← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31287

عمارة المساجد المعنوية وفضلها

عبد العزيز الحميدي

Полный текст (68 стр.). Показаны 36–68 · переход к 41.

стр. 36

ومن أسباب الخشوع أن لا يكون أمام المصلي أو عليه ما يشغله من ألوان وخطوط وكتابات ونحو ذلك، ومن أدلة كراهة ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (١) . ومن أسباب الخشوع تذكر الموت عند الصلاة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ «اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لَحَريّ أن يحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها، وإياك وكل أمر يُعتذر منه» (٢) . وكذلك ما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودِّع» أخرجه الإمام أحمد (٣) .

стр. 37

ومن أسبابه الطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ومن أدلة ذلك حديث المسيء صلاته، وهو ما أخرجه أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ ﵇ وقال: " ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن (١) ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢) .

стр. 38

ومن أسباب الخشوع النظر إلى موضع السجود، وهذا من سنن الصلاة الظاهرة، وهو من أبلغ الأمور التي تساعد على حصر فكر المصلي في صلاته، لأن رفع البصر أو الالتفات به يمينًا وشمالا يشغل المصلي بما يراه أمامه أو عن يمينه وشماله. ومن أسباب الخشوع أن لا يصلي المسلم وهو بحضرة طعام يشتهيه، ولا هو يدافع قضاء حاجته، ومما جاء في النهي عن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري ﵀ من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا وضع العَشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشاء» . وفي رواية له من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» (١) . وكذا ما أخرجه أبو داود السجستاني ﵀ من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصلَّى بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢) .

стр. 39

ومعلوم أن الإنسان يستطيع أن يؤدي أفعال الصلاة وأقوالها وهو كذلك، ولكنه سينشغل فكره بإشباع شهوته إلى الطعام أو إزالة الأذى عنه، وذلك يؤثر على خشوعه في الصلاة. ومن ذلك وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في القيام، كما قال الحافظ ابن رجب: ومما يظهر فيه الخشوع والذل والانكسار من أفعال الصلاة وضع اليدين إحداهما على الأخرى في حال القيام، قال: وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن المراد بذلك فقال: هو ذلٌّ بين يدي عزيز. قال: علي بن محمد المصري الواعظ ﵀: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا. قال وروُي عن بشر الحافي رحمه الله تعالى قال: أشتهي منذ أربعين سنة أن أضع يدًا على يد في الصلاة ما يمنعني إلا أن يكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في القلب مثله (١) اهـ. وما ذكره عن الإمام أحمد وعن بشر الحافي دليل على فقههما وعدم اقتصارهما على الأحكام الظاهرة التي

стр. 40

اشتغل بها كثير من الفقهاء ولم يلتفتوا إلى أسرار العبادات وحكمها، غير أنه يلاحظ على كلام بشر الحافي غلبة النظر إلى أعمال القلوب على النظر إلى الأحكام الظاهرة حيث لم يعمل بسنة وضع اليدين إحداهما على الأخرى خشية أن لا يكون وصل في الخشوع إلى ما يعادل هذا الحكم الظاهر، والحقيقة أن المصلي مأمور بالأمرين: أن يخشع بقلبه، وأن يعمل بهذه السنة الظاهرة، فإذا جمع بينهما فهذا هو الكمال، أما إذا شعر الإنسان بتقصيره في الخشوع فلا يعني ذلك أن يعطل السنة الظاهرة، بل المطلوب منه أن يعمل بها وأن يجعل من مواظبته عليها مُذكَّرًا له ودافعًا إلى العمل بمقتضيها وهو خشوع القلب. [اهتمام الصحابة بالخشوع في الصلاة] اهتمام الصحابة بالخشوع في الصلاة مما يدل على اهتمام الصحابة ﵃ بحضور القلب مع الله تعالى في الصلاة ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أن عمارًا صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان لا أراك إلا قد خففتهما، قال:

