← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31292

وظيفة المسجد في المجتمع

صالح بن ناصر الخزيم

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأدناس حتى الكناسات القليلة، والقمامات الضئيلة في إزالتها أجور تكتب وتعرض على النبي الهادي الأمين ﷺ ، فإذا كان هذا في الأشياء الضئيلة الخفيفة ففي الكبيرة أوفر أجرا وأعظم مثوبة. وعن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن تتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها» ، رواه أحمد (١) ورواه أبو داود ولفظه: «كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها» (٢) . وكان تعظيم المسجد بالخدمة مشروعا في الأمم الماضية، ألا ترى أن الله حكى عن حنة أم مريم أنها لما حبلت نذرت لله تعالى أن يكون ما في بطنها محررا، يعنى عتيقا يخدم المسجد الأقصى ولا يكون لأحد عليه سبيل، ولولا أن خدمة المساجد مما يتقرب به إلى الله لما نذرت به، وهذا معنى قول ابن عباس: " نذرت لك ما في بطني يعني محررا للمسجد يخدمها " وفى لفظ " يخدمه "، وساق البخاري ﵀ حديثا عن أبى هريرة ﵁ أن امرأة أو رجلا كانت تقم (٣) المسجد ولا أراه إلا امرأة، فذكر حديث النبي ﷺ أنه صلى على قبره (٤) .

стр. 37

ومما ينبغي أن تصان عنه المساجد البزاق فيها لحديث: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (١) . وإذا بدر المسلم البصاق وهو في المسجد فليبزق في ثوبه ويحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد يبصق عن يساره أو تحت قدمه (٢) لحديث أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رأى نخامة (٣) في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدمه فإن لم يجد فليقل هكذا "، ووصف القاسم، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض» (٤) . ولا يجوز لأحد أن يتعمد البصاق في المسجد، لكن لو كان فعل ذلك لعذر فما كفارة ذلك.

стр. 38

قال: يدفنها لئلا يؤذي إخوانه المسلمين برؤيتها أو التقذر منها؛ لأن النفوس تتقزز من ذلك وتنفر منه وتستقبحه، فإن كانت الأرض مبلطة فيزيلها بالحك حتى لا يبقى لها أثر. ويدلك بصاقه برجله اليسرى (١) لما روي «عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ تنخع فدلكه برجله اليسرى» . ومن رأى من يبصق في المسجد لزمه الإنكار عليه ومنعه منه إن قدر، ومن رأى بصاقا أو نحوه في المسجد فالسنة أن يزيله بدفنه أو إخراجه ويستحب تطييب محله (٢) . وأما ما يفعله كثير من الناس إذا بصق أو رأى بصاقا دلكه بأسفل مداسه الذي داس به النجاسة والأقذار فحرام؛ لأنه تنجيس للمسجد أو تقذير له، وقد صرح نبي الهدى والرحمة ﷺ بنهي من أكل ثُوما أو بصلا مما له رائحة كريهة عن قربان كل مسجد. " فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أكل الثوم والبصل والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى بنو آدم» . متفق عليه (٣)

стр. 39

ويلحق بها كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها كالفجل لمن كان يتجشأ، ومن به جروح معفنة، أو يتعاطى شرب الدخان، أو كان قذر الثياب منتن الرائحة؛ لأنه يؤذي إخوانه المسلمين بما يصدر منه من روائح مستقذرة ومسترذلة، ولهذا سن الاغتسال ولبس أحسن الثياب والتطيب للجمعة والعيد والإحرام. فينبغي لكل مسلم ألا يدخل المسجد إلا وهو طيب الرائحة منظف نفسه وثيابه عن كل ما من شأنه يزكم نفوس المصلين ويؤذيهم ما ينبعث منه من روائح قذرة منتنة تصدر عمن أكل طعاما منهيا عنه كالثوم والكرات والبصل، أو تنم عن عدم شعور المسلم وعدم مبالاته بما يقلق إخوانه المصلين مما يزعجهم ويذهب عنهم الخشوع والارتياح في الصلاة، أو ينتج عنه سب هذا الرجل والوقوع في عرضه لإهماله النظافة في ملبسه وبدنه مما قد يتولد عنه أمراض قد تكون مزمنة، كرائحة الدخان وما شابهه لأنه مضر لشاربه وشامه طبيا، ولا يعذر في هذا أحد يستطيع التخلص من الروائح المستكرهة حتى العامل الذي يمارس عملا شاقا يتقاطر منه العرق بكثرة يلزمه التنظف وإزالة ما يعلق بجسمه وثيابه من أدران وقاذورات، ولا سيما عند حضوره للصلاة في المسجد ينبغي أن يكون نزيها طاهرا، نقي الثياب، طيب الرائحة، حتى لا يتضايق منه المصلون ويتأذى منه الملائكة وسواء في ذلك من يصلي ويطوف في الحرم المكي أو يصلي في غيره من المساجد.

