[ثالثا التحلق في المساجد للحديث في أمور الدنيا وإنشاد الشعر]
ثالثا: التحلق في المساجد للحديث في أمور الدنيا، وإنشاد الشعر: ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأهل السنن مرفوعًا: «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة» (١) . قال السّاعتي في الفتح الرباني في الأشعار: أي المذمومة كالمباهاة والافتخار، لا ما كان في الزهد وذم الدنيا، والدفاع عن الإسلام، كما فعل حسّان (٢) .
وقد روى البخاري في بدء الخلق من صحيحه، ومسلم في الفضائل عن سعيد بن المسيب قال: مرّ عمر في المسجد وحسّان ينشد (فلحظ عليه، فقال: كنت أنشد وفيه خير منك. . .) (٣) إلخ.
وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم
стр. 37
عليه يهجو الكفار» (١) .
ولعلّ ذلك لما في شعره ﵁ من الحماس والانتصار للرسول ﷺ ، والرد على المشركين، وتفنيد شبهاتهم، وإظهار خزيهم.
وحمل الحافظ ابن حجر في الفتح النهى عن أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون ما سلم من ذلك، وقيل: " النهي عن ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به فيه " (٢) اهـ.
وأما ما رواه الترمذي في آخر الأدب، والنسائي في كتاب السهو من سننه عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون ويتبسم» (٣) . فلعلّ ذلك للتحدث بنعمة الله، وذكر ما كان عليه أهل الجاهلية،
стр. 38
وأشعارهم المشتملة على النصائح، لا على القبائح، وذكر في المرقاة: أن من كلامهم تعجبهم من جهلهم حيث يصورون أصنامًا من تمر ثم يأكلونها عند الجوع، وحيث يعبدون أصنامًا ينحتونها وتبول عليها الثعالب، وكل ذك تحدث بنعمة الإسلام.
وأما النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة فيظهر أنهم كانوا يتحلقون في المسجد يتناجون إذا جمعهم المسجد للصلاة، فربما حضرت الصلاة وهم يحلقون، وذلك مما يشوش على المصلين، حيث أمروا إذا دخلوا في المسجد لصلاة أن يقوموا في الصفوف، ويكملوا الصفوف الأول فالأول، ولا يتفرقون، وذلك لأن التحلق يشغلهم عن القراءة والتنفل بالصلاة، ويسبب تقطع الصفوف، فيخرج الإمام وهم حلق يتناجون، وقد يكون حديثهم في أمور دنيوية، يتساءلون فيها، لبعد عهدهم بالتلاقي، فيغتنمون ذلك التلاقي، فربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراص في الصفوف، فالتحلق يخالف هيئة اجتماع المصلين، فمن حضر للصلاة فعليه أن لا يهتم بسواها، فالتحلق فيه غفلة عن الأمر الذي جاؤا لأجله، الذي هو العبادة والإنصات للخطبة.
стр. 39
ولا يدخل في ذلك التحلق للعلم في الصباح، حيث إنهم لم يحضروا للصلاة، وإنما جاؤا للاستفادة والتعلم، وبعده ينصرفون إلى أهليهم، ثم يذهبون للصلاة بعد ذلك بزمن طويل أو قصير، فلا ينهى عن التعلم في صباح الجمعة، سيما إذا كان في مسجد لا تقام فيه الجمعة، وإنما تقام فيه حلقة علمية صغيرة أو كبيرة يستفاد منها، كما يستفاد من الخطب ونحوها.
وأما جلوس الناس في المسجد، والتحديث في أمور الدنيا، فذلك مما ينافي العبادة التي بنيت لها المساجد، لأنها إنما بنيت لذكر الله والصلاة والقراءة والعلم، فاتخاذها مجالس عادية كالبيوت والأسواق يدل على الاستهانة بها، وعدم احترامها، فكما نهي فيها عن البيع والشراء ونشد الضالة، فكذلك ينهى فيها عن القال والقيل، والاغتياب، وحديث الدنيا، وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعًا: «يكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة» (١) . ولا خلاف أن النبي ﷺ كان يجلس في
стр. 40
المسجد للتعليم، ويتحلق أصحابه حوله، ويحضرون تعليمه، حتى ولو كانوا جنبًا بعد أن يتوضؤا، حرصًا على الاستفادة وأدلة ذلك كثيرة.