стр. 41

هل نقصت من حدودها شيئًا؟ قال: لا ولكن خففتهما، قال: إني أبادر بهما السهو، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليصلي ولعله أن لا يكون له من صلاته إلا عشرها أو تسعها أو ثمنها أو سبعها» حتى انتهى إلى آخر العد (١) . فأبو اليقظان عمار بن ياسر ﵁ يهتم بالخشوع واجتناب السهو بالفكر خارج الصلاة أكثر من اهتمامه بإطالة الصلاة وإكمال مظهرها، وذلك لأنه لا فائدة من كمال المظهر إذا وقع الخلل في الخبر. ومن اهتمام الصحابة ﵃ بعدم إشغال الفكر بغير الصلاة ما أخرجه الإمام مالك بن أنس من حديث عبد الله بن أبي بكر: أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ كان يصلي في حائطه (٢) فطار دبسِي (٣) فطفق يتردد يلتمس مخرجًا، فأعجبه ذلك فجعلَ يُتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله

стр. 42

صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة وقال: يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت (١) . وكذلك أخرجه من حديث عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقفّ - وادٍ من أودية المدينة - في زمن الثمر، والنخل قد ذللت (٢) فهي مطوقة بثمرها، فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى! فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء عثمان بن عفان وهو يومئذ خليفة، فذكر ذلك وقال: هو صدقة فاجعله في سُبل الخير، فباعه عثمان بخمسين ألفا، فسُمِّي ذلك المال الخمسين (٣) . وفي هذين الخبرين عبرة عظيمة في تضحية الصحابة ﵃ بأموالهم في سبيل المحافظة على دينهم، فليس من اليسير على الإنسان أن يتصدق ببستان كامل دفعة واحدة، وفي مقابل ماذا؟ في مقابل أنه انشغل به عن صلاة واحدة! ! فما أعظم قدر الصلاة في نظر الصحابة ﵃!

стр. 43

وما أعمق نظرتهم إلى الحياة الآخرة! وما أهون الدنيا في قلوبهم! ومن أخبار الصحابة ﵁ في اهتمامهم بالصلاة ما أخرجه محمد بن إسحاق بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين - يعني أخذها سبيَّة - فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلاً، أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد ﷺ دما، فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ، فنزل رسول الله ﷺ منزلا، فقال: من رجل يكلؤنا ليليتنا هذه؟ قال: فانتدب رجل من المهاجرين ورجل آخر من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال: وكان رسول الله ﷺ وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر» فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: «فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أيّ الليل تحب أن أكفيكه أولَّه أو آخره؟ قال: بل اكفني أولَّه. قال: فاضطجع المهاجريّ

стр. 44

فنام، وقام الأنصاري يصلي، قال: وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أن ربيئة القوم - يعني طليعة القوم - قال: فرمى بسهم فوضعه فيه، قال: فنزعه ووضعه وثبت قائما، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، وثبت قائماً ثم عادله بالثالث فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد ثم أهبَّ صاحبه - يعني أيقظه من نومه - فقال: اجلس فقد أثبتُّ- يعني اثبتتني الجراحة - قال: فوثب فلما رآهما الرجل عرف أنهما قد نذرا به فهرب، قال: ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله، أفلا أهببتني أوَّل ما رماك؟ قال: كنت في سورة اقرؤها فلم أحب أن اقطعها حتى أنفذها، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها» (١) . ففي هذا الخبر مثل واضح على قوة الصبر واحتمال الأذى في سبيل الله تعالى لدى الصحابة ﵃،

стр. 45

كما أنه يدل على عنايتهم بالصلاة وأنها أغلى عندهم من أنفسهم وأموالهم، وهذه الصلاة التي عُمرت بالخشوع وكللت بحضور القلب مع الله تعالى هي الصلاة المؤثرة، التي أنجبت أبطالا عظماء كهؤلاء الصحابة الكرام، فعلى قدر ما يعطونه ربهم ﷻ في الليل من الخضوع والتذلل وتجريد القلب لعبادته يعطيهم بالنهار من القوة على مكابدة الأعداء ومواجهة الشدائد، ولذلك لا نجد في الأمر غرابة إذا وجدناهم ينامون قليلاً من الليل ويواجهون عدوهم مع انبلاج الفجر بعزائم قوية وهمم عالية تفوق طاقة الكفار بأضعاف، مع أن أعداءهم قد أخذوا قسطًا أكبر بكثير من النوم والراحة، فهؤلاء الصحابة ﵃ كما جاء في وصفهم " عُبَّاد في الليل فرسان في النهار ". ونلاحظ في هذا الخبر أن عَبَّاد بن بشر قد أغفل من حساب فكره النظر إلى مستقبل أولاده وأهله وأمواله فيما إذا أصيب واستشهد، وإنما كان يوازن النظر حينما رماه ذلك الرجل بين أمرين: أن يكمل السورة التي بدأها أو أن يقطعها ليوقظ أخاه عمارًا حتى لا يضيَّع المهمة الكبيرة التي