стр. 40

ومما يجب أن تنزه عنه بيوت الله المطهرة اللغو والفحش واللغط واللهو والعبث وحديث الدنيا الشاغل عن الخشوع في الصلاة والتفرغ لذكر الله، وأن تتخذ كما أرادها الله بيوت علم وعبادة وتعليم، ومصادر إشعاع ومركز توجيه، يقول المصطفى المختار ﵊: «من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» (١) . وفي هذا دليل على جواز التدريس في المسجد خلافا لمالك (٢) . ولعله منع رفع الصوت المشوش (٣) فمن جاء إلى المسجد معلما أو متعلما كالمجاهد كلاهما يريد إعلاء كلمة الله وفي عبادة نفعها متعد لعموم المسلمين، أما من ينظر إلى متاع غيره فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل، وفي العقبى من الدرجات والجزاء الطويل (٤) .

стр. 41

وعن الحسن البصري مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة» (١) . ففي هذا ذم للكلام والمحادثة في المساجد في أمور دنيوية؛ لأن المساجد بنيت للعبادة والطاعة لا للهو والانشغال بالدنيا كما يفعل بعض من يخططون لرحلات التنزه والترف في المساجد، هؤلاء ينهى عن مجالستهم ومصاحبتهم وكذلك من يتخذون من رحبات المسجد ملتقيات للغيبة والنميمة والحديث عن المساهمات والزيجات وزخارف الدنيا ومفاتنها البراقة، وفى هذا تهديد ووعيد لهم لظلمهم ووضعهم الشيء في غير موضعه؛ لأن المساجد مواضع عبادة وذكر، لا لحديث الدنيا وحطامها التافه الزائل، ومما تنزه عنه المساجد من أعمال أفراد المجتمع ممارسة البيع والشراء وسائر المكاسب الدنيوية (٢) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : «أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة» (٣) . فالمساجد إنما أقيمت لذكر الله وما

стр. 42

يتعلق به من أمور الآخرة، وليست من أسواق الدنيا فلا يتخذها أحد لذلك، ولا بأس بوضع الصدقة ليأكل منها كل فقير كما فعل النبي ﷺ حين علق القنو (١) في المسجد وقسم المال فيه لحديث أنس ﵁ قال: «أتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين فقال: انثروه في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاء العباس ﵁ فقال يا رسول الله: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له رسول الله ﷺ : خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال رسول الله ﷺ : أؤمر بعضهم يرفعه إلي، قال: لا، قال: فارفعه أنت علي، قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يقله فقال يا رسول الله: أؤمر بعضهم يرفعه، قال: لا، قال: فارفعه أنت علي، قال: لا. فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم» (٢) .

стр. 43

أما جواز تعليق القنو فقد دل عليه حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: «خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا وقد علق رجل قنا حشف فجعل يطعن في ذلك القنو ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا» (١) ويستفاد من ذلك جواز وضع ما يعم نفعه في المسجد كالماء لشرب من يعطش، والطعام لمن يأكل، وكذلك حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك» (٢) . ومما تصان عنه المساجد من أفعال أفراد المجتمع إنشاد الضالة والبحث عن واجدها، فعن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 44

قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلا ينشد (١) في المسجد ضالة فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا» (٢) . وعن بريدة: «أن رجلا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي- ﷺ : لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» (٣) . ففي هذين النصين دلالة على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله ومعاقبة بنقيض قصده، حيث استخدم بيوت الله لما لم تبن له. فبناؤها لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها. أما نشدان الضالة وتعريف اللقطة وما في معناهما من البيع والإجارة والسلم والعقود الأخرى فليس مكان المسجد، وإنما

стр. 45

الأسواق والمحلات التجارية المعدة له والمجامع الأخرى غير المساجد (١) . أما تناشد الأشعار في المسجد فمما يدل على عدم جوازه ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المسجد» (٢) والمراد بها المذمومة، ولما كان الغالب في الشعر المذموم أطلق النهي، وقيل: النهي محمول على التنزيه أما أحاديث الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد فتدل على بيان الجواز، فقد روى سعيد بن المسيب قال: «مر عمر بحسان بن ثابت وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عني. اللهم أيده بروح القدس، قال: اللهم نعم» (٣) . «وعن جابر بن سمرة قال: شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء

стр. 46

من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم» . رواه أحمد (١) . وفى الترمذي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار» (٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد (٣) . وفي الترمذي عن أنس ﵁: «أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله فقال له عمر: يابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر، فقال له النبي صلى الله

стр. 47

عليه وسلم: خل عنه يا عمر، فما هي أسرع فيهم من نضح النبل» (١) . أو تحمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه كهجاء حسان للمشركين ومدح النبي ﷺ وصحابته الطيبين، ومدح الدين وإقامة الشرع وغير ذلك، ويحمل النهي على مفاخرة الجاهلية والهجاء وسب المؤمنين ونحو ذلك، وقال الشافعي: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. وقد ورد هذا مرفوعا في غير حديث، فروى أبو يعلى عن عائشة قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن الشعر فقال: " هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح» ، قال العراقي: وإسناده حسن (٢) . ومما لا يجوز فعله في المسجد الاستصباح بالأذهان النجسة والمتنجسة، فإن دخان النجاسة نجس، وإدخال النجاسات المساجد

стр. 48

ممنوع، ولا شك أن ما ينفصل من الدخان يؤثر في الحيطان وذلك يؤدي إلى تنجيسه فلا يجوز (١) . وتتأكد مراعاة حرمة المسلم فلا يروع ولا يؤذى ولا سيما في المسجد، فإن دخل المسجد بسهام فليمسك بنصالها لئلا يخدش مسلما أو تقعره، وإن دخله برمح فليمسك بسنانه خوفا من أن يصيب به أحدا فيجرحه لما في صحيح البخاري: حدثنا سفيان: أمسك بنصالها، وفيه أيضا: حدثنا أبو بردة بن عبد الله قال: سمعت أبا بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: قلت لعمرو: أسمعت جابر بن عبد الله يقول: «مر رجل في المسجد ومعه سهام فقال له رسول الله ﷺ قال: من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما» (٢) . وتتأكد رعاية المسلم في المساجد والمجامع والأسواق فمتى حمل نبلا أو سلاحا أو شيئا حادا كرمح وسيف وخنجر فليمسك بحده كيلا يصيب مسلما بأذى، وأما إقراره صلى

стр. 49

الله عليه وسلم الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو مخصوص بها أقره ﷺ من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتنشيط عليه، فهو من باب المندوب، ويلتحق به ما في معناه من الأسباب والوسائل المعينة على الجهاد وأنواع البر (١) . وفي البخاري «أن عائشة ﵂ قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم» . زاد إبراهيم بن المنذر: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن أبي شهاب، عن عروة، عن عائشة قال: «رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم» .

стр. 50

[أمور تباح في المسجد] [ضرب الخيمة في المسجد والتمريض فيها] (أمور تباح في المسجد) ضرب الخيمة في المسجد والتمريض فيها تفيد سيرة المصطفى الحبيب ﷺ ومعاملته الكريمة لأصحابه الغر الميامين أنه يحبهم كثيرا ويزورهم أحيانا ولا سيما من مرض أو أصيب منه في جهاد أعداء الله المشركين، فيتخذ له مكانا يتسنى له فيه زيارته كثيرا يواسيه ويؤانسه، يخفف مصابه، ويدعو له بالشفاء العاجل ويأمره بالصبر والاحتساب والرضا بقدر الله فيعظم أجره، ويكثر ثوابه لما يتحلى به من اطمئنان وثقة بوعد الله للصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (١) . ومن هداية للمؤمن بقضاء الله والتسليم لمقدوره ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] (٢) ولما تسمو به وتطمح إليه نفسه الزكية من الخلود والنعيم في مقعد صدق عند مليك مقئدر. كان الصادق المصدوق ﷺ لخلقه النبيل، وشمائله الفريدة، وحبه العميق لصحبه الأطهار الأطايب يحب