стр. 41
[رابعا السؤال في المساجد]
رابعًا: السؤال فيها: أي: كثرة المتسولين الذين يتكففون الناس، ويستجدون طلبًا للدنيا، ولقد كثروا في هذه الأزمنة، وتفاقم أمرهم، فأصبحت المساجد أو أكثرها أماكن للاستجداء والتكفف، وحصل بذلك تشويش ورفع أصوات، وتجمعات لأعداد كثيرة، يظهرون بصفة الضعف والذل والهوان، ويرتدون ثيابًا دنسة، ولا شك أن من بينهم من هو بحاجة وفاقة شديدة أو قليلة، ولكن الكثير منهم من المحتالين على جمع المال من غير حاجة، لذلك تصدر بعض التعميمات والتعليمات للأئمة بمنعهم، إلا من ظهرت عليه فاقة شديدة، وإحالتهم إلى طرق الأبواب، والاتصال بأرباب الأموال. ومع ذلك فلا مانع من الصدقة في المسجد لمناسبة، فقد ترجم أبو داود في سننه (باب المسألة في المسجد) ثم روى بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ : (هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟) فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن
стр. 42
فأخذتها فدفعتها إليه» (١) . فهذا السائل ذو حاجة، حيث قنع بكسرة رغيف ليسد بها جوعته، وقد بوّب البخاري في صحيحه: (باب القسمة وتعليق القنو في المسجد) ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: «أتى النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: (انثروه في المسجد) وكان أكثر مال أتى به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه. . فما قام رسول الله ﷺ وثم منه درهم» (٢) . ففي هذا الحديث جواز تفريق المال الذي يشترك فيه المسلون في المسجد، بشرط ألا يشغل المصلّين، ولا يحصل فيه ازدحام وهيشات أصوات، فإن تيسر تفريقه في غير المسجد فهو أولى، ومثله تفريق الزكوات وصدقة الفطر، يجوز في المساجد عند الحاجة.
стр. 43
وكذا يجوز وضع الماء في المسجد للشرب في القرب لتبريده، وكذا وضع البرّادات الكهربائية، لما في ذلك من نفع المسلين، وإعانة المصلين، فيحل بذلك أجر كبير لمن وضع هذه السقايات والبرّدات.
ومثله أيضا تفطير الصوّام في المساجد بجلب الأكل والشرب لهم، إذا لم يتيسر وضعه خارج المسجد، لما في ذلك من الأجر الكبير، بشرط أن لا يلوث المسجد بالفضلات والنفايات، وتنظيف المسجد بعد ذلك، وإزالة بقايا الأكل وما تساقط منه.
стр. 44
[خامسًا رفع الأصوات في المساجد]
خامسًا: رفع الأصوات في المساجد: وذلك لأن المساجد أماكن الطاعة والعبادة، وفيها يقبل العبد على صلاته وأوراده، ويحضر قلبه، ويخشع لربه، فمتى سمع الأصوات المزعجة انشغل قلبه، وغفل عن ذكر الله تعالى، وتشوش عليه فكره، وتشتت عليه ذهنه، فلا جرم لزم احترام المساجد، ولو كانت خالية من المصلّين والتالين، لحرمة الملائكة وأماكن للعبادة.
وقد روى البخاري عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب أمره أن يأتيه برجلين في المسجد، فقال: من أين أنتما؟ فقالا: من الطائف. فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ (١) . فالظاهر أنهما يتكلمان كلامًا عاديًا يسمعه عمر ﵁ وهو في جانب المسجد، فزجرهما عن رفع الصوت مطلقًا، وليس خاصًا بمسجد رسول الله ﷺ ، وإنما ذكر الواقع منهما. وقد روى مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال
стр. 45
رسول الله ﷺ : «وإياكم وهيشات الأسواق» (١) . قال النووي: "أي اختلاطها، والمنازعة والخصومات، وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها" (٢) .
وهذا عام في وقت الصلاة وغيرها، وذلك لأن الأسواق يحصل فيها الاختلاف ورفع الصوت والنزاع، فأمرهم باحترام أماكن الصلاة، وإبعادهم عما يحصل في الأسواق. فأما الحديث الذي رواه البخاري وغيره «عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أي حدرد دينًا كان عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما فنادى: (يا كعب) قال: لبيك يا رسول الله. قال: (ضع من في دينك هذا) وأومأ بيده أي: الشطر، قال قد فعلت. قال: (قم فاقضه) » (٣) . فقد استدل به على جواز التقاضي والملازمة في المسجد، ورفع الصوت فيه مالم يتفاحش، ولعلهما كانا في أحد جوانب المسجد، أي: بقربه، أو أن الصوت كان خاصًا يسمعه القريب،
стр. 46
ويمكن أن الدين تأخر وفاؤه ولم يتمكن كعب من رؤيته إلا في المسجد، ولعلهما رفعا الصوت، فأصلح بينهما لينقطع رفع الصوت (١) .
