فقال له عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (١) .
ولأبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) كلام نفيس في المقارنة بين البخل والجود، إذ يقول: " فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط، وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه، إذ لم يؤمر رسول الله ﷺ إلا بالسخاء، وقد قيل له ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٣) .
فالجود وسط بين الإسراف والإقتار، وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب " (٤) .
ومن نفيس الغزالي إلى ابن القيم حيث يفرق بين الاقتصاد والشح فيقول: " إن الاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين: عدل وحكمة، فبالعدل يعتدل في المنع والبذل، وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق، فيتولد من بينهما الاقتصاد، وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (٥) .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٦) .
وقال:. . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] (٧) وأما الشح فهو خلق ذميم يتولد من سوء الظن وضعف النفس، ويمده وعد الشيطان حتى يصير هلعا،
стр. 37
والهلع شدة الحرص على الشيء والشره به " (١) .
(٣) ومن كلامهم في التحذير من مغبة الإسراف:
قال معاوية بن أبي سفيان ﵄ (ت ٦٠ هـ) : " ما رأيت سرفا قط إلا وإلى جانبه حق مضيع " (٢) .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ (ت ٢٣ هـ) لابنه عاصم: " يا بني كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم " (٣) .
وقال حاتم الطائي (ت ٤٦ قبل الهجرة) :
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا (٤)
وفي كتاب الاستقراض قال البخاري ﵀ (ت ٢٥٦ هـ) في صحيحه: " باب ما ينهى عن إضاعة المال، وقول الله تعالى:. . ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] (٥) . . . ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] (٦) . وقوله تعالى:. . ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] (٧) وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] (٨) " (٩) .
стр. 38
[المبحث الثالث أقسام السرف ومجالاته]
[المطلب الأول أقسام السرف]
[أولا أقسام السرف من حيث متعلقه]
المبحث الثالث
أقسام السرف ومجالاته للسرف أقسام وأنواع، وله مجالات ومتعلقات، وربما اختلف الحكم من قسم إلى آخر، ومن مجال إلى آخر كما أن الآثار المترتبة على كل قسم أو مجال ربما تفاوتت اتساعا وضيقا.
لذا كان مقتضى البحث التفصيل في المطلبين الآتيين:
المطلب الأول: أقسام السرف للسرف أقسام باعتبارات مختلفة، لعل من أهمها:
- من حيث متعلقه.
- من حيث فاعله.
- من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف.
أولا: أقسام السرف من حيث متعلقه: وهي - فيما يبدو لي - ثلاثة:
١ - السرف في الشر.
٢ - السرف في الخير.
٣ - السرف في المباح.
وهي قسمة حاصرة وفق مبدأ السبر والتقسيم.
стр. 39
(١) أما السرف في الشر، سواء أكان في مجال المال والنفقة أم كان في غيرهما فهو شر، قليلا كان أو كثيرا، قال الحق سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] (١) .
يقول الإمام الطبري (ت ٣١٠ هـ) : " عنى - تعالى ذكرُه - بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله. . . ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] جميع المسرفين فلم يخص به مسرفا دون مسرف " (٢) .
والشر هنا كلمة جامعة لكل الخصال المذمومة، سواء في مجال العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق والسلوك أو غير ذلك، فمن باشر شيئا منها فهو مسرف على نفسه.
وعلى هذا: فالشرك والكفر والإلحاد والزندقة والنفاق إسراف، وكبائر الذنوب من قتل النفس والزنا والربا والسرقة والكذب والغش ونحو ذلك: كله إسراف.
ومثله ترك الواجبات: كالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكل ذلك إسراف.
وهكذا الصغائر هي من الإسراف أيضا، ويلحق بها المكروهات.
فإذا حددنا دائرة الشر هنا في إطار النفقة وشئون المال وفقا لدائرة البحث، فإنه يدخل فيها عدة صور منها: ترك الواجبات: كالزكاة، والنفقة الواجبة، على القول بأن التقصير في فعل الأمر إسراف كارتكاب النهي، ومنها فعل المحظورات عن طريق الإسراف: كالإنفاق في معصية الله كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف (٣) .
стр. 40
وقال ابن عباس (ت ٦٨ هـ) : " من أنفق درهما في غير حقه فهو أسرف " (١) .
ويدخل في ذلك إرادة غير الله تعالى في الإنفاق كالرياء والسمعة.
وهذا النوع من النفقة، أعني الإنفاق في غير طاعة الله هو من الإسراف في المال إجماعا.
ويلتحق بذلك الإنفاق في الأمور المكروهة، ويدخل فيها كثير من صور التنعم والرفاهية، كالسفر إلى بلاد غير المسلمين بقصد السياحة، والتوسع في شراء المقتنيات الخاصة بالآثار، وشراء الصحف والمجلات بقصد إشباع غريزة حب الاستطلاع، ونحو التكلف في البناء والعمران، والمركبات، وإقامة الأفراح. وهلم جرا.
إن من يفعل ذلك ويغرق في الترف والنعيم غير مبال بما ينفق على نفسه أو أسرته هو جدير بأن يكون بخيلا على أمته وبلاده، بل إنه كما يقول الدكتور مصطفى السباعي (ت ١٣٨٤ هـ) : " إذا فتح ميدان من ميادين الخير يحتاج إلى ماله ومعونته عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ثم ادعى لك الفقر، وزعم لك الضيق، وغالى في كساد التجارة وقلة الربح وعسر الحال. . . . . . وهؤلاء شر ما تبتلى بهم الأمم، وأنانيتهم من أشد أنواع الأنانية قتلا للأمة وإساءة إليها، وترى فيهم الجواد السخي في الولائم والضيافات. . . " (٢) .
(٢) وأما السرف في الخير، وهو الزيادة فيه، فهو فيما يظهر قسمان:
١ - تعدي الحدود المشروعة مما جاء ضبطه في الشريعة بنوع أو قدر أو عدد أو هيئة محدودة، فالزيادة هنا ابتداع في الدين لا يجوز مطلقا.
قال ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) .
стр. 41
يقول الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) : " هذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ﵇، ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية " (١) .
٢ - الزيادة على أمور مطلقة غير مقيدة أو محددة. ويدخل في هذا أنواع أعمال التطوع المطلق من صلاة أو ذكر أو تلاوة أو زكاة أو صيام أو حج أو صدقات. . . . إلخ.
فهذا أمر جائز، بل هو محل التنافس والسبق.
بيد أن مجال الخير المالي بحاجة إلى شيء من التوضيح:
إذ السرف فيه ربما اختلط مع الجود والسخاء المشروعين، هذا إلى أنه ربما تصدق الإنسان بأكثر ماله أو كله.
وقد سبق إيضاح المسألتين:
فالفرق بين السرف والجود: أن السرف تبذير وتفريق للمال على غير بصيرة، بحيث يقع في مجالات مشبوهة أو محظورة أو كان بقصد الرياء والسمعة.