стр. 46

أناطها به رسول الله ﷺ ، وكلا الأمرين من أمور الآخرة، وبهذا نعلم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يحسبون للدنيا حسابًا في تفكيرهم وإنما كان تفكيرهم منحصرا في أعمال الآخرة. ولقد كانت صلاة الصحابة ﵃ الكاملة في مظهرها ومخبرها سببًا مهمًّا من أسباب انتصارهم على أعدائهم، وذلك لأن الأعداء إذا رأوا المسلمين وهو يؤدون الصلاة بخشوع وانتظام يكبرون في أعينهم ويداخلهم شيء من الرعب منهم، فينهزمون معنويًّا قبل الدخول في قتال مع المسلمين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما كان من المقوقس حاكم مصر، وقد أرسل رسلا إلى المسلمين القادمين لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص ﵁ ولما رجع الرسل إلى المقوقس سألهم عن المسلمين فقال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قومًا الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا

стр. 47

السيد من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم واحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم، فقال عند ذلك المقوقس: والذي يُحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوَى على قتال هؤلاء أحد (١) . ونرى بهذا أن هؤلاء الرسل قد أثنوا على حياة الصحابة الاجتماعية والأخلاقية من الزهد في الدنيا والتواضع والمساواة بينهم في مظاهر الحياة. كما أبدوا إعجابهم بانتظام المسلمين جميعًا في الصلاة حيث لا يتخلف منهم أحد، وهو مظهر مهم من مظاهر الانضباط عند المسلمين، كما أبدوا إعجابهم بما يقومون به بين يدي الصلاة من الوضوء، ثم في مظهر السكينة والخشوع الذي يعلو وجوه المؤمنين ويحكم جوارحهم وهم يؤدون الصلاة. ومما يذكر من تأثير الصلاة على غير المسلمين ما كان من خبر البوذيين في فتوح السند حيث أسلم طائفة كبيرة

стр. 48

منهم على يد محمد بن القاسم الثقفي، وكانوا قد أرسلوا مندوبًا لهم لمعرفة خبر المسلمين فوافاهم وهم يصلون جماعة في خشوع مهيب فاندهش لمنظرهم وأخبر قومه بذلك فقالوا: إذا كان العرب هكذا يعبدون الرب ويطيعونه ولا يتركون صلاتهم حتى في أخطر المواقف وهم بهذا الشكل من الاجتماع فلا يمكن لنا مقاومتهم وهذا دليل على صحة دينهم. وقد أرسلوا وفدا من زعمائهم فأعلنوا إسلامهم، وأسلم قومهم جميعا (١) . ولا شك أن صورة المؤمنين وهم يستعدون للصلاة بالوضوء الذي هو مظهر من مظاهر الطهارة والنظافة التي يتفق العقلاء على أهميتها في حياة الإنسان، ثم انضباطهم جميعًا وراء إمام واحد، وخشوعهم جميعًا بحيث لا يلتفتون ولا يرفعون أبصارهم. . لا شك أن هذه الصورة تأسر أنظار الناس الذين يشاهدونها لأول مرة، وتخلب ألبابهم، ويدركون من خلال هذه الصورة الأخَّاذة أن هؤلاء المصلين وهم في هذا السكون الرهيب والخشوع

