← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31295

مهمات حول الجهاد

صالح الفوزان

Полный текст (62 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] مهمات حول الجهاد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله معز أوليائه المؤمنين وقامع أعدائه من الكافرين والمشركين والمنافقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المجاهدين الصابرين، وخليل رب العالمين , بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار كفاء ما قدم وكفاء ما علم وبين. . أما بعد: فإن الله جل وعلا فرض فرائض وبينها ورسم لنا طريقا في القيام بها لا نتعداه، وحد لنا حدودا لا نتجاوزها، وهذه الفرائض والحدود نزلت من حكيم حميد؛ حكيم في أمره ونهيه وعلى ذلك يحمد، وحكيم في قدره وقضاءه وعلى ذلك يحمد فليس لنا إلا الإذعان لشرعه والاعترف بحكمته والإقرار واللهج بحمده وثنائه. فسبحانه وبحمده وتبارك اسمه وتعالى جده، ولا إله غيره. وإن من الفرائض التي فرضها الله على عباده والواجبات التي كتبها عليهم: الجهاد في سبيله وبذل الجهد في نصرة دينه والدفاع عنه ورد كيد

стр. 2

أعدائه. ولما فرض علينا هذه الفريضة بين لنا كيف نأتيها، ولم يتركنا وهذه الفريضة بلا كيف، بل أوضح لنا سبيلها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فبانت المحجة وأقيمت الحجة، وليس لنا إلا أن نسير على طريقه الذي رسمه في القيام بهذه الفريضة العظيمة. ألا ترى أن الصلاة مع جلالة قدرها وعظيم منزلتها، بين لنا كيف نؤديها ولم يترك لعقولنا في تشريعها مجالا أو لأهوائنا في رسمها طريقا؟ قال جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (البقرة: ٤٣) ، وقال سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (النساء: ١٠٣) ، وقال ﷺ : «بني الإسلام على خمس» وذكر منها الصلاة وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.» ومع ذلك نهينا عن زيادة ركعة في الصلاة لم تأت بها الشريعة والسبب في هذا أن العباد يتعبدون للمعبود كما يريد وفق شريعته الحكيمة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد. وهكذا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام وركن من أركانه نؤديه كما شرعه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وقرره الصحب الكرام والأئمة الأعلام لا نخرج عن الطريق بأهوائنا ومراداتنا بل نتبع ونذعن ونسلم، لأننا نعبد الله كما يريد لا كما نريد ونجاهد في سبيله على سبيله

стр. 3

لا على سبل غيره. أيها القارئ الكريم. . . هذه رسالة بين يديك جمعتها وأنا العبد لله الفقير إلى مولاه المتجرد من الحول والقوة إلا بالله. كتبتها حول الجهاد إذ حصل في عدم فقه أصوله خلط ولبس وتلبيس، وقد قصرت الكلام على بعض ما يتعلق بالموضوع إذ هو كبير ويحتاج إلى بسط وطول. فقصدت في البحث علاج بعض الشبه عند عموم الشباب وأدخلت أصول أهل السنة والجماعة لأن الحال يستدعي ذلك، وقد جاء البحث كالتالي: أولا: أهمية الجهاد في الإسلام وفي ثناياه ربط الجهاد مع ولاة الأمر أبرارا كانوا أو فجارا، ومبحث في انعقاد الإمامة وبم تحصل؛ لأن الجهاد مرتبط بالإمام، ومسألة: صحة تعدد الأئمة عند الاضطرار وكل إمام منهم يأخذ حكم الإمام. ثانيا: تعريف الجهاد ثالثا: شروط وجوب الجهاد على المسلم رابعا: أحكام الجهاد وفيه أن الجهاد يكون فرض عين ويكون فرض كفاية ويكون محرما،

стр. 4

وتنبيه حول من يدخل بلاد الكفر بتأشيرة وأن ذلك أمان منهم له وليس له ظلمهم أو خيانتهم. خامسا: تنبيهات حول الجهاد اليوم ١ - الخوض في وجوبه وعدمه إنما يكون لخاصة الناس وهم العلماء الراسخون. وفيه التحذير من أهل الجهل والأصاغر في العلم، وبيان صفات العلماء الراسخين، وتنبيه حول قضية فهم مقاصد الشريعة. ٢ - إياك واتهام أهل العلم وإن تكلموا بغير ما في نفسك. ٣ - أمر الجهاد من مهمات وصلاحيات الإمام. وفيه تنبيه على أن للإمام أن يصالح ويعقد الهدنة مع من يراه لصالح المسلمين، وفائدة في مدخل للشيطان على كثير من المنتسبين للدعوة والعلم وهو إساءة الظن بولاة الأمر من الأمراء والعلماء. سادسا: معالم لأهل السنة غائبة عن كثير من شباب الأمة - سيكون عليكم سلطان فأعزوه. - قاعدة حفظ المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بتوقير الأئمة فمتى أهينوا تعذرت المصلحة. - عليكم بالتؤدة.

