[مقدمة]
وظيفة المسجد في المجتمع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فيسرني كل السرور ويشرفني أن تلقيت دعوة كريمة من صاحب المعالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي للاشتراك في الملتقى الذي ستقيمه الوزارة في المدة من ١٤ إلى ١٨ / ١٠ / ١٤١٤ هـ، فتلبية لهذه الرغبة كتبت ما أسند إلي بحثه ألا وهو:
" وظيفة المسجد في المجتمع مع إضافة بعض أحكام المسجد ". وإن كان بحثا متواضعا، قصيرا لقلة المدة التي حددت لي، فأمل أن يكون البحث مناسبا وصالحا لما أعد له. وفق الله العاملين بهذه الوزارة وسدد خطاهم وكلل مساعيهم بالنجاح والتوفيق، وأن يكون هذا الملتقى بداية خير وهداية وبركة.
والله يوفق الجميع.
أ. د. صالح بن ناصر الخزيم
كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم
٢٩ - / ٨ / ١٤١٤ هـ
стр. 2
[شرح مفردات العنوان]
شرح مفردات العنوان الوظيفة: المنصب والخدمة المعينة، والوظيفة: ما يقدر من عمل أو طعام أو رزق، وغير ذلك في زمن معين، و العهد والشرط، ج وظف ووظائف، ويقال: فيها وظائف ووظف: أي نوب ودول (١) .
المسجد لغة: هو مفعل بالكسر اسم لمكان السجود، وبالفتح اسم للمصدر، قال أبو زكريا الفراء: كل ما كان على فَعَل يَفْعُل كَدخَل يَدْخُل كَالْمَفْعَل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق. مثل دخل مدخلا.
ومن الأسماء ما ألزموها كسر العين، منها: المسجِد، والمطِلع، والمغرِب والمشرِق وغيرها، فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب، وقد روى: المسجِد والمسجَد والمطِلع والمطَلع، قال: والفتح في كله جائز، وإن لم نسمعه.
قال في الصحاح: والمسجَد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه السجود، ويقال: مسيد بفتح الميم حكاه غير واحد (٢) .
стр. 3
أما المسجد شرعا فكل موضع من الأرض لقوله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (١) وهذا من خصائص هذه الأمة، قال القاضي عياض: لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته.
ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع، ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه (٢) .
المجتمع: موضع الاجتماع، و الجماعة من الناس. (محدثة) (٣) .
стр. 4
[فضل المساجد]
(فضل المساجد) المساجد أفضل بقاع الأرض وأفضلها المسجد الحرام بمكة ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى، هذا عند الشافعي وأبي حنيفة (١) أما المالكية فعندهم مسجد المدينة ثم المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى (٢) .
وعن ابن عباس: قال: «المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض» . رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون (٣) . وعن عبد الله بن عمر: «أن رجلا سأل النبي ﷺ أي البقاع خير، وأي البقاع شر؟ قال: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق» (٤) وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن
стр. 5
كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله، إلى الجنة» (١) .
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: «ستة مجالس: المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها: في مسجد جماعة، وعند مريض، أو في جنازة أو في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره» (٢) .
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» (٣) .
وعن سلمان عن النبي ﷺ قال: «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر» (٤) .
стр. 6
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح» ، متفق عليه (١) .
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام» . متفق عليه (٢) .
وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ : «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» . رواه أبو داود والترمذي (٣) .
стр. 7
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١) .
وفيه أيضا في حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال: ورجل قلبه معلق بالمساجد» (٢) .
قال النووي: معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها (٣) .
وعن عثمان ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة» (٤) .
المساجد بيوت أذن الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه وتطهر من الأنجاس الحسية والمعنوية كاللغو ورفث الحديث من غيبة وشتم وقيل وقال.
стр. 8
وتعمر في الصلاة والوعظ والذكر، بيوت أراد الله أن ترفع وأن تكون خاصة لذكره جل شأنه، يسبح فيها في الغدوات والأصائل رجال متفرغون للطاعة، ومنصرفون للعبادة فلا مظاهر الدنيا البراقة تفتنهم وتلهيهم، ولا تقليب التجارة والانشغال بأرباحها الباهرة يصدهم عن ذكر الله وينسيهم الآخرة، بل يذكرون الله ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم تتردد فيه النفوس بين الخوف والرجاء فتنقلب القلوب متجهة إلى اليمين والشمال لا تدري من أين تؤخذ؟ أو من أين تؤتى كتبها؟ أمن اليمين أم من الشمال. فهم يسبحون الله ويذكرونه ويؤدون فرائضه، وينتهون عن مناهيه ويخافون يوم الحساب ليجزيهم أحسن ما عملوا الجزاء الأوفى، ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب وهو واسع الفضل (١) .
