← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31270

مشكلة السرف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام

عبد الله الطريقي

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] مشكلة السرف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة حمداً لك اللهم. وصلاة وسلاما على خاتم رسلك. أما بعد: فإن الإنسان بطبعه ميال إلى المال، يحب جمعه والتكاثر به ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] العاديات / ٨. كما يحب - من خلال المال - أن يحقق رغباته ويشبع نهمه، ففي الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع» رواه الحاكم في المستدرك ١ / ٩٢، وكل ذلك غريزة لا فكاك منها ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] آل عمران / ١٤. والإسلام لا يعادي هذه الغريزة ولا يتجاهلها، ولكنه ينظمها ويوجهها بما يليق بالمسلم ووظيفته في الحياة. فيطالب المسلم بالكسب الحلال الطيب، وصرفه في مصارفه المشروعة (الواجبة والمندوبة والمباحة) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] البقرة: ١٦٨. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] البقرة: ٢٦٧. ولا يجوز له أن ينفقه فيما فيه ضرر عليه أو على مجتمعه، بل عليه أن يتصرف فيه بالحكمة، وفقاً لمراد الشارع. وعندئذ يكون معتدلا في نفقته، قائماً بالقسط. فإن تجاوز الحد المشروع فإنه

стр. 2

يكون قد دخل في دائرة الإسراف والتبذير. وهما (الإسراف والتبذير) من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد الأمم والشعوب بالوقوع في الترف والبذخ، والأشر والبطر، ومن ثم تعرضها للهلاك العام والعاجل. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] الإسراء: ١٦. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] النحل: ١١٢. والإسلام وهو يحارب هذه الآفة (الإسراف والترف) فإنه يحارب كذلك ما يقابلها من الآفات، من البخل والشح والتقتير ومنِعِ الزكاة ونحو ذلك. إذ الأمر وسط بين الإفراط والتفريط ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] الإسراء: ٢٩. والمجتمعات المسلمة في عمومها قديمها وحديثها لا تخلو من وجود هذه المشكلات المتناقضة، وتفشيها أحياناً، حتى تكون ظاهرة عامة. ولئن كانت تختلف تلك المشكلات من زمان إلى زمان ومن بيئة إلى أخرى، فإن المعاناة والشكوى قاسم مشترك. ومجتمعنا المعاصر ولا سيما في منطقة الخليج العربي سرت فيه ظاهرة السرف حتى تحولت إلى مشكلة تستحق الدراسة والمعالجة. وبتوفيق من الله تعالى ثم بتشجيع من وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية قمت بهذه الدراسة النظرية المختصرة لهذه المشكلة رغبة في الإسهام مع أهل العلم والفكر والرأي بتشخيص هذه المشكلة ومحاولة معالجتها في ضوء الإسلام والواقع.

стр. 3

فشكر الله لهذه الوزارة - ممثلة بمعالي وزيرها ونائبه ووكلائه - صنعهم ومؤازرتهم. وإذا كانت هذه الدراسة قد ركزت على الجانب النظري من المشكلة، فإنها لم تخل من الإشارات إلى الواقع الاجتماعي، وضرب بعض الأمثلة من تطبيقاته، على أن تكون عبرة. وبهذا نكون اعتمدنا المنهج الوصفي والتحليلي أولا، ثم التطبيقي ثانيا. وقد تكونت خريطة البحث إجمالا من: تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة. أما التمهيد فعن وسطية الإسلام. وأما المباحث فهي كالآتي: الأول: في مفهوم السرف. الثاني: السرف في نصوص القرآن والسنة وكلام أهل العلم والحكمة. الثالث: أقسام السرف ومجالاته. الرابع: الآثار السلبية للسرف. الخامس: علاج مشكلة السرف. وأما الخاتمة: فجاء التركيز فيها على ذم التكلف وبيان خطره. وقد أسميت هذا البحث (مشكلة السرف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام) . وأسأل الله العلي القدير أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه وعلماً نافعاً لخلقه، يرتفع لنا به الذكر، ويعظم به الأجر. إنه خير مسؤول. المؤلف في ٢٠ / ٤ / ١٤١٩ هـ

стр. 4

[تمهيد] تمهيد التوازن والاعتدال ظاهرة كونية وحقيقة شرعية لا مراء في ذلك. أما التوازن الكوني فيقول سبحانه:. . ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] (١) . وأما التوازن الشرعي، أي في أحكام الله وتشريعاته، فيقول الحق تعالى:. . ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٢) . ومن لوازم الاستقامة التوازن. ودين الإسلام دين وسط معتدل في كل أحكامه وتشريعاته: العقدية، والعبادية، والخلقية، والمعاملات، والعلاقات. ففي الحديث: «إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه» (٣) . ونجد الإسلام يحث على التزام المنهج الوسط المتزن في أدلة كثيرة عامة وخاصة. فمن النصوص العامة الداعية إلى التوسط: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] (٤) . وقوله ﵊: «عليكم هدياً قاصداً، عليكم هديا قاصداً، عليكم هدياً قاصداً» (٥) أي طريقا معتدلاً. وقوله: «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين

стр. 5

جزءاً من النبوة» (١) . ومدحت الأمة المسلمة بالوسطية، فقال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٢) . ومن النصوص الخاصة بموضوع البحث: ما جاء في الحث على الاقتصاد في المعيشة. كحديث: «ما عال من اقتصد» (٣) . أي ما افتقر من أنفق قصداً ولم يتجاوز إلى الإسراف، أو ما جار ولا جاوز الحد (٤) . وحديث: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» (٥) . ما جاء في النهي عن الإسراف في النفقة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٦) . وحديث: «كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة» (٧) . ما جاء في النهي عن الإسراف في الأكل والشرب. . . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (٨) . ما جاء في النهي عن الإسراف في استعمال الماء.