стр. 51

قربه منه، فهذا المجاهد الصنديد والبطل المحنك والمحكم الذكي اللوذعي " سعد بن معاذ " يصاب في معركة الخندق في أكحله فيضرب له النبي الكريم خيمة في مسجده ليصل إليه عن كثب، ويعوده من قرب، ويعالج تحت إشرافه ورعايته ويشعر بالسعادة الحقة والبشر الثر والأنس الكبير والرسول المختار يحف به ويعطف عليه، فيمتلئ قلبه محبة وسرورا ويطفح بالغبطة والهناء، وحب الأمة الإسلامية ﷺ يحوطه ويحيط به وينظر إليه نظرة حنان ومودة، ورحمة وشفقة، اسمع حديث الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «أصيب سعد يوم الخندق (١) في الأكحل (٢) فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم (٣) - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل عليهم، فقالوا: يا

стр. 52

أهل الخيمة. ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو (١) جرحه دما فمات فيها» (٢) . ويؤخذ من هذا أن من احتاج إلى الراحة في المسجد بإقامة أو نوم أو من تعب جاز له ذلك، وكما في حديث نافع عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له على عهد رسول الله ﷺ في مسجد النبي ﷺ (٣) . وكحال أهل الصفة رضوان الله عليه، وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة. وعن سهل بن سعد قال: «جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علي في البيت فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه

стр. 53

وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب» (١) . ويجوز أيضا في المسجد الاستلقاء ومد الرجل وأنواع الاستراحة والاتكاء لما روى البخاري في صحيحه عن عباد بن تميم عن عمه: «أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى» ، وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: " كان عمر وعثمان يفعلان ذلك " (٢) . وقال البغوي في شرح السنة (٣) إلا الانبطاح، فإن النبي ﷺ نهى عنه وقال: «إنها ضجعة يبغضها الله» (٤) . أما ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن اشتمال الصماء» (٥) .

стр. 54

والاحتباء (١) في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل رجله على الأخرى وهو مستلق على ظهره (٢) فيحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة: والجواز حيث يؤمن ذلك (٣) . وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد في الحديث للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا (٤) . وينبغي أن يختص ذلك بوقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس في المسجد لما عرف على المصطفى الحبيب ﷺ عادة من كمال الأدب وحسن الهيئة في الجلوس بين أصحابه بالوقار التام والتواضع الفذ والرزانة المثلى والأدب الجم وجلسات الاحترام (٥) . ويجوز إغلاق المسجد في غير وقت الصلاة صيانة وحفظا لما فيه من تجرؤ من لا خلاق له ولا حياء في وجهه، فقد يعبثون

стр. 55

بمحتوياته إفسادا أو تلصصا أو غير ذلك مما يهدر كرامة المسجد أو يعطل مقتنياته من مكبرات صوت أو فرش أو مكيفات أو غيرها. أو انتهاك حرمة بيوت جيران المسجد بنقب يفتحه عن طريق المسجد هذا عند الجمهور، وقول عند الحنفية، أما مذهبهم فكراهة غلق باب المسجد لأنه يشبه المنع من الصلاة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] (١) وخولفوا في ذلك. ويجوز نبش قبور المشركين وبناء المسجد مكانها لحديث أنس: «أن النبي ﷺ أمر بقبور المشركين فنبشت عند بناء المسجد» (٢) لأنه لا حرمة لهم (٣) لأنهم ليسوا أهل كتاب، وقيل: لأنها دثرت وعفت ولم يظهر لها أثر، والحاجة داعية إلى الانتفاع بمحالها (٤) . ومما يجوز أيضا في المسجد:

стр. 56

[المخاصمة في الحقوق والديون] ١ - المخاصمة في الحقوق والديون للمسجد دور كبير في الإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم لرأب الصدع، وحل المشكل وفصل النزاع، وتطييب القلوب، كذلك التقاضي فيه جائز، والشفاعة فيه إلى صاحب الحق وقبولها من غير معصية، فالمسجد محكمة شرعية، ودار قضاء تنظر فيها القضايا ويفصل فيها ذلك الفصل الحاسم الذي يبتر المشاكسة ويجب المخاصمة، ويقنع المتقاضيين بما يصدر في حق كل منهما. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن كعب: «أنه تقاضى (١) ابن أبى حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج حتى كشف سجف (٢) حجرته فنادى يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله: قال، ضع من دينك هذا،

стр. 57

وأومأ إليه أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه» (١) . وقد قضى الشعبي وشريح وابن أبي ليلى في المسجد (٢) . [يجوز ارتفاع الأصوات في المسجد ما لم يتفاحش] ٢ - يجوز ارتفاع الأصوات في المسجد ما لم يتفاحش أما ما ورد من الأحاديث كحديث وائلة عند ابن ماجه يرفعه: أن النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع» (٣) وحديث مكحول رفعه إلى معاذ بن جبل ورفعه معاذ إلى النبي ﷺ قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم وحدودكم وشراءكم وبيعكم وجمروها يوم جمعكم

