه، اختلفت فيها الرواية عنه أحياناً، واتفقت في كثير من الأحيان.٢
قال ابن القيم: وكان الإمام أحمد ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدا فعلم الله حسن نيته، وقصده، فَكُتِبَ من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفراً ... وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير، فبلغ نحو عشرين سفراً، أو أكثر، ورويت فتاويه، ومسائله، وحدث بها قرناً بعد قرن، فصارت إماماً، وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم.٣
وقد أثنى كثير من العلماء المعاصرين له، والمتأخرين عنه على فقهه،
стр. 75
فقال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها رجلاً أفضل، ولا أعلم، ولا أفقه من أحمد بن حنبل.١
وقال أيضاً: أحمد إمام في ثمان خصال، إمام في الحديث إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.٢
وقال الإمام إسحاق بن راهويه: كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق، وطريقين، وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بإجماع منا فيقولون نعم، فأقول ما مراده؟ وما تفسيره؟ وما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل.٣
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: إلى أحمد بن حنبل وهو أفقهم فيه، ثم ذكر ابن أبي شيبة، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وميزة كل واحد منهم.٤
وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث