[المقدمة]
المشروع والممنوع في المسجد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
أحمده سبحانه وأشكره، أمر بإقامة شعائر الدين، وأثنى على عمار المساجد من المسلمين، ورتب على ذلك الأجر الجزيل والفضل العميم.
وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، الذين انطلقوا من المساجد علماء ودعاة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاستجابة لطلب معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بمشاركتهم في ندوتهم المباركة التي تنظمها بالتعاون مع كلية العمارة
стр. 2
والتخطيط بجامعة الملك سعود بالرياض، بعنوان: عمارة المساجد. . وأن تكون مشاركتي في محاضرة بعنوان: المشروع والممنوع في المسجد.
ولما لهذا الموضوع من أهمية كبيرة تنبع من أهمية المسجد في الإسلام من كونه مقرًا لأداء الركن الثاني من أركان الإسلام، وميدانًا للعلم والتعليم، والتربية والتوجيه، ومكانًا للملتقيات التربوية والعلمية والفكرية، ومحلًا للاعتكاف والعبادة والمناجاة والتشاور والتحاور.
أقول: لهذا جعلت عناصر هذه المحاضرة على النحو التالي:
تمهيد في: المراد في المسجد، ومكانته في الإسلام، وفضل عمارته الحسية والمعنوية.
والمبحث الأول في المشروع في المسجد.
والمبحث الثاني: المشروع في عمارة المساجد.
والمبحث الثالث في الممنوع في المسجد.
والمبحث الرابع في وقفات متفرقة.
стр. 3
وخاتمة أجمل فيها بعض التوصيات التي أراها مناسبة.
وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا أعمالنا ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، إنه سميع مجيب وهو المستعان.
كتبه
فالح بن محمد بن فالح الصغير
الرياض ٢٥ / ٧ / ١٤١٩ هـ
стр. 4
[التمهيد]
التمهيد المراد بالمسجد المسجد في الأصل اللغوي: موضع السجود، وكل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (١) .) .
أما في الاصطلاح الشرعي، فيطلقه بعض أهل العلم على كل موضع من الأرض، انطلاقًا من الحديث السابق، وهذا صحيح بالنظر إلى جواز الصلاة والعبادة فيه، ولكن بالنظر إلى ما اصطلح عليه اسم: (مسجد) ، وأخذ أحكامًا خاصة، فلا يبقى هذا المفهوم دقيقًا.
ويمكن أن يعرف المسجد بأنه بقعة من الأرض، مخصصة لأداء العبادة فيه، متحررة من التملك الشخصي. وعلى هذا فيكون المسجد بقعة من الأرض ليست ملكًا لأحد، وتؤدى فيه مهمات عبادية ودعوية وتربوية وغيرها.
стр. 5
[مكانة المسجد وفضل عمارته حسًا ومعنى]
مكانة المسجد وفضل عمارته حسًا ومعنى للمسجد مكانة عظمى، وأهمية بالغة في دين الله فهو مكان لا غنى للمسلمين عنه إذ هو محل أداء شعائرهم التعبدية من الصلاة والاعتكاف، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، وهو منطلق الهداية والتوجيه، وميدان العلم والتعليم، ومنبت التربية والتثقيف، وينبوع العلم والمعرفة والتثقيف، وهو النور المشع في قلوب المؤمنين، وهو ميدان تخريج العلماء والأبطال والقادة والمفكرين، وهو ساحة التقاء المسلم بأخيه المسلم، على منهج الله تعالى، وعلى عبادة الله تعالى، فهذه الوظيفة العليا، بل الوظائف الكبرى للمسجد تدل على أهميته وعظم منزلته، ولذلك فضل الله المساجد، ورغب في عمارتها، وجعل الأجر الجزيل على بنائها- حسيا ومعنويًا - وأشاد بعمارها والمهتمين فيها.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] (١) .
стр. 6
وقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] (١) .
ولأهميتها نسبها الله تعالى إليه، فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٢) .
ومما يدل على مكانتها ورفعة شأنها أن عُمَّارها هم صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨] (٣) .
وقد ندب الرسول ﷺ لعمارتها، جاء في الصحيحين عن عثمان بن عفان ﵁ قال: «سمعت النبي ﷺ يقول: (من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في
стр. 7
الجنة) » (١) . وعند ابن ماجه وأحمد مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» (٢) .
ولفضلها رغب ﷺ في التعليم فيها وجعلها أفضل دار للعلم والتعليم فقد روى مسلم وغيره مرفوعًا: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» ) (٣) .
ومما يدل على أهميتها وفضلها أن الملائكة تشهد الصلاة فيها، وتحضر كما جاء في الصحيح في فضل صلاة الجمعة أنه إذا دخل الإمام دخلت الملائكة تستمع الخطبة (٤) .
وكذلك الأمر بتنزيهها من الروائح الكريهة، ولو كانت غير محرمة مثل نهي الرسول ﷺ عن أكل البصل والثوم، فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن
стр. 8
مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» (١) .
ولأهميته وعظيم مكانته كان من الأعمال الأولى للدولة الإسلامية التي باشرها الرسول ﷺ عندما هاجر إلى المدينة النبوية فأسس مسجده ﷺ إذ جعله الملتقى الأعظم لصحابته الكرام.
ولمزية هذا المسجد كان أحب البقاع إلى الله تعالى كما ورد: «أحب البقاع إلى الله مساجدها» (٢) . ولهذا كان الوقوف عليه من أفضل الأعمال المستحبة التي يقدمها العبد في دنياه وآخرته، كما أن صيانتها وتنظيفها وتعاهدها سبب لدخول الجنة.
стр. 9
[المبحث الأول المشروع في المسجد]
[الصلاة فيه]
المبحث الأول
المشروع في المسجد ١ - الصلاة فيه: من أهم وظائف المسجد أداء الصلاة فيه بالنسبة للرجال جماعة الذي جعلها بعض أهل العلم فرض عين على كل مسلم- أعني صلاة الجماعة- ومكان تأدية صلاة الجماعة هو المسجد، بل قد جعل بعضهم تأديتها في المسجد شرطًا لا تصح الصلاة إلا به.
وهذه المسألة لا تحتاج إلى استفاضة في الأدلة، ويكفي أن نشير إلى أن الساعي إلى المسجد لأداء الصلاة ينال أجرًا عظيمًا، فكيف بالصلاة فيه، روى الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: «من غدا أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح» (١) . وما رواه مسلم مرفوعًا: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد» (٢) .
стр. 10
وجاء في سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (١) .
وغني عن القول أن يؤكد على أن صلاة الجمعة لا تصح إلا في المسجد.
[الاعتكاف فيه]
٢ - الاعتكاف فيه: والمراد بالاعتكاف: المكث في المسجد لعبادة الله تعالى.
من نعم الله تعالى على بعض المؤمنين أن يوفقهم لعبادته وطاعته بمختلف أبواب الطاعة الكثيرة، ومنها: المكث في المسجد مدة معينة من الزمن تطول أو تقصر ليصلي ويدعو، ويقرأ القرآن، ويذكر الله تعالى ويتأمل حاله وحال المسلمين ويحاسب نفسه، ويخلو مع خالقه.
هذه العبادات يتفرغ لها العبد ليؤديها في المسجد- أي مسجد- وقد فعلها الرسول ﷺ في رمضان «فاعتكف معه بعض نسائه» كما جاء ذلك في الصحيحين. . وغيرهما.
ولا شك أن لهذه الخلوة الإيمانية أثرًا على الفرد المسلم
стр. 11
في تعامله مع مولاه جل وعلا فيصحح مساره، ويعدل أخطاءه، ويصارح نفسه، ويبكى على خطيئته، ويصفي فؤاده، وينقي قلبه، وتغسل خطاياه، وتمحى ذنوبه، وترفع درجاته، ويظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . . وذكر منهم: «رجل قلبه معلق في المساجد، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (١) .
ولهذه الخلوة أثرها على المجتمع المسلم بأسره فإذا كان نخبة من هذا المجتمع تعاملوا مع ربهم هذا التعامل الفريد، فهذه علامة صحة لهذا المجتمع الذي يربي رجاله هذه التربية الإيمانية القوية.
[خطبة الجمعة]
٣ - خطبة الجمعة: من فضل الله تعالى أن شرع للمسلمين، وأوجب عليهم صلاة الجمعة التي تقام مرة في الأسبوع في يوم الجمعة، ومن أحكام هذه الصلاة إقامة خطبتي الجمعة التي ندب الإسلام
стр. 12
إلى حضورها وشهودها، بل وشدد في وجوب الإنصات لها، قال ﷺ : «إذا قلت لصاحبك - يعني والإمام يخطب- أنصت فقد لغوت» (١) . وقال ﷺ : «من مس الحصا فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» (٢) .