ويستثنى من ذلك رفع الصوت بالذكر الوارد بعد انقضاء الصلاة المكتوبة، بالاستغفار ثلاثًا، وقول: اللهم أنت السلام. . إلخ، وقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. . إلخ، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: « (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان -على عهد رسول الله ﷺ » (٢) . وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. وفي رواية: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير (٣) . ولعلّ ذلك فيما إلا انشغلوا كلهم بالذكر والتهليل والتوحيد، فيجتمع من أصوات المجموع ما يرتفع، حتى يسمعه من هو خارج المسجد, وإن يسمع صوت كل واحد بمفرده.
وأما التصويت بقراءة القرآن خارج الصلاة فيجوز إن
стр. 47
كان ذلك أولى للقارئ، وأقرب إلى استحضاره وتدبره، ولم يكن من يتضرر برفع الصوت، فأما إن كان هناك نائم أو نيام يتضررون بالصوت، فالأولى خفض الصوت بالقراءة والذكر، فإن كان الجميع يقرءون ويصوتون صوتًا عاديًا، وحصل به نشاط فلا بأس به، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (١) . وقد ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أن رسول الله ﷺ لما كان متواريًا بمكة كان إذا صلى ورفع صوته بالقراءة سمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فنزلت الآية وهو حديث متفق عليه (٢) .
وروى ابن جرير عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلّى فقرأ خفض، وأن عمر كان يرفع صوته، فسئل أبو بكر فقال: أنا أناجى ربي، وقد علم حاجتي، وقال عمر: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان. فلما نزلت الآية قيل لأبى بكر: ارفع شيئًا. وقيل لعمر: اخفض شيئًا (٣) .
стр. 48
وهذا يعم القراءة في الصلاة وخارجها، وسواء كان في المسجد أو في غيره، فمتى كان القارئ يجد نشاطًا وقوة في الجهر، ويحصل منه التدبر والتعقل، وحضور القلب، ولا يحصل ضرر منه على غيره، فله أن يجهر بحيث لا يقصد الإعجاب ولا الرياء ولا السمعة.
стр. 49
[سادسًا اتخاذ المسجد مستقرًا وسكنًا لغير حاجة]
سادسًا: اتخاذ المسجد مستقرًا وسكنًا لغير حاجة: فإنه يلزم فن ذلك فعل ما يكره فيه، أو ما يحصل بعده، كامتهان للمسجد، واستهانة بحرمته، مع أن جنس ذلك واقع في العهد النبوي، وجائز للحاجة، فقد اشتهر أنه كان في المسجد صفّة أو حجرة يأوي إليها المهاجرون الذين لا يجدون مستقرًا ومأوىً، فقد يجتمع فيها عدد كثير يبيتون في المسجد، ويقيمون فيه، فإن وجد أحدهم مأوىً غيره،! واستغنى بسكن انتقل إليه، وقد يعملون في النهار، ثم يأتون في الليل إلى تلك الصفة، وقد يهدى إليهم أطعمة ومأكولات فيضطرون إلى الأكل أو الشرب في المسجد، والنوم فيه، وذلك جائز للحاجة، ومع الأمن من تلويث المصلّى، ومع العناية بنظافة المسجد.
وقد روى البخاري في قصة العرنيين عن أنس قال: «قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفّة» (١) .
وروى البخاري أيضًا عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال:
стр. 50
كان أصحاب الصفة الفقراء (١) . قال في الفتح: والصفة موضع مظلل في المسجد النبوي، كانت تأوي إليه المساكين (٢) ولا شك أنه يلزم من بقائهم في المسجد النوم فيه، والأكل والشرب فيه، ولعلّ ذلك جاز لحاجة.
وجواز النوم في المسجد هو قول الجمهور، لما روى البخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد رسول الله ﷺ .
وروى أيضًا عن سهل بن سعد قصة فيها أن علي بن أبي طالب غاضب فاطمة، فلم يقل عندها ونام في المسجد وقت القيلولة حتى سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب (٣) إلخ.
وروى أيضًا عن أي هريرة قال: رأيت سبعين من أول الصفّة ما منهم رجل عليه رداء (٤) إلخ. ومعلوم أن هذا العدد لا تتسع لهم الصفّة الصغيرة، فدل على أنهم ينامون
стр. 51
في زوايا المسجد، إلا من وجد منهم مأوىً، فمن استغنى منهم استقل في منزله.
