← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31287

عمارة المساجد المعنوية وفضلها

عبد العزيز الحميدي

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] عمارة المساجد المعنوية وفضلها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا بحث في موضوع " عمارة المساجد المعنوية وفضلها " وهو عنوان لمحاضرة تم تكليفي بها من قبل معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للإسهام بها في " ندوة عمارة المساجد " التي ستقيمها كلية التخطيط والعمارة بجامعة الملك سعود بالرياض بمشاركة وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

стр. 2

وقد تم في هذا البحث إبراز أثر المساجد في تربية أفراد المجتمع الإسلامي على مكارم الأخلاق وسلامة السلوك، وإصلاح ما يطرأ على حياة بعض المسلمين من الانحراف والجنوح نحو الفساد، إضافة إلى أثر المساجد في تقوية الروابط الأخوية بين المسلمين. والله أسأل أن يعلِّمنا ما جهلنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يجعل علمنا خالصا لوجهه الكريم.

стр. 3

[المساجد معالم الإسلام] المساجد معالم الإسلام تعتبر المساجد من أبرز معالم الإسلام ومكونات المجتمع الإسلامي، ومن أبرز المؤسسات التي تحفظ للأمة الإسلامية تاريخها الماضي وتربطه بواقعها الحاضر. ولقد اعتبر النبي ﷺ المساجد أمارات تدل على إسلام أهل البلد، ومما يدل على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار» (١) . وهذا دليل على ما للمساجد من أثر بالغ في الإسلام، حيث يعتبر وجودها وعمارتها بالأذان والصلاة صورة حية للمجتمع الإسلامي، كما يعني فقدها أو فقد عمارتها بعبادة الله تعالى ابتعاد المجتمع عن الإسلام وتلاشي مظاهره من واقع المجتمع. وفي هذا المعنى يرشد النبي ﷺ أصحابه إلى وجوب الإمساك عن القتال إذا رأوا مسجدا أو سمعوا مؤذنا، كما أخرج أبو عيسى الترمذي وأبو داود رحمهما الله من

стр. 4

حديث ابن عصام المزني عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم: «إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا» وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (١) . [عمارة المساجد المعنوية] عمارة المساجد المعنوية عمارة المساجد المعنوية تشمل أمورا من الأعمال الصالحة أبرزها الصلاة وتلاوة القرآن والذكر وتعلم العلم وتعليمه. وإنني في هذا البحث سأعرض لهذه الموضوعات باختصار إلا إذا رأيت أن الموضوع يحتاج إلى شيء من البسط. [صلاة الجماعة] صلاة الجماعة إن أهم الأعمال الصالحة التي تؤدَّى في المساجد صلاة الجماعة، وقد رُويت عن رسول الله ﷺ أحاديث عديدة تأمر بصلاة الجماعة وتبين فضلها، ولن أستوعب ذكر هذه الأحاديث لأنها مبيَّنة في مواضعها من كتب السنة والفقه، وإنما سأقتصر على ذكر بعض الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع. فمن الأحاديث التي تبين وجوب صلاة الجماعة ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (٢) . فهذا التهديد بالتحريق يدل على أن من ترك صلاة الجماعة فهو آثم، وهذا يدل على الوجوب لأن المستحب لا يعاقب تاركه. وكذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال:

стр. 5

نعم، قال: " فأجب» (١) . فهذا يفيد بأن من سمع الأذان لا يعذر بترك الصلاة مع الجماعة في المسجد، وهذا دليل على الوجوب لأن المستحب لا يُلزم المسلم بفعله. ومن الأحاديث التي تبين فضيلة صلاة الجماعة في المسجد ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رُفعت له بها درجة وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» وفي رواية أخرى لهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٢) .

стр. 6

وكذلك ما أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» (١) . والتهجير هو التبكير إلى الصلاة، والعتمة هي صلاة العشاء. أما الصحابة ﵃ فمن الأقوال المأثورة عنهم التي تبين اعتقادهم بوجوب صلاة الجماعة في المساجد ما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطُّهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة

стр. 7

ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتَى به يهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف» (١) . ولقد كان تأثر المسلمين بهذه الأحاديث والآثار وأمثالها شديداً واستقامتهم على حضور الجماعات في المساجد مستمرة على مدى الزمان، ومن أخبار العلماء المؤثرة في ذلك ما ذكره الحافظ الذهبي عن العالم العابد عبيد الله بن عمر القواريري أنه قال: لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة. فنزل بي ضيف فشغلت به فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي: يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الجمع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة» ورُوي خمسا وعشرين وروي سبعا وعشرين فانقلبت إلى منزلي فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة، ثم رقدت فرأيتني مع قوم راكبي أفراس وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إليَّ آخرهم فقال: لا تُجْهِدْ فرسك فلست بلاحقنا قال: فقلت: ولِمَ؟