стр. 49

المهيب، قد خرجوا عن التفكير في هذه الحياة التي يشترك في جواذبها عموم البشر إلى التفكير فيما وراء الحياة، فيدفع هؤلاء المتأملين ذلك إلى التساؤل عن الأمر المهم الذي شغل هؤلاء العظماء عن التفكير في أمور الدنيا، وعندها يدركون أن هذا الأمر المهم هو الخضوع لعظمة الله ولذة مناجاته والشوقُ إلى لقائه والظفر بنعيمه في دار الخلود. ومن هنا نعلم أن هذه الصلاة الجماعية بذلك المظهر الأخَّاذ من الخشوع والسكينة تعتبر أعلى مظهر من مظاهر الدعوة إلى الإسلام. ولقد أثرت هذه المظاهر الأخلاقية على المقوقس فقال ما قال من الثناء على المسلمين والاعتراف بأنهم لو استقبلوا الجبال لأزالوها، وإنما قال ذلك بناء على تجاربه الحربية، وإدراكه بأن التفوق الأخلاقي يترتب عليه التفوق الحربي. وقد يقال إن الأعداء الآن يسمعون أذان المسلمين ويشاهدون صلاتهم فلم لم تؤثر هذه المشاهد عليهم؟ فيقال: إن السلاح مهما كان قويًا ماضيًا فإن مفعوله

стр. 50

يضيع إذا كان بأيدي الضعفاء والجبناء، وقد كان أسلافنا المجاهدون من الصحابة والتابعين قاموا بعمل جهادي ضخم لفت الأنظار وأسر الأفكار، فأصبح عقلاء العالم آنذاك يتفحصون أولئك المجاهدين ويبحثون عن أسرار عظمتهم وقوتهم، أما العالم الإسلامي اليوم فقد أصبح ذيولا ذليلة للأعداء فأي قوة لهم تلفت الأنظار وأي تفوق لهم يأسر الأفكار؟ ! ! والخشوع من صفات المؤمنين الخلَّص، وقد كان الصحابة ﵃ ينصفون به لقوة إيمانهم. وحينما يضعف إيمان الأمة يرفع منهم الخشوع كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن عوف بن مالك ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله عليه ذات يوم فنظر في السماء ثم قال: هذا أوان العلم أن يرفع، فقال له رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: أيرفع العلم يا رسول الله وفينا كتاب الله تعالى وقد علمناه أبناءنا ونساءنا؟ فقال رسول الله ﷺ : إن كنت لأظنك من أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة أهل الكتابين وعندهما ما عندهما من كتاب الله » .

стр. 51

قال: فلقي جبير بن نفير شداد بن أوس فحدثه بهذا الحديث عن عوف بن مالك، فقال: صدق عوف، ثم قال: وهل تدري ما رفع العلم؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ذهاب أوعيته، قال: وهل تدري أي العلم أول يرفع؟ قال: قلت: لا أدري، قال: الخشوع حتى لا تكاد ترى خاشعًا (١) . ونظرًا لكون الصحابة ﵃ يصلون بقلوبهم قبل أبدانهم فإن الصلاة كان لها منزلة عظيمة في قلوبهم، ومن الأخبار الرائعة في ذلك ما رُوي من أن أمير المؤمنين عمر ﵁ غشي عليه لما طُعن فحاول الصحابة إفاقته فلم يستطيعوا فقال المسور بن مخرمة ﵁: أيقظوه بالصلاة، فقال: فقال عمر: ها الله إذا، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ذكر محقق " طبقات الحنابلة " أن الحافظ الهيثمي ذكره في " مجمع الزوائد " وقال: رواه الطبراني في الأوسط

стр. 52

ورجاله رجال الصحيح (١) . وإذا كانت الحقن الطبية لها أثر في تنبيه العقل وإزالة الغشاوة عنه فإن الصلاة لها أثر خاص في إزالة الغشاوة عن عقول المؤمنين السابقين بالخيرات.

стр. 53

[تلاوة القرآن] تلاوة القرآن تبين أن لنا عمارة المساجد المعنوية تشمل أمورًا من الأعمال الصالحة، منها تلاوة القرآن، وقد جاء في الترغيب بتلاوة كتاب الله تعالى آيات وأحاديث كثيرة، ولكني هنا لن أتعرض إلا إلى أمثلة مما جاء فيه ذكر المساجد، فمما رُوي في ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفَّة فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين (١) في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٢) . ومما جاء في فضيلة الاجتماع على تلاوة القرآن ومدارسة تفسيره ما أخرجه مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله

стр. 54

ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (١) والسكينة هي الطمأنينة والوقار. ولقد بين النبي ﷺ شيئًا من آداب تلاوة القرآن في المسجد، وذلك فيما رواه أبو داود السجستاني ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة - أو قال في الصلاة» (٢) .