وأما الجود فهو وضع المال في موضعه المشروع.
وفي المسألة الثانية (التصدق بأكثر المال أو كله) قد عرفنا خلاف أهل العلم فيها، وأنه مذموم إذا ترتب عليه إضرار بالنفس أو بمن يعوله، وإلا فهو محمود.
" وإن من علائم الخير في الأمم أن ترى أبناءها في حياتهم الشخصية والعائلية لا ينفقون إلا بقدر معتدل، ولا يبذلون إلا ما هو في حدود الكفاية، ولكنهم في حياتهم الاجتماعية أسخياء كرماء، لا يعرفون للكرم حدودا ولا غاية. . . . " (٢) .
стр. 42
(٣) وأما السرف في المباح فقد سبقت إليه إشارات، ونلقي عليه هنا مزيدا من الضوء الكاشف.
ونبدأ أولا بتعريف المباح، فهو في عرف علماء أصول الفقه: ما أذن الشارع في فعله وتركه، وخلا من المدح أو الذم (١) .
فكل جهة من جهات مصارف المال لم يؤمر بالصرف فيها أو ينه عن ذلك فهو جهة مباحة ويتعلق ذلك بكثير من أمور الحياة: كالأكل والشرب والسكنى والركوب ونحو ذلك.
فالسرف في هذه المجالات مما جاءت الشريعة بذمه، كما في قوله تعالى:. . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢) قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) : " أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدولا خيارا، وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا " (٣) .
ولبعض المفسرين آراء أخرى في معنى الآية، حيث يرون أن السرف ما كان في معصية الله فقط، وأن التقتير ما كان في منع حق واجب.
قال ابن عطية (ت ٥٤٦ هـ) " وفي ذلك نظر والوجه أن يقال: إن النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا، وألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب، أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها " (٤) .
стр. 43
ويقسم ابن حجر الإنفاق في المباحات إلى قسمين:
" أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، والثاني: ما لا يليق به عرفا، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين: أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إما ناجزة أو متوقعة، فهذا ليس بإسراف، والثاني: ما لا يكون في شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية إلى أنه ليس بإسراف قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له، قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. . . " (١) .
قلت: وهذا تفصيل جيد، وما أورده عن ابن دقيق العيد فصحيح لا شك فيه.
[ثانيا أقسام السرف من حيث فاعله]
ثانيا: أقسام السرف من حيث فاعله: يمكن أن يقسم السرف من حيث فاعله إلى قسمين:
- سرف الأفراد.
- سرف الجماعات.
ونعني بالأول: ما يتم بأسلوب فردي.
وبالثاني: ما يتم بأسلوب جماعي، صادر من مجموعات، أو هيئات، أو مؤسسات، أو دول.
(١) فسرف الأفراد يصدر عن الإنسان بصفته الفردية، فقد ينفق في المأكول والمشروب ما يزيد عن حاجته، فيأكل ويشرب حتى يصاب بالبطنة والتخمة،
стр. 44
بل بالأمراض.
وقد ينفق في لباسه ما يزيد عن حاجته، فيشتري ما لا يحتاجه، أو يلبس ما يدعو إلى الفخر والخيلاء، أو يستغني عن الثياب الجديدة والنظيفة فيرمي بها.
أو ينفق مثل ذلك في أمور أخرى من أمور حياته.
ناهيك بما إذا كان الإنفاق أو التصرف بالمال تبذيرا في سبل متفرقة وجهات مشبوهة، يختلط فيها الحق بالباطل والحلال بالحرام، أو بالمشتبه.
ونظرا لأهمية المال والحافظة عليه من الضياع قرر الإسلام الحجر على السفهاء.
يقول سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] (١) .
قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) : " دلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله بذلك في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقال:. . ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢) فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف " (٣) .
وهذه الآية هي الأصل في الحجر على السفهاء والصبيان والمجانين (٤) .
ولذا نجد لدى الفقهاء عامة بابا في المعاملات بعنوان (الحجر) .
والسفيه: هو ضعيف العقل وسيئ التصرف، وسمي سفيها لخفة عقله (٥) .
ومن هنا جاء الحجر على السفهاء، يقول الأستاذ علي أحمد الجرجاوي (ت ١٣٤٠ هـ) : " إن من الحكم الجميلة الجليلة الفائدة حكمة الحجر، وذلك أن
стр. 45
الشارع الحكيم رأى أن من يصاب بخلل في عقله كجنون أو عته تكون أمواله معرضة للضياع؛ لأنه لا يحسن التصرف، فقرر الشارع الحكيم الحجر عليه حتى تكون الأموال مصونة من الأيدي التي تسلب أموال الناس بالباطل والغش والتدليس، وتكون مصونة أيضا من سوء تصرف المالك.
ولما رأى الشارع الحكيم أيضا أن الذين يسترسلون في غلواء الفسق والفجور والخلاعة ويبددون أموالهم ذات اليمين وذات الشمال في حكم المجانين والمعتوهين، قرر الحجر عليهم صونا لأموالهم، وحرصا على أرزاق أولادهم ومن يعولونهم في حياتهم وبعد مماتهم. . . . " (١) .
(٢) وسرف الجماعات يصدر من جهات جماعية، ويأخذ الطابع الجماعي، وهو يصدق على تصرف المؤسسات، والشركات، والجمعيات، والدول، وكذلك الأفراد إذا انتظمهم عقد واحد أو عرف أو تقليد واحد.
وقد يحكم على أي منها بالسرف أو الترف أو التبذير، بالنظر إلى التصرف الغالب عليها.
وهذا النوع من السرف يحمل من الخطورة والسلبيات أضعاف سابقه؛ لما يترتب عليه من الآثار الوخيمة على اقتصاد البلد وثروتها. وكم نسمع أو نقرأ عن خسائر تلك الجهات وإعلان إفلاسها.
بل إن إلقاء نظرة سريعة على واقع دول العالم الإسلامي ترزأ العاقل بالذهول والخجل.
فإن كثيرا منها - وعلى رغم ضخامة ثروتها الوطنية - قد اضطرت إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وقد تراكمت عليها الديون فأثقلت
стр. 46
كاهلها، وتحولت إلى أزمة كبرى لم تستطع الخلاص منها.
فقد تطور حجم المديونية الأجنبية للدول الإسلامية من (٤٧) مليار دولار في عام ١٩٧٦إلى (٩، ٥٧٠) مليار دولار في عام ١٩٩٣م.
ومن بين هذه الدول: أندونيسيا، تركيا، مصر، الجزائر، باكستان، سوريا، السودان، المغرب (١) .
ومما ينكأ تلك الجراح ويزيد الأزمة شدة، أن كثيرا من رءوس الأموال في البلاد الإسلامية قد هربت من أوطانها إلى البلاد الأجنبية (الأوروبية ونحوها) .