стр. 8

قال: لأنا صلينا العَتَمة في جماعة (١) . فهذا اجتهاد بالغ من هذا الإمام في تدارك صلاة العشاء التي فاتته، فقد دار على مساجد البصرة ليدركها فلم يحصل له ذلك، ثم اجتهد فصلى سبعا وعشرين مرة ليحصل على فضيلة الجماعة، فما أعظم هذا الحرص على درجات الثواب من هذا الإمام! وكم قضى من الوقت والجهد في هذه الصلوات من أجل تدارك ما فاته من مضاعفة الأجر بصلاة الجماعة! ولكنه مع ذلك رأى تلك الرؤيا العجيبة المباركة التي تدل على أن المسلم وإن كرَّر الصلاة سبعا وعشرين مرة في بيته فلن يلحق بالثواب من حضروا صلاة الجماعة، وهذا دليل على أهمية الصلاة مع الجماعة في المساجد وعِظَم منزلتها في الدين. فكم يخسر الذين يصلون الصلوات الخمس أو بعضها في بيوتهم! وكم أضاعوا من درجات من الثواب عالية تُعَدُّ بالألوف والملايين! إن في هذا الخبر لتذكرة للغافلين واستنهاضاً لِهِمَم المتكاسلين، وقُرَّة عين للفائزين السابقين.

стр. 9

[الرباط في المساجد] الرباط في المساجد جاء عن رسول الله ﷺ الحث على انتظار الصلاة في المسجد بعد الصلاة وسمَّى ذلك رباطًا، كما أخرج مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله فيه قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره» (١) «وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (٢) . وتسمية هذا العمل الصالح بالرباط تشبيه له بالمرابطة للجهاد في سبيل الله تعالى. ومما جاء في فضيلة الرباط في المساجد بين الصلوات ما أخرجه أبو عبد الله ابن ماجه ﵀ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرجع من رجع وعقَّب من عقَّب فجاء رسول الله ﷺ مسرعًا قد حفزه النفس، وقد حسر

стр. 10

عن ركبتيه فقال: أبشروا، هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى» . قال البوصيري: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات (١) . وهذا يبين لنا أهمية المرابطة في المساجد، حيث بلغ ذلك من الفضل إلى أن يباهي به الله سبحانه ملائكته ﵈. ومما جاء في فضيلة ملازمة المساجد والبقاء فيها ما أخرجه أيضًا أبو عبد الله ابن ماجه ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما توطَّن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم.» . قال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات (٢) .

стр. 11

[أثر المساجد في التربية والإصلاح] أثر المساجد في التربية والإصلاح تبين لنا أن المساجد تشتمل على أعمال صالحة من أبرزها الصلاة، ونظرًا لما للصلاة من أثر عظيم في تربية أفراد المجتمع على الاستقامة، وإصلاح ما يطرأ على حياتهم من الانحراف والجنوح نحو الفساد فإنني سأتحدث عن هذا الأثر التربوي الإصلاحي في الصلاة إضافة إلى آثارها العظيمة في الثواب الأخروي. [الصلاة الكاملة وأثرها في الدنيا والآخرة] - الصلاة الكاملة وأثرها في الدنيا والآخرة فالصلاة الكاملة مظهر ومخبر، فمظهرها أداؤها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وهذا الموضوع قد تم بحثه في كتب الفقه بشكل مفصل فليس بحاجة إلى بيان. ومخبر الصلاة الخشوع وهو: سكون القلب الذي يترتب عليه سكون الجوارح، وهو مبني على حضور القلب مع الله تعالى ومع الصلاة، وحيث إن هذا الموضوع يحتاج فيه المسلمون إلى بيان وتذكير لعدم الاهتمام به في مناهج الفقه الدراسية، ولأهميته البالغة في كمال هذه العبادة العظيمة فإنني أرى من المهم الإشارة إليه بشيء من التفصيل.