стр. 5

- مناصحة ولاة الأمر. - الدين رأس والملك حارس وما لا رأس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع. - خاتمة ونتيجة. هذا وإني أشكر لمعالي الشيخ د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء، تَكَرُّمَهُ بقراءة هذا البحث المتواضع وتفضله بالتقديم والتقريظ له. ولولا أن الله جل وعلا من علي بعرض هذا البحث على مثل علم وحكمة معاليه - حفظه الله تعالى - لما تجرأت على إخراجه للناس، فالحمد لله أولا وآخر وظاهرا وباطنا، وله الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد الرضى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى ورسوله المجتبى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين. وكتبه عبد الله بن سعد بن محمد أبا حسين الرياض ١٥ / ١ / ١٤٢٤ هـ

стр. 6

[أولا الجهاد أمره عظيم في الإسلام] مهمات حول الجهاد أولا: الجهاد أمره عظيم في الإسلام: جاء الحث عليه في الكتاب والسنة وضبطه أهل السنة والجماعة بضوابط تميزوا بها عن غيرهم ممن خالفهم في ذلك. ومما قرروه في ذلك ما قاله أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله تعالى-: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة " (١) ونقل شيخ الإسلام في "الواسطية" عقيدة أهل السنة والجماعة فكان مما قال "ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع مع الأمراء أبرارا كانوا أو فجارا " (٢) . ونقل الإمام الحسن بن علي البربهاري عن الإمام أحمد رحمهما الله أنه قال "والحج والغزو مع الإمام ماض " (٣) . قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى - "واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها يأمرون بطاعة

стр. 7

الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر، كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد " (١) . ومن عقيدتهم أيضا ما نقله الإمام الحسن بن علي البربهاري عن الإمام أحمد - رحمهما الله تعالى - أن من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به فهو أمير المؤمنين لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا (٢) . ويدل على ذلك ما روى الإمام مسلم (٣) أن عبد الله بن عمر ﵄ جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله ﷺ يقوله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.» ولما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه وأهله ثم

стр. 8

تشهد ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسوله الله ﷺ يقول: " «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (١) . وإذا تقرر سبيل أهل السنة والجماعة في الجهاد وأنه لا يجوز لمن حان تحت ولاية إمام أن يجاهد إلا بإذنه، فإن مما ينبغي بيانه هنا أقوالهم في انعقاد الإمامة، وبم تحصل. وقد أجمعوا على أنها تنعقد بأمور منها: ١ - لو نص الرسول ﷺ على أن فلانا هو الإمام فإنها تنعقد له بذلك، وقال بعض أهل العلم: إن إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لأن تقديم النبي ﷺ له في إمامة الصلاة هي أهم شيء، وفيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى وهو ظاهر (٢) .

стр. 9

٢ - الاختيار من أهل الحل والعقد (١) . ٣ - الاستخلاف: قال أبو الحسن الماوردي: "وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما: أن أبا بكر ﵁ عهد إلى عمر ﵁ فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني: أن عمر ﵁ عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها (٢) . ٤ - التغلب: قال الإمام أحمد ﵀ في العقيدة التي رواها عنه عبد الله بن مالك العطار "ومن غلب عليهم- يعني الولاة- بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا (٣) .

стр. 10

وكان ابن عمر ﵁ في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله (١) . وروى البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت عبد الله بن عمر ﵄ حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت وإن بني قد أقروا بمثل ذلك (٢) . قال ابن حجر: " قوله "حيث اجتمع الناس على عبد الملك " يريد ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة وهما: عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير (٣) . وقال: " وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك فلما غلب عبد الملك واستقام له الأمر بايعه (٤) أ. هـ.