стр. 58

واجعلوا على أبوابها مطاهركم» (١) وحديث جبير بن مطعم ولفظه: «ولا ترفع فيه الأصوات» (٢) . فأجيب بأن هؤلاء الأحاديث ضعيفة فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض. وقال العيني: هذا الجواب لا يعجبني؛ لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخارجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش (٣) . [ملازمة الغريم] ٣ - ملازمة الغريم ملازمة الغريم جائزة لما أخرجه البخاري في باب الصلح وغيره من طريق الأعرج عن عبد الله بن كعب عن أبيه: أنه كان له على ابن أبي حدرد الأسلمي مال، فلقيه فلزمه، فتكلما حتى

стр. 59

ارتفعت أصواتهما (١) . وقد روى البخاري معلقا هذا الأثر: " وكان شريح يأمر الغريم أن يحبس إلى سارية المسجد (٢) وقد وصله معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق وإلا أمر به إلى السجن (٣) . [ربط الأسير في المسجد] ٤ - ربط الأسير في المسجد يجوز ربطه في المسجد لما روى البخاري قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال: «بعث النبي- ﷺ خيلا (٤) قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (٥) . قال القرطبي: يمكن أن يقال: ربطه بالمسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليه

стр. 60

فيأنس لذلك، وقال العيني: يوضح ذلك ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف لما قدموا أنزلهم النبي- ﷺ المسجد ليكون أرق لقلوبهم، وقال جبير بن مطعم فيما ذكره أحمد ﵀: دخلت المسجد والنبي ﷺ يصلي المغرب فقرأ بالطور فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (١) . فالمسجد دار استصلاح ومركز توجيه وتعليم وإرشاد وتذكير لعل الغافل يستيقظ، والضال يثوب إلى رشده ويعود من غيه، وحلق الذكر مأوى الأخيار، وملتقى الأبرار، ولا يجفوها إلا معرض، والجزاء من جنس العمل فمن أعرض أعرض الله عنه، ومن أوى إلى الله آواه الله قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] (٢) وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: «بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، أما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله،

стр. 61

وأما الآخر فاستحى فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (١) . وعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: «خرج معاوية ﵁ إلى حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أجد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني، إن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: " أما إني لم استحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» . رواه مسلم (٢) . وعن الأغر أبى مسلم أنه قال: أشهد على أبى هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال:

стр. 62

«لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» (١) . أما حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: مالي أراكم عزين» (٢) فيحمل على أن تحلقهم كان لغير فائدة ولا منفعة بخلاف تحلقهم ذلك لأنه كان لسماع العلم والتعلم فلا معارضة. [حكم اللعان في المسجد] ٥ - حكم اللعان في المسجد أما اللعان في المسجد فجائز لما في الصحيح من حديث سهل بن سعد ﵁: «أن رجلا وجد مع امرأته فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد» (٣) . [حكم الاحتراف وعمل الصناعات في المسجد] ٦ - حكم الاحتراف وعمل الصناعات في المسجد المداومة عليه مكروهة، أما لو دخل لصلاة أو اعتكاف فخاط ثوبه أثناء تواجده في المسجد فلا بأس بذلك بل ولا كراهة، قاله

стр. 63

في الروضة، أما الشيخ عز الدين في الفتاوى الموصلية فقال: لا ينبغي أن يعمل في المسجد، ألا ترى أن من دخل دار ملك فجلس بين يديه وهو ينظر إليه وإلى ما يفعل في بيته كيف يكون حاله فيه (١) . [حكم بناء المطاهر قرب المسجد] ٧ - حكم بناء المطاهر قرب المسجد يجوز بناءها قرب المسجد والتوضئة منها، وقد روى أبو عبيد في كتاب الطهور عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يتطهرون من مطاهر المسجد، وروي فعل ذلك عن على وأبي هريرة ﵄ (٢) . [حكم عقد النكاح في المسجد] ٨ - حكم عقد النكاح في المسجد عقد النكاح في المسجد مستحب (٣) لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أعلنوا النكاح، واجعلوه في المسجد، واضربوا عليه بالدفوف» (٤) .