стр. 12

فالخشوع هو روح الصلاح وجوهرها، ولذلك جعله الله تعالى أول صفات المؤمنين الذين حكم لهم بالفلاح في قوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وهو سكون القلب وخضوعه وتَذلُّله لله ، كما أخرج أبو جعفر بن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] خائفون ساكنون. وذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الخشوع في القلب، وأن تُلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت. وعن الحسن البصري قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا الجناح. وقال ابن جرير في معنى الآية: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه، وتركه ما أمر بتركه فيها (١) .

стр. 13

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: وأصل الخشوع هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له، كما قال رسول الله ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (١) . فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ منها حتى الكلام، لهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: «خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي» (٢) . ورأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. ورُوي ذلك عن حذيفة ﵁ وعن سعيد بن المسيب، ويروى مرفوعًا لكن بإسناد لا يصح (٣) .

стр. 14

[آثار الخشوع في الصلاة] [تحقق إقامة ذكر الله تعالى في الأرض] آثار الخشوع في الصلاة من الآثار المترتبة على الصلاة الكاملة المشتملة على الخشوع ما يلي: ١ - تحقق إقامة ذكر الله تعالى في الأرض: وهذه هي أبرز الحكم من شرعية الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فإقامة ذكر الله تعالى في الأرض أعظم مقاصد الصلاة. [خشية الله تعالى] ٢ - خشية الله تعالى: من الآثار الإيمانية التي يولدها الخشوع في الصلاة القائم على حضور القلب مع الله تعالى إحياء معاني الخوف من الله لأن شعور المصلي بأنه واقف بين يدي الله سبحانه مع تذكر عظمته وهيمنته الكاملة على خلقه يزيد من إحساسه بخشية الله سبحانه، كما رُوي عن علي بن الحسين زين العابدين ﵀ أنه كان إذا توضأ اصفر وجهه وارتجفت أطرافه، فقيل له في ذلك فقال: ويحكم أتدرون بين يدي من سأقف! !

стр. 15

[فاعلية الصلاة في محو الخطايا] ٣ - فاعلية الصلاة في محو الخطايا: وقد جاء في ذلك أدلة كثيرة منها ما أخرجه الإمام مسلم من حديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ كبيرة (١) وذلك الدهر كله» (٢) . فهذا الحديث الشريف يبين لنا آثار الصلاة الكاملة في محو الخطايا، وفيه إشارة إلى مخبر الصلاة ومظهرها، فمن الإشارة إلى مخبر الصلاة ذكر الخشوع، ومن الإشارة إلى مظهر الصلاة ذكر الوضوء الذي يعبر عن شروط الصلاة، وذكر الركوع الذي يعبر عن أركان الصلاة. وقوله «ما لم يُؤْت كبيرة» يبين أن الصلاة وسائر الأعمال الصالحة يكفِّر الله تعَالى بها الذنوب الصغيرة، وعلى ذلك يحمل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ويدل على ذلك أيضًا قول رسول الله ﷺ «الصلوات الخمس والجمعة إلى

стр. 16

الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (١) . أما الكبائر فإنه لا يكفرها إلا التوبة النصوح أو رحمة الله تعالى. ومما يدل أيضًا على أن الخشوع في الصلاة له أثر في مغفرة الذنوب ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (٢) . وهذا الحديث والحديث الأول يبينان لنا أهمية الخشوع في الصلاة، حيث جاء ذكره بين شروط الصلاة وأركانها، فالوضوء والوقت من شروط الصلاة، والركوع من أركانها.

стр. 17

وكذلك مما يدل على أثر الخشوع في الصلاة في مغفرة الذنوب ما أخرجه الشيخان من حديث حُمران مولى عثمان أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء فتوضأ - فذكر كيفية وضوئه إلى أن قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال رسول الله ﷺ «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث بهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . ومن ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج ﵀ من حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁ في خبر إسلامه، وقد جاء فيه بعد ذكر الوضوء «فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» (٢) . فقد اعتبر النبي ﷺ تفريغ القلب لله تعالى أثناء الصلاة وعدم تحديث النفس بأمور الدنيا شرطًا في كون الصلاة مكفرة للذنوب.