هذا المنبر العظيم الذي ينطلق من يكلف فيه لإسماع المصلين المؤمنين الذين تطهرت أبدانهم وقلوبهم، وجاءوا خاشعين يستمعون الذكر، مع الملائكة الشهود، هذا المنبر يقام في المسجد مقترنًا بهذه العبادة العظيمة الجليلة، ولا يغني عنه أن يقام في أي بقعة كانت، بل ولا تصح كما ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى.
[تحية المسجد]
٤ - تحية المسجد: غني عن القول أن يقال: إن الصلاة النافلة يصح إقامتها في المسجد لكن الأفضل أن تؤدى في البيت فإن من هديه ﷺ تأديتها في منزله.
لكن مما خص به المسجد أن يكون له تحية عند دخوله، وذلك بأداء صلاة ركعتين، كما روى البخاري وغيره عن
стр. 13
أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (١) .
ولا شك أن تأدية هاتين الركعتين لهما أثر على نفسية الفرد الداخل إذ أنه يشعر أنه ولج مكانًا ذا خاصية مميزة فتتهيأ نفسه له فيتعامل معه التعامل المشروع.
[حِفْظ القرآن وتحفيظه]
٥ - حِفْظ القرآن وتحفيظه: من أهم المهمات، وأوضح المشروعات عمله في المساجد إقامة تعلم القرآن وتعليمه، وقراءته وإقراؤه، بشكل فردي يقرؤه الفرد، ويحفظه، أو يحفظه ويقرئه غيره، أو بشكل تدارس جماعي، جاء في السنن: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (٢) .
ووجود هذا الفضل لهؤلاء الأفراد المجتمعين لقراءة
стр. 14
القرآن وتدارسه بسبب وجودهم في هذا المسجد، ولا شك أن العلم المتفرع عن القرآن الكريم داخل في ذلك، وكان رسول الله ﷺ يجلس في المسجد ويستمع لقراءة أصحابه ﵃ ، وهكذا كان الصحابة من بعده يتدارسون القرآن والعلم في المسجد واستمر الأمر على هذه الحال على امتداد التاريخ الإسلامي، ويلحق بقراءة القرآن الكريم، اشتغال الفرد بذكر الله تعالى، حيث تكون القلوب خالية من مشاغلها، فتخبت إلى ربها، متعلقة بمولاها، قال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] (١) .
ويقول الرسول ﷺ في حديث بول الأعرابي- في إحدى رواياته-: «إنما هي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن» (٢) .
ولا يخفى على المسلم فوائد الذكر وبخاصة إذا كان في
стр. 15
بيت من بيوت الله تعالى فهو يصفي القلب، ويطمئنه، ويسكن النفس، ويبعد الشياطين، ويجلو الهم والغم، ويمحو السيئات، ويُكَفِّر الذنوب، وهو أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله تعالى، وأزكاها عنده، وهو خفيف على اللسان، ثقيل في الميزان، حبيب إلى الرحمن، مدخل للجنان، حاجب عن النيران.
ولكن يحذر الإنسان أن ينتقل من الصور الشرعية في الذكر إلى الصور البدعية التي دخلت على كثير من الأقطار الإسلامية، فأوقعهم الشيطان في حبائله البدعية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[تعلم العلم وتعليمه]
٦ - تعلم العلم وتعليمه: ومن مهمات المسجد أنه ميدان للعلم والتعليم، منه تخرج الأفذاذ والعلماء، ومنه انطلق المعلمون، وإليه يأوي المتعلمون، فهو مقر التربية والتوجيه والتعليم.
المسجد يقوم بهذه المهمة منذ عهده ﷺ ، فقد كان يتخذه ﷺ مكانا للتعليم والتربية روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد، والناس معه إذ أقبل
стр. 16
ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد فوقفا على رسول ﷺ ، أما أحدهما فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: (ألا أحدثكم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (١) .
وما ورد في ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا» (٢) .
وعنه أيضًا ﵁ قال: «جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: (إن مما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) » (٣) .