والمساجد دور عبادة وذكر، وتضرع وخضوع لله جل وعز شأنه، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلل بين يدي الله ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير. ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] (٢) ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له وغوص وراء معانيه، وتمعن لمفرداته واستنباط لأحكامه، واستخراج لمخزوناته ومكنوناته من بلاغة وبيان وإعراب وقصص وغيرها.
стр. 9
[المسجد والدعوة]
(المسجد والدعوة) والمسجد مركز دعوة ومنبر توجيه، فكم نور قلوبا وعمر أفئدة وأزال عنها أوضار جاهلية وغبش المعاصي وانتزع منها جذور الزيغ والضلال، وجعل منها بحول الله تعالى وقوته أجيالا مؤمنة تقية نقية، مجاهدة صامدة، قانتة مطيعة، عمرت الأرض بالطاعة والخير، ونشرت الإسلام في آفاق واسعة ونواحٍ عديدة من المعمورة فكانت قرآنا يمشي على الأرض ينير للناس مناهج الحق ويهديهم سبل الرشاد، وسيوفا مصلتة في رقاب المتجبرين المتكبرين النافرين عن الحق، المصرين على الكفر والطغيان، ورسل هداية تغزو القلوب بالإيمان وتغرس فيها بذور التقوى، وتقاوي الإصلاح وغراس الطاعة كلها: طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١) .
стр. 10
فمن المسجد الحرام انطلقت دعوة رسول الله ﷺ تهز أرجاء مكة بقوه ألفاظها وسلاسة معانيها، وقوة نفوذها في الأعماق، تعرب عن صدق وإخلاص وأمانة، وتنبع من جنان عامر بالنور، دوى بها المصطفى الحبيب عليه أزكى صلاة وأفضل تسليم قائلا بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله في أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه " إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو نار أبدا " (١) .
ولما أمر ﵊ بإعلان نبوته، والجهر بدعوته، والصدع بالحق إذ نزل عليه قول الحكيم الخبير: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٢) . ارتقى المصطفى
стр. 11
المختار الصفا وصاح بأعلى صوته «واصباحاه وهي صيحة يصيح بها العربي حين يحس بخطر داهم يوشك أن يحيط بقومه أو عشيرته: ثم أخذ ينادي يا بني فهر: يا بني عدي، يا بني كعب، لبطون قريش كلها حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبا لك يا محمد ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] » (١) .
أما خطبته في أول جمعة صلاها بالمدينة فأجتزئ منها هذه العبارة: «وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا ما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداء ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] (٢) . وسماكم المسلمين.
стр. 12
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (١) ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢) .
ثم كانت لرسول الله- ﷺ خطب تذكر بالله وتدعو إلى حبه والتحاب فيه، والتنفير من الدنيا وبيان العلم الشرعي وفضله وبثه في الناس من جيران وغيرهم، ثم تلك الخطبة الجامعة العظيمة في حجته التي ودع فيها الناس وأعطاهم فيها دروسا عظيمة قيمة، تحمل وصايا كثيرة نافعة في البعد عن الظلم وترك الربا والإيصاء بالنساء وغيرها مما ينير للأمة الإسلامية في كل قرونها المقبلة طريقا هاديا يرضاه الله ورسوله ويفوز سالكوه بخيري الدنيا والآخرة.
وهكذا عمر خلفاؤه الراشدون الأئمة الحنفاء المهديون منابر المساجد مرشدين وموجهين ومتحسسين حاجة الأمة المسلمة إلى
стр. 13
ما يرقق قلوبها ويوضح لها معالم الحق ويسيرها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
وسارت على هذا النمط الأجيال المؤمنة تستخدم منابر المساجد والإرشاد والتوجيه والإنذار والتحذير وبيان الأحكام، وغرس العقيدة الصحيحة، وعلاج ما في المجتمع من أدواء وعيوب، واستئصال شأنات الحقد والحسد وكل خلق ذميم، والحث على المنهج الصحيح، والسلوك المستقيم حتى يعيش المجتمع المسلم نقيا صافيا متوادا متراحما، متكاتفا متعاطفا، يحس فرده بما يقلق جماعته، وجماعته بما يزعج فرده «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١) «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (٢) .