بل ثبت في الصحيح عن عائشة أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها. . فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد، أو حفش (١) الحديث. والخباء: الخيمة من وبر أو غيره. والحفش: البيت الصغير، وفيه إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين، رجلاً كان أو امرأة، عند أمن الفتنة، وإباحة استظلاله فيه بالخيمة ونحوها.
وقد ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (٢) . وأذن مرة لعائشة في الاعتكاف معه فبنت لها خباء، ثم بنت حفصة لها خباء (٣) إلخ.
ومعلوم أن المعتكف ينام في المسجد، ويأكل فيه ويشرب فيه، ويتخذه مستقرًا ليتفرغ فيه للعبادة.
стр. 52
وقد روى الإمام أحمد أن أبا ذر ﵁ كان يخدم رسول الله ﷺ , فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد، وكان هو بيته يضطجع فيه، وذكر أنه قال: فأين أنام وهل لي بيت غيره. وكذا روى الطبراني وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه كلام وقد وثق (١) . ولعلّ أبا ذر كان من أهل الصفة الذين ليس لهم مأوى سوى المسجد، فينام فيه كغيره للحاجة، مع علمه بحرمة المسجد، ووجوب العناية وتنظيفه عن الفضلات والقذر.
فأما الأكل فقد روى الطبراني كما في مجمع الزوائد عن عبد الله ابن الزبير قال: «أكلنا مع رسول الله ﷺ يومًا شواء في المسجد. . إلخ» ، وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال (٢) .
وعن ابن عمر قال: «أتى النبي ﷺ في مسجد الفضيخ بفضيخ بسر فشربه، فلذلك سمى مسجد الفضيخ.» [رواه أحمد وأبو يعلى وفي إسناده مقال] (٣) .
стр. 53
وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ «أن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد» (١) . ولعلّ ذلك وضوء تجديد، وكان في أحد جوانب المسجد.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت «أن النبي ﷺ احتجم في المسجد» (٢) . فقد ذكر مسلم في كتاب التمييز له أن ابن لهيعة أخطأ فيه، وأن الصواب (احتجر) أي اتخذ حجرة أي جانبًا يجلس فيه للاعتكاف (٣) . وكل هذه الأفعال تفعل بقدر الحاجة، وعند الأمن من تلويث المسجد، وظهور أثر الوسخ ورائحة الفضلات، وبقايا الطعام فيه، وقد يقع في هذه الأزمنة وقبلها وضع الأطعمة في المسجد وقت الإفطار من صوم رمضان، لكثرة الفقراء من العمالة، والفقراء، والمساكين الذين يعوزهم تحصيل طعام الإفطار المتواجد عند الأثرياء، ويشق جمعهم في المساكن، فاحتيج إلى تفطيرهم في المساجد أو ما يقرب
стр. 54
منها كبناء خيمة داخل المسجد أو خارجه، ويلزم مع ذلك تنظيف المساجد بعدهم، وإخراج بقايا الأطعمة ونحوها وإزالة النفايات وما يشوه المنظر، مع التزام وضع الأطعمة على خوان أو سفرة غليظة لا تخرقها المياه التي تتساقط عند الشرب من القهوة ونحوها، وكذا لابد من التهوية والطيب الذي تزول معه روائح الأطعمة، ولابد من إبعاد ما له رائحة مكروهة كالبصل والكراث والفجل ونحوها، حيث ورد النهي عن الإتيان إلى المساجد بروائح مستكرهة، وأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
ومما يحرص على تنزيه المسجد منه: الحدث فيه، وهو خروج الريح الذي هو النسم الخارج من الدبر، وقد دل على كراهته حديث أبي هريرة في الصحيح، ولفظه: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث» (١) . وقد فسر أبو هريرة الحديث بالصوت، ولكنه قد يقع بغير الاختيار، لقول النبي ﷺ : «لا ينصرف- أي: من الصلاة- حتى يسمع صوتَا أو يجد ريحًا» . [متفق عليه] (٢) .
стр. 55
وورد في الحديث: «إذا أحدث أحدكم في الصلاة فليمسك بأنفه ثم لينصرف» [رواه البيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي] (١) . قال الحافظ في الفتح: "يدل على أن الحديث يبطل ذلك أي: استغفار الملائكة، ولو استمر جالسًا، وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة، لأن لها كفارة، ولم يذكر لهذا كفارة، بل عوقب بحرمان استغفار الملائكة، ودعاؤهم مستجاب" (٢) .