стр. 18

[قبولها عند الله تعالى وأثرها في رفع الدرجات في الجنة] ٤ - قبولها عند الله تعالى وأثرها في رفع الدرجات في الجنة: فأما قبولها فقد اتفق العلماء على أن الصلاة لا يثاب عليها فاعلها إلا بمقدار ما يحضر قلبه فيها، وإنما اختلفوا في إجزائها وحكم إعادتها لمن يحضر قلبه مع الصلاة. يقول الإمام ابن القيم في ذلك: وقد اختلف الفقهاء في حكم إعادة الصلاة لمن غلب عليه الوسواس فلم يحضر قلبه مع الصلاة فأوجبها ابن حامد من الحنابلة وأبو حامد الغزالي كما ذكر ذلك في الإحياء، ولم يوجبها أكثر الفقهاء واحتجوا بأن النبي ﷺ أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله «إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول: اذكر كذا اذكر كذا - لما لم يكن يذكر - حتى يضل أن يدري كم صلى» ، ذكر ذلك ابن القيم ﵀ ثم قال: ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة لا يثاب على شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه، كما قال النبي ﷺ : «إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ثلثها

стр. 19

ربعها - حتى بلغ عشرها» (١) وقال ابن عباس ﵄ " ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ". فليست صحيحة باعتبار ترتب كمال مقصودها وإن سميت صحيحة باعتبار أنا لا نأمره بالإعادة، ولا ينبغي أن يعلق لفظ الصحة عليها فيقال: " صلاة صحيحة " مع أنه لا يثاب عليها فاعلها " (٢) . وقول ابن عباس ﵄ الذي نقله ابن القيم يشبه قول عمار بن ياسر ﵄ «لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه» (٣) . فالأمر واضح في عدم ترتب الثواب على الصلاة التي يحدث الإنسان بها نفسه بأمور دنيوية، كما أنه واضح في إجزاء تلك الصلاة وعدم وجوب إعادتها لظهور الدليل في الأمرين، ولكن هل يأثم من حدَّث نفسه في صلاته بأمور دنيوية؟

стр. 20

الواقع أن من غلب عليه حديث النفس ذلك ولم يتعمده فإنه يكون داخلا في النسيان، وبالتالي يكون صاحبه معفوا عنه لقول رسول الله ﷺ «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ (١) وذكره الحافظ ابن حجر وقال: ورجاله ثقات (٢) . لكن من تذكَّر ذلك واستمر في حديث النفس عمدًا فإن هذا معرَّض للإثم لأن هذا العمل فيه استهانة بالصلاة. والمقصود بانصراف الفكر الذي يؤثر في قبول الصلاة أن ينصرف الفكر إلى الأمور الدنيوية، أما انصرافه إلى أمور الآخرة فالظاهر أنه انتقال من عبادة إلى عبادة، فلا يؤثر ذلك في ترتب الثواب على فعل الصلاة، لكن لا يجوز تعمد ذلك. ومما يدل على عدم تأثير ذلك على الصلاة ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عقبة بن الحارث ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ العصر، فلما قام سريعًا،

стр. 21

دخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى في وجوه القوم تعجبهم لسرعته فقال: " ذكرت - وأنا في الصلاة - تبرا عندنا فكرهت أن يمسي - أو يبيت - عندنا فأمرت بقسمته» (١) . وهذا ليس المقصود منه الاستغراق في التفكير، وإنما هو مجرد خاطر خطر على قلب النبي ﷺ . ولكن ورد ما يدل على شيء من الاستغراق في التفكير في أمور الدين من عمر ﵁ كما جاء في قول الإمام البخاري: وقال عمر إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وصله ابن أبي شيبه بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي عنه بهذا سواء. قال: وروى صالح بن أحمد بن حنبل في كتاب " المسائل " عن أبيه من طريق همام بن الحارث أن عمر صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ، فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعيرٍ جهزتها

стр. 22

من المدينة حتى دخلت الشام، ثم أعاد وأعاد القراءة، قال: ومن طريق عياض الأشعري قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال: صدق، فأعاد، فلما فرغ قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عير جهزتها إلى الشام فجعلت أتفكر فيها " قال: وهذا يدل على أنه إنما أعاد لترك القراءة لا لكونه مستغرقًا في الفكرة " (١) . وأما أثر الصلاة في رفع الدرجات في الجنة فمن أدلة ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: «لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل يدخلني الله به الجنة - أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: " عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» .