стр. 64

[قراءة القرآن في المصحف في المسجد] ٩ - قراءة القرآن في المصحف في المسجد مستحب عليه السلف والخلف لما في ذلك من تعمير المساجد بالذكر، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب الرسول ﷺ : مه مه (١) قال رسول الله ﷺ : " لا تزرموه، دعوه (٢) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر , إنما هي لذكر الله , والصلاة وقراءة القرآن - أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنه عليه» (٣) . [إقامة الحدود في المسجد] ١٠ - إقامة الحدود في المسجد تحرم إقامة الحدود وتنفيذها في المسجد لما روى حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقام الحدود

стр. 65

في المساجد، ولا يستفاد فيها» . رواه أحمد وأبو داود والدارقطني (١) . وعن طارق بن شهاب قال: أتي عمر برجل في شيء فقال: " أخرجاه من المسجد فاضرباه " (٢) . وعن عبد الرازق عن الثوري قال: سمعته - أو أخبرني من سمعه - يحدث عن جابر عن أبي الضحى قال: سئل مروان عن الضرب في المسجد قال: " إن للمسجد حرمة " (٣) وعللوا ذلك بأنه لا يؤمن أن يحدث فيه فينجسه ويؤذيه، فإن أقيم الحد فيه، سقط الفرض لحصول الزجر (٤) . [الأكل في المسجد] ١١ - الأكل في المسجد يجوز أكل الخبز والفاكهة والبطيخ وغير ذلك في المسجد، والأولى أن يبسط سفرة ونحوها ويحترز خوفا من التلوث، ولئلا

стр. 66

يتناثر شيء من الطعام فتجتمع عليه الهوام، هذا إذا لم يكن للأكل رائحة كريهة، فإن كانت كالثوم والبصل والفجل ونحوه فيكره أكله فيه (١) وقيل: يحرم (٢) ودليل جواز الأكل في المسجد ما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم» (٣) . [حكم فرش المساجد وإسراجها بالقناديل] ١٢ - حكم فرش المساجد وإسراجها بالقناديل يستحب فرش المساجد وتعليق القناديل والمصابيح لتنويرها، ويقال: إن أول من فعل ذلك أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ لما جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح، ولما رأى علي ﵁ اجتماع الناس في المسجد على الصلاة والمصابيح تزهر، وكتاب الله يتلى: قال: نورت مساجدنا، نور الله قبرك يا ابن الخطاب (٤) .

стр. 67

[قصائد في مناسبات مسجدية] وأردف بحثي بقصائد قلتها في مناسبات مسجدية منها: حمدا لك اللهم رب العالمين ... والشكر للغفار يجزي الصابرين سبحانه رب رحيم قابل ... للتوب من عبد تقي لا يخون آلاؤه هطالة وهباته ... غيث مغيث مغدق في كل حين والناس في النعماء صنف شاكر ... مستيقن بالفضل من رب معين فلسانه دوما بذكر إلهه ... لهج ورطب في ابتهال الراغبين والثان ختار كفور جاحد ... طاغ بنعمة ربه لا يستكين يضفي عليه الله غامر عطفه ... ويحوطه باللطف والستر الحصين ويظل يعمه في متائه غيه ... لا يرعوي للناصحين المخلصين تتلى عليه مواعظ من آيه ... آي من ـالقرآن والذكر المبين لو أنزلت فوق الجبال تصدعت ... لكن قلب الكفر قاس لا يلين * * * * أأخي من كتب الشقاء بسعيه ... فهو الشقي ولو تطاولت السنين وهو القوي ولو أقام بمكة ... بجوار بيت الله والحرم الأمين فطغاة يعرب إذ تعاظم كبرهم ... ومضوا على اسم اللات خضعان الجبين ما عزهم نسب ولا أم القرى ... بل جرهم إشراكهم في السافلين