ثم إن العادة في هذه الأزمنة إغلاق المساجد، ومنع النوم فيها، وذلك خوف الفساد، ووقوع المعاصي داخل المسجد، فقد عثر على أفراد يفعلون الفواحش ليلاً، وربما نهارًا على حين غفلة من الناس، فكان من صيانة المساجد إغلاقها، ومنع المبيت بها، حتى تصان بيوت الله عن هذه الفواحش التي هي من أقبح المحرمات، والتي كثرت وتمكنت في كثير من الأفراد ودون ارتداع، ولو كان في ذلك حرمان الضعفاء من النوم فيه للحاجة، لكن صيانة أماكن العبادة والطاعة أولى من مراعاة حاجة أولئك الذين قد يجدون ملاذًا في البلاد الواسعة، والله الموفق.
стр. 56
[سابعًا المرور في المسجد واتخاذه طريقًا لغير حاجة]
سابعًا: المرور في المسجد واتخاذه طريقًا لغير حاجة: فإن المساجد لها مكانتها وشرفها، فلا يجوز امتهانها بكثرة المرور والعبور فيها من بابٍ لبابٍ دون حاجة ضرورية، وإنما لمجرد العادة أو اختصار الطريق، فأما إن كان المرور لحاجة فلا بأس بذلك، وهو ما كان يقع في المسجد النبوي.
وقد ترجم البخاري في صحيحه (باب المرورِ في المسجد) وذكر فيه حديث أبي موسى رفعه: «من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها» . . .) (١) إلخ.
وروى قبله حديث جابر بلفظ: «مرَّ رجلٌ في المسجد معه سهام» . . .) (٢) إلخ.
ولعلّ ذلك كان لحاجة ألجأته إلى المرور، وقد يراد بالمرور الدخول لصلاة أو عبادة ونحو ذلك.
стр. 57
وهكذا ما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] (١) . عن ابن عباس قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل قال: تمر به مرًا ولا تجلس. [رواه ابن أبي حاتم] (٢) .
وروى ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رجالا كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] (٣) . وفي هذا جواز مرور الجنب في المسجد لحاجة الإتيان بالماء أو للاغتسال، ولا يجوز لغير حاجة، فقد روى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٤) . لكن قال الخطابي: إن أفلت مجهول، وضعف الحديث به، وتعقبه المنذري في تهذيب السنن، وابن القيم في شرح التهذيب بأنه معروف، وقد وثقه بعض الأئمة (٥) .
стр. 58
وقد روى البخاري هذا الحديث في ترجمة أفلت من تاريخه الكبير، ولم يجرح أفلت، وسماه بعضهم: فليت، ولكنه ذكر أن عند جسرة عجائب (١) وقد رواه ابن ماجه عن أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، عن أم سلمة، بلفظ: «إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض» (٢) . قال في الزوائد: "إسناده ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول" (٣) اهـ. ويمكن أنه عن جسرة عن عائشة وأم سلمة إن كان ثابتًا، ولعل نهي الحائض مخافة تلويث المسجد، ومتى أمن ذلك جاز دخولها المسجد، والحديث قد حسنه الزيلعي في نصب الراية عن عائشة، وناقش ما قيل في إسناده من المقال (٤) . وقد روى مسلم في صحيح «عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخمرة من المسجد) فقلت: إني حائض. فقال: (إن حيضتك ليست في يدك) » (٥) . ثم روى نحوه عن أبي هريرة، ولفظه: «بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال
стр. 59
صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ناوليني الثوب) فقالت: إني حائض. فقال ﷺ : (إن حيضتك ليست في يدك) فناولته» (١) . وظاهره أنه طلب منها ثوبا وهو في المسجد فأتت به، ولم يمنعها الحيض، ولعلها أمنت من التلويث، أو اعتبرت أن النهي عن الجلوس فيه.
وأما الجنب فلعل النهي عن دخوله المسجد لأنه محدث حدثًا أكبر، والمسجد موضع للعبادة، فلابد أن يكون محل احترام، فلا يجلس فيه الجنب، وقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى منع الجنب من المسجد حتى يغتسل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] (٢) . أي: لا تقربوا أماكن الصلاة، وذهب الإمام أحمد إلى جواز دخول الجنب المسجد إذا توضأ، وروي عن الصحابة أنهم كانوا يجلسون في المسجد للتعلم وهم جنب إذا توضؤا، ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وروى ذلك بإسناد سعيد بن منصور، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة. [وإسناده على شرط مسلم] (٣) .