стр. 23

قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال ثوبان (١) . وكذلك ما أخرجه الإمام مسلم أيضًا من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود» (٢) . وإذا كان كثرة السجود يُبلغ صاحبه مرافقة رسول الله ﷺ في الجنة فإن ذلك دليل على أن الصلاة ترفع صاحبها في درجات الجنة لأن النبي ﷺ في الدرجات العليا من الجنة. ومعلوم أن المقصود بهذه الصلاة الصلاة الكاملة التي تشتمل على الخشوع، لأنها هي الصلاة المقبولة عند الله تعالى. ومما جاء في التصريح بذكر الخشوع وأثر ذلك في الحصول على الثواب في الجنة ما أخرجه الإمامان أبو داود

стр. 24

والنسائي من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة» (١) . [تحقق أثرها في تهذيب السلوك في هذه الحياة] ٥ - تحقق أثرها في تهذيب السلوك في هذه الحياة: فأما تقويم سلوك الإنسان فبينه الله تعالى بقوله ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ومفهوم الآية أنها تأمر بالمعروف والإحسان. فالصلاة التي يحضر فيها المصلي قلبه مع الله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة على الأقل كفيلة بأن ترفعه إلى الاستقامة على أوامر الله تعالى وأن تردعه عن ارتكاب ما نهى عنه. إن عبدًا قد انقطع إلى معبوده يناجيه بلسانه وقلبه ويستلهم منه الهداية والقوة يبعد منه أن يميل بعد لحظات إلى معصيته، وإن استطاع شياطين الجن أو الإنس أن يؤثروا عليه فيزينوا له الشهوات المحرمة فإن له في لقائه الآخر القريب مع الله تعالى ما يطرد عنه هذه الوساوس والأوهام.

стр. 25

ولعل ذلك من حكمة تكرار الصلوات المفروضة خمس مرات في اليوم والليلة إلى جانب الصلوات التي شرعت بينها، خاصة في الأوقات الطويلة نسبيًا كصلاة الليل وصلاة الضحى. أما ما نراه في المجتمع الإسلامي من كثرة المصلين وهم مع ذلك يرتكبون الفواحش والمنكرات فمردُّ ذلك إلى أنهم لم يقيموا صلواتهم على منهج الله تعالى ومراده لأن صلاتهم تفقد أهم مكوناتها الأساسية ألا وهو حضور القلب مع الصلاة الذي يترتب عليه الخشوع، وبالتالي فإن صلاتهم لا تؤثر في سلوكهم لأن ذلك واضح من تصرفاتهم في حياتهم ولا تقربهم من الله تعالى لأن قلوبهم ليست معه جل وعلا. ولهذا إذا رأينا مسلما يرتكب المنكرات فما يجدي معه أن نقول له: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وأن نبين له صفة الصلاة الكاملة المؤثرة، فإذا ضمنا منه أداء الصلاة كاملة كما شرعها الله تعالى فإنه حري به أن يقلع عن ارتكاب الفواحش والمنكرات كما ذكر الله سبحانه. ولهذا يجب أن نربي أبناءنا على أداء هذه الصلاة

стр. 26

المشتملة على الخشوع حتى نهيئهم بعون الله وتوفيقه لحياة صالحة وسعيدة، ولن نحتاج بعد ذلك إلى جهد كبير في تربيتهم على الفضيلة وتحذيرهم من الرذيلة، لأنه يكفي مع إقامة الصلاة على وجهها أن يعرفوا الفضائل فيستقيموا عليها وأن يعرفوا الرذائل فيجتنبوها على الفور. فالصلاة الكاملة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لأنها تقوي الإيمان بالله تعالى وتعمق في نفس المصلي تعظيمه سبحانه والخوف من عذابه ورجاء ثوابه، وإذا تعمق هذا الشعور الإيماني في قلب المسلم فإنه يتكوَّن لديه الوازع الديني الذي يدفعه إلى الفضائل ويردعه عن الرذائل، وبالتالي يكون حكما على تصرفاته وسلوكه في هذه الحياة. ولقد فهم الكفار من قوم شعيب ﵊ دعوته إلى هذه المزية من مزايا الصلاة فذكروا ذلك له بأسلوب من السخرية والإنكار وذلك فيما حكاه الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] (١) .

стр. 27

فقوم شعيب ﵊ ينكرون عليه أن أمرهم بالصلاة لله تعالى التي تمنعهم من السجود للأوثان ومن التصرف في أموالهم بما لا يُرضي الله تعالى وقد كانوا يطففون في المكايل والموازين ويبخسون الناس أشياءهم. ألا وإن صلاته ﵊ لتأمره بجميع الفضائل وتنهاه عن جميع الرذائل رغم أنوف الحيارى الحاقدين الذين قصرت أفهامهم عن إدراك المقاصد العالية للتكاليف الشرعية. وقد قرن الله تعالى بين إضاعة الصلاة وإتباع الشهوات حيث يقول سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] مما يدل على أهمية الصلاة وأثرها في حجر صاحبها عن الركون إلى الشهوات، وقوله ﴿غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: خسرانا، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ وهذا إسناد صحيح (١) . [تحقق أثرها في الصبر على الشدائد] ٦ - تحقق أثرها في الصبر على الشدائد: أمر الله تعالى نبيه ﷺ بقيام الليل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]