стр. 11

وروى البيهقي في مناقب الشافعي عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: "كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة (١) . قال ابن حجر: " وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه (٢) أ. هـ. وذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى - حصول ولاية آل مروان بالتغلب ومع ذلك انقاد لهم سائر أهل القرى والأمصار، وكذلك مبدأ الدولة العباسية، ثم قال: "وأهل العلم مع هذه الحوادث متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف يرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته لا يختلف في ذلك اثنان (٣) . وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام

стр. 12

أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم (١) . وقد قدمت كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن على كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب لفائدة في كلام الأخير يحسن التنبيه عليها وهي: صحة تعدد الأئمة عند الاضطرار وحل إمام منهم في قطره يأخذ حكم الإمام ولذلك قال شيخ الإسلام: والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأئمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق (٢) . ولما تكلم ابن كثير عن هذه المسألة قال: "وهذا يشبه حال الخلفاء من بني أمية والعباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب (٣) .

стр. 13

وقال الشوكاني في شرح قول صاحب الأزهار: " ولا يصح إمامان " "وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته. فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر. فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب. ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق. وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد". ثم قال في آخر كلامه: " فاعرف هذا فإن المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق

стр. 14

بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار. ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها (١) ا. هـ

стр. 15

[ثانيا تعريف الجهاد] ثانيا: تعريف الجهاد: لغة: الجهاد مصدر جاهد جهادا ومجاهدة، وجاهد فاعل من جهد إذا بالغ في قتل عدوه وغيره، ويقال: جهده المرض، وأجهده إذا بلغ به المشقة، وجهدت الفرس، وأجهدته إذا استخرجت جهده، والجهد بالفتح المشقة، والضم الطاقة، وقيل: يقال بالضم وبالفتح في كل واحد منهما فمادة (ج هـ د) حيث وجدت ففيه معنى المبالغة (١) . وشرعا: بذل الجهد في قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيرهم. قال الحافظ: " الجهاد شرعا بذل الجهد في قتال الكفار ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب (٢) . وجنسه فرض عين كما قال ابن القيم وغيره إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع (٣) .

стр. 16

[ثالثا شروط وجوب الجهاد على المسلم] ثالثا: شروط وجوب الجهاد على المسلم: ذكر أهل العلم أنه يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر - كالعرج والعمى والمرض- ووجود النفقة. فأما الإسلام والبلوغ والعقل فهي شروط لوجوب سائر الفروع، ولأن الكافر غير مأمون في الجهاد، والمجنون لا يتأتى منه الجهاد، والصبي ضعيف البنية. وقد روى ابن عمر قال: «عرضت على رسول الله ﷺ يوم "أحد" وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في المقاتلة» متفق عليه. وأما الحرية فتشترط لما روي أن النبي ﷺ كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم تجب على العبد، كالحج. وأما الذكورية فتشترط لما روت عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ فقال: "جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها وخورها، ولذلك لا يسهم لها. ولا يجب على خنثى مشكل لأنه لا يعلم كونه ذكرا فلا يجب مع الشك

стр. 17

في شرطه. وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض، وهو شرط لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، فأما العمى فمعروف، وأما العرج فالمانع منه هو الفاحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزمانة ونحوها، وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العدو فلا يمنع وجوب الجهاد لأنه ممكن منه فشابه الأعور، وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب لأنه لا يتعذر معه الجهاد فهو كالعور. وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها، فإن كان الجهاد على مسافة لا تقصر فيها الصلاة اشترط أن يكون واجدا للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته، وسلاح يقاتل به، ولا تعتبر الراحلة لأنه سفر قريب، وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع

стр. 18

ذلك الراحلة لقول الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] (١) .

стр. 19

[رابعا أحكام الجهاد] رابعا: أحكام الجهاد: الجهاد فرض كفاية، قال ابن عطية: "والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد ﷺ فرض كفاية (١) . وفي حاشية ابن عابدين: "الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم (٢) . قال ابن قدامة في المقنع: "وهو فرض كفاية (٣) وقال: " ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد أو حصر العدو بلده تعين عليه (٤) . فهذا هو الأصل في حكم الجهاد، وقد يكون فرض عين، قال شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة في الشرح الكبير تحت عبارة المقنع المتقدمة: "وجملة ذلك أن الجهاد يتعين في ثلاثة مواضع:

стр. 20

أحدها: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان يحرم على من حضر الانصراف ويتعين عليه المقام. الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم. الثالث: إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير معه. . (١) . وقال النووي " قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية (٢) . يقول شيخ الإسلام: " إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة (٣) . وذكر الفقهاء أن الجهاد قد يحرم ففي الأم للشافعي: "لا يجوز له الجهاد وعليه دين إلا بإذن أهل الدين وسواء كان الدين لمسلم أو كافرا (٤) . وجاء في المنهاج وشرحه مغني المحتاج: " ويحرم على رجل جهاد بسفر

стр. 21

وغيره إلا بإذن أبويه (١) . قال الشوكاني: " يجب استئذان الأبوين في الجهاد وبذلك قال الجمهور وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية (٢) . وهذه الحالة التي ذكر الشوكاني إذا كان الجهاد فرض كفاية أما إذا كان فرض عين فلا يدخل كلامهم فيه. ومن الصور والحالات التي يحرم الجهاد فيها - كما نص عليه الفقهاء- قولهم إذا زادت الكفار [أي ضعف قوة المسلمين] ورجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا استحب الثبات، وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية وجب علينا الفرار لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٣) . وفي القوانين الشرعية لابن جزي "وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية في العدو

стр. 22

وجب الفرار، وقال أبو المعالي: لا خلاف في ذلك (١) ا. هـ. قال الشوكاني: " إذا علموا بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام، وقد استدل على ذلك بقوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (٢) وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها وإن كان السبب خاصا فإن سبب نزولها أن الأنصار لما قدموا على زرائعهم وإصلاح أموالهم وتركوا الجهاد أنزل الله في شأنهم هذه الآية كما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه والحاكم. وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور ومغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة (٣) . وجاء في السير الكبير: "فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بجملته شيء مما يرجع إلى إعزاز الدين

стр. 23

ولكنه يقتل فقط وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (النساء: ٢٩) ". ولذا قال الألوسي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] هي اقتحام الحرب من غير مبالاة وإيقاع النفس في الخطر والهلاك (١) . وقال ابن حجر في مسألة حمل الواحد على العدد الكثير: "متى كان مجرد تهور فممنوع لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين ". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين , وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٢) . ومن القواعد المقررة: دفع المضار مقدم على جلب المنافع. ونقل المرداوي في الإنصاف عن صاحب البلغة:

стр. 24

"وهو فرض عين في موضعين: أحدهما: إذا التقى الزحفان وهو حاضر. والثاني: إذا نزل الكفار بلد المسلمين تعين على أهله النفير إليهم إلا لأحد رجلين: من تدعو الحاجة إلى تخلفه لحفظ الأهل أو المكان أو المال، والآخر: من يمنعه الأمير من الخروج هذا في أهل الناحية ومن بقربهم أما البعيد على مسافة القصر فلا يجب عليه إلا إذا لم يكن دونهم كفاية من المسلمين ا. هـ. وكذا قال في "الرعاية" وقال: أو من كان بعيدا وعجز عن قصد العدو. قلت: أو قرب منه وقدر على قصده لكنه معذور بمرض أو نحوه أو بمنع أمير أو غيره بحق كحبسه بدين " ا. هـ (١) . فتبين من كلام الفقهاء أن أمر الجهاد ليس صورة واحدة بل له شروط وأحكام وضوابط كغيره من فرائض الإسلام، والأصل فيه أنه فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، وقد يكون محرما، وإذا كان الأمر كذلك فلا ينقد أهل الإسلام بنظر أي قائل، بل عليهم أن يرجعوا إلى أهل العلم الراسخين فيه الذين يردون المتشابه من العلم إلى محكمه

стр. 25

تنبيه: قد يدخل المسلم أحد بلاد الكفر بتأشيرة الدخول فيقتل فيهم أو يفسد في أرضهم، وقد قال الفقهاء: وأمانهم لمسلم أمان لهم منه. يعني أن الكفار لكي يكونوا آمنين من المسلم في بلادهم لا بد لهم من أخذ تصريح منه بأنهم آمنون منه أيضا أو إعطائه ما يسمى بتأشيرة الدخول فحينئذ يحرم عليه أن ينالهم بمكروه. والعرف الدولي السائد هو أن من يدخل بلادا بأمان فتلك البلاد في أمان منه أيضا، ومن القواعد الشرعية "المعروف بالعرف كالمشروط بالنص. قال الشافعي: "إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم (١) . وقال ابن قدامة "من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم ولم يعاملهم بالربا أما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم وأمنه إياهم من نفسه وإن لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى (٢) .