" وفي دراسة صادرة عن البنك العربي المحدود (الأردن - عمان) يناير ١٩٩٠ عن الأموال العربية في الخارج تبين أن الأموال العربية المتدفقة. . . قد بلغت خلال الفترة من ١٩٧٣م - ١٩٨٨م (٥، ٤٥٥) بليون دولار، وأن نصيب ست دول خليجية من هذه الأموال هو (٣٤٢) بليون دولار (١٨٠) بليون للقطاع العام، (١٦٢) بليون للقطاع الخاص. . . . وذكرت الدراسة أن معظم هذه الأموال قد ذهبت إلى أمريكا ٢١%، وإنجلترا ١٤%، والدول الأوروبية ٢٠%، والشرق الأقصى ١٨%، والباقي للدول الأخرى وصندوق النقد الدولي. . . " (٢) .
ومثل هذا السرف الجماعي ينتج عنه أمور خطيرة، أهمها:
١ - التردي في الإفلاس والفقر.
٢ - التضخم الاقتصادي للدولة.
٣ - حرمان الشعوب من المال.
стр. 47
[ثالثا أقسام السرف من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف]
ثالثا: أقسام السرف من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف: هذا فيما ظهر لي قسمان:
١ - الإسراف في الإنفاق.
٢ - الإسراف في الاستهلاك.
وأقصد بالأول صرف المال في وجوهه المختلفة.
وبالثاني: استنفاد الممتلكات والمباحات وإهلاكها.
وفي التعريف بالمصطلحات عرفنا أن الإنفاق في اللغة هو بمعنى الإنفاد والإفناء، وعلى هذا فيدخل فيه الاستهلاك.
غير أنه لما أصبح الإنفاق قد شاع بمعنى صرف المال، رأيت الفصل بينهما من أجل التقريب والتسهيل للفهم.
(١) أما الإسراف في الإنفاق فيدخل في مجالات ثلاثة:
١ - الإنفاق في الطاعة (الخير) .
٢ - الإنفاق في المعصية (الشر) .
٣ - الإنفاق في المباح.
وقد بحثناها في أول المطلب في التقسيم الأول (أقسام السرف من حيث متعلقه) .
فنستغني بذلك عن التكرار.
(٢) وأما الإسراف في الاستهلاك، فأعني به استنزاف الثروات والمحاصيل والعناصر البيئية الطبيعية والمرافق العامة. فإن الله تعالى قد سخر للإنسان عموم
стр. 48
الكائنات.
قال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (١) .
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] (٢) .
والمطلوب من الإنسان أن يصرف هذه المسخرات في إطار وظيفته الرئيسة (عبادة الله وطاعته) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٣) .
وذلك فيما يحقق المصلحة العامة والخاصة، العاجلة والآجلة، حاشا ما كان فيه مفسدة عامة أو خاصة، عاجلة أو آجلة، فإنه لا يجوز أن تصرف فيه تلك المسخرات.
ومن مظاهر هذه المسخرات وعناصرها:
- الهواء.
- الماء.
- التربة.
- النبات والمحاصيل الزراعية.
- الحيوان.
وكلها من نعم الله الظاهرة التي يجب المحافظة عليها وتقييدها بالشكر ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٤) .
وقد حذر الشارع من إتلاف هذه النعم وإفسادها بأي لون من
стр. 49
ألوان الإفساد، ما لم يكن في ذلك مصلحة راجحة.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] (١) .
يقول ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) : " ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان آخر ما يكون على العباد. . . " (٢) .
وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] (٣) .
وهذه الآية - كما يقول القرطبي (ت ٦٧١ هـ) : " تعم كل فساد كان، في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح إن شاء الله " (٤) .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] (٥) .
يقول الشيخ الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ) : " وفي الآية إشعار بأن الفساد في الأرض وقطيعة الأرحام من شعار أهل الكفر، فهما جرمان كبيران يجب على المؤمنين اجتنابهما " (٦) .
وهكذا يظهر أن الفساد جريمة اجتماعية تجب محاربتها وذلك أن من أهم مقاصد التشريع - كما يقول ابن عاشور -: " حفظ نظام العالم، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله
стр. 50
وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه، قال الله حكاية عن بعض رسله وتنويها به. . . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] (١) .
وقال حكاية:. . ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٢) فهذه أدلة صريحة كلية دلت على أن مقصد الشريعة إصلاح هذا العالم وإزالة الفساد منه، وذلك في تصاريف أعمال أهل العالم. . . . ولقد علمنا أن الشارع ما أراد الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما قد يتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشئونهم في الحياة الاجتماعية، فإن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] أنبأنا بأن الفساد المحذر منه هنالك هو إفساد موجودات هذا العالم. . . " (٣) .
وإذ عرفنا أن الفساد للبيئة وعناصرها مما حظره الشارع؛ فإن الإسراف في استعمالها والاستفادة منها يعد لونا من ألوان الإفساد.
стр. 51
[المطلب الثاني مجالات السرف]
المطلب الثاني: مجالات السرف مجالات الإنفاق كثيرة جدا لا تكاد تنحصر، حيث تشمل كل شئون الحياة الدينية والدنيوية، ومن ثم تدخلها الأحكام التكليفية الخمسة كلها: الوجوب، والندب، والإباحة، والتحريم، والكراهة.
وفي هذا المطلب نركز على أهم المجالات التي يدخلها السرف، في مصروفاتنا اليومية أو الشهرية أو السنوية.
ولعل من أهم المجالات:
١ - المأكل والمشرب.
٢ - الملبس.
٣ - المسكن (السكنى) .
٤ - المركب.
٥ - الأفراح والمآتم.
٦ - التسلية والترفيه.
وهي في جملتها تدخل في قسم المباح، عدا المآتم.
(١) أما الأكل والشرب فهما قوام بدن كل حيوان، ومنه الإنسان، والحياة الإنسانية تقوم في طبيعتها على عناصر يأتي في مقدمتها الغذاء والهواء.
وتكاد تتفق الديانات والشرائع - تبعا للعقل - على هذه الحقيقة، إلا أن بعضا من الديانات الوضعية تضيق مجال الأكل والشرب على الإنسان بما يشق عليه، كما هو ملحوظ عند بعض الديانات الهندية، والرهبانية النصرانية، وغيرهما (١) .
стр. 52
بل مما يفعله بعض رجال الدين - من الأحبار وغيرهم، من التدخل في التحليل والتحريم وفق الهوى.
هذا إلى أن أكثر البشر يتعاملون مع شهواتهم ورغباتهم وفقا لما تطلبه أنفسهم بلا قيود.
أما الإسلام فإنه أعدل الديانات وأقومها وأكثرها واقعية، فإنه بنظرته الصحيحة للإنسان أحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث.
يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] (١) .
ويقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣] (٢) .
ومن هنا شرع الإسلام طلب الرزق، وأحل المكاسب الخالية من الضرر والغرر.
يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (٣) .
ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] (٤) ويقول: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] (٥) .
стр. 53
قال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) عند هذه الآية: " الخطاب لجميع الناس، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض، والمعايش جمع معيشة، وهي لفظة تعم المأكول الذي يعايش به، والتحرف الذي يؤدي إليه " (١) .
وفي منظومة الاعتدال والوسطية في الإسلام يأتي الأكل والشرب في مقدمتها.
يقول الحق سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢) .
قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) : " ظاهر الآية يوجب الأكل والشرب من غير إسراف، وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال، والإيجاب في بعضها، فالحال التي يجب فيها الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر كأن يكون ترك الأكل والشرب يتلف نفسه أو بعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات، فواجب عليه في هذه الحال أن يأكل ما يزول معه خوف الضرر، والحال التي هما مباحان فيها هي الحال التي لا يخاف فيها ضررا بتركهما، وظاهره يقتضي جواز أكل سائر المأكولات وشرب سائر الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيما يأتيه من ذلك؛ لأنه أطلق الأكل والشرب على شريطة أن لا يكون مسرفا فيهما، والإسراف مجاوزة حد الاستواء، فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] (٣) والإسراف وضده من الإقتار مذمومان، والاستواء هو التوسط، ولذلك قيل: دين الله بين المقصر والغالي. . . . . وقد يكون الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر فذلك محرم أيضا " (٤) .
стр. 54
قلت: وهذا الكلام من الإمام الجصاص تفصيل ما منه بد سواء من حيث حكم الأكل والشرب في الأصل، وأنه قد يكون واجبا وقد يكون مباحا.
أو من حيث حكم الإسراف فيهما، وأنه قد يكون أكلا للحرام وقد يكون بالإفراط في الإنفاق، وقد يكون بأكل ما زاد عن الحاجة فما أحسنه من تفصيل!! .
فلنتوقف عند أنواع الإسراف تلك.
أما الإسراف بأكل الحرام وشربه، فهذا سرف وطغيان وشهوانية حيوانية لا تنضبط بعقل ولا شرع.
فأكل الربا مثلا والميسر والرشوة، والغش التجاري والتحايل على أموال الغير، كل ذلك أكل لأموال الناس بالباطل وهو إسراف دون شك.
وكذلك أكل الخنزير والميتة وسباع البهائم والطيور والخمر ونحو ذلك كله إسراف وتجاوز لحدود الله.
واغتصاب أموال الغير وأملاكهم والتعدي عليها بأي لون من ألوان التعدي والاحتيالات كله إسراف.
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] (١) .
وأما الإسراف في الإنفاق فهو كما أسلفنا إما أن يكون في معصية أو طاعة أو مباح، ووقفنا على شيء من تفصيلها.
لكن تهمنا الإشارة هنا إلى ما يتعلق بالأكل والشرب، إذ مما يلحظ أن كثيرا من الناس يسرف في الإنفاق في شراء المواد الغذائية بطريقة غير معقولة ولا مقبولة، مما لا يحتاجه ولا يمكن أن يستهلكه على المدى البعيد، الأمر الذي يعرضها للفساد، أو يتسبب في حصول الملل منها وعزوف النفس، فيتخلص
стр. 55
منها بطرق غير صحيحة، قد يكون أسهلها رميها في القمامة.
وتبرز هذه الظاهرة بصورة أشد عند المواسم والمناسبات، ففي رمضان مثلا يتجه الناس أو أكثرهم إلى شراء المواد الغذائية وتخزينها بكميات ضخمة جدا تستلفت الأنظار.
ففي مجلة الدعوة السعودية (١) عملت إحدى الفاضلات تحقيقا حول (النساء والموائد في رمضان) وكان مما جاء في التحقيق:
١ - تقول امرأة إنها كانت تنفق في رمضان عشرة آلاف ريال على شراء الأغراض التي تحتاجها لإعداد الأكلات المتنوعة.
٢ - وتقول أخرى: إنها اشترت ثلاثة كتب (طبخ) منوعة في رمضان، ومعروف أن ثمن الكتاب الواحد يتجاوز مائة ريال في الغالب.
٣ - وتقول ثالثة: إنها تتابع الصحف والمجلات والتلفاز باستمرار للتعرف على طبخات جديدة.
قلت: وكل ذلك - وشبهه - مما يحول هذا الموسم الجليل - شهر رمضان - إلى موسم موائد، وتقاليد شعبية تذهب بهاء العبادة وقدسيتها، وذلك هو الخسران المبين.
أما المناسبات كالأعياد والزواج ونحوهما فلهما مساحة عريضة للإسراف.
وسيأتي الحديث عنها.
" وخلاصة المسألة أن التدافع لشراء الحاجات لشهر رمضان يعد محظورا إذا كان يؤدي إلى الإسراف في الأكل والشرب لما في ذلك من الضرر للنفس، ناهيك عما فيه من مخالفة لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من نهي عن الإسراف، أما القول بأن البعض قد يستهين بالزائد من الطعام والشراب فهو أيضا محرم بل شديد التحريم لما في ذلك من عدم شكر الله، ولما فيه من الكفر
стр. 56
بنعمه، والاستهانة بها " (١) .
ذلك عما يتعلقّ بالإسراف في أكل الحرام وشربه، وفي الإنفاق على المواد الغذائية.
أما الإسراف بأكل ما زاد عن الحاجة وشربه فهو داخل في النهي في قوله تعالى:. . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]
يقول القرطبي (ت ٦٧١ هـ) : " قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة.
فأما ما تدعو الحاجة إليه وهو ما سد الجوعة، وسكن الظمأ فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل. . . . . وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه، قال ابن العربي: وهو الصحيح فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان " (٢) .
وقد تقدم (٣) قبل قليل نحو من هذا الكلام وأوسع منه عن أبي بكر الجصاص.
والإسراف هذا له أضرار بدنية ظاهرة.
ولهذا فإن الآية الكريمةَ المتقدمة. . . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] جاءت بنظام دقيق محكم بشأن الأكل والشرب، زاده إيضاحا الحديث الصحيح: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (٤) .
стр. 57
يقول القرطبي: " قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا، فقال له: ما هي؟ قال قوله :. . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً " (١) .
ونرجئ الحديث عن الأضرار البدنية للإسراف في الطعام والشراب إلى مبحث الآثار السلبية للسرف.
على أنه لا تفوتنا الإشارة هنا إلى أنواع الإسراف في الطعام والشراب، فدونك أهمها:
١ - إسراف من جهة الكم، بحيث يأكل الإنسان إلى حد الامتلاء، ومن ثم يتحول إلى عادة وذلك شره حيواني، يمقته العقلاء.