стр. 28

مما يدل على مكانة الصلاة في الإعانة على تحمل الشدائد ومواجهة الصعاب. لقد كان رسول الله ﷺ يواجه عنتا وشدة من الكفار، ولقد كان في أمره بقيام الليل وما يتزود به في مناجاة الله تعالى من زاد روحي كبير أكبر العون على مواجهة متاعب الحياة وقسوة المخالفين. ولقد قرن الله تعالى الأمر بالصلاة بالأمر بالصبر في مواجهة الشدائد وتحمل الصعاب حيث يقول جل وعلا ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ - الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦] ويقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقوله ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] يعني الصلاة، أو الوصية المفهومة من الآية بالجمع بين الصبر والصلاة. ولقد كان الأنبياء ﵈ يفزعون إلى الصلاة عند الشدائد كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد من حديث صهيب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى همس شيئًا لا نفهمه ولا يحدثنا به، قال:

стр. 29

فقال رسول الله ﷺ ، فطنتم لي؟ قال: قائل نعم، قال: فإني قد ذكرت نبيا من الأنبياء أعطيَ جنودًا من قومه فقال: من يكافئ هؤلاء! فأوحى الله إليه: اختر لقومك بين إحدى ثلاث، إما أن أسلط عليهم عدوا من غيرهم أو الجوع أو الموت، قال: فاستشار قومه في ذلك، فقالوا: أنت نبي الله نكل ذلك إليك فخر لنا، قال: فقام إلى صلاته، وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة، قال: فصلى، قال: أما عدوٌّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت، قال: فسلط عليهم الموت ثلاثة أيام فمات منهم سبعون ألفًا، فهمسي الذين ترون أني أقول: " اللهم يا رب بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوة إلا بالله» وفي رواية أن ذلك كان في أيام حنين (١) . هذا ومن أمثلة ما جرى من الصحابة ﵃ من تطبيق ما جاء في الآيتين الكريمتين ما أخرجه محمد بن نصر من طريق زيد بن علي بن الحسين عن أبيه قال: نُعي إلى ابن عباس ابن له وهو في سفر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: فعلنا ما أمر

стр. 30

الله به وتلا هذه الآية: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] وما أخرجه أيضًا من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: غُشي على عبد الرحمن بن عوف غشية ظنوا أنه قد فاض فيها، حتى قاموا من عنده وجللوه ثوبًا، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة (١) . ولقد كان الصحابة ﵃ يبيتون في ليالي الجهاد سجدًا وقيامًا تأسيًا برسول الله ﷺ ، ثم يقاتلون أعداءهم في النهار بقوة ومعنوية عالية. ومما يذكر لصلاح الدين الأيوبي الذي هزم الله على يده الصليبيين أنه كان ليلة معركة حطين الفاصلة يتفقد خيام الجند فوجدهم ما بين قائم وساجد ما عدا خيمة واحدة وجد أهلها نيامًا، فقال: إن أتينا فإنما سنؤتى من هذه، فسرَّح أهلها إلى دمشق. [تحقق أثرها في الطمأنينة وراحة النفس] ٧ - تحقق أثرها في الطمأنينة وراحة النفس: الصلاة في الإسلام واحة روحية يفيء إليها المسلم ليتفيأ

стр. 31

ظلالها الوارف فيجد فيها علاجًا لمشكلاته النفسية ويتخلى بها عن هموم الحياة. وقد كان النبي ﷺ يعتبر الصلاة راحة النفس وقرة للعين، كما أخرج الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجُعل قرة عيني في الصلاة» (١) . وكان يعتبر الصلاة راحة للنفس كما أخرج الإمام أحمد من حديث سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم أن النبي ﷺ قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة» (٢) . [الأسباب الجالبة للخشوع] الأسباب الجالبة للخشوع من الأسباب الجالبة للخشوع وحضور القلب مع الله تعالى شعور العبد بأنه يناجى ربه جل وعلا، ومن التوجيهات النبوية في ذلك ما أخرجه الإمام محمد بن نصر بإسناده عن أبي حازم من هذيل قال: «جاورت في مسجد المدينة مع رجل من أصحاب النبي ﷺ من بني