стр. 26

[خامسا تنبيهات حول الجهاد اليوم] [الخوض في وجوب الجهاد وعدمه عند المستجدات كلام في حكم الله] خامسا: تنبيهات حول الجهاد اليوم: ينبغي لمن أراد الله والدار الآخرة أن يتأمل فيما شرعه الله ولا يأخذ الأمور باستعجال أو غيرة مجردة عن العلم المحكم لأننا مأمورون أن نعبد الله جل وعلا كما يريد لا كما نريد. ولذا فثم تنبيهات تهم المسلم في هذا الزمان بثها أهل العلم في كتبهم وسطروها في فتن مشابهة لحالنا اليوم. ١ - الخوض في وجوب الجهاد وعدمه عند المستجدات كلام في حكم الله وهذا إنما يكون لخاصة الناس وهم أهل العلم الراسخون والفقهاء المتمكنون. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ولما ذكر شيخ الإسلام أمر قتال أبي بكر الصديق ﵁ للمرتدين ولمسيلمة الكذاب ثم تعرض لقتال البغاة والخوارج وما حصل بين علي ومعاوية ﵄ قال "وفي الجملة البحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم (١) . وشتان بين تقرير مسائل الجهاد نظريا وبين تطبيقها عمليا، فهذا مما تختلف فيه أنظار الناس، ومن أجل ذلك أطبق علماء المسلمين على قاعدة

стр. 27

متينة عظيمة وهي: أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولى من هو أسهل لذلك ويجعل إلى أهله ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ (١) . قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآية: "فيه نهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، وفيه الأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه أم لا فيحجم "، وقال: " ينبغي للعباد إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها.

стр. 28

فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا ما فيه مصلحة، أو فيه مصلحة لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه (١) . ومن أجل ذلك قرر أئمة أهل السنة والجماعة أن الجهاد من صلاحيات الإمام ومسئولياته وليس لأحاد الناس واجتهاداتهم. روى ابن عبد البر عن عمر بن الخطاب ﵁: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا فاسق بين فسقه، ولكن أخاف عليها رجلا قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه تأوله على غير تأويله (٢) . وكان أصحاب معاوية ﵁ جلوسا عنده فقال: "إن أغرى الضلالة لرجل قرأ القرآن فلا يفقه فيه فيعلمه الصبي والعبد والمرأة والأمة فيجادلون به أهل العلم (٣) وإذا اشتبهت هذه المسائل عند من يؤمن بالله ويريد رضاه فعليه بالاقتداء بفعل العلماء الراسخين الذين شهد لفهم عموم الناس بذلك، ولا ينزل الجهلة منزلة العلماء.

стр. 29

وإن من أهم الصفات التي لا بد من توفرها لدى من يسأل عن مثل هذه العظائم أن يكون ملما بمقاصد الشريعة مدركا لها قال الشاطبي في الموافقات: " أول شرط لبلوغ درجة الاجتهاد هو فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والشرط الثاني والأخير هو التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (١) . وتكلم ابن السبكي عن من يجوز تقليده فصرح بأن العالم إذا تحققت له رتبة الاجتهاد، ولها الاطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها، جاز تقليده كما قلد الشافعي وغيره من الأئمة (٢) . وإذا تكلمنا عن النظر إلى مقاصد الشريعة هنا فليس في هذا انحراف عن جادة الحق بل هو لزوم لها، قال الشاطبي: " فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله (٣) .

стр. 30

وقال: " فمنزلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه (١) . وقال: "الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها - أي دليل كان - وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي (٢) . وقال: "فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا"، وقال: "وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما - أي دليل كان - عفوا وأخذا أوليا وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي (٣) . لأجل مقاصد الشريعة أوقف عمر ﵁ حد السرقة عام المجاعة، وفي مثل ما حصل في زماننا، نقول ما قال الشاطبي ﵀: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت تلك الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو

стр. 31

بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل (١) . ولأجل هذه المعاني التي لا يدركها كثير من الناس اليوم قرر العلماء أن الفتوى تقدر زمانا ومكانا وشخصا، ولا يحصل هذا التقدير إلا باعتبار المآلات والآثار، ولذا عقد ابن القيم فصلا في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان في كتابه "إعلام الموقعين "، ويشهد لهذه المعاني التي لا يدركها كل أحد امتناع النبي ﷺ عن قتل المنافقين مع أنه يعلم كثيرا منهم ويعلم استحقاقهم للقتل، وكان يقول: " «أخاف أن يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه» "، وترك هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم ﵇، وقال ﵊ لعائشة ﵂: " «لولا حدثان قومك بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم. . .» " وجاء رجل إلى ابن عباس ﵁ ما فقال: ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال: " لا إلا النار" فلما ذهب السائل قيل لابن عباس: أهكذا تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال: " إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا " فلما تبعوه وحققوا في الأمر وجدوه كذلك (٢) .