стр. 14
حقا إن منابر المساجد ورحباتها المشرقة نورت عقولا مؤمنة، ومحت بؤر شرك دامسة، خرجت دعاة مخلصين، وخطباء مفوهين، يأخذون بأزمة القلوب فصاحة ولسنا، ويمتلكون الألباب بلاغة وجزالة كلمات وروعة أسلوب، وبراءة استهلال، وحسن استشهاد، وهي في عصرنا الزاهي مدعومة بخطباء مصاقع وعلماء مبرزين تخرج جلهم في المساجد والجامعات السعودية المتخصصة بهذا الشأن. ترعاها أيد أمينة بتوجيهات رشيدة سديدة من لدن خادم الحرمين الشريفين وفقه الله وسدد خطاه، أما في مجال الدعوة وتخريج الدعاة فحدث عن المساجد ولا سيما الحرمين الشريفين ولا حرج، فقد تخرج عباقرة الصحابة ونحارير التابعين ومن بعدهم من القرون، فمعاذ بن جبل ﵁ أرسل داعية إلى اليمن، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة إلى اليمن، وغيرهم من صحابة رسول الله الغر الميامين. وقال لابن عمه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» . فصحابة رسول الله كانوا رسله إلى الآفاق يعلمون الناس دينهم ويمحقون معالم الشرك وآثار الوثنية، ومستنقعات الفجور والمعاصي الوبيئة، وتلاهم على هذا النهج الخير والدرب النير أساتذة كبار، ومشايخ أمناء
стр. 15
في شتى العصور والأجيال فعمر بن عبد العزيز وابن حنبل والشافعي ومالك وأبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم وغيرهم ممن نشروا الدعوة بألسنتهم الصريحة في الحق، وكتبهم المجدية النافعة التي ملأت مكتبات العالم وأثرتها إثراء جما ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المؤلفات وحققت فيه كتب كثيرة في شتى العلوم في البلاد الإسلامية ولا سيما جامعات مملكتنا الحبيبة ومراكزها الثرية بالمخطوطات ومعاهدها العالمية، فقد أنتجت بحوث متقنة هامة ونقحت مخطوطات كبيرة مفيدة أثرت دور العلم ومكتباته كبراها وصغراها فصارت في متناول رواد العلم وطلاب الثقافة من باحثين ومحققين ودارسين يجدونها أوفر ما تكون علما وتوثيقا وتخريجا وتصحيحا وكشفا لغوامض، وإجلاء للعويص والمغلق، وروعة في التنسيق والترتيب والإخراج ترغب المقبل على التحصيل وتشد انتباهه، وتدفعه إلى الاستزادة من العلم بنهم وشره وقوه طلع وإنتاج.
стр. 16
[حلقات قرآن]
(حلقات قرآن) والمساجد حلقات لتعليم القرآن وتحفيظه وفهم لمكنوناته وغوص وراء خفاياه، واستنباط لحكمه وأحكامه ومعانته وبيانه، وانتفاع بعبره ومواعظه، فقد تلاه الصحابة وحفظوه أو بعضه، وكانوا ﵃ إذا حفظوا عشر آيات منه لم يتجاوزوهن حتى يعملوا بهن، ويطبقوا محتواهن، وقد أمر المصطفى ﷺ بأخذ القرآن من أربعة كما في الحديث: " خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ به -، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب -، وسالم مولى أبي حذيفة (١) ولعلهم أكثر ضبط لألفاظه، وأتقن لأدائه، وقد يكون غيرهم أفقه في معانيه، أو لأنهم تفرغوا لأن يؤخذ عنهم وكذلك ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة والتابعين كمجاهد بن جبر، وبرع في علوم القرآن نفر كثير ممن بعدهم كابن كثير وابن جرير والقرطبي والسيوطي وابن قتيبة والفراء والشاطبي وأعلام القراءات " كنافع المدني وابن كثير المكي وحمزة بن حبيب
стр. 17
الزيات، وأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود، وابن عامر الدمشقي، وابن محيصن، والكسائي، وأبي جعفر يزيد بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف بن هشام البزار (١) " واليزيدي، والحسن البصري، والأعمش، وغيرهم كثيرون من القراء والمفسرين ومعربي القرآن ومفسري غريبه ومتتبعي علومه بالكشف والبيان والإيضاح.
وحلقات القرآن مدارسة وإقراء وفهما واستنباطا في بيوت الله وعلى أصعدتها، أمور عظيمة مرغب فيها تتغشاها الرحمة، وتخيم عليها السكينة وتحفها الملائكة الكرام، يقول الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) .
стр. 18
فبيت الله مدرسة قرآنية مثمرة منتجة أنجبت فطاحل العلماء وكبار المقرئين في كل عصور الإسلام الزاهية، ونرى آثارها بارزة وقطوفها دانية وإنتاجها ثرا في عهد خادم الحرمين الشريفين، يشاهد ذلك في الحرمين الشريفين وغيرهما من بيوت الله التي تحتضن الشباب الحي والبراعم الغضة لتجيد التلاوة ففي كل موسم نرى حفظة لكتاب الله في كل المناطق ترعاها الدولة وتسيرها جماعات القرآن الكريم بجهود مشكورة موفقة، وكذلك الجهات التعليمية المسئولة كوزارة المعارف، والرئاسة العامة لتعليم البنات، ووزارة الشئون الإسلامية وجامعة الإمام، وكلية القرآن في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجميع أقسام القرآن وعلومه في الجامعات كلها سدد الله خطا العاملين فيها وقواهم.