стр. 60
[ثامنًا منع الصبيان ونحوهم من المساجد عند خوف العبث واللعب فيه]
ثامنًا: منع الصبيان ونحوهم من المساجد عند خوف العبث واللعب فيه: وذلك أن من طبيعة الأطفال كثرة اللعب والحركة، والتقلب والاضطراب، مما يشوش على المصلّين والقراء، وأهل الذكر والعلم، ولا يستطع وليه التحكم في تسكينه غالبًا، فهو في الصلاة يكثر الالتفات والتقدم والتأخر، ومد اليدين، وحركة القدمين، وذلك مما يشغل من يصلى إلى جانبه، ويلهيه عن الإقبال على صلاته، مما يذهب الخشوع، وينقص الأجر، ثم إن الأطفال الذين دون سن التمييز لا يؤمن تلويثهم للمسجد، فقد يحصل منهم التبول ونحوه، والروائح المستكرهة، واللعاب والبصاق ونحو ذلك، لعدم فهمهم بحرمة المكان، وصعوبة تأديبهم، والتحكم فيهم، فلذلك يتأكد على أوليائهم منعهم من دخول المساجد إلا بعد التأكد هن فهمهم، وتعلمهم احترام المسجد، وتربيتهم على النظافة والأدب، وحفظهم عن كثرة الحركة، وما يسبب ضررًا أو تشويشًا للمنظر الظاهر في بيوت الله التي أذن أن ترفع.
стр. 61
وقد روى ابن ماجه في سننه عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم» . . .) (١) إلخ. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده ضعيف، فإن الحارث بن نبهان متفق على ضعفه" (٢) اهـ. لكن له شواهد، فقد رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وخصوماتكم، وأصواتكم، وسلّ سيوفكم، وإقامة حدودكم. . . إلخ» . [لكن في إسناده العلاء بن كثير الليثي الشامي وهو ضعيف] (٣) .
ورواه الطبراني في الكبير أيضًا عن مكحول عن معاذ مرفوعًا: «جنّبوا مساجدكم صبيانكم، وخصوماتكم،
стр. 62
وحدودكم، وشراءكم, وبيعكم» . . . .) إلخ. لكن معاذا قد مات قديمًا فلم يدركه مكحول (١) . ولعلّ هذه الشواهد يقوى بها الحديث ليعرف أن له أصل، والعلة ما ذكرنا، فإن الصبيان وكذا المجانين يصعب تأديبهم والقبض عليهم، ولجهلهم بحرمة المكان يحصل منهم العبث الكثير والخبث، وتنجيس المكان ونحو ذلك فيتأذى بهم المصلّون ويشوشون على من حولهم فلزم منعهم.
стр. 63
[تاسعًا إقامة الحدود في المساجد واتخاذها موضعًا لسماع القضايا والخصومات]
تاسعًا: إقامة الحدود فيها: واتخاذها. موضعًا لسماع القضايا والخصومات التي تقع بين المتنازعين، حيث أنه ولابد سيحصل ضجيج وأصوات عالية، وكلمات نابية، فإن كلاً من الخصمين عادة يعيب الآخر ويثلبه، ويذكره بأقبح الصفات من الكذب، والافتراء، والظلم، والعدوان، ويقابله الآخر بمثل ذلك أو أشد، فيلزم من ذلك عادة امتهان المساجد بذكرهم هذه الصفات الذميمة المبنية على المبالغة أو الظن الخاطئ، وذلك مما ينافي كرامة المسجد ومكانته في النفوس، وهكذا ما يحصل عند إقامة الحدود في المسجد من احتشاد الخلق هناك لمجرد الفرجة والنظر، ويكون من بينهم السفهاء والأطفال، وأهل الجهل والفساد، فيحصل ازدحام ورفع أصوات، وارتكاب مفاسد وأخطاء تنافي شرف المسجد ومكانته في النفوس، ويحصل تشويش على من يصلي أو يقرأ أو يتعبد، وسواء كانت الحدود قتلاً أو رجمًا، أو جلدًا أو قطع طرف أو نحو ذلك.
وقد ورد النهي عن إقامة الحدود في حديث واثلة عند ابن ماجه، وحديث أبي الدرداء وأبي أمامة ومعاذ عند الطبراني، وإن كانت ضعيفة كما سبق، ولكن يقوّي بعضها بعضًا، مما
стр. 64
يدل على أن لها أصلا لكن قد ورد ذكر الرجم في المصلىّ كما في البخاري وغيره (١) . والمراد به: الموضع الذي في البقيع يصلى فيه على الجنائز، والمعنى أن إقامة الحد عليه كانتَ قريبا من ذلك المصلى، ولم يكن محوطًا، وليمر فيه علامة المسجد.