стр. 55

[ذكر الله تعالى] ذكر الله تعالى وقد جاء في الحث على ذكر الله جل وعلا آيات وأحاديث كثيرة، وإن مما جاء في الذكر في المساجد قول الله تعالى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] والذكر في المساجد: منه ما هو محدد بوقت معين كالذكر بعد الصلوات بالأذكار المعروفة الواردة عن رسول الله ﷺ ، وقد كان الصحابة ﵃ يرفعون أصواتهم بالذكر بعد الصلاة، كما أخرج مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس ﵄ أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ، وأنه قال: قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (١) . ومن الذكر في المساجد ما هو مطلق في أي وقت، ومما

стр. 56

جاء في ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج معاوية ﵁ على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (١) .

стр. 57

[تعلم العلم وتعليمه] تعلم العلم وتعليمه كان المسجد النبوي مدرسة عامرة بالتعليم الإسلامي، حيث كان رسول الله ﷺ يُعلِّم أصحابه والوافدين على المدينة النبوية أمور دينهم. وكان أحيانًا يعلمهم عن طريق الخطب المنبرية كما جاء فيما أخرجه مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وقد جاء فيه فقال أبو موسى: «أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلَّمنا صلاتنا ثم ذكر خطبته» (١) . وأحيانًا كان يعلَّمهم بعد الصلوات كما جاء في حديث أخرجه أيضًا مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﷺ : السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله

стр. 58

والصلوات والطيبات» الحديث (١) . وقد استمر رسول الله ﷺ يعلم الصحابة ﵃ في المسجد النبوي خلال إقامته في المدينة إلى أن لحق بالرفيق الأعلى. ثم قام علماء الصحابة ﵃ بالتعليم في المسجد النبوي وفي مساجد الأمصار التي فتحوها، وكان من أبرز من لازموا التعليم في المساجد عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة الدوسي، وأبو الدرداء عويمر بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس ﵃. ومن الأخبار المروية عن الصحابة ﵃ في هذا المجال ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة فيقبض على رمَّانتي المنبر قائمًا، ويقول: حدثنا أبو القاسم الصادق المصدوق ﷺ ، فلا يزال يحدث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام جلس. وقال الحاكم: هذا

стр. 59

حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (١) . ومن ذلك ما ذكره الإمام الذهبي من حديث الإمام الزهري عن حميد بن عبد الرحمن: أن تميمًا - يعني تميم الداري ﵁ استأذن عمر ﵁ في القصص سنين ويأبى عليه، فلما أكثر عليه قال: ما تقول؟ قال: أقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير وأنهاهم عن الشر، قال: عمر: ذاك الربح، ثم قال: عظ قبل أن أخرج إلى الجمعة (٢) . وقد كثر عدد الطلاب في المساجد حتى بلغوا المئين كما جاء في رواية عن مسلم بن مشكم قال قال لي أبو الدرداء: اعْدُد من في مجلسنا، قال: فجاءوا ألفًا وستمائة ونيفا، فكانوا يقرءون ويتسابقون عشرة عشرة، فإذا صلى الصبح انفتل وقرأ جزءاً فيحدقون به ويسمعون ألفاظه، وكان ابن عامر مقدَّمًا فيهم (٣) . وكان أمير المؤمنين عمر ﵁ قد بعث أبا

стр. 60

الدرداء إلى الشام لتعليم أهلها فاستقر بدمشق وعَمَر مسجدها بالتعليم. أما في عهد التابعين ومن بعدهم فقد ازدهر التعليم في المساجد، وكانت هي دور العلم الأولى التي يقصدها طلاب العلم على مر العصور. وإننا حينما نقارن بين النتائج التربوية التي كان المسجد يقدمها من خلال الدروس العلمية وبين ما تقدمه المدارس من خلال الدروس العلمية نفسها نجد الفرق واضحًا حيث نجد أن الدراسة في المسجد يقارنها غالبًا الجانب التربوي ويصاحبها الورع والتقوى. فليست الدراسة في المسجد دراسة نظرية يُقصد منها مجرد العلم والمعرفة وإنما هي دراسة تربوية يقصد منها العمل أولا، فلا يكاد الدارس ينتظم في حلقات المسجد حتى يتبدل سلوكه وتسمو أخلاقه ويظهر بمظهر المتَّزن الحكيم ويتقوى إيمانه فينشر هذه الفضائل في أسرته ومن يتصل به من معارفه. وإننا لا نقول إن هذه الفضائل تخلو منها المدارس فهي