[المساجد مراكز تعليم وتدريس لجميع الفنون وشتى العلوم]
المساجد مراكز تعليم وتدريس لجميع الفنون وشتى العلوم أما عن الحرمين الشريفين فلا تسل عن ضخامة إنتاجهما ونوعية خريجيهما من القوة في العلم والجودة في الأسلوب والتحقيق وسعة الأفق ووفرة الاطلاع ممن بثوا في العالم فنشروا ما تعلموه ونقلوه لأفراد المجتمعات ضبطا وإتقانا وحفظا وتبحرا ونية خالصة وحبا لبث العلم في شتى ضروبه للمتعطشين له والمقبلين عليه.
стр. 19
وامتدت تلك المراكز التعليمية إلى شتى المساجد الإسلامية فدرس الحديث وعلومه ونبغ فيها من نبغ من محدثين وشراح حديث ومصطلحيين وجهابذة فطاحل في كل فروع السنة، خرجوا الأحاديث ونقوها وبينوا صحيحها من سقيمها في المتون والأسانيد، وشرحوا الغريب وأعربوا العويص، وأثروا المكتبة الإسلامية بصنوف المؤلفات كالصحاح والسنن والمسانيد وطبقات المحدثين وكتب الغريب وغيرها، ثم دروس الفقه وأصوله وقواعده وتاريخ التشريع، أخذت حيزا كبيرا من المساجد تدريسا وحفظ متون ومناقشات مفيدة وإفتاء وتأليفا حتى اتسعت دائرة هذه المواد وتشعبت فروعها وكثر روادها ودرست على أرقى مستوى، فبرز فيها من برز، وتفوق فيها من تفوق، وجادت مراكزها بأعلام الفقهاء ونوابغ الأصوليين وشيوخ القواعد وعلماء التشريع الذين ألفوا ودرسوا وأوجدوا نتاجا علميا وفيرا غصت به المكتبات، وخرجوا أجيالا مؤمنة متعلمة تدعو إلى الخير وتصد عن الشر.
ولا ننسى اللغة العربية وعلومها الثرة فقد درس النحو والصرف وفقه اللغة والبلاغة وغيرها من مشتقات اللغة في ردهات المساجد ورحباتها المشرفة المباركة وبرز فيها علماء متخصصون وأكاديميون مدركون بذلوا الجهد المجدي في بذلها
стр. 20
لأفراد المجتمع تلقينا وحفظا واستشهادا وشعرا وإعرابا واستشفاف ما في الكلام العربي من محاسن بديعية وبيانية، وأبعدوا حواشي الكلام ومتنافره وما فيه من تعقيدات لفظية ومعنوية. واستخلصوا لشباب الأمة ألفاظها الجزلة وأمثلتها السائرة، وأساليبها الرائعة، ومعانيها المستطابة المشوقة التي تطبي الأفئدة وتستميل القلوب إلى هذه اللغة العريقة.
وما من علم تحتاجه الأمة المسلمة إلا وللمسجد فضل في تطويره ونشره ورفع مستواه وحث الناس على الاقتباس منه، والاصطياد من خرائده ولآلئه ودراريه, سواء كان علميا أو نظريا علوم دنيا أو آخرة.
فالمسجد ركن ركين للعلم ومعين قوي لا ينضب، ومرتاد لكل رائد للعلم أريب، ومنهل ينهل منه أفراد المجتمع ما يروي نهمهم، ويشبع رغباتهم، ويعطيهم قوة علمية وشحنة إيمانية تدفع عنهم الشكوك والأوهام، وتحميهم من سموم الأعداء ونفثاتهم المحمومة المسعورة التي يحاولون بها الدس والتضليل، وذر الرماد في العيون السليمة لتنعكس مرئياتها ومفاهيمها، وتعشو أبصارها فتتبلبل أفكارها، يحاولون بذلك إرضاء نزعاتهم الشريرة،
стр. 21
ورغباتهم الجامحة، ونزواتهم الطائشة، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] (١) .
وفي المسجد غذاؤك الروحي وزادك الإيماني، تتروى بين أروقته علما زلالا، وتكتسب منه خلقا حميدا وسمات فريدة، وتجالس فيه أصفياء أوفياء خيرين، وأصدقاء أحماء طاهرين، تستفيد منهم سلوكا حسنا، ونهجا مشرفا , يحفزونك للعلم والهدى، ويرشدونك للحق والتقى، ويمنحونك العلم الذي يرفعك الله به درجات، وتزكو به بين أقرانك وأترابك.