стр. 6

كحديث: «لا تسرف وإن كنت على نهر جار» (١) . ما جاء في النهي عن إضاعة المال. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] (٢) . وقوله ﷺ : «. . . وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٣) . كل ذلك ونظائره يؤكد حقيقة (وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه في كل أحكامه وتشريعاته) . وبذلك تستقيم حياة الإنسان الطبيعية والتكليفية، فلا تضطرب ولا تصاب بالكلل والملل!! . فالمقصود من الطاعات هو استقامة النفس ودفع اعوجاجها لا الإحصاء فإنه متعذر. . .!! (٤) . وذلك ما يتلاءم مع العقول المستقيمة. يقول علي بن أبي طالب ﵁: " خير الأمة النمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي " (٥) . ويقول أبو الدرداء ﵁ (ت ٣٢ هـ) : " حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب " (٦) .

стр. 7

وقد جاء في أمثال العرب: " لا تكن حلوا فتسترط ولا مراً فتلفظ " (١) وقولهم: " خير الأمور أوساطها " (٢) . وفي هذا المعنى يقول الشاعر: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم ويقول الآخر: كن في أمورك كلها متوسطا ... عدلا بلا نقص ولا رجحان نعم إن الإسلام دين التوازن والوسطية، ودين الاعتدال والاستقامة، وذلك ما يتفق مع الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فإن أخذ الإنسان بهذا المنهج استقام أوده، وانتظمت حياته. وإن عدل عنه يمنة أو يسرة عصفت به الأهواء في كل واد، واختل - من ثم - نظام حياته. والمال - وهو عصب الحياة وقوام الأبدان - لا بد أن يتعامل معه الإنسان بالمنهج نفسه دون إفراط أو تفريط ولا إسراف ولا تقتير، ليكون مصدر سعادة للإنسان، ووسيلة خير للوصول إلى الغايات والأهداف النبيلة، فإن هو حاد عنه صار المال عليه وبالاً وبيلاً (٣) . إذا عرف ذلك فإن اكتساب الحلال الطيب وإنفاقه في المباحات بطريقة معتدلة أمر جائز لا غبار عليه، كما أشرنا في المقدمة، بل إن التوسع في ذلك مما يجوز شرعا ما لم يصل إلى حد السرف، لما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ عن

стр. 8

النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» (١) . وقال عمر بن الخطاب ﵁ (ت ٢٣ هـ) : " إذا وسّع عليكم فأوسعوا " (٢) وقد كان كثير من السلف على هذا المنهج، ولم يتحرجوا إلا عن الشبهات.

стр. 9

[المبحث الأول مفهوم السرف] [أولا التعريف بالسرف] المبحث الأول مفهوم السرف من أجل الوصول إلى الحكم على الشيء ينبغي فهم حقيقته ومعناه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ونتعرف هنا على مفهوم لفظة السرف، وكذلك الألفاظ ذوات الصلة بها. أولا: التعريف بالسرف: قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) : " السين والراء والفاء أصل واحد يدل على تعدي الحد، والإغفال أيضا للشيء، تقول: في الأمر سرف أي مجاوزة القدر " (١) وجاء في تاج العروس: " السرف محركة: ضد القصد. . . وقيل: هو تجاوز ما حد لك " والإسراف في النفقة: التبذير ومجاوزة القصد. وقيل: أكل ما لا يحل أكله، وبه فسر قوله تعالى:. . وَلَا تُسْرِفُوا. . . وقيل: الإسراف: وضع الشيء في غير موضعه، أو هو ما أنفق في غير طاعة الله . وأسرف في الكلام: أفرط، والإسراف أيضا: الإكثار من الذنوب والخطايا (٢) ". ذلك تعريف السرف لدى علماء اللغة. فهو: تجاوز حد الاعتدال، ووضع الشيء في غير موضعه. وقد أدرج في التعريف اللغوي معان شرعية تؤول إلى المعنى اللغوي، مثل التعريف بأكل ما لا يحل أكله، والإنفاق في غير طاعة الله. لذا ننتقل إلى المعنى الشرعي للسرف.

стр. 10

قال الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) : " السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١) . . . ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] (٢) ويقال تارة اعتبارا بالقدر، وتارة بالكيفية، ولهذا قال سفيان: " ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣) ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] (٤) أي المتجاوزين الحد في أمورهم " (٥) . وقريب من هذا قول الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في تعريف الإسراف بأنه: " مجاوزة الحد في كل فعل أو قول وهو في الإنفاق أشهر " (٦) . ويعرفه بعضهم: " بأنه صرف الشيء فيما لا ينبغي زائدا على ما ينبغي " (٧) . وجاء في منال الطالب في شرح طوال الغرائب: " السرف: التبذير، ووضع العطاء في غير أهله، وقد أسرف يسرف إسرافا، والسرف: الاسم. قال بعض السلف: كل ما أنفقته في طاعة الله فليس بسرف وإن كثر، وما أنفقته في غير طاعته فهو سرف وإن قل " (٨) . وقال الإمام الطبري (ت ٣١٠ هـ) : " أصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير " (٩) .