стр. 61

لا تخلو من الخير ولكنها لا تصل في هذه الفضائل إلى مستوى المساجد. لذلك فإنني بهذه المناسبة أذكَّر المسئولين عن المساجد بهذا الجانب المهم لعلهم يعيدون للمسجد مكانته العلمية حيث إن غير المتخصصين بالدراسات الدينية بأمس الحاجة إلى من يبصرهم بأمور دينهم، والمتخصصون بالدراسات الدينية بحاجة إلى تقوية معلوماتهم كما أن الجميع بحاجة إلى التربية القويمة من خلال الدراسة في المساجد.

стр. 62

[أثر المساجد في تقوية الأخوة الإسلامية] أثر المساجد في تقوية الأخوة الإسلامية إن من آثار المساجد الاجتماعية إيجاد التكافل الاجتماعي بين المسلمين فالمسجد هو وسيلة التعارف اليومية حيث يتعارف أبناء الحي الواحد، ومع مرور الأيام يألف بعضها بعضا وتتكون بينهم المحبة في الله ثم تتقوى بينهم أواصر الأخوة الإسلامية. وعند ذلك تظهر آثار هذا التعارف وهذه الأخوة في الله في ترابط أفراد المجتمع وانسجامهم جميعًا في أسرة واحدة، فالكبير يرحم الصغير ويعطف عليه، والصغير يحترم الكبير ويوقره، والغني يجود على الفقير، وإذا وقع أحد أفراد الحي بمصيبة أو أصابته جائحة في ماله وجد من إخوانه من يواسيه ويعيده إلى حال كريمة. وبهذا يشعر الفرد أنه ليس مقطوعًا، وإن لم يكن له أسرة في بيته فهو فرد من أسرة كبيرة، فإذا فُقد من المسجد سأل عنه إخوانه على الفور، فإن كان مريضا عادوه، وإن كان مسافرًا تفقدوا أسرته ورعوها كما لو كان موجودا. فالمسجد عامل مهم في بناء المجتمع لأنه يجمع الأفراد

стр. 63

على أهداف واضحة مشتركة تتسع للجميع ولا يؤدي التنافس عليها إلى إثارة الحقد والبغضاء وإرادة الشر بل يؤدي التنافس عليها إلى زرع المودة والرحمة في القلوب وإرادة الخير للناس جميعًا. ولقد بين النبي ﷺ أن ملازمة المسجد مما يعصم المسلم من الوقوع في الزلل والتعرض لوساوس الشيطان حيث يقول ﷺ «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشِّعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد.» . أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل ﵁ (١) . وفي هذا الحديث النبوي يوجهنا النبي ﷺ إلى لزوم الجماعة والبعد عن التفرق ولزوم ما عليه عامة المسلمين، والبعد عن الشذوذ ولزوم المساجد حيث التربية الإسلامية التي تُذَكِّرُ المسلم بالآخرة وتبين له منزلة الدنيا من الآخرة. ومسجد الحي هو بداية التعارف والتآلف، لأن مداومة

стр. 64

اللقاء في جو المسجد الروحي والصلاة جماعة فيه من أقوى الروابط التي تربط بين جماعة المسلمين، إضافة إلى ما يقوم به إمام المسجد من تذكير الجماعة بواجبهم في التآلف والتآخي وإصلاح ذات البين. وهذا التعارف والتآخي مرحلة لتعارف أكبر وتآلف أشمل، وذلك حيث يجتمع المسلمون يوم الجمعة في القرية الواحدة أو بعضهم في المدينة حيث تتعدد الجوامع، ومهمة الخطيب في هذا المجال أن يكمل ما بدأه المسلمون من التآخي في أحياء مختلفة ومساجد متعددة، وذلك بالتركيز على معاني الأخوة الإيمانية ولزوم الجماعة الإسلامية، حتى يخرج المسلمون من المسجد وهم يشعرون بأن لهم إخوة في الله كثيرين، ويكفي أنهم يرون منهم يوم الجمعة هذا الحشد الكبير. إن المسلم يوم الجمعة ليس بإمكانه أن يتعرف على كل من في المسجد من المصلين، ولكن يكفي شعوره بأن جميع من صلوا معه إخوة له في الإيمان، وأن يشعر بأن هؤلاء ليسوا إلا نموذجًا واحدًا لمجموعات كبيرة من إخوته في الله في سائر بقاع المعمورة.