فهو نعم الأليف، وحبذا الخليل، كبروا همة، وعزوا مكانة، وسموا علا ونهى، وازدادوا تقى وهدى.
[دور المملكة الفعال في دفع المسجد ودعمه لأداء رسالته والقيام بوظيفته]
دور المملكة الفعال في دفع المسجد ودعمه لأداء رسالته والقيام بوظيفته لمملكتنا الحبيبة الغالية دور كبير وأثر عظيم بارز في دعم المسجد بمسئولين فاهمين أمناء، وإعطائهم مكافآت مشجعة، وتحفيزهم على إقامة حلقات قرآنية وعلمية تعلم تلاوة القرآن وتجويده وما يتصل بذلك من العلوم، حتى رأينا بحمد الله دفعا تترى تحفظ القرآن مفسرا مجودا يحتفل بها سنويا وتعطى جوائز
стр. 22
سخية تحفز وتشد العزائم، وما المسابقة الدولية للقرآن الكريم بمكة المكرمة وجوائزها السنوية المدعومة والمبذولة من خادم الحرمين الشريفين - رائد التعليم الأول - إلا برهان كبير ودليل ساطع على ما يوليه الملك فهد بن عبد العزيز كتاب الله وحفظته من رعاية واهتمام في شتى أصقاع العالم، وما مجمعه - رعاه الله - لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة وما قام به من إنتاج ضخم يغطي جميع دول العالم الإسلامي ومراكز المسلمين في كل دولة إلا دليل بارز على حبه للقرآن وحملته وحب نشره بين أبناء المسلمين قاطبة ليتلوه ويحفظوه علما وعملا في جميع مناحي الحياة، يقول المصطفى الحبيب ﷺ لعلي بن أبي طالب: «فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (١) ".
يقول الهادي الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (٢) .
стр. 23
ودولتنا الرائدة وشعبها الكريم دعامتان قويتان لجماعات تحفيظ القرآن في شتى مناطق مملكتنا السنية الغالية، بذل متواصل بسخاء، وأريحيات كريمة تهتز للندى، وأيد معطاءة لا تكل ولا تني، وتشجيع لشباب الأمة في حفظ كتاب الله المجيد والتروي من مناهله العذبة، وحفز للهمم القوية المشوبة بحب القرآن والتي لا تروى من العب من معينه الصافي، ورحيقه الزلال، وقوة إيمانية تدفع لهذا العمل الشريف، وإخلاص نقي ينتج إنتاجا باهرا ويثمر ثمراث خيرة يانعة. نعم، هذا بذل أحفاد جيل القرآن ونسل الصحابة الغر الميامين، وذاك عملهم الخالص الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة، وإنما بذل لله، وإنفاق في سبيله، وعمل من أجله، هذه نتائجه، وما أدراك ما تلك النتائج، شباب في مقتبل العمر، وريعان الفتوة، يحفظون كتاب ربهم غضا طريا ويطبقونه معاني وعملا واستفادة وهداية ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] (١) كتاب تكفل العليم الخبير بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) كتاب يسره الله للمدكرين ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] (٣) .
стр. 24
كتاب يرد حجج المبطلين، ويدحض زيف المغرضين، ويبكت ألسنة المبتدعين والضالين: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] (١) .
كتاب منزل من عند الله الكبير المتعال، العزيز الغفور، لا يقربه باطل، ولا تحوم حوله شبه، ولا تصل إليه نزعات المحمومين المسعورين، ولا نفثات الشياطين المغرورين المتربصين بأمة الإسلام وكتابها المنزل من رب العالمين. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] (٢) .
ولا تنس أخي المسلم أن المسجد كان منطلقا للجهاد، يربى فيه الجنود الأشداء الأقوياء بإيمانهم، الآخذون تعاليم المجاهدة والمرابطة من في رسول الله ﷺ ، يربيهم بكتاب الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٣)
فمن المسجد، خطبه وحلقاته ودروسه ومواعظه ورقائقه تؤخذ العلوم وتتلقى الأحكام، ويتعلم الناس أمور دنياهم وآخرتهم، عبادة ومعاملة، حربا وسلما سلوكا وأخلاقا وكل ما يغذي روح المسلم ويقوي إيمانه، ويصقل ذهنه، وينير عقله، ويبصره في أمور حياته ومماته.