стр. 11

ومجمل ما تقدم: ١ - أن السرف هو مجاوزة القصد وحد الاعتدال وهذا نفسه المعنى اللغوي. غير أن هنا تفسيراً بمعناه العام وهو تجاوز القصد في كل قول أو فعل. وهو في هذا البحث مقيد بالجانب المالي أو الاقتصادي. ٢ - ثم إن الإسراف في هذا الجانب يقال تارة باعتبار القدر أو الكم وتارة بالكيفية، حسب إشارة الأصفهاني السابقة. ٣ - وأن ما أنفق في غير طاعة الله فهو سرف بإطلاق قل أو كثر، وهذا يدخل في الإسراف في الكيف. ٤ - وما أنفق في المباحات فما تجاوز القصد فهو سرف، وهذا سرف في الكم. ٥ - وأما ما أنفق في طاعة الله ففي الإسراف فيه نظر، وستأتي له إشارة. وكأن التعريفات السابقة لا تفرق بين لفظتي السرف والإسراف، وهو الظاهر. غير أن بعض أهل العلم يفرق بينهما فيجعل الإسراف: " ما لم يقدر على رده إلى الصلاح، والسرف: ما يقدر على رده إلى الصلاح " (١) ويرى الطبري أن الإسراف هو الإفراط، والسرف هو التقصير (٢) ولم يظهر لي هذا التفريق، لذا فلن ألتزم به في البحث. وفي سياق إبراز حقيقة السرف يرد السؤال التالي: هل الإسراف في الإنفاق في طاعة الله يعد إسرافا مذموما؟ . لقد سبق قول بعض السلف: " ما أنفقته في طاعة الله فليس بسرف وإن كثر ". وفي هذا المعنى قيل لحاتم الطائي: " لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير " (٣) . ويذهب بعض العلماء إلى عدم مشروعية السرف في هذا لقوله تعالى:. . ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٤) فقد

стр. 12

ورد في سبب نزول الآية أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا فنزلت. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] (١) . قال الإمام الطبري: بعد أن ساق الخلاف في معنى الآية الكريمة: " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله - تعالى ذكرُه - نهى بقوله:. . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] عن جميع معاني الإسراف ولم يخصص منها معنى دون معنى، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حده في الزيادة وإما بتقصير عن حده الواجب - كان المفرق ماله والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته مسرفاً بتجاوزه حد الله إلى ما ليس له، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه، كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون " (٢) . والذي يظهر أن الإسراف مذموم حتى وإن كان في الخير، هذا هو الأصل، لكن بشرط أن يترتب على هذا الإسراف نوع إجحاف على المسرف في نفسه أو من يعول. أما إذا لم يترتب عليه شيء من ذلك فليس بسرف (٣) . قال البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه: " باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه ليس له أن يتلف أموال الناس، وقال

стр. 13

النبي ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله» إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة " (١) . ونقل الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) هنا عن الطبري قوله: " قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه، وكان صبورا على الإضاقة ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط كره، وقال بعضهم: هو مردود " (٢) . ومما يدل على صحة النفقة بكل المال إذا لم يكن في ذلك إضرار قوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق. . .» (٣) الحديث. قال ابن المنير (ت ٦٨٣ هـ) فيما نقله عنه ابن حجر: " في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال وبذله في الصحة والخروج عنه بالكلية في وجوه البر، ما لم يؤد إلى حرمان الوارث ونحو ذلك مما منع منه الشرع " (٤) . ضابط السرف: ومن متممات مفهوم السرف وحقيقته معرفة تطبيق ذلك على واقع الحال. فإن مما هو معروف أن الناس متفاوتون في الغنى والفقر وفي طبيعة المتطلبات. فهذا غني وذاك فقير، وبينهما درجات. وهذا يعيش منفردا بنفسه، وآخر يعيش معه أسرة صغيرة، وثالث معه أسرة

стр. 14

كبيرة، وهذا ذو جاه ومكانة بين قومه، وآخر ليس كذلك. . . وهكذا، يضاف إلى ذلك الأعراف السائدة في كل بلد أو قبيلة. فكل دلك - وما أشبهه - لا بد من مراعاته عند الحكم على تصرف الإنسان المالي بأنه إسراف أو تقتير أو وسط بينهما. يقول القرطبي (ت ٦٧١ هـ) عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] (١) " وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس " (٢) وعلى هذا فمعرفة الإسراف من عدمه تعود إلى العرف والعادة، والعادة مُحَكَّمة كما يقول علماء الفقه وأصوله (٣) . [ثانيا التعريف بالمصطلحات والألفاظ ذات الصلة] [التبذير] ثانيا: التعريف بالمصطلحات والألفاظ ذات الصلة: هناك عدد من المصطلحات والألفاظ لها صلة وثيقة بالمصطلح الرئيس السابق " السرف "، يجدر بنا أن نستوضحها حتى تستكمل الصورة بيانا، ويزاد الطريق اتساعا وإضاءة. ولعل من أهم هذه المصطلحات والألفاظ: التبذير، إضاعة المال، الترف، الاقتصاد، الإنفاق، الجود والسخاء، البخل والشح، الفرح. (١) أما التبذير فقال ابن فارس: " الباء والذال والراء أصل واحد، وهو نثر الشيء، وتفريقه، يقال: بذرت البذر أبذره بذراً قال تعالى:. . ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (٤) (٥) .

стр. 15

وفي عرف الشرع قال ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) : " تبذير الأموال: تفريقها وإعطاؤها إسرافا بغير حساب " (١) . وجاء في تفسير القرطبي: قال الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) : " التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور، وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الإسراف " (٢) . ويفهم من ذلك أنه لا فرق بين التبذير والإسراف. غير أن بعضهم يفرق بينهما " فالإسراف: هو صرف الشيء فيما لا ينبغي زائدا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي، والإسراف: تجاوز في الكمية، فهو جهل بمقادير الحقوق، والتبذير: تجاوز في موضع الحق، فهو جهل بمواقعها، يرشدك إلى هذا قوله تعالى في تعليل الإسراف. . . ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (٣) وفي تعليل التبذير ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] (٤) فإن تعليل الثاني فوق الأول " (٥) . وعلى هذا فالإسراف أعم من التبذير، فالتبذير يكون في المال خاصة، أما الإسراف فيكون في المال وغيره، بل إن الإسراف في المال يكون في طاعة الله وليس مذموما كما تقدم بشرطه. أما التبذير فهو مذموم جملة وتفصيلا. [إضاعة المال] (٢) أما إضاعة المال فقال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) : " قال الجمهور: إن

