← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31288

فصول ومسائل تتعلق بالمساجد

ابن جبرين

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] فصول ومسائل تتعلق بالمساجد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله الملك المحمود، الرحيم المعبود، المعروف بالكرم والجود، أحمده سبحانه وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن ربنا سبحانه لما كلّف عباده وأمرهم ونهاهم شرع لهم الاجتماع لأداء بعض العبادات، وخصَّ بعض الأماكن والبقاع بفضيلة وشرف تميزت بها، وفاقت سواها في مضاعفة الأجر والثواب فيها. وقد خص الله هذه الأمة المحمدية بأن شرع لهم بناء المساجد، والسعي في عمارتها، والمسابقة إليها، وتخصيصها بأنواع من العبادة لا تصح في غيرها. ولأهمية المساجد في هذه الشريعة أحببت أن أكتب حول ما يتعلق بها هذه الصفحات، مع أن العلماء قديمًا وحديثًا قد أولوها عناية كبيرة وتوسعوا في خصائصها، ولكن من باب المساهمة ورغبة في الفائدة أكتب هذه الفصول -والله الموفق-.

стр. 2

[الفصل الأول فضل المساجد وشرفها] الفصل الأول في فضل المساجد وشرفها قد عُلم أن الكثير من العبادات تتعين في المساجد، أو يزيد أجرها ويضاعف العمل فيها، فلذلك ورد ما يدل على فضلها مطلقًا، فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق» [رواه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ورواه الطبراني. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه عطاء بن السائب وهو ثقة، ولكنه اختلط في آخر عمره، وبقية رجاله ثقات] (١) . وعن أنس مرفوعًا: «خير البقاع بيوت الله» . . .) الحديث [رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن القاسم وهو ضعيف] (٢) . وعن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ : «شر المجالس الأسواق والطرق، وخير المجالس المساجد، فإن لم تجلس في المسجد فالزم بيتك» [رواه الطبرانى وفيه: " بكار بن تيميم " مجهول] (٣) .

стр. 3

وعن جبير بن مطعم: «أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي البلدان أحب إلى الله، وأي البلدان أبغض إلى الله، قال: لا أدري حتى أسأل جبريل ﷺ ، فأتاه فأخبره جبريل: أن أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق» [رواية البزّار، وفيه: عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طال، وهو مختلف في الاحتجاج به] (١) . وقال ابن عباس ﵄: «المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض» [رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمى: ورجاله موثوقون] ) (٢) . وقد دلَّ على معناه ما ورد في القرآن من إضافة المساجد إلى الله تعالى، وهي إضافة تشريف وفضل، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] (٣) مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله تعالى، ولكن المساجد لها ميزة وشرف، حيث تختص بكثير من العبادات والطاعات والقربات، وكما قال

стр. 4

تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (١) . والصحيح أن المراد المساجد المعمورة للذكر والطاعة، والتي هي من خصائص البلاد الإسلامية، فلذلك تؤدى فيها الصلاة جماعة وفرادى، ويدعو فيها المسلم ربه وحده، ولا يدعو معه أحدًا، فإضافتها إلى الله تعالى تقتضي شرفها وتميّزها على بقية البقاع، وذلك ما يوجب احترامها، واعتراف المسلمين بفضلها، فهي من خصائص المسلمين، حيث إن لكل ملة ديانة ومتعبد يجتمع فيه أهل تلك الديانة لأداء عباداتهم والتي يدينون بها، مثل الصوامع والديارات، والكنائس والبيع، مع أنها في زمانها أفضل من غيرها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] (٢) . ويراد بالصلوات: موضع العبادات، ولكن بعد نسخ تلك الديانات تعين منع عمارة تلك المعابد، لما فيها من مخالفة شعائر الإسلام، ووجب على المسلمين إظهار هذه المساجد وإشهارها، فأصبحت معالم على كل بلاد يسكنها المسلمون، حيث تتميز بهذه المساجد والتي

стр. 5

مدحها الله بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] (١) فترفع مناراتها فوق المساكن والعمارات، وتعرف بمحاربيها الموجهة إلى القبلة الخاصة بالمسلمين.