والمسجد منتدى تشاور، ومحك خبرات، وصقل مواهب، ومتلاقح أفكار، وميدان لتبادل الآراء في عرض أي مشكلة تهم المسلمين لحلها ورأب صدع الخلاف فيها، حتى يلتئم الشمل، وتتحد الكلمة فلا يجد العدو الكاشح منفذا لإفساد صف المسلمين وتفريق جمعهم وبذر تقاوي الضغينة والإحن في نفوسهم، فالعدو ذكي وحريص ويعرف من أين تؤكل الكتف، ولا يصده ويكبح جماحه إلا صمود المسلمين وصلابة عودهم وقوه شكيمتهم واتحادهم قلبا وقالبا، وما أعظم المشاورة وأجل ثمارها، إنها قوة للمسلمين ودرع حصين لهم، فما أحسن جلسة الشورى لحل
стр. 27
معضلة ما، تطرح المشكلة على بساط البحث وتجال فيها الآراء، وتدار الأفكار وتدخل في بوتقة الصهر فيعرف فجها من ناضجها وسقيمها من صحيحها وزيفها من خالصها، فيستبعد الفج والزيف والسقيم، ويؤخذ بالناضج والصحيح والخالص، فعليه يتم السير فيوصل إلى الغاية المثلى فيصلح الحال، ويزول المشكل، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] (١) ويقول ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) .
والمسجد ملتقى عظيم يجتمع فيه المسلمون للصلاة والمواعظ مرتين في عيدي السنة: الفطر والأضحى، وفي كل أسبوع مرة لأداء صلاة الجمعة وسماع خطبتها، وفي كل يوم وليلة خمس مرات لتأدية الصلوات الخمس المكتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (٣) .
هؤلاء الصلوات اللاتي تمحى بهن الخطايا، وتكفر بهن الذنوب , فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه
стр. 28
شيئا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (١) وشرعت صلاة الجماعة لأجل التواد والتواصل وعدم التقاطع فباجتماعها يحصل التآلف والوئام، والأنس والانسجام، والتعاطف والتلاطف والالتئام فتصفو القلوب، وتزكو النفوس ويجتمع الشمل، ويرتئب الصدع، وتنقشع سحب الضغينة وغيوم الإحن والأحقاد، ويبقى المجتمع نظيفا من الغل والحسد، طاهرا نقيا من السخيمة والشحناء، تخيم عليه المحبة الواثقة، وتملأ أفئدة بنيه المودة الكامنة الصادقة به، ويطلع المسلم على أحوال أخيه، ويتحسس مواضع حاجته، فيسعفه ويواسيه، يعرف من ملامح وجهه ورثاثة حاله ما يعتلج في جنانه من شظف عيش وسوء حال، وعوز وفاقة، وما يخالج ضميره من هم وكدر، فيخفف ما ألم به بمد يد العون والرفد والعطاء، ويعالج ما أقلقه من مصائب وغموم، فيزيل عنه شديد قلقه، وثقيل أتراحه «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (٢) وإن رآه هانئا باشا،
стр. 29
قرير العين مسرورا فرح بسعادته وسروره وهنأه بما منحه الله من نعم مبهجة، وآلاء متوافرة، وخير عميم، سواء كان سروره بزواج هانئ سعيد، أو بمولود قرت به عينه، أو برزق حسن، أو حفظ قرآن، أو نجاح ولد، أو صلاحه، أو غير ذلك مما يثلج صدره ويدخل السرور على قلبه، وإن فقده من المسجد سأل عنه وعن أسباب تخلفه، فإن كان مريضا زاره ودعا له بالشفاء، وإن كان مسافرا دعا له باليمن والتوفيق في سفره والعود الحميد إلى أهله سالما غانما، وإن كان سجينا فعل ما يفك أسره، ويطلق وثاقه بتحمل ما عليه إن كان مدينا عاجزا , بسبب كارثة اجتاحت ماله، وإن كان تخلفه عن الصلاة لكسل انتابه ناصحه مناصحة الأخ الكريم البر بإخوانه مبينا له وجوب الصلاة ومكانتها من الدين، ووجوب حضورها مع جماعة المسلمين موردا بعض الأدلة من الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] (١) . وقوله جل وعز ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ - وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] (٢) .
стр. 30
وقوله جل من قائل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ - قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ - حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧] (١) وجعل المحافظة على الصلوات من سمات المؤمنين المفلحين، وأخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٢) وقال المصطفى الحبيب ﷺ : «إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (٣) وقال ﷺ : «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» (٤) وقال وهو يحتضر صلوات الله وسلامه عليه: «الصلاة وما ملكت
стр. 31
أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم الصلاة وما ملكت أيمانكم» (١) فبين أن الصلاة ركن عظيم من أركان ديننا الإسلامي الحنيف، وأن تركها كفر يودي بصاحبه إلى النار إن لم يتب، كل هذا لعل هذا المقصر يثوب إلى رشده ويعود من غيه فيؤدي هذه الصلاة ويحضرها مع جماعة المسلمين في المسجد فيلفح ويفوز، ويظفر ويغنم.