стр. 16

المراد به السرف في إنفاقه، وعن سعيد بن جبير: إنفاقه في الحرام " (١) . وقال في موضع آخر: " إنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعا، سواء كانت - أي النفقة - دينية أو دنيوية، فمنع منه لأن الله تعالى جعل المال قياما لمصالح العباد " (٢) فالإضاعة إذن من الإسراف. وقد ورد النهي عن إضاعة المال بهذا اللفظ في قوله عن «. . . وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٣) . [الترف] (٣) وأما الترف: فقال ابن فارس: " التاء والراء والفاء كلمة واحدة، يقال رجل مترف: منعم، وتَرَّفَهُ أهلُه: إذا نعموه بالطعام الطيب والشيء يخص به " (٤) . " والمترف: المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها " (٥) . وعند قوله تعالى:. . ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] (٦) . يقول الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) : " والمعنى أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي عنه ما أترفوا فيه، والمترف: الذي أبطرته النعمة، يقال: صبي مترف: منعم البدن، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال وسعة الرزق وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال

стр. 17

الآخرة، واستغرقوا أعمارهم في الشهوات النفسانية " (١) . وقد وردت مادة (ترف) في القرآن الكريم ثماني مرات، وكلها جاءت في سياق الذم للترف والمترفين، كقوله تعالى معللا تعذيب أصحاب الشمال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] (٢) . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) في تفسير الآية: " أي قد ألهتهم دنياهم وعملوا لها وتنعموا، وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل، فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه " (٣) . ومن يتأمل في واقع الترف وأهله يلحظ أنه يجيء تالياً ونتيجة للسرف والتبذير، وكفى بهما ضرراً وشراً. [الاقتصاد] (٤) أما الاقتصاد: فمصدر اقتصد. قال في تاج العروس: " القصد في الشيء: ضد الإفراط وهو ما بين الإسراف والتقتير، والقصد في المعيشة: ألا يسرف ولا يقتر، وقصد في الأمر: لم يتجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط "؛ لأنه في ذلك يقصد الأسدّ كالاقتصاد، يقال: فلان مقتصد في المعيشة وفي النفقة وقد اقتصد، واقتصد في أمره: استقام. . . واقتصد في النفقة: توسط بين التقتير والإسراف، قال ﷺ : «ولا عال من اقتصد» (٤) ومن الاقتصاد ما هو محمود مطلقا، وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط، كالجود فإنه بين الإسراف والبخل، وكالشجاعة فإنها بين التهور والجبن، وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٥) .

стр. 18

ومنه ما هو متردد بين المحمود والمذموم وهو فيما يقع بين محموِد ومذموم، كالواقع بين العدل والجور، وعلى ذلك قوله تعالى:. . ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] (١) . وعلى أي حال فالاقتصاد يعني التوسط في النفقة بين الإسراف والشح على أن مفهوم هذه اللفظة تطور، وصار مصطلحا شائعا بين دوائر العلم والسياسة والمال. " فقد أطلق على طريقة تنظيم إدارة شئون الأسرة، ثم شمل مجموع العلاقات المادية الداخلية والخارجية للأمم " " وتعني هذه اللفظة أيضا النظام الذي تتبعه دولة ما (اقتصاد حر، اقتصاد موجه، اقتصاد اشتراكي) " (٢) . [الإنفاق] (٥) وأما الإنفاق فهو مصدر أنفق. قال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) : " النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء شيء وإغماضه. . . فالأول نفقت الدابة نفوقا: ماتت، ونفق السعر نفاقا، وذلك أنه يمضي فلا يكسر ولا يقف، وأنفقوا: نفقت سوقهم، والنفقة؛ لأنها تمضي لوجهها، ونفق الشيء: فني. . . . والأصل الآخر النفق: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان. . . " (٣) . والأصل الأول هو الذي يهمنا؛ لأنه المتعلق بموضوع البحث. وجاء في البحر المحيط: " الإنفاق: الإنفاد، أنفقت الشيء وأنفدته بمعنى واحد، والهمزة للتعدية يقال: نفق الشيء: نفد، وأصل هذه المادة تدل على الخروج والذهاب " (٤) .

стр. 19

فالإنفاق إذن: هو الإفناء والإذهاب والإنفاد. وهو يكون في المال وفي غيره كما يقول الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) (١) . وعلى هذا فالإنفاق شامل لكل ما يستهلكه الإنسان من أشياء مباحة. ويرى بعضهم أن الإنفاق خاص بصرف المال في الحاجات المختلفة (٢) . ثم إذا تجاوز حده فهو الإسراف إلا فلا. [الجود] (٦) وأما الجود فقال ابن فارس (ت ٣٩٥ هـ) : " الجيم والواو والدال أصل واحد، وهو التسمح بالشيء وكثرة العطاء، يقال: رجل جواد بين الجود وقوم أجواد (٣) . وجاء في المصباح المنير: " جاد بالمال: بذله، وجاد بنفسه: سمح بها عند الموت وفي الحرب، مستعار من ذلك " (٤) . وأما السخاء، فقال ابن فارس: " السين والخاء والحرف المعتل أصل واحد يدل على اتساع في شيء وانفراج. ثم قال: قال أهل اللغة: السخاء: الجود، يقال سخا يسخو سخاوة وسخاء يمد ويقصر، والسخي: الجواد " (٥) . ويقول الأصفهاني (ت ٥٥٢ هـ) : " السخاء: هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات حصل معه البذل أم لم يحصل، وذلك خلق، ويقابله الشح. والجود بذل المقتنى، ويقابله البخل. . . . ويدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا

стр. 20

الفاعل من السخاء والشح على بناء الأفعال الغريزية فقالوا: شحيح وسخي، وقالوا: جواد وباخل، وأما قولهم: بخيل فمصروف عن لفظ الفاعل للمبالغة، كقولهم: راحم ورحيم، ولكون السخاء غريزة لم يوصف الباري به " (١) ويزيد أبو هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) مسألة التفريق بين الجود والسخاء إيضاحا فيقول: " الفرق بين السخاء والجود أن السخاء هو أن يلين الإنسان عند السؤال ويسهل مهره للطالب، من قولهم سخوت النار أسخوها سخوا إذا لينتها. . . . ولهذا لا يقال لله تعالى سخي، والجود: العطاء من غير سؤال، من قولك جادت السماء إذا جادت بمطر غزير، والفرس الجواد: الكثير الإعطاء للجري، والله تعالى جواد لكثرة عطائه فيما تقضيه الحكمة " (٢) . ومن هذا يتبين أن الجود والسخاء هما البذل للغير وليسا لحظ النفس، ولا يدخلان في مفهوم الإسراف. [البخل] (٧) وأما البخل فقال الفيومي (ت ٧٧٠ هـ) : " البخل في الشرع منع الواجب، وعند العرب منع السائل مما يفضل عنده " (٣) . وقال الراغب (ت ٥٠٢ هـ) : " البخل: إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسها عنه، ويقابله الجود، يقال: بخل فهو باخل، وأما البخيل فالذي يكثر منه البخل كالرحيم من الراحم، والبخل ضربان: بخل بقنيات نفسه وبخل بقنيات غيره، وهو أكثرهما ذما دليلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] (٤) (٥) .

стр. 21

والشح: هو البخل مع شدة الحرص. قال ابن فارس: " الشين والحاء الأصل فيه المنع، ثم يكون منعا مع حرص، ومن ذلك الشح وهو البخل مع حرص (١) ". وكلاهما يمثلان الطرف المقابل للإسراف والتبذير. (٨) وأما الفرح: فهو السرور والبطر، وهو ضد الحزن (٢) . وقال الراغب: " الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية فلهذا قال تعالى:. . ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] (٣) . . . ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٢٦] (٤) ولم يرخص في الفرح إلا في قوله:. . ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] (٥) . وقوله:. . ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] (٦) (٧) . وجاء في المصباح المنير (٨) ". . . ويستعمل في معان: أحدها: الأشر والبطر، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] (٩) . والثاني: الرضا، وعليه قوله تعالى:. . ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] (١٠) .

стр. 22

والثالث: السرور، وعليه قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] (١) ويتبين من ذلك أن الفرح إذا صاحبه بطر - وهو تجاوز الحد في المرح - (٢) أنه مذموم لما يصاحبه من رذائل الأخلاق كالعجب والكبر والإسراف، وأما إذا كان طبيعيا فلا؛ لأنه غريزي.

стр. 23

[المبحث الثاني السرف في نصوص القرآن والسنة وكلام العلماء والحكماء] [أولا السرف في نصوص القرآن الكريم] المبحث الثاني السرف في نصوص القرآن والسنة وكلام العلماء والحكماء المصادر الإسلامية زاخرة بالنصوص المتعلقة بالسرف وما يمت إليه، وفي هذا المبحث نسوق بعضا منها، كي نرى موقفها منه، سواء في القرآن الكريم، أو السنة النبوية، أو كلام أهل العلم والحكمة. أولا: السرف في نصوص القرآن الكريم: وردت مادة (سرف) في القرآن الكريم ثلاثا وعشرين مرة بصيغة الفعل، والمصدر، واسم الفاعل. فمن الأول (صيغة الفعل) قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] (١) . وهذا يتناول الإسراف في الأموال وغيرها (٢) . ومن الأول والثالث (أعني صيغة الفعل واسم الفاعل) : - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣) .

стр. 24

قال ابن كثير: (ت ٧٧٤ هـ) " وقوله تعالى. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] قيل معناها: لا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف، وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا ثم تباروا فيه وأسرفوا فأنزل الله:. . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] وقال ابن جريج نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلا له، فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليس له ثمرة، فأنزل الله. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] رواه ابن جرير عنه، وقال ابن جريج عن عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف، وقال السدي في قوله. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] فقال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم " (١) . ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢) . قال أبو بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) : " الإسراف: تعدي الحد. فنهاهم عن تعدي الحلال إلى الحرام، وقيل: ألا يزيدوا على قدر الحاجة، وقد اختلف فيه (٣) على قولين: فقيل هو حرام، وقيل هو مكروه وهو الأصح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. . . " (٤) . قلت: وترجيح ابن العربي كراهة الإسراف في الأكل والشرب عن قدر الحاجة، ليس على إطلاقه، بل ربما كان في ذلك ضرر على النفس

стр. 25

أو الغير فيكون ذلك محرما وقال أبو محمد بن عطية (ت ٥٤٦ هـ) : " وقوله تعالى. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] معناه ولا تفرطوا، قال أهل التأويل: يريد ولا تسرفوا بأن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرم الله ، قال ابن عباس: ليس في الحلال سرف، إنما السرف في ارتكاب المعاصي. قال القاضي أبو محمد (١) " يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقا، فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل في الضرر، حصل أيضا من المسرفين وتوجه النهي عليه، مثل ذلك أن يفرط الإنسان في شراء ثياب ونحوها، ويستنفد في ذلك جل ماله، أو يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه، فالله لا يحب شيئا من هذا وقد نهت الشريعة عنه " (٢) . ومن ورود مادة (سرف) بصيغة الفعل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٣) . وقد اختلف أهل التفسير في معنى الآية، فقيل: المراد بالإسراف أكل مال الغير بغير حق، وقيل: المراد عدم الإسراف في إنفاق المال والتصدق به، وقيل: عدم تجاوز الحد الوسط. قال الطبري (ت ٣١٠ هـ) بعد أن حكى الأقوال: " والصواب من القول في ذلك قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام بين ذلك. وإنما قلنا: إن ذلك كذلك لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف

стр. 26

والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما؛ لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم. . . " (١) . وهذا الرأي من الطبري حسن، ورحم الله مطرف بن عبد الله إذ يقول: " خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين " (٢) . وهذه الآية الكريمة كالآية الأخرى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (٣) . ومن ورود مادة (سرف) بصيغة المصدر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] (٤) قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) : " قوله تعالى:. . ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] ليس يريد أن أكل مالهم من غير إسراف جائز فيكون له دليل خطاب، بل المراد ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف فنهى الله سبحانه الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم. . . . والإسراف في اللغة: الإفراط، مجاوزة الحد " (٥) . هذا وبقية الآيات الأخرى التي وردت فيها مادة (سرف) جاءت في معانٍ أخرى غير الإسراف في الأموال، بل أكثرها جاء بمعنى الإسراف في الشرك والكفر والتكذيب. كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] (٦) .

стр. 27

وقوله:. . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] (١) . وقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] (٢) . وربما جاءت المادة مطلقة لتشمل أنواع الإسراف، كما في الآية ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] (٣) وقد سبق إيرادها. فإذا ما تجاوزنا المادة ذاتها (السرف) في القرآن الكريم إلى الآيات الكريمة التي جاءت في معنى السرف ذامة ومحذرة منه، فإننا واجدون آيات كثيرة: ففي سياق النهي عن السرف في الأموال وإنفاقها، يقول سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (٤) . وقد ذكر جمهور المفسرين أن التبذير هنا إنفاق المال في غير حقه (٥) . وعند التعريف بالمصطلحات أشرنا إلى الفرق بين التبذير والإسراف. وفي سياق الذم لأصحاب المال والجاه الذين سخروهما لشهواتهم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] (٦) . وفي قوله: (أمرنا) قراءات: فقد قرئ " أمرنا " بفتح الهمزة بدون مد وفتح الميم مع التخفيف، من الأمر. وقرئ " أمرنا " بفتح الهمزة بدون مد وتشديد الميم، من الإمارة. وقرئ " آمرنا " بمد ثم فتح للميم مع التخفيف أي أكثرناهم. قال الطبري بعد أن ساق القراءات وتفسيراتها: " وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ (أمرنا مترفيها) بقصر الألف من أمرنا وتخفيف

стр. 28

الميم منها لإجماع الحجة من القراء على تصويبها دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة فأولى التأويلات به تأويل من تأوله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحق عليهم القول؛ لأن الأغلب من معنى أمرنا: الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره. . . " (١) . وأيا كان تفسير الآية، فإنها تشير إلى أن أكثر أهل المال والجاه والسلطة يغترون بما عندهم فيسخرونه في غير طاعة الله ويصدون عن الخير. يقول الشوكاني (ت ١٢٥٥ هـ) : " ومعنى مترفيها المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون في تفسير المترفين: إنهم الجبارون المتسلطون والملوك الجائرون، قالوا: وإنما خصوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم " (٢) . وفي السياق نفسه يقول الحق سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى - إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٦ - ٨] (٣) . " والطغيان هو مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغ " (٤) . والاستغناء: شدة الغنى. " والتقدير: إن الإنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنيا، وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصدر خلقا، حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم. . . . فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة

стр. 29

من الأخلاق وعلم النفس، ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس " (١) . أما أشهر قصة للإسراف والترف والبذخ والأشر والبطر في القرآن العظيم فهي قصة قارون، وقد جاءت مفصلة وبأسلوب قرآني بليغ، تصور تلك الشخصية الشاذة، وعلوها في الأرض وموقف الناس المعاصرين لها منها. فقد كان من قوم موسى ﵇ فبغى وتجبر، بسبب ماله الوفير، وظن أنه أفضل الناس وأكرمهم وأعلمهم وأنه جدير بالمال دون غيره، فمنع حق الله في المال، وأسرف في التزيي بالزينة، فجمع بين الشح والسرف، فاستحق العذاب الشديد ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] وقد جاءت قصته في سورة القصص من الآية ٧٦ حتى الآية ٨٣.

стр. 30

[ثانيا السرف في نصوص السنة النبوية] ثانيا: السرف في نصوص السنة النبوية: وردت مادة السرف في السنة في أحاديث عديدة يمكن حصرها. ولعل كثيرا منها يدور في فلك الوضوء في باب الطهارة. حيث ورد النهي عن الإسراف فيه، كما في حديث عبد الله بن عمرو «أن رسول الله ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار» (١) . كما وردت المادة في غير موضوع الطهارة، كحديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» (٢) وسبب الذم هنا كما يقول المناوي (ت ١٠٣١ هـ) : " لأن النفس إذا اعتادت ذلك من صاحبها شرهت ونزقت من رتبة لأخرى، فلا يقدر بعد ذلك على كفها فيقع في أعلى مراتب السرف المذموم " (٣) . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة» (٤) . وفي هذا المعنى يقول ابن عباس ﵁ (ت ٦٨ هـ) : «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف أو مخيلة» (٥) . تلك من أبرز الأحاديث التي وردت فيها مادة (السرف) بشأن المال والنفقة، ووردت أحاديث أخرى بالمادة نفسها ولكنها كما قال ابن الأثير