стр. 6

[الفصل الثاني فضل بناء المساجد وعمارتها] الفصل الثاني في فضل بناء المساجد وعمارتها بعد أن عرف فضل هذه المساجد وشرفها، فقد ورد ما يدل على فضل بنائها وعمارتها الحسية والمعنوية، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عثمان ﵁ أنه قال لما بني مسجد رسول الله ﷺ : إنكم أكثرتم علي وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة» وفي رواية: «بنى الله له في الجنة مثله» (١) وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من بنى مسجدا صغيرا أو كبيرا بنى الله له بيتا في الجنة» [رواه الترمذي] (٢) وعن عمرو بن عبسة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة» [رواه النسائي] (٣) . وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة»

стр. 7

[رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه] (١) . وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «من بنى لله مسجدًا من ماله بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه ابن ماجه] (٢) . وله عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من بنى مسجدً الله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة» [وإسناده صحيح] (٣) . وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتًا أوسع منه في الجنة» [رواه أحمد وفيه الحجاج بن أرطاة متكلم فيه] (٤) . وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدًا فصلي فيه بنى الله له في الجنة أفضل منه» [رواه أحمد والطبراني، وفيه الحسن بن يحيى ضعفه الدارقطني ووثقه أبو حاتم] (٥) وعن ابن عباس عن

стр. 8

النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه أحمد والبزار وفيه: جابر الجعفي وفيه ضعف] (١) . وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدًا قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه البزّار والطبراني في الصغير، والبيهقي وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان من طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات] (٢) وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» [رواه البزّار والطبراني، وفيه: الحكم ابن ظهير، وهو متروك] (٣) .

стр. 9

وعن أبيِ هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى بيتَا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتًا في الجنة من در وياقوت» [رواه الطبراني في الأوسط والبزّار، وفيه: سليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف، (١) . وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتَاَ في الجنة» قال: وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: (وتلك) [رواه البزّار والطبراني في الأوسط وفيه: كثير بن عبد الرحمن ضعفه العقيلي، وذكره ابن حبان في الثقات] (٢) . وعن عائشة عن النبيِ ﷺ قال: «من بنى لله مسجَدَا لا يريد به رياءً ولا سمعةَ بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المثنى بن الصباح ضعف القطان، ووثقه ابن معين في رواية، وضعف في أخرى] (٣) . وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى مسجدًا بنى الله له بيَتَا في

стр. 10

الجنة» [رواه الطبراني في الأوسط وفيه: وهب بن حفص وهو ضعيف] (١) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه الطبراني في الأوسط وفيه المثنى بن الصباح، ضعّفه القطان، ووثقه ابن معين في إحدى الروايات، (٢) . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدًا يراه الله بنى الله له بيتًا في الجنة، فإن مات في يومه غفر له، ومن حفر قبرًا يراه الله بنى الله له بيتًا في الجنة، وإن مات في يومه غفر له» [رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: عمران بن عبيد الله، قال البخاري: فيه نظر، وضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات] (٣) . وعن أبيِ أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجدَا بنى الله له في الجنة أوسع منه» [رواه الطبراني في الكبير، وفيه: علي بن يزيد وهو ضعيف] (٤) . وعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : «من بنى لله مسجَدَا بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه

стр. 11

الطبراني، ورواه أحمد بلفظ: «فإن الله يبني له بيتًا أوسع منه في الجنة» ورجاله موثقون، (١) وعن نبيط بن شريط قال: قال رسول الله ﷺ : «من بنى مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وشيخ الطبراني فيه كذبه صاحب الميزان] (٢) . وعن أبي قرصافة أنه سمع النبي ﷺ يقول: « (ابنو المساجد وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة) قال رجل: يا رسول الله وهذه المساجد والتي تبنى في الطريق؟ قال: (نعم وإخراج القمامة منها مهور الحور العين) » [رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده مجاهيل] (٣) . هكذا أورد هذه الأحاديث أو أكثرها المنذري في