стр. 32

بياضة فبينما نحن في المسجد ورسول الله ﷺ في قبة له، فأشار إلى من في المسجد: أن اجتمعوا، فاجتمعنا فوعظنا موعظة لم أسمع بمثلها، فقال: " إن أحدكم إذا قام يصلى فإنه مناج ربه فلينظر بم يناجيه» وأخرجه الإمام أحمد بنحوه (١) . ومن أسباب الخشوع إخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى بالعبادة فيجدد المسلم نية التقرب إليه سبحانه في كل صلاة ليكون قلبه حاضرًا معه وليثاب على هذه النية الخالصة. إن الإنسان إذا خرج إلى أي عمل من الأعمال وقد استحضر له نية فإنه يُعمل فكره في ذلك العمل حتى يكون مستعدًا لإتقانه ولدرء العوارض التي تحول دون نجاحه، فليستحضر المصلي أنه ذاهب لمناجاة الله تعالى وليعمل فكره في محاولة إنجاح هذا اللقاء العظيم. ومن أسبابه تدبر معاني الآيات والأذكار الواردة في الصلاة، فإذا أراد الشروع في الصلاة بالتكبير فليفهم معنى ما يقول، فإذا كان الله جل وعلا أكبر من كل شيء فلا

стр. 33

يلتفت العبد إلى غيره، ولعل هذا من حكمة تكرر هذه الصيغة في الانتقال بين أركان الصلاة، فإذا كبر المصلي بلسانه فليكبر أيضًا بقلبه، وذلك بحضور القلب وتذكر معنى هذه الصيغة، وإذا استعاذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم فليتذكر عظمة الله جل وعلا في مقابل ضعف الشيطان وحقارته، وإذا قال سبحان ربي العظيم، فليتذكر أنه يعظم الله بقوله وفعله حيث إن الركوع هيئة تعظيم، فلا يقتصر في التعظيم على القول والفعل دون اعتقاد القلب، وإذا سجد فليتذكر وهو في أخفض حال علوَّ الله سبحانه على كل شيء فيكون قد جمع في الإقرار بعلو الله تعالى بين القول والعمل والاعتقاد، وهكذا في بقية أذكار الصلاة، وليتذكر معاني الآيات التي يتلوها ويشتغل بتدبرها، وبهذا يكون قلبه ولسانه وجوارحه متجهة نحو الله تعالى في كل الصلاة حيث إن الصلاة ليس فيها فراغ للتفكير في الدنيا وما فيها. يقول الحسن البصري ﵀: إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتًا كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، تسأل الله الجنة وتعوذ به من النار

стр. 34

وقلبك ساه ولا تدري ما تقول بلسانك (١) . ومن أسباب الخشوع تحريك الشفتين بالتلاوة والذكر، حيث تشتغل حاسة السمع مع اللسان فيكون ذلك أعون على طرد الشيطان ووساوس النفس، وذلك من غير رفع الصوت بالنسبة للمأموم لأن ذلك يشغل من بجواره ويؤثر على خشوعه، وذلك يتنافى مع قول رسول الله ﷺ «ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة» (٢) . أما تحريك الشفتين فمن أدلة ذلك ما أخرجه البخاري من حديث أبي معمر عبد الله بن سخبرة قال: «سألنا خبَّابًا أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بأي شيء كنتم تعرفون؟ قال: باضطراب لحيته» (٣) . ومن أسباب الخشوع الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، وذلك أن الانصراف للدنيا على أنها غاية يعمل الإنسان لها يحتم عليه أن يصرف فكره واجتهاده لهذا الغرض، فإذا أيقظه ضميره بدافع من وازعه الإيماني وأراد

стр. 35

أن يحضر قلبه في الصلاة فإن خواطر الدنيا التي تعلَّق قلبه بها تهجم وتسيطر على تفكيره فيخرج من الصلاة بأقوال وأفعال لا علاقة لها بقلبه، إلا بمقدار ما يغلب على قلبه من وازعه الإيماني. أما إذا كان مقبلا على الآخرة، ومقدَّرًا للدنيا بقدرها كظرف للعمل الصالح وجواز مرور إلى الآخرة فإن ذلك يدفعه إلى الخشوع وحضور القلب مع الله تعالى، ويحمله على الشغف بالعبادة باعتبار أنها وسيلة للتقرب إلى الله والظفر برضوانه ونعيمه. وبيان ذلك أن من غلب على تفكيره أمر الآخرة فإن هذا التفكير هو الذي يمكن أن يطرأ عليه في الصلاة وذلك منسجم مع مقاصدها، أما الذي يغلب على تفكيره أمر الدنيا فإن هذا التفكير هو الذي يطرأ عليه في صلاته وهذا مناقض لمقاصد الصلاة. ومن أسباب الخشوع: الصلاة في المسجد جماعة لأن جو المسجد الروحاني وما فيه من الهدوء والسكينة لا يمكن أن يتوافر غالبًا في البيوت لكثرة ما فيها من الملهيات والمشغلات، وإن كان ينبغي للمسلم أن يهيئ بيته أو جزءًا منه للصلاة لأن أغلب النوافل تكون في البيوت.