стр. 31

(ت ٦٠٦ هـ) : " الغالب على ذكر الإسراف الإكثار من الذنوب والخطايا، واحتقار الأوزار والآثام " (١) . كما في دعائه ﷺ : «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. . .» (٢) . الحديث. هذا وثمة أحاديث جاءت في ذم الإسراف في المال، ولعل من أشهرها قوله ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقيل، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (٣) . فهذا الحديث كما يقول الطيبي (ت ٧٤٣ هـ) : " أصل في معرفة حسن الخلق وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة، والخلال الجميلة " (٤) . والشاهد فيه لموضوعنا الجملة الأخيرة منه (وإضاعة المال) وقد أطال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) الوقوف عندها. حيث أشار أولا إلى الخلاف في المقصود بإضاعة المال، فالأكثرون على أنه الإسراف في الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، ثم قال: والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعا، سواء كانت - أي النفقة - دينية أو دنيوية فمنع منه. ثم أشار إلى الحكمة من النهي عن إضاعة المال لما في ذلك من تفويت مصالح العباد. ثم أخذ في تفصيل الحكم في كثرة الإنفاق، وأن ذلك له ثلاثة أوجه: الأول: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعا، فلاشك في منعه. والثاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعا، فلاشك في كونه مطلوبا

стр. 32

بالشرط المذكور (١) . والثالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله فهذا ليس بإسراف. والثاني: ما لا يليق به عرفا وهو ينقسم إلى قسمين أيضا: أحدهما ما يكون لدفع مفسدة فهذا ليس بإسراف، والثاني ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف؛ لأنه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له، قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. ثم يرجح ابن حجر أنه ليس مذموما لذاته، ولكنه يفضي غالبا إلى ارتكاب المحذور، وما أدى إلى المحذور فهو محذور. ثم نقل عن السبكي الكبير قوله: الضابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرض ديني ولا دنيوي، فإن انتفيا حرم قطعا، وإن وجد أحدهما وجودا له بال وكان الإنفاق لائقا بالحال ولا معصية فيه جاز قطعا، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط (٢) . ونجد في السنة أحاديث أخرى - وهي نوع مختلف عما سبق - تحث على الاقتصاد في المعيشة والتوسط فيها. كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : «ما عال من اقتصد» (٣) . يقول المناوي (ت ١٠٣١هـ) : " ما عال من اقتصد في المعيشة أي ما افتقر من

стр. 33

أنفق فيها قصدا، ولم يتجاوز إلى الإسراف، أو ما جار ولا جاوز الحد، والمعنى إذا لم يبذر بالصرف في معصية الله ولم يقتر فيضيق على عياله ويمنع حقا وجب عليه شحا وقنوطا من خلف الله الذي كفاه المؤمن، قال في الإحياء: ونعنى بالاقتصاد الرفق بالإنفاق وترك الخرق، فمن اقتصد فيها أمكنه الإجمال في الطلب، ومن ثم قيل: صديق الرجل قصده، وعدوه سرفه، وقيل: لا خير في السرف، ولا سرف في الخير، وقيل: لا كثير مع إسراف " (١) . وقد مر معنا في التمهيد أكثر من حديث.

стр. 34

[ثالثا الإسراف في نصوص العلماء والحكماء] ثالثا: الإسراف في نصوص العلماء والحكماء: بمراجعة تراثنا الأدبي نجد كلاما ثَرّا وحكما بليغة لدى أهل العلم والحكمة في مجال الاقتصاد والمال، تشي بفهم عميق وسديد لفلسفة المال والحياة. ومن غير المستغرب أن نلحظ الاختلاف - وأحيانا التباين - من عالم أو حكيم لآخر في نظرته لأخلاقيات: الكرم والبخل، والسخاء والجود، والاقتصاد والزهد والحرص والطمع. . . إلخ. فإنها ذات علاقة شديدة بالطباع والغرائز، بل والظروف الزمانية والمكانية. بيد أن العالم أو الحكيم إذا كان مستنيرا بنور الإيمان وراسخا في العلم، وناشئا في بيئة معتدلة، فإن آراءه ونظراته تكون أصوب. وما نورده هنا من شذرات هي محصورة فيما يتعلق بموضوعنا وليس عن كل ما يتعلق بالمال. ونركز هنا على نقاط: ١ - مفهوم الإسراف أو التبذير. ٢ - التوجيه إلى الاقتصاد والاعتدال في النفقة والمعيشة. ٣ - التحذير من مغبة الإسراف. (١) فمن كلامهم في مفهوم الإسراف. قال علي بن أبى طالب ﵁ (ت ٤٠ هـ) : ما أنفقت على نفسك وأهل بيتّك من غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظ الشيطان " (١) . وقال عبد الله بن مسعود ﵁ (٣٢ هـ) : " كنا أصحاب محمد ﷺ ، نتحدث أن التبذير: النفقة في غير حقه " (٢) .

стр. 35

وقال وهب بن منبه (ت ١١٠ هـ تقريبا) : " من السرف أن يكتسي الإنسان ويأكل ويشرب مما ليس عنده، وما جاوز الكفاف فهو التبذير " (١) . ويفرق ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) بين الجود والسرف اللذين ربما تداخلا أو اشتبه الأمر فيهما على كثير من الناس، فيقول: " إن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، والمسرف مبذر، وقد يصادف عطاؤه موضعه، وكثيرا لا يصادفه، وإيضاح ذلك أن الله بحكمته جعل في المال حقوقا، وهي نوعان: حقوق موظفة وحقوق ثانية، فالحقوق الموظفة كالزكاة والنفقات الواجبة، والثانية كحق الضيف ومكافأة المهدي وما وقى به عرضه ونحو ذلك، فالجواد يتوخى بماله أداء هذه الحقوق على وجه الكمال طيبة بذلك نفسه. . . فهو يخرج ذلك بسماحة قلب وسخاوة نفس وانشراح صدر، بخلاف المبذر فإنه يبسط يده في ماله بحكم هواه وشهوته جزافا لا على تقدير ولا مراعاة مصلحة. . . " (٢) . (٢) ومن كلامهم في التوجيه إلى الاقتصاد والاعتدال في النفقة والمعيشة: ما جاء عن غير واحد من السلف: " الاقتصاد نصف المعيشة " (٣) . وورد عن أبي الدرداء ﵁ (ت ٣٢ هـ) قوله: " حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب " (٤) . وقال عبد الملك بن مروان (ت ٨٦ هـ) لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟

стр. 36

فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١) . ولأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) كلام نفيس في المقارنة بين البخل والجود، إذ يقول: " فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط، وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه، إذ لم يؤمر رسول الله ﷺ إلا بالسخاء، وقد قيل له ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] (٢) . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٣) . فالجود وسط بين الإسراف والإقتار، وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب " (٤) . ومن نفيس الغزالي إلى ابن القيم حيث يفرق بين الاقتصاد والشح فيقول: " إن الاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين: عدل وحكمة، فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق، فيتولد من بينهما الاقتصاد، وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (٥) . وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٦) . وقال:. . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] (٧) وأما الشح فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس، ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعا،

стр. 37

والهلع شدة الحرص على الشيء والشره به " (١) . (٣) ومن كلامهم في التحذير من مغبة الإسراف: قال معاوية بن أبي سفيان ﵄ (ت ٦٠ هـ) : " ما رأيت سرفا قط إلا وإلى جانبه حق مضيع " (٢) . وقال عمر بن الخطاب ﵁ (ت ٢٣ هـ) لابنه عاصم: " يا بني كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم " (٣) . وقال حاتم الطائي (ت ٤٦ قبل الهجرة) : إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (٤) وفي كتاب الاستقراض قال البخاري ﵀ (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه: " باب ما ينهى عن إضاعة المال، وقول الله تعالى:. . ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] (٥) . . . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] (٦) . وقوله تعالى:. . ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] (٨) " (٩) .

стр. 38

[المبحث الثالث أقسام السرف ومجالاته] [المطلب الأول أقسام السرف] [أولا أقسام السرف من حيث متعلقه] المبحث الثالث أقسام السرف ومجالاته للسرف أقسام وأنواع، وله مجالات ومتعلقات، وربما اختلف الحكم من قسم إلى آخر، ومن مجال إلى آخر كما أن الآثار المترتبة على كل قسم أو مجال ربما تفاوتت اتساعا وضيقا. لذا كان مقتضى البحث التفصيل في المطلبين الآتيين: المطلب الأول: أقسام السرف للسرف أقسام باعتبارات مختلفة، لعل من أهمها: - من حيث متعلقه. - من حيث فاعله. - من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف. أولا: أقسام السرف من حيث متعلقه: وهي - فيما يبدو لي - ثلاثة: ١ - السرف في الشر. ٢ - السرف في الخير. ٣ - السرف في المباح. وهي قسمة حاصرة وفق مبدأ السبر والتقسيم.

стр. 39

(١) أما السرف في الشر، سواء أكان في مجال المال والنفقة أم كان في غيرهما فهو شر، قليلا كان أو كثيرا، قال الحق سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (١) . يقول الإمام الطبري (ت ٣١٠ هـ) : " عنى - تعالى ذكرُه - بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله. . . ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] جميع المسرفين فلم يخص به مسرفا دون مسرف " (٢) . والشر هنا كلمة جامعة لكل الخصال المذمومة، سواء في مجال العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق والسلوك أو غير ذلك، فمن باشر شيئا منها فهو مسرف على نفسه. وعلى هذا: فالشرك والكفر والإلحاد والزندقة والنفاق إسراف، وكبائر الذنوب من قتل النفس والزنا والربا والسرقة والكذب والغش ونحو ذلك: كله إسراف. ومثله ترك الواجبات: كالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل ذلك إسراف. وهكذا الصغائر هي من الإسراف أيضا، ويلحق بها المكروهات. فإذا حددنا دائرة الشر هنا في إطار النفقة وشئون المال وفقا لدائرة البحث، فإنه يدخل فيها عدة صور منها: ترك الواجبات: كالزكاة، والنفقة الواجبة، على القول بأن التقصير في فعل الأمر إسراف كارتكاب النهي، ومنها فعل المحظورات عن طريق الإسراف: كالإنفاق في معصية الله كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف (٣) .

стр. 40

وقال ابن عباس (ت ٦٨ هـ) : " من أنفق درهما في غير حقه فهو أسرف " (١) . ويدخل في ذلك إرادة غير الله تعالى في الإنفاق كالرياء والسمعة. وهذا النوع من النفقة، أعني الإنفاق في غير طاعة الله هو من الإسراف في المال إجماعا. ويلتحق بذلك الإنفاق في الأمور المكروهة، ويدخل فيها كثير من صور التنعم والرفاهية، كالسفر إلى بلاد غير المسلمين بقصد السياحة، والتوسع في شراء المقتنيات الخاصة بالآثار، وشراء الصحف والمجلات بقصد إشباع غريزة حب الاستطلاع، ونحو التكلف في البناء والعمران، والمركبات، وإقامة الأفراح. وهلم جرا. إن من يفعل ذلك ويغرق في الترف والنعيم غير مبال بما ينفق على نفسه أو أسرته هو جدير بأن يكون بخيلا على أمته وبلاده، بل إنه كما يقول الدكتور مصطفى السباعي (ت ١٣٨٤ هـ) : " إذا فتح ميدان من ميادين الخير يحتاج إلى ماله ومعونته عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ثم ادعى لك الفقر، وزعم لك الضيق، وغالى في كساد التجارة وقلة الربح وعسر الحال. . . . . . وهؤلاء شر ما تبتلى بهم الأمم، وأنانيتهم من أشد أنواع الأنانية قتلا للأمة وإساءة إليها، وترى فيهم الجواد السخي في الولائم والضيافات. . . " (٢) . (٢) وأما السرف في الخير، وهو الزيادة فيه، فهو فيما يظهر قسمان: ١ - تعدي الحدود المشروعة مما جاء ضبطه في الشريعة بنوع أو قدر أو عدد أو هيئة محدودة، فالزيادة هنا ابتداع في الدين لا يجوز مطلقا. قال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) .
следующие страницы →