стр. 12

الترغيب والترهيب، والهيثمي في مجمع الزوائد، ومجموعها يدل على أن الحديث متواتر حيث رواه ثمانية عشر من الصحابة، وبعضهم روى حديثين كابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة ﵃، وما في بعضها من الضعف ينجبر برواية الآخرين، فيدل على القطع بأن النبي ﷺ رغب في بناء المساجد، وقد اشترط في أكثرها أن يكون البناء لله تعالى، أي يريد به وجه الله والدار الآخرة لا يريد به رياء ولا سمعة، ولا يتمدح به، ولا يمن به على المصلين، وإنما يقصد الأجر من الله تعالى، وذلك شرط ثقيل، وعلامة ذلك أن يخفى نفسه، أو لا يحب ذكر فعله على وجه الإعجاب بعمله، وقد جعل ثوابه على ذلك أن يبنى الله له بيتًا في الجنة، وهذا أجر عظيم، فقد ورد أن «موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» (١) . وقوله في بعض الأحاديث: «ولو كمفحص قطاة» أي: الموضع الذي تصلحه من الأرض لبيضها، ولكنه أراد المبالغة في الصغر، حتى لا يحتقر أحد ما بناه من المساجد ولو في غاية الصغر، وقد يدخل في ذلك من ساهم في بنائه ولو باللبن أو الطين، أو عمل فيه بيده، أو دفع أجرة

стр. 13

العاملين ونحو ذلك من العمل الذي ينسب إلى صاحبه أنه ساعد في بناء المسجد بنفسه أو ماله، احتسابًا وطلبَا للأجر المرتب على ذلك، وهو أن يبنى الله له مثله أو أوسع منه في الجنة، حيث إن البيت في الجنة لا يقاس بما في الدنيا، ولا نسبة بينهما، وذلك مما يدفع من وسع الله عليه إلى المسارعة في الخيرات، واغتنام الفرصة في هذه الحياة، فيقدم لآخرته ما يجد ثوابه مضاعفًا عند ربه أضعافًا كثيرة. ثم إنه يستحب عدم الزخرفة والتباهي في المساجد، فقد ذكر البخاري عن أنس قال: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها» (١) [وهذا الحديث رواه أحمد والدارمي وابن ماجه وغيرهم بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» وفي رواية: «يأت على أمتي زمان يتباهون بالمساجد ولا يعمرونها إلا قليلاً» (٢) . وروى ابن ماجه عن عمر ﵁ مرفوعًا: «ما ساء قوم قط إلا

стр. 14

زخرفوا مساجدهم» (١) . وذكر البخاري عن ابن عباس قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» (٢) . ولابن حبان وأبى داود عن ابن عباس مرفوعًا: «ما أمرت بتشييد المساجد» (٣) . قال البخاري: وأمر عمر ببناء المساجد، وقال: " أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس " (٤) . وقد كثر التباهي في هذه الأزمنة بالمساجد، وأسرفوا في زخرفتها وكثرة الإنفاق عليها، وقد أفتى المشايخ بجواز تشييدها إذا شيدت المساكن والمنازل، حتى لا تكون المساجد مشوَّهة حقيرة بالنسبة إلى البيوت والمنازل، لكن بدون الإسراف والمبالغة في الزخرفة والرفع، وكثرة الإنفاق والألوان والأصباغ، والتنوع في ما يصرف فيها من الخزف والبلاط، والفرش مما لا حاجة إليه فهناك مساجد بحاجة إلى أدنى عمارة.

стр. 15

[الفصل الثالث فضل خدمة المساجد وعمارتها بالطاعة] الفصل الثالث في فضل خدمة المساجد وعمارتها بالطاعة قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ - إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨] (١) الآية، حيث وصف من يعمر المساجد بالإيمان بالله واليوم الآخر، والصلاة والزكاة وخشية الله وحده، والاهتداء الكامل، أي أن المؤمنين بالله حقًا هم الذين يحملهم إيمانهم على عمارة المساجد، وأكثر أهل العلم على أن المراد عمارتها بالصلاة والذكر والقراءة والعلم، وأنواع العبادة، فهي العمارة الحقيقية، ولهذا أورد الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] » [رواه الترمذي وقال: حسن غريب، ورواه الحاكم وقال: هذه ترجمة للمصريين لم يختلفوا في صحتها وصدق رواتها. لكن قال الذهبي: إن دراجًا كثير المناكير،