نعم , إن المساجد في الإسلام دور علم ومدارس تعليم خرجت للأمة الإسلامية علماء أقحاحا، وجهابذة نقادا، وأساتذة نحارير، فسروا القرآن وأبانوا للناس معانيه وحكمه وعلومه، ودونوا واستخرجوا صحيحه من زيفه، وشرحوا أحكاما ومعاني وألفاظا عربية، واستنبطوا ما فيه من بلاغة وبيان وغيرهما، وتخرجوا في شتى العلوم نحوا وصرفا وعروضا وخطابة، وما إلى ذلك من علوم علمية ونظرية.
стр. 32
ولا زالت تلك المساجد في عصورها المختلفة تؤتي هذه الثمار الشيقة حتى يومنا هذا في ظل دولتنا الرشيدة أيدها الله ووفقها لخدمة القرآن وكل العلوم النافعة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الذي ازدهرت في عهده العلوم وتطورت وخدم كل فن من فنون العلم حتى أينع وقطف كل مسلم من ينعه الشهي الشيق، فقد بذل رعاه الله وسدد خطاه ما يعجز اليراع. ويكل اللسان عن وصفه من مجهودات جبارة ومساعي مشكورة في خدمة الحرمين الشريفين وصيانتهما والسمو بهما رقيا وعلما، فتعميرهما الفخم، ومعاهدهما ومنابرهما المعطاءة تشهد باليد الحانية والعطف الغامر والأريحية السخية التي قامت بذلك، وحلقاتهما ودروسهما المنتجة دليل بارز على ذلك الاهتمام الكبير والرعاية الصادقة، علاوة على النهضة العلمية الشامخة في بلدنا الحبيب والتي امتدت معاهدها الثانوية والجامعية إلى ميادين أخرى في بلاد إسلامية ومراكز إسلامية أيضا.
والعلم في بلدنا الكريم المضياف والذي يستقبل بصدر رحب وكرم بالغ إخوة أشقاء مسلمين يفدون إلى هذا البلد على منح دراسية يدرسون في الجامعات تصرف لهم مكافآت سخية
стр. 33
كإخوانهم السعوديين، نجح منهم أعداد كبيرة رجعوا يخدمون دينهم وأمتهم وينشرون التعاليم الإسلامية، ولا زالت أفواج الخريجين كل نصف سنة تتخرج وتعود لتعطي نشء بلادها مما تعلمته من علوم عقدية وفقهية وغيرها من علوم الإسلام عملية ونظرية.
стр. 34
[وماذا يجب علينا تجاه المسجد]
(وماذا يجب علينا تجاه المسجد) يجب علينا تجاه بيوت الله أن نصونها من الأوساخ والقاذورات، وأن نتعهدها بالحفظ والرعاية وأن نميط عنها ما يدنسها من أقذية، وأدناس ولو يسيرة، وأن نبتعد عن الوسائل الذي تزيدها أذى، وأن نوصد كل باب يلج منه ما يشي بعدم احترامها ويوحي بالاستخفاف بها وإهمالها.
قال الحبيب المصطفى معلمنا وقدوتنا ﷺ في حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه» (١) فلم نهاهم الرسول الرفيق بأمته عن زجره؟ خوفا من أن ينذعر فيعدو جريا فيلوث بقعا أكثر من المسجد ويلوث ثيابه فتحصل مفاسد أشد.
ومما يستحب استحبابا متأكدا كنس المساجد وتنظيفها. فعن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ قالت:
стр. 35
أمر رسول الله- ﷺ ببناء المساجد في الدور (١) وأن تنظف (٢) وتطيب (٣) وعن أنس ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة (٤) يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أؤتيها رجل ثم نسيها» . رواه أبو داود (٥) . وفي هذا حض وترغيب في تنظيف المساجد من كل ما يطرأ عليها من الأوضار
стр. 36
والأدناس حتى الكناسات القليلة، والقمامات الضئيلة في إزالتها أجور تكتب وتعرض على النبي الهادي الأمين ﷺ ، فإذا كان هذا في الأشياء الضئيلة الخفيفة ففي الكبيرة أوفر أجرا وأعظم مثوبة. وعن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن تتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها» ، رواه أحمد (١) ورواه أبو داود ولفظه: «كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها» (٢) .