فعن ابن عمر قال: «تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: " كُفَّ عنا جُشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطْوَلُهم جوعا يوم القيامة» (٢) .
٢ - إسراف من جهة النوع.
كالمداومة على نوع من أنواع الأغذية، وترك الأنواع الأخرى كمن يداوم على النشويات مثلاً، أو السكريات، أو اللحوم وهذا فيه أضرار صحية بالغة.
٣ - إسراف في التكثير من ألوان الأغذية في كل وجبة، وصرف الأموال
стр. 58
الباهظة في تحصيلها.
يقول عمر بن الخطاب ﵁: " كفى بالمرء إسرافا أن يأكل كل ما اشتهى " (١) .
٤ - طلب الأغذية المحرمة كالخنزير والخمر، واستبدالها بالمباحات (٢) .
(٢) وأما اللباس فهو من أعظم نعم الله على عباده.
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] (٣) .
قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) : " يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوءات، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات، قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب " (٤) .
ثم خرج ابن كثير من مسند الإمام أحمد قوله ﷺ : «من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا» (٥) .
وتسري الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة - الوجوب والندب والإباحة
стр. 59
والتحريم والكراهة - على اللباس (١) .
فإنه يجب منه ما يستر العورة لكل من الرجل والمرأة، بشرط ألا يكون من المحظورات، كالمواد النجسة، أو الحرير والذهب بالنسبة للرجل، أو يكون فيه تشبه بالكفرة والفجرة، أو تشبه الرجل بالمرأة أو العكس.
ويندب منه أخذ الزينة والتجمل عند أداء الصلاة وقراءة القرآن والأعياد ونحو ذلك.
ويكره إذا كان فيه إسراف يسير في المباح.
ويحرم إذا كان للفخر والخيلاء أو كان محرما في ذاته كالحرير والذهب بالنسبة للرجل. ويباح منه ما عدا ذلك.
والإسلام يدعو إلى التوسط في اللباس وينهى عن الإفراط أو التفريط فيه.
والقاعدة هنا ما جاء في الحديث: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» (٢) .
وقول ابن عباس: " كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة " (٣) .
وإذا كان التقصير والتفريط مذموما هنا كما يفعل كثير من العباد المتصوفة، وأهل الشح والبخل، فإن الإسراف والإفراط في اللباس مذموم أيضا.
ويتجلى الإسراف هنا في صور عديدة، من أبرزها:
١ - لبس ما يحرم لذاته، كالحرير والذهب بالنسبة للرجل.
٢ - مجاوزة الحد المشروع في اللباس، كجر الثوب، ولبس ثوب الشهرة.
٣ - مجاوزة الحد المعقول، والمألوف في اللباس المباح.
стр. 60
٤ - إهمال الملابس وتعريضها للتلف.
وعصرنا هذا قد أصبح معتركا للتنافس والتباهي في مجال اللباس، حيث ظهور الأزياء المتجددة، والموديلات المنوعة، والموضات والصرعات.
وأبرزت هذه المظاهر تحت أسماء غريبة ولامعة، حتى انساق وراءها ودخل معتركها كثير من الشباب المسلم وأكثر النساء المسلمات، بلا وعي ولا بصيرة، فأخذوا ينفقون فيها النفقات الباهظة، ويظهرون بمظاهر تثير العجب، محاكاة لمن يسمون بالمشاهير، من فئات مختلفة في مجالات: الفن والتمثيل والرقص والرياضة وعارضات الأزياء. . وهلم جرا.
وقد ترى فيهم من التلون في المظاهر والمخابر ما يشككك في عقولهم بل وفي إنسانيتهم، وربما أوقعتك الحيرة بين الضحك والبكا.
ولكنه ضحك كالبكا
(٣) وأما المسكن فإنه من نعم الله تعالى على عباده أيضا.
قال : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] (١) .
يقول القرطبي (ت ٦٧١ هـ) : " قوله (جعل لكم) معناه صير وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت، وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت المدن، وهي التي للإقامة الطويلة، وقوله (سكنا) أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره إلا أن القول خرج على الغالب وعد هذا في جملة
стр. 61
النعم. . . . ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة. . . . فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠] أي من الأنطاع والأدم بيوتا يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار. " (١) .
لذا كان من طبع الإنسان أن ينشئ البيوت ويسكن إليها وفيها، رغبة في القرار والاستتار والاحتماء.
ونظرا لهذه الأهمية جعل الإسلام لها حرمة عظيمة، بحيث لا يدخلها غير صاحبها إلا بإذن.
وغني عن البيان أن الإسلام - وهو دين الوسطية - يندب إلى اتخاذ البيوت المعتدلة قوة واتساعا، ومظهرا.
فإذا كان من غير المقبول عقلا أن يعيش الإنسان في مكان لا يحقق غرضه بسبب ضيقه أو فساده أو قذارته، فكذلك لا يستحسن شرعا أن يتباهى الناس في البنيان ويتطاولوا فيه، وينفقوا فيه أموالهم التي يحتاجونها في أمور ضرورية أخرى.
وقد وردت آثار نبوية تحذر من ذلك.
ومنها ما جاء عن عبد الله بن عمرو قال: «مر بي رسول الله ﷺ وأنا أطين حائطا لي أنا وأبي، فقال: " ما هذا يا عبد الله؟ " فقلت يا رسول الله، شيء أصلحه، فقال " الأمر أسرع من ذاك» (٢) ".
غير أن البناء المعتدل وإن كان واسعا فإنه من المباحات. فقد قال ﵊: «من سعادة المرء، الجار الصالح، والمركب الهني، والمسكن الواسع» (٣) .
стр. 62
وليس ذلك من الإسراف في شيء (١) .
قال ابن مفلح المقدسي (ت ٧٦٣ هـ) : " اعلم أن المسكن لا بد للإنسان منه في الجملة، فيجب تحصيله لنفسه ولمن تلزمه نفقته، ومثل هذا يعاقب على تركه ويثاب على فعله، وموته عنه كبقية ماله المخلف عنه لورثته يثاب عليه. . . وأما الزيادة على ذلك فإن كانت يسيرة لا تعد في العادة والعرف إسرافا واعتداء ومجاوزة للحد فلا بأس بها ولا تكره، وهل يثاب عليها؟ يحتمل وجهين " (٢) .
والمتأمل في واقع الحضارات العالمية - قديمها وحديثها - يلحظ من خلال ما يراه ويدركه من العمران الحي أو ما بقيت آثاره وأطلاله، أن البشر - ومنهم المسلمون - كانوا يتنافسون في البنيان والعمران إشادة وزخرفة، وأن ذلك كان من مظاهر الترف عندهم، لكن المسلمون كما يقول ابن خلدون (٣) (ت ٨٠٨ هـ) : " كان الدين أول الأمر مانعا من المغالاة في البنيان والإسراف فيه في غير القصد. . . فلما بعد العهد بالدين والتحرج في أمثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة الملل والترف واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف فحينئذ شيدوا المباني والمصانع، وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم ينفسح الأمر لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلا قليلا، وليس كذلك غيرهم من الأمم، فالفرس طالت مدتهم آلافا من السنين وكذلك القبط والنبط. . . طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم ".