стр. 16

أي: دراج أبو السمح، أحد رجال الإسناد، وقد أورده النووي في رياض الصالحين مع التزامه بذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة] (١) . ثم إن معناه تشهد له الآية الكريمة، حيث زكى ربنا سبحانه من يعمر المساجد، ووصفهم بالإيمان بالله واليوم الآخر. . إلخ، وذكر ابن كثير عند هذه الآية عن عبد بن حميد بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما يعمر مساجد الله أهل الله» [وكذا رواه البزّار كما في الكشف، في باب في عمار المساجد عن صالح المري، عن ثابت، عن أنس، وقال: لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا صالح. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه صالح المري وهو ضعيف] (٢) . قلت: ولعله مستنبط من الآية الكريمة. وقال الزمخشري في الآية: "أي: إنما تستقيم عمارة هؤلاء، وتكون معتدًا بها، والعمارة تتناول رم ما استرم منها، وقمها، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر: درس العلم، بل هو

стр. 17

أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن له المساجد، من أحاديث الدنيا، فضلاً عن فضول الحديث" (١) . ثم أورد عدة أحاديث منها حديث بلفظ: «يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقًا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة» [قال الحافظ: أخرجه الطبراني عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وفيه: بزيع أبو الخليل وهو متروك. ثم ذكر أنه رواه ابن حبان في صحيحه من طريق آخر بنحوه] (٢) . ويدخل في خدمة المساجد إنارتها، فقد ذكر الزمخشري عن أنس ﵁ قال: «من أسرج في مسجد سرجًا، لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له مادام في ذلك المسجد ضوؤه» [قال الحافظ: رواه الحارث ابن أسامة من رواية الحكم العبدي عن أنس (٣) وفي

стр. 18

الطبراني عن علي رفعه: «من علق قنديلاً في مسجد صلى عليه سبعون ألف ملك» . . . إلخ) لكنه ضعيف، (١) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلاً أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد، فمات فسأل النبي ﷺ ، فقالوا: مات. قال: (أفلا كنتم آذنتموني به، دلّوني على قبره، أو قال قبرها) ، فأتى قبره فصلى عليه» ، سميت في بعض الروايات: أم محجن (٢) والمراد: أنها تجمع القمامة وهى الكناسة، ومنها قطع الخرق، والقذى، والعبدان، قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب ما يسقط فيه، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره ذا كان يسيرًا، ففي هذا الحديث فضل تنظيف المسجد إزالة ما يقع فيه من قمامة وقذى، لأنه يشوه المنظر، ويسبب النفرة من المسجد، بخلاف الموضع النظيف، فإنه النفس تألفه وترغب إطالة البقاء فيه.

стр. 19

ومن تنظيفه تطييبه بالنضوح والدخنة، فقد رو " أبو يعلى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يجمّر المسجد كل جمعة. [قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن عمر العمري وثقه أحمد وغيره، واختلف في الاحتجاج به، (١) . ولا شك في استحباب تطييب المساجد بالعود ونضحها بالطيب، لمكانتها وشرفها، وذلك مما يرغب العامة في الجلوس فيها، ويسبب محبة النفوس لها، ويزيدها جمالا. وقد روى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد» . . .) إلخ [رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة في صحيحه، وسكت عنه أبو داود وقال المنذري في تهذيبه: وفي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وثقة ابن معين وتكلم فيه غير واحد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذكر أن البخاري استغربه، ونقل عن البخاري والدارمي أن المطلب بن عبد الله راويه عن أنس لا يعرف له سماع من

стр. 20

أحد الصحابة] (١) ومع ذلك فمعناه صحيح، ويشهد لذلك قصة المرأة والتي كانت تقم المسجد فماتت فصلى النبي على قبرها (٢) . ومن خدمة المساجد فرشها بما يريح المصلّين ولو بتراب نظيف، أو حصباء، فقد روى أبو داود عن أي الوليد قال: «سألت ابن عمر عن الحصا الذي كان في المسجد، فقال: إنا مطرنا ذات ليلة، فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصا في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: (ما أحسن هذا) » [لكن إسناده ضعيف] (٣) . ولا شك أن إراحة المصلّين بما يزيل عنهم حرارة الأرض، أو يقيهم من الغبار، أو يزيل عنهم شدة الحر مما يثاب عليه من قصده، ولذلك اعتيد في هذه الأزمنة جعل البسط والسجاد المريح في أغلب المساجد، بعد أن كانوا يصلون على الحصباء والأرض الصلبة والغبار، فوجدوا بذلك راحة وانبساطًا ومحبة للعبادة ورغبة فيها.