وكان تعظيم المسجد بالخدمة مشروعا في الأمم الماضية، ألا ترى أن الله حكى عن حنة أم مريم أنها لما حبلت نذرت لله تعالى أن يكون ما في بطنها محررا، يعنى عتيقا يخدم المسجد الأقصى ولا يكون لأحد عليه سبيل، ولولا أن خدمة المساجد مما يتقرب به إلى الله لما نذرت به، وهذا معنى قول ابن عباس: " نذرت لك ما في بطني يعني محررا للمسجد يخدمها " وفى لفظ " يخدمه "، وساق البخاري ﵀ حديثا عن أبى هريرة ﵁ أن امرأة أو رجلا كانت تقم (٣) المسجد ولا أراه إلا امرأة، فذكر حديث النبي ﷺ أنه صلى على قبره (٤) .
стр. 37
ومما ينبغي أن تصان عنه المساجد البزاق فيها لحديث: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (١) .
وإذا بدر المسلم البصاق وهو في المسجد فليبزق في ثوبه ويحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد يبصق عن يساره أو تحت قدمه (٢) لحديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رأى نخامة (٣) في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا "، ووصف القاسم، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض» (٤) .
ولا يجوز لأحد أن يتعمد البصاق في المسجد، لكن لو كان فعل ذلك لعذر فما كفارة ذلك.
стр. 38
قال: يدفنها لئلا يؤذي إخوانه المسلمين برؤيتها أو التقذر منها؛ لأن النفوس تتقزز من ذلك وتنفر منه وتستقبحه، فإن كانت الأرض مبلطة فيزيلها بالحك حتى لا يبقى لها أثر.
ويدلك بصاقه برجله اليسرى (١) لما روي «عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ تنخع فدلكه برجله اليسرى» . ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار عليه ومنعه منه إن قدر، ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه ويستحب تطييب محله (٢) . وأما ما يفعله كثير من الناس إذا بصق أو رأى بصاقا دلكه بأسفل مداسه الذي داس به النجاسة والأقذار فحرام؛ لأنه تنجيس للمسجد أو تقذير له، وقد صرح نبي الهدى والرحمة ﷺ بنهي من أكل ثُوما أو بصلا مما له رائحة كريهة عن قربان كل مسجد. " فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أكل الثوم والبصل والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى بنو آدم» . متفق عليه (٣)
стр. 39
ويلحق بها كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها كالفجل لمن كان يتجشأ، ومن به جروح معفنة، أو يتعاطى شرب الدخان، أو كان قذر الثياب منتن الرائحة؛ لأنه يؤذي إخوانه المسلمين بما يصدر منه من روائح مستقذرة ومسترذلة، ولهذا سن الاغتسال ولبس أحسن الثياب والتطيب للجمعة والعيد والإحرام.
فينبغي لكل مسلم ألا يدخل المسجد إلا وهو طيب الرائحة منظف نفسه وثيابه عن كل ما من شأنه يزكم نفوس المصلين ويؤذيهم ما ينبعث منه من روائح قذرة منتنة تصدر عمن أكل طعاما منهيا عنه كالثوم والكرات والبصل، أو تنم عن عدم شعور المسلم وعدم مبالاته بما يقلق إخوانه المصلين مما يزعجهم ويذهب عنهم الخشوع والارتياح في الصلاة، أو ينتج عنه سب هذا الرجل والوقوع في عرضه لإهماله النظافة في ملبسه وبدنه مما قد يتولد عنه أمراض قد تكون مزمنة، كرائحة الدخان وما شابهه لأنه مضر لشاربه وشامه طبيا، ولا يعذر في هذا أحد يستطيع التخلص من الروائح المستكرهة حتى العامل الذي يمارس عملا شاقا يتقاطر منه العرق بكثرة يلزمه التنظف وإزالة ما يعلق بجسمه وثيابه من أدران وقاذورات، ولا سيما عند حضوره للصلاة في المسجد ينبغي أن يكون نزيها طاهرا، نقي الثياب، طيب الرائحة، حتى لا يتضايق منه المصلون ويتأذى منه الملائكة وسواء في ذلك من يصلي ويطوف في الحرم المكي أو يصلي في غيره من المساجد.
стр. 40
ومما يجب أن تنزه عنه بيوت الله المطهرة اللغو والفحش واللغط واللهو والعبث وحديث الدنيا الشاغل عن الخشوع في الصلاة والتفرغ لذكر الله، وأن تتخذ كما أرادها الله بيوت علم وعبادة وتعليم، ومصادر إشعاع ومركز توجيه، يقول المصطفى المختار ﵊: «من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» (١) . وفي هذا دليل على جواز التدريس في المسجد خلافا لمالك (٢) . ولعله منع رفع الصوت المشوش (٣) فمن جاء إلى المسجد معلما أو متعلما كالمجاهد كلاهما يريد إعلاء كلمة الله وفي عبادة نفعها متعد لعموم المسلمين، أما من ينظر إلى متاع غيره فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل، وفي العقبى من الدرجات والجزاء الطويل (٤) .