والمجتمعات المسلمة في عهدها الحاضر يعصف بها تياران متعارضان، أحدهما: تيار الفقر والخوف والاضطهاد، كما هو ملحوظ في بعض البلدان التي
стр. 63
انخرم فيها زمام الأمن وتسلط عليها العدو وتسلق عليها أقزام البشر (١) .
وهؤلاء يعيش كثير منهم بلا مأوى ولا استقرار.
التيار الثاني: تيار الغنى والترف، وهو ملحوظ في البلاد الغنية بالثروات الطبيعية، وهنا تلحظ تنافساً في البناء سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.
بحيث ينفق في تشييدها الملايين من الريالات، وقد تكون هذه النفقات ديونا في ذمة صاحب البناء. الأمر الذي يثقل كاهله، ويحمله من الهموم والغموم ما ينغص حياته وحياة أسرته، (ولا أفدح من دين) كما تقول العرب.
ولعل هذا ما يومئ إليه خباب بن الأرت ﵁ (ت ٣٧ هـ) في قوله: " إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في التراب " (٢) .
(٤) وأما المركب - وهو ما يركب عليه في البر والبحر والجو - فإنه من أجل نعم الله على الناس.
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ - لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ - وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤] (٣) .
وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] (٤) .
يقول الشيخ الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ) عند قوله تعالى:. . ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] " ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم
стр. 64
المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية كالطائرات والقطارات والسيارات " (١) .
أجل. . منذ بدء القرن العشرين لميلاد المسيح ﵇ ظهرت وسائل جديدة للمواصلات لم تكن معروفة من قبل، وبانتشارها وتكاثرها هجرت وسائل الركوب الحيوانية في معظم المجتمعات الإنسانية، وحلت محلها تلك الوسائل الحديثة.
تم أخذت بالتطور والتحديث حتى صارت مجالا للتنافس بين الشركات المنتجة والمصنعة، ومن ثم التنافس بين المستهلكين، وعلى رغم غلاء أسعار كثير منها إلا أن ذلك لم يقف حائلا دون التباهي والمفاخرة من لدن كثير من الأفراد الشباب والمؤسسات المختلفة في وسيلة السيارات بوجه خاص.
وتبرز صور الإسراف هنا في:
١ - اختيار النوع الفاره والفاخر من السيارات، مما لا يطيقه المستهلك، بل قد لا يطيق معشاره.
٢ - الاستكثار من السيارات مما لا يدعو إليه حاجة.
٣ - تجديد الوسيلة (السيارة) في كل سنة أو سنتين مع كونها جديدة قوية، دون سبب معقول، اللهم إلا الركض وراء كل جديد والتفاخر به أمام الأقران.
٤ - عدم العناية بها وإهمال صيانتها، بحيث يسرع إليها الخراب.
ولا سيما إذا كانت السيارة ليست ملكا له، بل تابعة لمؤسسة خاصة أو حكومية.
وهذا فوق كونه إسرافا فإنه خيانة للأمانة التي عهدت إليه، وهي قيادة
стр. 65
السيارة، أو صيانتها.
٥ - التكلف في مظهر السيارة، مما يدخل تحت اسم (زينة السيارات) حتى لقد يوازي ذلك قيمة السيارة ذاتها.
٦ - عدم استعمالها على الوجه الصحيح، بل بطرق عشوائية جنونية لا تلتزم بقواعد السير وأنظمته.
ومن ذلك ما يعرف بالتفحيط، الذي أصبح ظاهرة عند كثير من الشباب الذي يملك السيارة من قبل الغير، ولم يدفع في شرائها شيئا يحسب له حسابه.
ومن هنا، وفي ضوء تلك المظاهر المؤلمة، أصبحت هذه الوسيلة (السيارة) مصدر خطر على الأفراد والجماعات، حيث كثرت الحوادث المرورية داخل المدن وخارجها، وأنتجت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
(٥) والمجال الخامس يتعلق بالمآتم، وهي جمع المأتم وهو: كل مجتمع في حزن أو فرح (١) .
وجاء في المعجم الوسيط: (٢) " المأتم: الجماعة من الناس في حزن أو فرح، وغلب استعماله في الأحزان ".
" والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، ويضاده الفرح " (٣) .
ومن حكمة الإسلام ووسطيته وواقعيته أنه يقر إظهار الفرح والسرور، والحزن والأسف عند وجود سبب كل منها.
إذ الإنسان قد طبع على ذلك وجبل عليه، فإنه يفرح بما يسره ويحزن لما يسوؤه.
стр. 66
بيد أن الإسلام قد نظم ذلك كله ولم يتركه للأهواء والأعراف والتقاليد.
ففي ما يتعلق بالأفراح فإن مجالها رحب واسع، فالمسلم يفرح بكل نعمة أنعمها الله عليه، كالشفاء من مرض، ورزق ولد، ومال، بل وبأدائه لطاعة من الطاعات وتوبته من معصية وغير ذلك. ففي الحديث: «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» (١) .
وقد تكون مظاهر الفرح فردية شخصية أو عائلية أو اجتماعية، وهكذا بالنسبة لمظاهر الحزن.
ومن أسباب الفرح الجماعي: انتصار المسلمين وهزيمة الكافرين، وكذا انتصار من فيه نصرة للمسلمين، وهزيمة من كان في هزيمته خذلان للعدو.
قال : ﴿الم - غُلِبَتِ الرُّومُ - فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ - فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ - بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١ - ٥] (٢) .
ويوم بدر تبع النبي ﷺ رجل من المشركين كان له قوة وجلد ففرح بذلك أصحاب رسول الله ﷺ (٣) .
ومن المناسبات العامة لدى المسلمين الأعياد، وقد حددها الشارع في عيدين اثنين كل عام، هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، بالإضافة إلى عيد الأسبوع: يوم الجمعة.
فليس - إذاً - لأحد أن يشرع أعياداً غيرها، فإن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] (٤) .
стр. 67
" وهي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر " (١) .
وللمسلم أن يظهر معالم الفرح والسعادة في الأعياد - ومثلها أفراح الزواج ونحوها - بشرط ألا يدخل حوزة المحظورات، " فله الحق في التمتع بالملابس الجديدة والمآكل الطيبة، واللهو البريء، الذي لا يخدش عرضا ولا يقتحم كرامة، ولا يمس حرمة، اقتضاء لحق الطبيعة البشرية في ترويض البدن والترويح عن النفس " (٢) .