وهكذا ما في الحديث أن ذلك الرجل اعترف بالزنا في المسجد، وكرَّر اعترافه، وأمر برجمه (٢) إنما فيه الحكم عليه في المسجد، وقد ورد عن بعض السلف أنهم حكموا بين الميم في المسجد.
قال البخاريِ في كتاب الأحكام من صحيحه (باب من قضى ولاعن في المسجد) ولا عن عمر عند منبر النبي ﷺ ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان باليمين على زيد بن ثابت عند المنبر، وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجًا من المسجد (٣) ثم روى حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد (٤) .
стр. 65
وذكر الحافظ في الفتح أن أثر شريح وصله ابن أبي شيبة ومحمد بن سعد من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: رأيت شريحًا يقضي في المسجد وعليه برنس خز (١) . وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الحكم بن عتيبة، أنه رأى شريحًا يقضي في المسجد (٢) .
وأثر الشعبي وصله سعيد الخزومي في جامع سفيان، من طريق عبدا لله بن شبرمة: رأيت الشعبي جلد يهوديًا في قرية في المسجد. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن سفيان (٣) . وأما أثر يحيى بن يعمر فوصله ابن أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن قيس، قال: رأيت يحيى بن يعمر يقضي في المسجد (٤) .
وأخرج الكرابيسي في أدب الفقهاء من طريق أبي الزناد قال: كان سعد بن إبراهيم، وأبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، وابنه، ومحمد بن صفوان، ومحمد بن مصعب
стр. 66
ابن شرحبيل يقضون في مسجد رسول الله ﷺ وذكر جماعة آخرون (١) . ثم ذكر أن الرحبة بناء يكون أمام باب المسجد غير منفصل عنه، والراجح أن لها حكم المساجد فيصبح فيها الاعتكاف، وكل ما يشترط له المسجد، فإن كانت الرحبة منفصلة فليس لها حكم المسجد.
والذي يظهر من مجموع هذه الآثار أن المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد فقد أخرى ابن أي شيبة من طريق المثنى بن سعيد قال: رأيت الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في المسجد (٢) . وأخرج الكرابيسي في أدب الفقهاء من وجه آخر أن الحسن وزرارة وإياس بن معاوية كانوا إذا دخلوا المسجد للقضاء صلّوا ركعتين قبل أن يجلسوا (٣) . تْم نقل الحافظ عن ابن بطال قال: استحب القضاء في المسجد طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم، لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف، وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس، لإمكان الاحتجاب، قال: وبه قال أحمد
стр. 67
وإسحاق، وكره ذلك طائفة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم ببن عبد الرحمن أن لا تقضى في المسجد، فإنه يأتيك الحائض والمشرك (١) .
وقال الشافعي: أحب إلى أن يقضي في غير المسجد لذلك (٢) . وقال الكرابيسي: " كره بعضهم الحكم في المسجد من أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك، فيدخل المسلم المسجد، ودخول المشرك المسجد مكروه، ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف في مسجد رسول الله ﷺ وغيره" اهـ.
وقد علم أن القضاء في ذلك الزمان هو مجرد سماع قول الخصمين، ثم الفصل بينهما بكلمة أو كلمتين، وتنتهي القضية بدون مجادلات، ورفع أصوات، وتسجيل توقيعات، كما في هذه الأزمنة، وقد يكون سبا حكمهم في المسجد عدم توفر بناء خاص بالمحاكم، حيث أن القاضي يجلس في بيته، وقد يضيق بالخصوم المنزل، فيحتاج إلى الجلوس في المسجد، وقد يكون العذر هو
стр. 68
تمكن المرأة والضعيف من الوصول إليه للإدلاء بالحجة, وسماع الدعوى، وتحذير الكاذب من امتهان المسجد بالحلف الفاجر.
وأما في هذه الأزمنة وبالأخص في هذه المملكة فقد خصص محاكم مهيئة للجلوس فيها، وإحضار الخصومة، وتيسر للمظلوم والضعيف الوصول إلى القاضي، وعلى هذا تنزه المساجد عن هذه المرافعات، والجدال والنزاع, حتى يعرف للمساجد مكانتها وشرفها.