стр. 17
وكان يستقبل فيه الرسول ﷺ الوفود الذين يفدون إليه مسلمين ليتعلموا القرآن الكريم، والسنة النبوية، والأحكام الشرعية، روى البخاري وغيره عن مالك بن الحويرث ﵁ أنه قال: «أتينا رسول الله ﷺ ، ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة فكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم» ) (١) .
وهكذا فكان المسجد في عهد رسول الله ﷺ جامعة تخرج فيها العلماء الأوائل، وتربى فيها الرعيل الأول، وانطلق منها المعلمون إلى ديار الإسلام المختلفة، واستمر حال المسجد كذلك ميدانا للعلم والمعرفة والتربية، بل لم يكن يعرف مقر للتعليم يجمع الناس إلا المسجد، وكون التعليم في المسجد يعطيه خاصية فريدة على غيره إذ أن المكث فيه مع العلم والتعليم يضفي على المتعلم جوًا عباديًا يشعر معه بارتباطه بالله ، إذ أن الدافع معه
стр. 18
إلى هذا التعليم إخلاصه لله ، والانتفاع منه وفيه.
ومن هنا فيمكن التوصية لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تهتم بهذه الوظيفة في المسجد وتنفذها بما يلي:
أ- إنشاء دروس مركزية في الجوامع الكبيرة في علوم الشريعة المختلفة، احتسابًا وبأجر، ويمكن استغلال (المتقاعدين) من أهل العلم في هذا الأمر الجليل.
ب- إنشاء دروس في بقية المساجد يقيمها أئمة المساجد في الآداب والأخلاق، والوعظ والإرشاد.
ج- الاهتمام بمكتبة المسجد، لتكون ناديًا مرتادًا لأبناء الحي الذين يقطنون فيه، وفي بداية الأمر تكون المكتبات في الجوامع الكبيرة.
[المسجد دار للقضاء والفتوى]
٧ - المسجد دار للقضاء والفتوى: ولا تقتصر مهمة المسجد في الأعمال العلمية فحسب بل اتخذه المسلمون دارًا للإفتاء والقضاء، فكانت الوفود الكبيرة المستفسرة عن شؤون دينها، والسائلة في أحكام شريعتها تفد إلى رسول الله ﷺ . روى البخاري وغيره عن أنس ﵁ وكان صغيرًا، قال: «بينما نحن
стр. 19
جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقال: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له رجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ : (قد أجبتك) وقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك، فقال: (سل عما بدا لك) ، فقال: أسألك بربك، ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: (اللهم نعم) فقال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فنقسمها على فقرائنا؟ قال النبي ﷺ : (اللهم نعم) ، فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر» (١) .
وفي الحكم والقضاء يعنون البخاري بابًا سماه: باب من قضى ولاعن في المسجد، ثم قال: ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر
стр. 20
في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر، وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد (١) .
وأورد أيضًا بابًا سماه: باب من حكم في المسجد، وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ في حكمه ﷺ على ماعز ﵁ وهو في المسجد ما ورد بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعًا قال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: (اذهبوا فارجموه) » (٢) .
ومثل الفتوى الصلح بين الناس، وحل مشكلاتهم، وفك نزاعاتهم، وتسوية خصوماتهم، روى البخاري ﵀ عن كعب بن مالك ﵁ «أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف حجرته فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول
стр. 21
الله، قال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: (قم فاقضه) » (١) .
وغير ذلك من النصوص النبوية التي تفيد أن من مهمات المسجد كونه ميدانًا للفتوى، والإجابة عن أسئلة الناس وحل مشكلاتهم وما يطرأ عليهم، ويمكن أن يقترح هنا، أن إمام المسجد يقوم بهذه المهمة الجليلة، أو تسند لأحد العلماء الذين يصلون فيه، ويرجع إليهم عند المحاكم وتبقى جهات محتسبة، وبهذا سنجني الفوائد الظاهرة الآتية:
أ- تخفيف المشكلات بعامة.
ب- تخفيف المراجعات وجهات السلطة.
ج- عدم إطالة وتعقيد المشكلات.
د- سريان روح التفاهم بين المتخاصمين.
هـ- إيجاد سبل للتعاون بين أبناء المجتمع.
و القضاء على كثير من المشكلات والمنكرات.
[المسجد مأوى للمحتاجين وسكن للغرباء]
٨ - المسجد مأوى للمحتاجين وسكن للغرباء: لقد اشتهر في السنّة وجود مكان ملحق بالمسجد يسمى
стр. 22
الصفة في عهد رسول الله ﷺ يأوي إليه من لا سكن له من الفقراء وكان رسول الله ﷺ يرعاهم، ويعطف عليهم ويهدي لهم، ويطلب لهم شيئًا من الصدقة.
روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس ﵁ قال: «قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة» وعطف النبي ﷺ عليهم، وخصهم إياه بالصدقة أمر معلوم في السنة، روى مسلم ﵀ عن جرير ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار (وهي الثياب من الصوف يلبسونها) متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، فتمعر وجه النبي ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية، والآية التي في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: (وبشق تمرة) قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كانت كفه تعجز عنها، بل عجزت، قال: تتابع الناس
стр. 23
حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) » (١) . وقصة الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ في جوعه وملاقاته لأبي بكر وعمر ﵄، ثم ملاقاته للرسول ﷺ مشهورة معلومة. وغيرها مما هو معلوم ومشتهر، فالمسجد رباط يأوي إليه أصحاب الحاجات الذين لا يجدون ما يأكلون أو هم غرباء عن أوطانهم (٢) ويمكن تكييف الصور التي تتلائم مع طبيعة هذا العصر، من التوسع الملحوظ، والامتداد المشهود، وتعدد الوسائل المتاحة.
ومن هذه الصور المقدرة مبدئيا أن يكون في المساجد التي
стр. 24
تنشأ حديثًا مكان خاص للإفطار في شهر رمضان، أو لإيواء طلبة علم، أو محتاجين، ويبقى هذا الأمر تحت نظر الإمام ومسئوليته، أو الهيئة الإدارية المحتسبة. ويمكن أن يكون ذلك ضمن البرامج الشاملة في المسجد المتعددة الأغراض.
[المسجد مقر للشورى والالتقاء]
٩ - المسجد مقر للشورى والالتقاء: من المشروع المستحب في المسجد أن يجتمع فيه أهل الحي، يتشاورون فيه عما تصلح به أحوالهم، وعن المهمات الملقاة على عاتقهم، بل قد يكون أكبر من مستوى الحي إلى مستويات أعلى.
وقد كان كذلك في عهد رسول الله ﷺ فأغلب مشاوراته ﷺ كانت في المسجد، وكذا صحابته الكرام من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى، فيه الصلاة والقراءة، والذكر، وتعليم العلم، والخطب وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم، وكذلك عماله في مكة، والطائف
стр. 25
وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى، وكذلك عماله على البوادي، فإنه لهم مجمعًا، فيه يصلون، وفيه يساسون، كما قال النبي ﷺ : « (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما ذهب نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون) ، قالوا: فماذا تأمرنا؟ قال: (أوفوا ببيعة الأول فالأول، واسألوا الله ما لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) » ، وكان الخلفاء والأمراء يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في بيوتهم، لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع) (١) .
ويمكن تطبيق هذه الصورة بعد التوسع في المدن أن يكون مجلس إمام المسجد، أو عمدة الحي، أو العالم الموجود في الحي للتشاور فيما بينهم فيما يهم المصلين، وهذا الالتقاء له فوائده العديدة وثماره اليافعة، ويكفي أن يلتقي جملة من المصلين للتشاور فيما بينهم في بيت من بيوت الله تعلوهم السكينة، وتجمعهم تقوى الله تعالى، ومن خلال هذا التشاور يعدلون سلوك مخطئ، ويتنبهون لمريض فقدوه، ويطلعون على أحوال فقير فيساعدوه، ومحتاج فيعينوه، أو مديون فيتحملون عنه دينه أو شيئًا منه. . . وهكذا.
стр. 26
[صيانة المسجد وتنظيفه]
١٠ - صيانة المسجد وتنظيفه: من المشروع المستحب عمله في المسجد صيانته وتنظيفه، وتفقده من حيث إنارته، وتوصيل المياه إليه، وتوفير أدوات النظافة، وتوظيف من يقوم بذلك، ورعاية فرشه وتطييبه وإصلاح ما يفسد منه، ولا شك أن في ذلك أجرًا وثوابًا من عند الله .
روى أبو داود ﵀ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها الرجل ثم نسيها» (١) .
وروى البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا أسود أو امرأة سوداء- كان يقم المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: (أفلا آذنتموني به، دلوني على قبره، أو قال قبرها، فأتى قبره فصلى عليه) » (٢) .