ذلك ما يتعلق بالأفراح، أما الأحزان فمجالها في الإسلام ضيق لأن الأصل عدمه، وهو طارئ على الإنسان لأمر يهمه ويقلقه ويدخل في قلبه الغم والكآبة (٣) .
ولذا جاء النهي عنه في آيات عديدة من كلام الله.
كقوله تعالى:. . ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] (٤) .
وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٥) .
وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن. . .» (٦) .
لكنه واقع لا محالة، فعن عبد الله بن عمر قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي
стр. 68
وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: " ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» (١) .
وهكذا نرى أن الفرح والحزن ينتابان الإنسان، وأن الأول أكثر من الثاني.
غير أن لكل منهما شروطا لا يسوغ التفريط بها، من أهمها:
١ - ألا يتحول الفرح إلى أشر وبطر وغرور.
كما قال تعالى في سياق قصة قارون:. . ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] (٢) .
وهكذا الحزن لا يتحول إلى مأتم يجدد الأحزان ويذكر بها ويوهن النفوس ويزيدها كآبة.
٢ - ألا يترتب على أي منها مفسدة دينية أو دنيوية كالاختلاط بين الجنسين، وشرب الخمور والمخدرات والمفترات، أو النياحة والنعي، ونحو هذا.
٣ - ألا يصاحب الأفراح إسراف في النفقات.
أما الأحزان فالبذل فيها إسراف مهما قل.
والمتأمل في واقع المجتمعات المسلمة لا ينتهي به العجب حين يرى الإسراف في هذا المجال (الأفراح والمآتم) فإن ما ينفق عليها يشكل نسبة كبيرة من جملة النفقات سواء من قبل الأفراد أو الجماعات.
وإذا كانت المآتم تشكل عبئاً ثقيلا في النفقات، وتعقيدا في إجراءات المراسم (والبروتوكولات!!) في كثير من المجتمعات المسلمة، فإن الأمر في منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص ربما برز فيه العبء الأكبر في جانب الأفراح، نظرا
стр. 69
لعدم الاهتمام فيها بجانب الأحزان والمآتم - وتلك محمدة ومكرمة - أما الأفراح في هذه المنطقة ولا سيما الأعياد والزواجات فحدث عن الإسراف فيها ولا حرج.
ومن صور الإسراف هنا:
المغالاة في المهور، ودفع الأموال الباهظة للمرأة وأهلها، بصورة تثير الدهشة.
فهذا يدفع مليون ريال، وذاك يدفع نصفه، وثالث يعطي كيلا من الذهب وعشرا من السيارات، وقصرا مشيدا وهكذا.
ويزيد الأمر نكاية إعلان ذلك في وسائل الإعلام.
وهذا يذكرنا بزواج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل الذي أنفق فيه من الأموال ما يصعب حصره على أهل الإحصاء (١) .
المبالغة في الولائم من الأغنام والجمال وغيرها، في الزواج الواحد بما يكفي الزواجات المتعددة.
وكم نشاهد ذلك في جل مناسبات الزواجات، حتى أصبح ذلك معروفا عند أكثر الناس.
وكان من آخر ما رأيته، أن أحد هذه الأعراس قدم فيها خمس وثلاثون رأسا من الغنم لجملة الحاضرين الذين لم يتجاوزوا المائة.
ما يصاحب العرس والفرح من الأغاني والموسيقى والرقص مما لا تقره الشريعة.
هذا بالإضافة إلى المنكرات السافرة التي تختلط بالفرح، ومن أهمها: الاختلاط بين الجنسين، وتبرج النساء وسفورهن، والتصوير، وشرب المخدرات والمفترات، وظهور العروسين وهما بأبهى زينة - أمام الجمهور من الرجال أو
стр. 70
النساء وتقبيل الزوج لزوجته أمامهم، والصفير المزعج من الشباب والنساء.
وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر (١) .
وقد صدر من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية قراران بشأن غلاء المهور في هذه البلاد الكريمة: أولهما بتاريخ ٤ / ٤ / ١٣٩٧ هـ. والثاني بتاريخ ٦ / ١١ / ١٤٠٢ هـ ونظرا لأهميتهما أثبتهما هنا، عسى أن يتخذ منهما قراء هذا البحث نبراسا للاقتداء والعمل.
قرار رقم٥٢ وتاريخ ٤ / ٤ / ١٣٩٧ هـ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطلع في دورته العاشرة المعقودة في مدينة الرياض فيما بين يوم ٢١ / ٣ / ١٣٩٧ هـ و٤ / ٤ / ١٣٩٧ هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة في هيئة كبار العلماء في موضوع تحديد مهور النساء بناء على ما قضى به أمر سمو نائب رئيس مجلس الوزراء من عرض هذا الموضوع على هيئة كبار العلماء لإفادة سموه بما يتقرر وجرى استعراض بعض ما رفع للجهات المسئولة عن تمادي الناس في المغالاة في المهور والتسابق في إظهار البذخ والإسراف في حفلات الزواج وبتجاوز الحد في الولائم وما يصحبها من إضاءات عظيمة خارجة عن حد الاعتدال ولهو وغناء بآلات طرب محرمة بأصوات عالية قد تستمر طول الليل حتى تعلو في بعض الأحيان على أصوات المؤذنين في صلاة الصبح وما يسبق ذلك من ولائم الخطوبة وولائم عقد القران كما استعرض بعض ما ورد في الحث على تخفيف المهور والاعتدال في النفقات والبعد عن الإسراف والتبذير فمن ذلك قول الله تعالى: (. . . ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] ومن السنة ما رواه
стр. 71
مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا. قالت: أتدري ما النشا؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم» . وقال عمر ﵁: «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ زوج امرأة رجلا بما معه من القرآن» .
وروى الترمذي وصححه: «أن عمر ﵁ قال: لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت لك على القربة» . والأحاديث والآثار في الحض على الاعتدال في النفقات والنهي عن تجاوز الحاجة كثيرة معلومة، وبناء على ذلك ولما يسببه هذا التمادي في المغالاة في المهور والمسابقة في التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة وتعدادها قبل الزواج وبعده، وما صاحب ذلك من أمور محرمة تدعو إلى تفسخ الأخلاق من غناء واختلاط الرجال بالنساء في بعض الأحيان، ومباشرة الرجال لخدمة النساء في الفنادق إذا أقيمت فيها مما يعد من أفحش المنكرات، ولما يسببه الانزلاق في هذا الميدان من عجز الكثير من الناس عن نفقات الزواج فيجرهم ذلك إلى الزواج من مجتمع لا يتفق في أخلاقه وتقاليده مع مجتمعنا فيكثر الانحراف في العقيدة والأخلاق، بل قد يجر هذا التوسع الفاحش إلى انحراف الشباب من بنين وبنات، ولذلك كله فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى ضرورة معالجة هذا الوضع معالجة جادة وحازمة بما يلي:
١ - يرى المجلس منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من
стр. 72
آلات اللهو وما يستأجر له من مغنين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر.
٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام، وأن يرغب الناس في تخفيف المهور ويذم لهم الإسراف في ذلك على منابر المساجد وفي مجالس العلم وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس بالأكثرية معاقبة من أسرف في ولائم الأعراس إسرافا بينا، وأن يحال بواسطة أهل الحسبة إلى المحاكم لتعزر من يثبت مجاوزته الحد بما يراه الحاكم الشرعي من عقوبة رادعة زاجرة تكبح جماح الناس عن هذا الميدان المخيف؛ لأن من الناس من لا يمتنع إلا بعقوبة، وولي الأمر وفقه الله عليه أن يعالج مشاكل الأمة بما يصلحها ويقضي على أسباب انحرافها، وأن يوقع على كل مخالف من العقوبة ما يكفي لكفه.
٥ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور والترغيب في ذلك على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام، وذكر الأمثلة التي تكون قدوة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر أو اقتصر على حفلة متواضعة لما في القدوة من التأثير.
٦ - يرى المجلس أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير فإن عامة الناس لا يمتنعون من ذلك؛ لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم فعلى ولاة الأمر أن يبدأوا في
стр. 73
ذلك بأنفسهم ويأمروا به ذوي خاصتهم قبل غيرهم، ويؤكدوا على ذلك اقتداء برسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم واحتياطا لمجتمعهم لئلا تتفشى فيه العزوبة التي ينتج عنها انحراف الأخلاق وشيوع الفساد، وولاة الأمر مسؤولون أمام الله عن هذه الأمة، وواجب عليهم كفهم عن السوء ومنع أسبابه عنهم، وعليهم تقصي الأسباب التي تثبط الشباب عن الزواج ليعالجوها بما يقضي على هذه الظاهرة، والحكومة أعانها الله ووفقها قادرة بما أعطاها الله من إمكانات متوافرة ورغبة أكيدة في الإصلاح أن تقضي على كل ما يضر بهذا المجتمع أو يوجد فيه أي انحراف، وفقها الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته وإصلاح عباده وأثابها أجزل الثواب في الدنيا والآخرة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
قرار رقم ٩٤ وتاريخ ٦ / ١١ / ١٤٠٢ هـ الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: -
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته العشرين المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من الخامس والعشرين من شهر شوال حتى السادس من شهر ذي القعدة عام ١٤٠٢هـ، نظر في ظاهرة غلاء المهور وما ينبغي أن يتخذ بشأنها بناء على كتاب صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس الوزراء الموجه لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ١٦٩٤٧ وتاريخ ١٦ / ٧ / ١٤٠٢ هـ المتضمن رغبة سموه في إحالة الموضوع إلى مجلس هيئة كبار العلماء لدراسته وإصدار توصية بشأنه، وذلك بعد اطلاع المجلس على نتائج الأعمال والدراسة التي تقدمت بها اللجنة المشكلة بالأمر السامي رقم ٩٠٤٢
стр. 74
وتاريخ ١٤ / ٤ / ١٤٠٢ هـ، واطلع على كتاب معالي وزير العدل برقم ٣٠٥٦ / ٥ / خ وتاريخ ٦ / ١٠ / ١٤٠٢ هـ والأوراق المرافقة له المتضمنة بعض الدراسات والمقترحات الصادرة من جهات متعددة من الجامعات وغيرها، كما اطلع على الكتاب الوارد من صاحب السمو الملكي نائب وزير الداخلية برقم ١٧ / ٦٦٠٦ وتاريخ ١١ / ٢ / ١٤٠٢ هـ، وكتاب سموه رقم ١٧ / ٢٣٩٨٤ وتاريخ ٢٥ / ٥ / ١٤٠٢ هـ، واطلع على كتاب معالي وزير العدل برقم ١٠٠٠وتاريخ ٢ / ٩ / ١٤٠٢ هـ، وكتاب سمو نائب أمير مكة المكرمة رقم ٣٩٣٦ / ٥ / ٤ وتاريخ ١٣ / ١٠ / ١٤٠٢ هـ المشفوع بكل واحد منها اتفاق لبعض القبائل على تحديد المهور فيها حسب ما رأته كل قبيلة، ثم رجع المجلس إلى قراره رقم ٥٢ وتاريخ ٤ / ٤ / ١٣٩٧ هـ واستعرض المقترحات والحلول التي جاءت فيه، وبعد الدراسة وتداول الآراء في الموضوع رأى المجلس ما يلي: -
أولا: يؤكد المجلس ما أصدره بقراره رقم ٥٢ في الأمور التالية: -
أ - منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من آلات اللهو وما يستأجر له من مغنين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه ومعاقبة فاعله.
٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها، ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات، ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا المنكر.
٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام. وأن يرغب الناس في تخفيف المهور، ويذم لهم الإسراف فيها على منابر المساجد وفي مجالس العلم وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام.
٤ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور والترغيب في ذلك على منابر
стр. 75
المساجد وفي وسائل الإعلام وذكر الأمثلة التي تكون قدوة حسنة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر، واقتصر على حفلة متواضعة لما في القدوة الحسنة من التأثير.
٥ - يرى المجلس أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم وذوي الثراء فيهم، وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير فإن عامة الناس لا يمتنعون؛ لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم.
ثانيا: يرى المجلس بالإضافة إلى ما سبق أن تمنع الدولة وفقها الله إقامة حفلات الزواج في الفنادق ودور الأفراح لما يحصل في كثير منها من المنكرات ولما في إقامتها فيها من السرف وإنفاق الأموال الطائلة التي تزيد على المهور نفسها في بعض الأحيان، ولما لها من الأثر الكبير في ارتفاع تكاليف الزواج. ويؤكد المجلس مرة أخرى دعوته للقادة والعلماء والوجهاء أن يسهم كل منهم بنصيبه في حل هذه المشكلة، ويكون قدوة حسنة في أمور الزواج، وليعلموا أن لهم من الله أجرا عظيما إذا هم صدقوا في ذلك وسنوا سنة حسنة في عباده كما أن عليهم الإثم والعقاب إذا خالفوا هدي رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
ثالثا: أما ما يتعلق باتفاق بعض القبائل على مهور محددة وطرائق معينة، فإن المجلس ما عدا واحدا من أعضائه رأى ما يلي: -
أ - الموافقة على ما تتراضى عليه كل قبيلة في تحديد المهور على أن يكون ما تتفق عليه مناسبا لحال تلك القبيلة بأن لا يكون فيه مغالاة وأن يكون ما تم الاتفاق عليه ساريا على أفراد تلك القبيلة.
ب - يعتبر ما تراضى عليه كل قبيلة حدا أعلى للمهر بالنسبة لتلك القبيلة