стр. 69
[عاشرٌا منع الكفار والمشركين من دخول المساجد]
عاشرٌا: منع الكفار والمشركين من دخولها: للأمر بتطهيرها وتنظيفها الحسي والمعنوي، وقد ذكر الله تعالى أن المشركين نجس، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] (١) . ولما نزلت بعث النبي ﷺ أبا بكر وعليا وغيرهما ينادون في موسم في موسم الحج: «أن لا يحج بعد هذا العام مشرك» (٢) .
وذكر الحافظ ابن كثير في التفسير عن أبي عمرو والأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٣) . قال ابن كثير: ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما ورد في الصحيح: «المؤمن لا ينجس» (٤) .
وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس ينجس البدن
стр. 70
والذات، لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: " من صافحهم فليتوضأ " (١) اهـ.
ولعلّ هذا منهم للمبالغة في مقت المشركين، وبغضهم والحذر منهم، وقد قال النبي ﷺ لأبي هريرة ولحذيفة: «إن المؤمن لا ينجس» (٢) . قال الحافظ في الفتح: تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين وقوّاه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار (٣) . إلخ.
وقد سبق ما نقله الحافظ عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى القاسم أن لا تقض في المسجد، فإنه يأتيك الحائض والمشرك وقول الكرابيسي: " كره بعضهم الحكم في المسجد، لأنه لد يكون الحكم بين مسلم ومشرك، ودخول المشرك المسجد مكروه " اهـ.
стр. 71
وذكر ابن مفلح في الآداب أن أبا موسى قدم على عمر ﵁ بحساب العراق، فقال: ادع (الكاتب) يقرؤه، فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لم؟ قال: لأنه نصراني (١) إلخ. وهو واضح في أنه قد تقرر عنده أن النصارى لا يمكنون من دخول المساجد لحرمتها، ونجاستهم المعنوية.
وأما الحديث الذي في البخاري في قصة ثمامة بن أثال، وربطه في المسجد قبل أن يسلم (٢) فلعلّ ذلك فُعل حتى يشاهد المصلّين، ويسمع القرآن، فينشرح صدره للإسلام كما حصل، حيث أسلم بعد ثلاث ليال، وكذا إذنه لوفد ثقيف، ودخولهم عليه في المسجد (٣) لأنهم جاؤا راغبين في الإسلام، وكذا يقال في سائر الوفود، وحيث لم يكن هناك أماكن واسعة لاستقبال الوفود غير المسجد النبوي، ولقربه من بيوت النبي ﷺ .
стр. 72
[حادي عشر منع سل السيوف ورؤوس النبال في المسجد]
حادي عشر: منع سل السيوف ورؤوس النبال في المسجد: ففي الصحيحين عن جابر قال: «مر رجل في المسجد ومعه سهام، فقال له رسول الله ﷺ : (أمسك بنصالها» (١) .
وروى البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «من مرْ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها, لا يعقر بكفه مسلما» وفي رواية: «كي لا تخدش مسلمًا» (٢) . ولعلّ ذلك لأن النبال رءوسها محددة، فإذا دخل بها المسجد أو الموضع المزدحم بالناس لم يؤمن أن يجرح بها إنسانًا على حين غفلة، والمسلم حرام سفك قليل دمه وكثيره، وذلك دليل حرمة المسجد أن يجرح فيه أحد من المسلمين، فمن دخله ومعه شيء محدد كسيف، أو خنجر، أو سكين فعليه أن يمسك برءوسها إذا مرَّ بين الناس، مخافة أن يطعن بها أحدًا من المسلمين.
وأما الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن عائشة قالت: «رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي،
стр. 73
والحبشة يلعبون في المسجد، وفي لفظ: والحبشة يلعبون بحرابهم» (١) . فأجيب بأنه أذن لهم للتدرب على القتال، وتعليم حمل السلاح والكر والفر، ولأن فيه استعانة على إعداد القوة للكفار، ولأن المتدربين يستطيعون حفظ سلاحهم، ويتحكمون فيه، بخلاف من مرَّ في المسجد بسهام أو نبال حال وجود المصلِّين، فقد يغفل فيجرح بها أحدًا وهو في غفلة. والله أعلم.
والمباحث المتعلقة بالمساجد كثيرة قد استوفى أكثرها البخاري في صحيحه، وغيره من علماء الحديث والفقه والأحكام، وأورد كل منهم ما تيسر له، وفيما ذكرنا كفاية.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
كتبه
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
٧ - / ٨ / ١٤١٩ هـ