стр. 21

ومن خدمة المساجد إنارتها كما سبق في حديث أنس وعلي على ما فيهما من الضعف، وقد روى ابن ماجه وأبو داود «عن ميمونة مولاة النبي على قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس. قال: (فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله) » . ولابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري. وهو موقوف وسنده ضعيف (١) . ولا شك أن إسراج المسجد الذي هو إنارته مما يسبب الرغبة فيه وينير الطريق لمن دخله، حتى يعرف الموضع الذي يقصده، وينظر مواضع الصلاة، ويتوقى خطر الصلاة لغير القبلة، أو العثور في نائم، والاصطدام بسارية أو حائط، وقد يسر الله تعالى في هذه الأزمنة وجود الكهرباء الذي يحصل بها تمام الإنارة والضياء الكامل، حتى أشرقت المساجد، واستنار الطريق، وتيسرت السبل للوصول إلى المساجد بسهولة وراحة، وأمن من الأخطار والفزع الذي يعتري من يمشي في ظلمة مدلهمة، سواء كانت في المساجد أو في

стр. 22

طريق الوصول إليها، ومع ذلك فقد ورد ما يدل على فضل المشي إلى المسجد في الظلمات، وكثرة الأجر المرتب على ذلك، فقد روى أبو داود والترمذي عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» [أو قال الترمذي: غريب. وقال المنذري في الترغيب: رجال إسناده ثقات] (١) . وعن سهل بن سعد السعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «ليبشر المشاؤن في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيام» [رواه ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي] (٢) . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» [رواه ابن ماجه والحاكم، وسكت عنه الذهبي، وضعفه البوصيري في الزوائد] (٣) .

стр. 23

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المشاؤن إلى المساجد في الظلم أولئك الخواضون في رحمة الله» [رواه ابن ماجه، وفي إسناده: إسماعيل بن رافع متكلم فيه، ونقل الترمذي عن البخاري وقال هو ثقة مقارب الحديث] (١) . وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : «إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» [قال المنذري: رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن] (٢) . وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من مشى في ظلمة الليل إلي المسجد لقي الله بنور يوم القيامة» [رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن، وابن حبان في صحيحه ولفظه قال: «من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد أتاه الله نورًا يوم القيامة» (٣) .

стр. 24

وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من النور يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون» [رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده نظر، كذا في الترغيب] (١) . وقد ذكر مثل هذا الحديث صاحبه مجمع الزوائد عن أبي سعيد وزيد بن حارثة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأبي موسى (٢) . وهو دليلٌ على شهرة الحديث، وكثرة من نقله من الصحابة، ومن خرجه من أهل الحديث، ولعل سبب الترغيب بكثرة الثواب ما كان المسلمون فيه من شدة الظلمة في بعض الليالي، مع ضيق الطرق، والتوائها، فيصعب سلوكها والعبور معها إلى المساجد في الليالي المظلمة، مخافة الهوام واللصوص، والحفر والحجارة والحيطان المعترضة، وقد خفَّت هذه الأشياء في زماننا بسعة الطرق وإنارتها، ونظافتها وأمنها والحمد لله، فلا عذر لأحد في التأخر لأجل ظلمة أو نحوها، فمتى وجدت الظلمة فصبر واحتسب ومشى لصلاة العشاء وصلاة الصبح كان أهلاً أن يحظى بالنور التام يوم القيامة.

стр. 25

[الفصل الرابع تنزيه المساجد وصيانتها عن الأقذار الحسية] الفصل الرابع في تنزيه المساجد وصيانتها عن الأقذار الحسية لما كانت هذه البيوت أمكنة العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة، ورد الأمر بصيانتها، وحفظها عن الأقذار والنجاسات والفضلات، حتى تحظى بالنظافة والحسن والجمال، وقد تقدم حديث المرأة التي كانت تقم المسجد فماتت فصلى النبي ﷺ على قبرها، وقد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه. زاد مسلم في رواية: ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما فهي لذكر الله تعالى والصلاة وقراءة القرآن.» (١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : (دعوه