стр. 36

ومن أسباب الخشوع أن لا يكون أمام المصلي أو عليه ما يشغله من ألوان وخطوط وكتابات ونحو ذلك، ومن أدلة كراهة ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (١) . ومن أسباب الخشوع تذكر الموت عند الصلاة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ «اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لَحَريّ أن يحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها، وإياك وكل أمر يُعتذر منه» (٢) . وكذلك ما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودِّع» أخرجه الإمام أحمد (٣) .

стр. 37

ومن أسبابه الطمأنينة، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ومن أدلة ذلك حديث المسيء صلاته، وهو ما أخرجه أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ ﵇ وقال: " ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن (١) ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢) .

стр. 38

ومن أسباب الخشوع النظر إلى موضع السجود، وهذا من سنن الصلاة الظاهرة، وهو من أبلغ الأمور التي تساعد على حصر فكر المصلي في صلاته، لأن رفع البصر أو الالتفات به يمينًا وشمالا يشغل المصلي بما يراه أمامه أو عن يمينه وشماله. ومن أسباب الخشوع أن لا يصلي المسلم وهو بحضرة طعام يشتهيه، ولا هو يدافع قضاء حاجته، ومما جاء في النهي عن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري ﵀ من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا وضع العَشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشاء» . وفي رواية له من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم» (١) . وكذا ما أخرجه أبو داود السجستاني ﵀ من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصلَّى بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢) .

стр. 39

ومعلوم أن الإنسان يستطيع أن يؤدي أفعال الصلاة وأقوالها وهو كذلك، ولكنه سينشغل فكره بإشباع شهوته إلى الطعام أو إزالة الأذى عنه، وذلك يؤثر على خشوعه في الصلاة. ومن ذلك وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في القيام، كما قال الحافظ ابن رجب: ومما يظهر فيه الخشوع والذل والانكسار من أفعال الصلاة وضع اليدين إحداهما على الأخرى في حال القيام، قال: وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن المراد بذلك فقال: هو ذلٌّ بين يدي عزيز. قال: علي بن محمد المصري الواعظ ﵀: ما سمعت في العلم بأحسن من هذا. قال وروُي عن بشر الحافي رحمه الله تعالى قال: أشتهي منذ أربعين سنة أن أضع يدًا على يد في الصلاة ما يمنعني إلا أن يكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في القلب مثله (١) اهـ. وما ذكره عن الإمام أحمد وعن بشر الحافي دليل على فقههما وعدم اقتصارهما على الأحكام الظاهرة التي

стр. 40

اشتغل بها كثير من الفقهاء ولم يلتفتوا إلى أسرار العبادات وحكمها، غير أنه يلاحظ على كلام بشر الحافي غلبة النظر إلى أعمال القلوب على النظر إلى الأحكام الظاهرة حيث لم يعمل بسنة وضع اليدين إحداهما على الأخرى خشية أن لا يكون وصل في الخشوع إلى ما يعادل هذا الحكم الظاهر، والحقيقة أن المصلي مأمور بالأمرين: أن يخشع بقلبه، وأن يعمل بهذه السنة الظاهرة، فإذا جمع بينهما فهذا هو الكمال، أما إذا شعر الإنسان بتقصيره في الخشوع فلا يعني ذلك أن يعطل السنة الظاهرة، بل المطلوب منه أن يعمل بها وأن يجعل من مواظبته عليها مُذكَّرًا له ودافعًا إلى العمل بمقتضيها وهو خشوع القلب. [اهتمام الصحابة بالخشوع في الصلاة] اهتمام الصحابة بالخشوع في الصلاة مما يدل على اهتمام الصحابة ﵃ بحضور القلب مع الله تعالى في الصلاة ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أن عمارًا صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان لا أراك إلا قد خففتهما، قال:
следующие страницы →