стр. 27
وبوب البخاري لهذا الحديث في صحيحه: باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان (١) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (في الحديث فضل تنظيف المسجد، فإن قيل دل الحديث على كنس المسجد فمن أين يؤخذ التقاط الخرق والقذى والعيدان؟ فأجاب بعض المتأخرين بأنه يؤخذ بالقياس عليه، والجامع مع التنظيف. والذي يظهر لي من تصرف البخاري أنه أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه حديثا، كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد وفي حديث بريدة (كانت مولعة بلقط القذى من المسجد) (٢) .
قال النووي ﵀: يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق ونحوه وهو أمر مجمع عليه، بل يرى بعض أهل العلم أن تنظيفه واجب.
ومما روي في تطييب المسجد وتبخيره ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، عن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف
стр. 28
وتطيب» قال سفيان: بناء المساجد في الدور يعني في القبائل.
وصور التنظيف والصيانة تختلف من مسجد لآخر فالمساجد قديمًا لم تكن كمساجد اليوم من حيث أرضيتها، ولا من حيث جدرانها أو فرشها، فكل مسجد بحسبه، وما كان في حكم التنظيف داخل فيه كالإنارة والتكييف وغيرها، ويذكر أن أول من قام بإنارة المسجد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ عندما جمع الناس في صلاة التراويح على أبي بن كعب، فقال علي ﵁ : نورت مساجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب، وهكذا فمن الأعمال الفاضلة رعاية المساجد والقيام على صيانتها، والاهتمام بها، عظم الله الأجور.
[المكث في المسجد]
١١ - المكث في المسجد: ومجرد المكث فيه خير عظيم، وهو عمل فاضل، وإذا ما صوحب بأعمال أخرى كان أعظم وأفضل كنية الاعتكاف، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، أو القيام بأعمال أخرى كالنظافة والصيانة، أو تعليم العلم ونحو ذلك.
стр. 29
جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل قلبه معلق في المساجد» (١) .
فأي فضل أعظم من ذلك، يوم يتعب الناس من شدة الحر، وقرب الشمس، فهذا الذي تعلق قلبه بالمسجد ينال هذا الفضل الكبير، فضلا عمن مكث فيه.
وروى الإمام أحمد ﵀ عن بلال ﵁ «جاء إلى النبي ﷺ يؤذنه في الصلاة فوجده يتسحر في مسجد بيته» (٢) .
[المشروع فعله إباحة]
[الأكل والشرب]
١٢ - المشروع فعله إباحة: أ - الأكل والشرب: من الأشياء المباحة الأكل والشرب في المسجد وبخاصة للمعتكف، يقول النووي ﵀: (ولا بأس بالأكل والشرب في المسجد ووضع المائدة فيه) (٣) .
стр. 30
وما يشهد لذلك ما كان يفعله بعض الصحابة ﵃ من أكلهم في المسجد، روى الطبراني في الكبير عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: «أكلنا مع رسول الله ﷺ يومًا شواء، ونحن في المسجد فأقيمت الصلاة فلم نزد أن مسحنا بالحصباء» (١) .
لكن مما ينبغي أن يتنبه له عدة أمور:
(أ) أن يتجنب الأكل ذو الرائحة الكريهة التي يصطبغ بها المسجد فيكرهه الداخلون إليه، والمتعبدون فيه.
(ب) أن يتجنب كثرة الأكل فيه.
(ج) ألا يكون ظاهرة متفشية تطغى على مهمة المسجد.
(د) أن لولي الأمر إذا رأى منع ذلك لسبب أو لآخر فله ذلك ويجب على الناس تنفيذ هذا الأمر، فقد يطلع على مصلحة لا يراه الفرد الواحد، ويستند لذلك نهيه ﷺ عن أكل الثوم والبصل والكراث ثم دخول المسجد.
стр. 31
[النوم والاستلقاء والمبيت]
ب - النوم والاستلقاء والمبيت: مما يباح فعله في المسجد النوم سواء كان مبيتًا أي: نومًا طويلًا أو استلقاء، وقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبد الله بن عمر ﵄ «أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد رسول الله ﷺ » (١) .
وعند الترمذي: «كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شباب» (٢) .