стр. 26

واهريقوا على بوله سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» [رواه البخاري] (١) . ولا خلاف أن البول ونحوه من النجاسات التي تصان عنها المساجد التي تشترط طهارتها، فتصان المساجد وفرشها وما يلحق بها من رحبات وأسطحة ونحوها عن جميع النجاسات، وتطهر متى وقع فيها شيء من ذلك. وهكذا ورد تطهيرها عن الأقذار كالنخام، والمخاط، واللعاب، والدم، والقيح ونحوها، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه، حتى رؤي ذلك في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: (إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، فإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه) ثم أخد طرف ردائه فبزق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: (أو يفعل هكذا) .» (٢) . وفي رواية للنسائي: «رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى أحمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانه خلوقًا، قال رسول ﷺ : (ما أحسن هذا) .» (٣) . وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: (إذا كان أحدكم يصلّي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلّى) » ، وفي رواية: «فتغيظ على الناس ثم حكها، ودعا بزعفران فلطخه به» (٤) . وفي الصحيحين نحوه عن أبي سعيد الخدري ولأبي داود عنه أن رسول الله ﷺ قال بعد ما حكها: «أيسر أحدكم أن يبصق في وجهه؟ فإن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قبلته. .) » (٥) إلخ. وفي رواية لأبي داود: «من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم فليحفر فليدفنه، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه ثم ليخرج به.» (٦) .

стр. 27

وفي الصحيحين عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها في دفنها.» (١) . وروى الإمام أحمد والطبراني نحوه عن أبي أمامة (٢) ولأحمد وأبي يعلى عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب بنخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه» [ورجاله موثوقون] (٣) . وهناك أحاديث كثيرة تدل على النهي عن البصاق والتنخم في المسجد، وفي بعضها النهي بأن يبصق في القبلة أو عن اليمين، والإذن في البصاق عن اليسار أو تحت القدم اليسرى، ثم دلكها بالقدم، ولا شك أن البصاق والنخامة مما يستقذر في الطباع، ولذلك غضب النبي ﷺ لما رأى البصاق في قبلة المسجد، حتى أحمر وجهه، وسارع إلى حكه ثم لطخ مكانه بخلوق أو زعفران.

стр. 28

وقد علم أن المسجد إذا كان مبنيًا من الطين، فحكه يسير، وأن الأرض ترابية يمكن دفن ما يقع فيها، أو إخراج ترابه المستقذر، وحيث إن المساجد في هذه الأزمنة قد أصبحت مبلطة، ومفروشة في الغالب بفرش نظيفة، تتأثر بالوسخ والقذر، ويظهر فيها أثر النخامة والدم والصديد ونحو ذلك، تعين المنع من البصاق فيها على الأرض مطلقا، سواء على الفرش أو في الحيطان، أو على البلاط فمن بدره البصاق أو نخام فعليه أن يخرج لذلك، أو يبصق في منديل ويخرجه، أو في طرف ثوبه ويرد بعضه على بعض كما ذكر في الحديث، حتى يبقى المسجد نظيفًا طيبًا. وقد ورد أن النبي ﷺ قال: «من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة» [رواه ابن ماجه عن أبي سعيد، وفي إسناده لين] (١) . وفى السنن عن عائشة ﵂ قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب) » . قال

стр. 29

سفيان: بناء المساجد في الدور يعني: في القبائل. [وإسناده صحيح] (١) . وعن سمرة بن جندب أنه كتب إلى بنيه: (أما بعد، «فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصنع المساجد في ديارنا، ونصلح صنعتها ونطهرها» [رواه أبو داود وهو حديث حسن] (٢) . فيدخل في تنظيفها إزالة الأقذار عنها، وكذا الروائح الخائسة، فإنها مما تنفر المصلّين، وكذا تؤذي الملائكة، وقد وردت الأحاديث في مثل ذلك. ففي الصحيحين من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مساجدنا وليقعد في بيته» وفي رواية: «من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى بما يتأذى منه بنو آدم.» (٣) . قال ابن الأثير في جامع