стр. 65

وإن موضوع التذكير بواجبات الأخوة الإسلامية، والتكافل بين أفراد المجتمع من أهم الموضوعات التي يجب على خطيب الجمعة أن يهتم بها لأنها تُجَسِّمُ الحكمة التي من أجلها شُرِعَت صلاة الجمعة والجماعة. ونظرًا لما لصلاة الجمعة من الأهمية البالغة في الإسلام فقد جاء التغليظ الشديد، في وعيد تاركها، كما أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره «لينتهين أقوام عن وَدعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين.» (١) . وهل أعظم غفلة ممن حرم نفسه من استماع الموعظة الأسبوعية الوحيدة التي فُرض عليه سماعها وأداء الصلاة جماعة مع العدد الكبير من إخوانه المسلمين؟ ! وإننا حينما نرى المجتمعات البعيدة عن الإسلام نجد أنها تعيش في تفكك وتباعد حتى بين أفراد الأسرة الواحدة ولا عيش فيها إلا للقوي، أما الضعيف فإنه يهلك بين تنافس الأقوياء لانعدام الرحمة والتكامل بين أفراد المجتمع، وما

стр. 66

ذلك إلا لأنها لم توفق إلى هذه المبادئ السامية التي وفق إليها المسلمون والتي توجد الإخاء والتكافل الاجتماعي. [من هم عمار المساجد الحقيقيون] من هم عمار المساجد الحقيقيون؟ قال الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ - إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] فقد نفى الله سبحانه في الآية الأولى نسبة عمارة المساجد للمشركين، وقد كان المشركون في مكة مخدوعين بأعمالهم التي كانوا يقومون بها في خدمة المسجد الحرام وخدمة الحجاج إليه، كما قال الله تعالى في الآية التي بعد هاتين الآيتان: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] ويرون أن ما يقومون به من

стр. 67

ذلك أعظم مما يقوم به المسلمون من عمارة بيوت الله تعالى بعبادته وحده، فكيف يعتقد المشركون ذلك وهم يعترفون بكفرهم بالله جل وعلا؟ ! إن أعمالهم تلك التي تخيلوها صالحة ليست كذلك، لأن العمل الصالح المقبول عند الله تعالى لا بد أن يكون خالصًا له سبحانه لا يخالطه شيء من الشرك، وأن يكون على وفق شريعته جل وعلا، فأما أعمالهم فإنها باطلة لا يستفيدون منها في الآخرة، بل إن مصيرهم الخلود في النار. إنما يعمر مساجد الله تعالى على الحقيقة من جمع الصفات الخمس المذكورة في الآية الثانية وهي: الإيمان بالله سبحانه إيمانًا صادقًا لا تشوبه أي شائبة من الشرك، وآمن باليوم الآخر بما فيه من حساب وثواب أو عقاب، وجعل عمله كله مبنيا على هذا الإيمان، وأقام الصلاة التي هي عمود الإسلام ورأس العبادات البدنية. وآتى الزكاة التي هي رأس العبادات، ولم يخش إلا الله جل وعلا، والخشية أثر من آثار الإيمان بالله سبحانه وباليوم الآخر، ولكن جاء النص على الخشية من أجل تجريد القلوب من

стр. 68

تعظيم أي مخلوق وتفريغها لتعظيم الله سبحانه وحده، حيث إن الحامل الأكبر للمشركين على الشرك خوفهم من غير الله تعالى. وذلك أنهم اعتقدوا بأن أوثانهم تضر وتنفع. فهؤلاء المؤمنون المتقون الذين جمعوا تلك الصفات هم من الذين وفقهم الله سبحانه للطريق المستقيم الموصل إلى رضوانه وجنته. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلني والمسلمين منهم. إنه جواد كريم - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.