стр. 68

فبلال إيمانا وعزة مسلم ... وصهيب صبرا في صعود الصابرين أزكى وأتقى من حسيب فاجر ... ألف الغواية والضلالة والمجون فأبو الأشد وعقبة ومنبه ... ونظيرهم في الشرك والكفر اللعين خسروا الدنا والمستقر جحيمها ... يصلون نارا لا ترق ولا تلين * * * * والكعبة الغراء زاد سناؤها ... رب حماها من كيود الغادرين وتطهرت أرجاؤها من رجسهم ... وتحطمت أنصابهم في الهالكين وأضاء نبراس الحقيقة ساطعا ... كالشمس تأتلق الضحى في العالمين أضفى عليها هيبة وجلالة ... ثم اصطفاها قبلة للمسلمين فهي المثابة والأمان لداخل ... منها الهدى ينداح وضاح الجبين وهفا إليها كل بر طائع ... هوي المشاعر واستبد به الحنين هوي الحطيم وزمزما ورحابها ... ومقام إبراهيم والبيت الأمين بيت به قبس الرسالة مشرق ... كشف الغياهب وانبرى يجلو الفتون واستقبل الوحي المطهر ناصعا ... يروي العطاش زلاله الثر المعين بيت له ود عميق كامن ... فجلاله الفياض مهوى التائقين بيت له تهوي القلوب محبة ... والرزق يجبى شطره في كل حين * * * *

стр. 69

وبمأرز الإسلام طيبة أحمد ... حرم مهيب ضم خير المرسلين خطت مبانيه وشاد كيانه ... الصادق المصدوق زين المتقين وصحابه الأبرار شدوا أزرهم ... بتلاحم الإيمان والحب المكين فيه تلقى الصحب هدي محمد ... خلقا وآدابا وسمت المصلحين وبه تلقى الجيل زاخر علمهم ... وتفقهوا في الدين والسنن المبين فدعاتنا انطلقوا سلاحهم الهدى ... وسراجهم نور الكتاب المستبين يدعون للسمحاء من ضل الطريـ ... ـق ويشعلون بقلبه ضوء اليقين جابوا البلاد قريبها وقصيها ... ليؤصلوا غرس التقى في العالمين وجيوشنا من طيبة سارت إلى ... بدر وأحد والتقت بالمشركين في كل معمعة تصل سيوفنا ... فتدق أعناق الطغاة الماكرين ومدينة المختار كانت منتدى ... يرتاد للفكر المهذب والرصين كانت منابع شرعة فياضة ... بالوعي والتوجيه للعقل الفطين ومضت مساجدنا منابر دعوة ... تجلو عن القلب الصدا فيستبين وتعلم القرآن صفوة نشئنا ... حفظا وإتقانا وفهما للمبين منها الجهابذة استقوا عذب العلو ... م وصنفوا الأسفار في شتى الفنون ومساجد الإسلام ذات رسالة ... دفاقة بالحق والعلم الثمين

стр. 70

هي مصدر الإشعاع في هذي الدنا ... وهى المحك لاجتباء القادرين وهي الميادين الفساح لدعوة ... تسبي العقول بنهجها الهادي الرزين إنتاجها الشجعان من خاضوا الوغى ... بجسارة الصنديد إن دين العرين إنتاجها العلماء والحكام من ... حكموا الورى بعدالة الشرع المصون إنتاجها الخطباء والقراء من ... عمروا المنابر واعظين ومرشدين وثمارها إعطاء رأي فاحص ... عند المشورة في أمور المسلمين وثمارها إصدار حكم قاطع ... عند التقاضي يقنع المتخاصمين وثمارها رحمات رب غافر ... للذنب تفشى روضة المتعلمين وسكينة من ربهم وملائك ... حفت بهم والذكر عند المكرمين * * * * عمرا بنى الإسلام مسجد ذكرنا ... وتعهدا لبيوت رب العالمين وصيانة لرحابها وعمارة ... بالذكر والتسبيح شأن القانتين فعسى إلهي يكتب العمار في ... زمر الكرام المفلحين المهتدين ونبينا جعل الثواب لمن بنى ... أفحوص طير كالقطا للراكعين في جنة الفردوس بيتا أفيحا ... يجزاه من رب يحب المحسنين وجزاء من صان المساجد من قذى ... حور حسان هيئت للصائنين

стр. 71

من شيدوا للمسلمين مساجدا ... في كل حي مسجد للعابدين واستنهضوا همم الشباب لحفظ آ ... ي الذكر بالتشجيع والدعم المكين فمدارس التحفيظ أدت واجبا ... وجماعة القرآن تنتج بالمئين ترعى مسيرتها حكومة فهدنا ... الحاكم الصنديد رئبال العرين والله جل وقدست أسماؤه ... يعلي صروح الحق والحبل المتين صلى العليم إلهنا وملاذنا ... ومكون الإنسان من ماء وطين أزكى الصلاة على الشفيع محمد ... رمز التقى نور الهدى للمؤمنين وعلى المغاوير الأشاوس صحبه ... والتابعين لهديه أهل اليقين