стр. 30

الأصول: " ليس البصل والثوم من باب الأعذار في الانقطاع عن المساجد، وإنما أمرهم بالاعتزال عقوبة لهم ونكالا، لأنه ﷺ كان يتأذى بريحها " اهـ. ولا شك أن الصحابة لم يجعلوا أكل البصل والثوم عذرًا لهم، ويتوسلوا به إلى هجر المساجد، بل فهموا النهي عن أكل هذه البقول، ولسان حالهم يقول: نترك كل شيء يحول بيننا وبين المساجد والتي يتنافس بالصلاة فيها، وإن احتيج إليها أكلوها في الوقت الطويل كبعد الفجر أو بعد العشاء، بحيث يزول ريحها قبل وقت الصلاة، أو أكلوها بعدما تطبخ ويذهب ريحها. ويلحق بها كل ماله رائحة منتنة مؤذية كدخان التبغ والجراك، لكن لا يكون تعاطيه عذرًا للمدخنين في ترك الجماعة، وإنما ينهون عن تعاطيه قرب وقت الصلاة، حتى يتأذى المصلّون والملائكة والله أعلم. ومما تنزه عنه المساجد الحذاء المتسخة والتي تحمل قذرًا أو نجاسة، أو لوثًا ووسخًا تتسخ بها فرش المسجد وسجاده، وأرضه النظيفة، مع العلم أنه يجوز أن يصلي بالنعال النظيفة، فقد روى أبو داود عن أبي سعيد ﵁ أن

стр. 31

رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» [وإسناده صحيح] (١) . وعن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم» [رواه أبو داود والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي] (٢) . وفي الصحيح عن أنس أنه سئل: «أكان النبي ﷺ يصلى في نعليه؟ قال: نعم.» (٣) . ولعل السبب كان مشقة اللبس والخلع، لحاجتهم إلى ربط الشسع والشراك، فأما في هذه الأزمنة فتوجد أحذية لا تحتاج إلى الحزام والربط، فيسهل خلعها ولبسها من قيام، فيفضل خلعها، حيث إن المساجد قد فرشت غالبًا، وتتلوث بالغبار والتراب الذي لا تخلو منه الأحذية، وكذا

стр. 32

ما يوجد في الطرق من المستنقعات والمياه العكرة، وقد هيئ غالبًا للأحذية أماكن مخصصة توضع فيها إذا خلعت، مع جواز الصلاة فيها إذا تحققت نظافتها للأحاديث المذكورة.

стр. 33

[الفصل الخامس صيانة المساجد عن الأمور الدنيوية] [أولاً نشد الضالة في المسجد] الفصل الخامس في صيانة المساجد عن الأمور الدنيوية أولاً: نشد الضالة في المسجد: ورد النهي عنه، فعن بريدة ﵁ «أن رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال رسول الله ﷺ : (لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له) » [رواه مسلم] (١) . ومعناه: من وجد هذا الجمل فدعا إليه صاحبه ليأخذه. وعن جابر ﵁ قال: «جاء رجل ينشد ضالة في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : (لا وجدت) » [رواه النسائي بإسناد صحيح] (٢) . وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من سمع رجلاَ ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» [رواه مسلم وغيره] (٣) . ولعل السبب أن ذلك ذريعة إلى أن تتخذ

стр. 34

المساجد أماكن للأمور الدنيوية، فترتفع فيها الأصوات ويكثر فيها اللغط الذي ينافي احترامها، وحيث إن الضوال من بهيمة الأنعام، وكذا المفقودات من الأمتعة والأموال قد تكثر فيتوسع أصحابها في السؤال عنها في المساجد وقت اجتماع المصلّين، مما ينافي العبادة، لذلك يدعى على من سأل عن ضالة أو مفقودة، بأن يقال له: لا وجدت ضالتك، أو عسى أن لا تجدها، فإن المساجد أعدت للعبادة.

стр. 35

[ثانيًا تعاطي التجارة في المسجد] ثانيًا: تعاطي التجارة في المسجد: فقد روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك» [وقال: حسن غريب. ورواه أحمد والدارمي وابن خزيمة والحاكم وصححه] (١) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ : «نهى عن الشراء والبيع في المسجد» . (رواه أحمد وأهل السنن بإسناد حسن) (٢) . ولعلّ ذلك لأجل صيانة بيوت الله عن أمور الدنيا، وما يشغل عن الطاعة، وذلك لأن التجارة لابد معها من مماكة ومماكسة، ورفع أصوات، مما قد نهى عنه في المساجد، ولأن التجارة مما تتعلق بالدنيا ومتاعها، فلا تناسب في المساجد والتي بنيت لذكر الله تعالى، والصلاة وأنواع العبادة.