وبَوَّب البخاري لهذا الحديث بقول: باب نوم الرجال في المسجد، ولكن هذا الجواز لا يعني أن المسجد مقر دائم للنوم، وهذا الذي جعل بعض أهل العلم يرى كراهية ذلك قال ابن عباس ﵄: لا تتخذوه مرقدًا.
[الوضوء في المسجد]
ج - الوضوء في المسجد: استنبط بعض أهل العلم جواز الوضوء في المسجد مما رواه أحمد وغيره عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «حفظت لك أن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد» (٣) .
стр. 32
ونقل ابن قدامة ﵀ في المغني وضوء بعض الصحابة ﵃ في المسجد، وخاصة الخليفة أبي بكر وعمر ﵄، وهذا الجواز ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى أما المالكية والأحناف فقد كرهوا ذلك إلا أن يكون في موضع لا يصلى فيه (١) ومع هذه الإباحة إلا أنه بعد تغير وضع المساجد فلا يفهم منها أنه يتوضأ على فرشها ونحوه، وبخاصة أنه خصص أماكن للوضوء في أكثر المساجد في جميع البلدان الإسلامية، والحمد لله.
فلا تتخذ هذه الإباحة وسيلة إلى توسيخ المسجد وتلويثه.
[دخول المشرك وربط الأسير]
د- دخول المشرك وربط الأسير: ومما ينبغي ذكره ما أباحه أهل العلم من جواز دخول الكافر والمشرك في المسجد استنادًا إلى ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربط بسارية من سواري المسجد» (٢) وروى الطبراني عن سفيان بن عبد الله قال:
стр. 33
«قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ في رمضان، فضرب لهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا معه» (١) .
ومع هذا فليست هذه الإباحة على إطلاقها.
فقيدها الشافعية والحنابلة بإذن مسلم أو بعلة مقبولة.
وقيدها الأحناف بما لم يحدث منهم ما يسيئ إلى المسجد. وقيدها المالكية بالضرورة (٢) .
أما المسجد الحرام فمنعه عامة أهل العلم سوى ما نقل عن أبي حنيفة ﵀ من جواز دخول المعاهدين فقط، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٣) .
[إدخال السلاح إلى المسجد واللعب فيه]
هـ- إدخال السلاح إلى المسجد واللعب فيه: لا شك أن المساجد بيوت الله تعالى وهى منزهة عن العبث واللهو، حتى ولو كان اللاعبون أطفالا لم يصلوا إلى سن التكليف، فليست المساجد ميدانًا لهذا اللهو.
هذا هو الأصل فيها، فهي مكان عبادة وعلم وتربية
стр. 34
وذكر. والأصل في اللهو العبث واللعب. لكن إذا قصد به - أي: اللعب- غاية سامية، وكان بقدر محدود، ولم يكن ديدنا فقد أجازه أهل العلم.
بناء على ما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: «والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم» ) (١) .
قال النووي ﵀: (في الحديث جواز اللعب بالسلاح ونحوه من آلات الحرب في المسجد، ويلتحق ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد وأنواع البر) (٢) .
[الكلام المباح وإنشاد الشعر]
و الكلام المباح وإنشاد الشعر: لا شك أن الكلام ومنه الشعر فيه المحمود شرعًا وفيه المباح، وفيه المكروه وفيه المحرم. فإن كان الكلام مكروهًا أو محرمًا ففي المسجد أشد كراهة وتحريمًا، وإن كان محمودًا فهذا من وظائف المسجد كما سبق بيانه، وإن كان مباحا أو شعرا مباحا فهذا ما
стр. 35
اختلف فيه أهل العلم. فكرهه بعضهم بناء على أن المساجد محترمة، وأنها لم تعد إلا للعبادة والذكر وقراءة القرآن، كما مر في حديث بول الأعرابي: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن» (١) . وهذا ما مال إليه الحنفية والحنابلة.
أما ما ذهب إليه الشافعية والمالكية والظاهرية فعدم الكراهة إلا إذا كان الكلام مكروهًا، بناء على وقائع جرت نشد فيها الشعر في المسجد، ومن أولئك حسان بن ثابت ﵁ وغيره كما رواه البخاري وغيره (٢) .
نعم إن من مقتضى الورع عدم الكلام في أمور الدنيا في المسجد واتخاذ ذلك ديدنا مستمرًا، كما يفعله- للأسف - كثير من الناس، ويظهر ذلك جليًا في بعض المعتكفين في المسجد الحرام والمسجد النبوي في السنين المتأخرة الذين يقضون أوقاتهم بين كثرة النوم، وبين تبادل الأحاديث، الذي غالبها- كما يظن- في أمور الدنيا، ونبرؤهم أن يكون في غيبة أو نميمة وزور ونحوها.