стр. 72

الحمد للرحمن منجي المؤمنين ... والشكر للوهاب رب العالمين سبحانه جزل العطايا ربنا ... جعل العقيدة عزة للمسلمين وبنى الشريعة محكما أركانها ... فياضة بالنور والمجد المكين أركانها خمس شداد أحكمت ... من خالق الإنسان من ماء وطين هي عصمة إن أديت بحقوقها ... وحسابهم للمالك البر المتين منها الصلاة بنهيها عن منكر ... كل الفلاح لراكعين وخاشعين هي وصلة بين العباد وربهم ... وتقرب المنقاد من رب معين هي عهد صدق واثق ومؤكد ... وجحودها كفر صراح عن يقين أوصى بها نور الهدى نبراسنا ... ينبوعنا الفياض بالهدي المبين في لحظة الوداع من هذي الدنا ... والالتقاء بربه في الخالدين في جنة الفردوس في دار الهنا ... في مقعد الإكرام أعلى عليين وأداؤها في مسجد بجماعة ... شرط بنص عالم بحر أمين وافهم أخي فللمساجد قيمة ... ومكانة أسمق بها في العالمين كانت مشاعل ماحقات للدجى ... تزكي العقول وتطرد الجهل المشين كانت مناهل زاخرت صفوها ... بزلاله الهتان يروي الظامئين كانت معاقل للجهاد حصينة ... ترمي بأسد أقوياء فاتحين

стр. 73

ملأوا الدنى بعدالة وثقافة ... غرسوا العقيدة في نفوس التائهين كانت محاكم شرعة فصالة ... بالحق ترضي أعنف المتشاكسين كانت معابد قانتين أئمة ... فقها وزهدا صالحين ومصلحين كانت مجال تشاور وتبادل ... للرأي يبرم محكما وهو الرصين كانت منابر دعوة فخطيبها ... بفصاحة يسبي عقول السامعين كانت جميع المشكلات حلولها ... في مسجد الإيمان والحرم الأمين * * * * والله جل وقدست أسماؤه ... في محكم التنزيل والذكر المبين أثنى على باني المساجد رغبة ... في رفعة الإسلام فوق الخافقين * * * * أذن الإله بأن تشاد بيوته ... بيد الرجال المخبتين الذاكرين الخائفين تقلب الأبصار في ... يوم به تضع الحوامل للجنين * * * * شهد الإله لمؤمن من أدى الصلا ... ة قويمة آتي الزكاة لمدقعين لم يخش إلا الله في سرائه ... بعمارة المحراب شأن المهتدين وإلهنا يبني البيوت بجنة ... للعامرين مساجدا للعابدين * * * *

стр. 74

هيا بني الإسلام أحفاد الألى ... عمروا المساجد قارئين وساجدين هبوا لتكريس الجهود عبادة ... وتهجدا ونظافة في كل حين لنعيد للمحراب مجدا سامقا ... ونعد نشئا صالحا دنيا ودين يتلو الكتاب مجودا أحكامه ... والسنة الغراء منهله المعين

стр. 75

* * * إلهي ومعبودي لك الحمد والرضا ... على النعمة الكبرى تجلت بأحمد هي الشرعة الغرا تناثر ضوؤها ... فأنقذ من جهل زؤام ملبد على يد من لم تنجب الأم مثله ... نبي أشع النور يزهو كفرقد فبث الهدى عبر الفدافد مرشدا ... إلى غاية مثلى إلى عذب مورد نبي رمى جيش الضلال مهزما ... وحطم إشراكا بسيف مهند وأظهر شمس الحق تنسخ للدجى ... وترسل إشعاعا يضيء لقصد وأرسى كيان العدل أعلى مناره ... وطوح بالغي العضال المفند وربى رعيل المجد خلقا ومنعة ... بمحكم قرآن يهيب بمجد لخوض الوغى ضد اللدود منافحا ... عن الدين والإسلام ملة أحمد لتعلى بنود الحق تخفق عزة ... وتهوي عتاة الكفر أعمق ملحد فرباهمو صيدا أشداء قادة ... تفانوا وضحوا بالطريف ومتلد فخاضوا لبدر ثم أحد وخندق ... وأمثالها نصرا لدين محمد فسبحان من أعطى الرسول وصحبه ... ثباتا وتأييدا ففازوا بسؤدد لهم قصب المضمار قدح مظفر ... إذا جالت الفرسان في وسط مشهد لقد عمروا المحراب طوعا ورغبة ... بما عند ربي من ثواب بمقعد
следующие страницы →