стр. 36

[ثالثا التحلق في المساجد للحديث في أمور الدنيا وإنشاد الشعر] ثالثا: التحلق في المساجد للحديث في أمور الدنيا، وإنشاد الشعر: ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأهل السنن مرفوعًا: «نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة» (١) . قال السّاعتي في الفتح الرباني في الأشعار: أي المذمومة كالمباهاة والافتخار، لا ما كان في الزهد وذم الدنيا، والدفاع عن الإسلام، كما فعل حسّان (٢) . وقد روى البخاري في بدء الخلق من صحيحه، ومسلم في الفضائل عن سعيد بن المسيب قال: مرّ عمر في المسجد وحسّان ينشد (فلحظ عليه، فقال: كنت أنشد وفيه خير منك. . .) (٣) إلخ. وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم

стр. 37

عليه يهجو الكفار» (١) . ولعلّ ذلك لما في شعره ﵁ من الحماس والانتصار للرسول ﷺ ، والرد على المشركين، وتفنيد شبهاتهم، وإظهار خزيهم. وحمل الحافظ ابن حجر في الفتح النهى عن أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون ما سلم من ذلك، وقيل: " النهي عن ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به فيه " (٢) اهـ. وأما ما رواه الترمذي في آخر الأدب، والنسائي في كتاب السهو من سننه عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر، ويضحكون ويتبسم» (٣) . فلعلّ ذلك للتحدث بنعمة الله، وذكر ما كان عليه أهل الجاهلية،

стр. 38

وأشعارهم المشتملة على النصائح، لا على القبائح، وذكر في المرقاة: أن من كلامهم تعجبهم من جهلهم حيث يصورون أصنامًا من تمر ثم يأكلونها عند الجوع، وحيث يعبدون أصنامًا ينحتونها وتبول عليها الثعالب، وكل ذك تحدث بنعمة الإسلام. وأما النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة فيظهر أنهم كانوا يتحلقون في المسجد يتناجون إذا جمعهم المسجد للصلاة، فربما حضرت الصلاة وهم يحلقون، وذلك مما يشوش على المصلين، حيث أمروا إذا دخلوا في المسجد لصلاة أن يقوموا في الصفوف، ويكملوا الصفوف الأول فالأول، ولا يتفرقون، وذلك لأن التحلق يشغلهم عن القراءة والتنفل بالصلاة، ويسبب تقطع الصفوف، فيخرج الإمام وهم حلق يتناجون، وقد يكون حديثهم في أمور دنيوية، يتساءلون فيها، لبعد عهدهم بالتلاقي، فيغتنمون ذلك التلاقي، فربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراص في الصفوف، فالتحلق يخالف هيئة اجتماع المصلين، فمن حضر للصلاة فعليه أن لا يهتم بسواها، فالتحلق فيه غفلة عن الأمر الذي جاؤا لأجله، الذي هو العبادة والإنصات للخطبة.

стр. 39

ولا يدخل في ذلك التحلق للعلم في الصباح، حيث إنهم لم يحضروا للصلاة، وإنما جاؤا للاستفادة والتعلم، وبعده ينصرفون إلى أهليهم، ثم يذهبون للصلاة بعد ذلك بزمن طويل أو قصير، فلا ينهى عن التعلم في صباح الجمعة، سيما إذا كان في مسجد لا تقام فيه الجمعة، وإنما تقام فيه حلقة علمية صغيرة أو كبيرة يستفاد منها، كما يستفاد من الخطب ونحوها. وأما جلوس الناس في المسجد، والتحديث في أمور الدنيا، فذلك مما ينافي العبادة التي بنيت لها المساجد، لأنها إنما بنيت لذكر الله والصلاة والقراءة والعلم، فاتخاذها مجالس عادية كالبيوت والأسواق يدل على الاستهانة بها، وعدم احترامها، فكما نهي فيها عن البيع والشراء ونشد الضالة، فكذلك ينهى فيها عن القال والقيل، والاغتياب، وحديث الدنيا، وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعًا: «يكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة» (١) . ولا خلاف أن النبي ﷺ كان يجلس في

стр. 40

المسجد للتعليم، ويتحلق أصحابه حوله، ويحضرون تعليمه، حتى ولو كانوا جنبًا بعد أن يتوضؤا، حرصًا على الاستفادة وأدلة ذلك كثيرة.
следующие страницы →