стр. 36
وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يتورعون عن ذلك تورعًا شديدًا، ومن طالع أحوالهم وسيرهم وجد ذلك بينًا واضحًا.
стр. 37
[المبحث الثاني المشروع في عمارة المسجد وبنائه وصيانته]
[الأرض التي تكون مسجدًا]
المبحث الثاني
المشروع في عمارة المسجد وبنائه وصيانته قد سبق معنا أن من الأعمال الفاضلة عمارة المسجد حسيًا، وهو من أفضل الأعمال، ومن أحسن المجالات التي يسبل عليها الوقف، لأنها مصدر نفع لعامة المسلمين. ولذلك تحدث أهل العلم كثيرًا عما ينبغي في المسجد عمارة وبناء وزخرفة، وإكمال مرافقه، وصيانته وغيرها. وهنا أوجز ما كان مشروعًا، أو ما ينبغي أن يكون عليه المسجد.
١ - الأرض التي تكون مسجدًا: ذكر أهل العلم أن كل أرض تصلح أن تكون مسجدًا سوى ما يلي:
أ- ألا تكون الأرض قبورًا للمسلمين: أو فيها قبور مسلمين لأن الرسول ﷺ نهى عن الصلاة في المقابر، وذكر البخاري عددًا من الأحاديث وعنون للباب: باب كراهية الصلاة في المقابر.
وروى مسلم رحمه الله تعالى عن مرثد الغنوي مرفوعًا:
стр. 38
«لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها» (١) .
وروى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة ﵂ عن «النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) » (٢) .
ب - ألا تكون الأرض مغصوبة: بل ذهب بعض أهل العلم إلى عدم صحة الصلاة في الأرض المغصوبة أما تحريم الصلاة فمحل إجماع من أهل العلم (٣) . وهنا- في بناء المسجد على أرض مغصوبة يقول الحافظ ابن حجر ﵀: بناء المسجد على ملك المرء جائز بالإجماع وفي غير ملكه ممتنع بالإجماع.
ج- ألا يكون في محل انتفاع الناس: مثل أن يكون في طريق ينتفع فيه كثير من الناس.
стр. 39
يقول ابن حجر ﵀: (وفي المباحات حيث لا يضر بأحد جائز أيضًا لكن شذ بعضهم فمنعه، لأن مباحات الطرق موضوعة لانتفاع الناس فإذا بني فيها مسجد مانع انتفاع بعضهم، فأراد البخاري الرد على هذا القول بهذا الباب (باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس) (١) .
[نوعية البناء]
٢ - نوعية البناء: ذكر أهل العلم أنه يبنى بما اعتيد عليه البناء، ومما يستحب مراعاته:
أ- اتخاذ مساحة مناسبة له فلا تكون مساحته صغيرة لا تتحمل جموع المصلين.
ب- أن يكون شكله مربعا من أجل أن تتساوى الصفوف.
ج- الابتعاد فيه عما يشغل المصلي من كثرة النوافذ، والزخرفة، والمبالغة فيها.
د- عدم الكلفة الطائلة التي قد يبنى بها أكثر من مسجد تنتفع منه الناس أكثر.
стр. 40
هـ- اتخاذ باب خاص للنساء، فقد روى أبو داود عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء» قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (١) .
و لا مانع من اتخاذ محراب بمفهومه الموجود، وهو إيجاد مكان في منتصف المسجد ليكون مكانًا للإمام، أما من رأى كراهيته من أهل العلم فهو- فيما يظهر- للمفهوم السابق للمحراب، وهو وجود مكان مرتفع عن المصلين ونحو ذلك.
ز- وجود منبر في المسجد ليكون مكانًا للخطيب أثناء خطبته كما كان للنبي ﷺ ، وقد بوب البخاري لذلك: باب الخطبة على المنبر.
ح- لا مانع من تعدد الأدوار في المسجد، وبخاصة إذا كانت الحاجة قائمة، فكما هو معلوم من أن الأرض إذا صارت وقفًا للمسجد، فالحكم للسماء كما هو الأرض، ويتخذ فيها أحكام المسجد.