стр. 32

ومن تحققت فيه هذه الصفات العزيزة نسميه كما سماه الشاطبي ربانيا وراسخا في العلم وعاقلا فقيها لأنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات، وغيره يجيب عن السؤال ولا يبالي بالمآل (١) . هذا وإن من أعظم المقاصد في الشريعة: الجماعة وإعزاز الدين وتقوية المسلمين، كما أن من المآلات الوخيمة: الفرقة وتوهين المسلمين. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى: "ومن عرف القواعد الشرعية عرف ضرورة الناس وحاجتهم في أمر دينهم ودنياهم إلى الإمامة والجماعة (٢) . والعمل لا يحصل معه إعزاز للدين إلا إذا كان متابعا للسنة مقتفيا فعل السلف ومبنيا على كلام الراسخين الربانيين الذين نظروا في المآلات قبل الجواب عن السؤالات. ولأجل عظمة سؤال العلماء حقا وأهل الفقه صدقا تأمل كلام ابن مسعود رضي لله عنه: " لا يزالا الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من

стр. 33

أصحاب محمد ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا (١) . ويعد بيان هذا الأمر احذر من الوقوع فيما حذر منه عمر بن عبد العزيز ﵀ حيث قال: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة (٢) . وإذا التبست عليك الأمور في أي مسألة وبدا لك أن الناس تفرقوا، ولم تدر أين الصواب فعليك بالعتيق، وعليك بالجماعة قبل أن تفسد، كما قال جمع من السلف، نقل ابن القيم عن نعيم بن حماد قوله: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ (٣) . ولقد كنا قبل سنين على قول واحد في مسألة الجهاد، وأنه فرض كفاية مع أن إخواننا المسلمين في فلسطين يقتلون ويشردون، وكل يوم نسمع ونشاهد شيئا من مآسيهم، ولم يصدر عن أحد من أهل العلم أن الجهاد في فلسطين فرض عين على جميع المسلمين مع أن حال المسلمين هناك

стр. 34

أشد من حال غيرهم مما حصل بعدهم، وقد كان الناس من أيام مفتي الديار الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ على هذا واستمروا عليه بعده , فما الذي تغير؟ . هل ما حصل من الأحداث والحروب بعد فلسطين أخرج حقا وصوابا مختفيا مع بقاء اليهود في القدس منذ زمن يفعلون الأفاعيل؟ . بل ويتهم من خالف هذا القول الجديد بالاتهامات الباطلة؟ ولما جاءت أحداث البوسنة والهرسك ثم أحداث الشيشان سئل الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - عن وضع المسلمين في البوسنة والهرسك وما يمرون به من تدمير يقصد به استئصال شأفة المسلمين في أوربا، فهل بعد ذلك التدمير والإبادة وهتك الأعراض نشك أن الجهاد في تلك الأرض هو فرض عين؟ . فأجاب -رحمه الله تعالى-: " سبق أن بينا أكثر من مرة أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين " (١) . وقال الشيخ صالح الفوزان: "وكون الجهاد فرضا [على الأعيان] (٢) إذا

стр. 35

حاصر العدو بلاد المسلمين إنما ذلك في حق أهل البلد المحاصر أنفسهم (١) ومن كان فيه من المسلمين. [إياك واتهام أهل العلم وإن تكلموا بغير ما في نفسك] ٢ - إياك واتهام أهل العلم وإن تكلموا بغير ما في نفسك فليس ذلك من عمل الأخيار وإن زاد حماسك فالمسألة دين، ولو تكلم العلماء بما يريد الناس لخرمت الشريعة وضاعت، ولأجل ذلك نحن مأمورون بالرد إلى الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح ومن اتبع آثارهم. قبل عشرات السنين وقعت فتن في بلاد المسلمين فتكلم العلماء بما يدينون لله جل وعلا وخالفهم في ذلك بعضهم وتجرأ بعد ذلك جهال على أهل العلم فكتب الأئمة: سعد بن عتيق ت: ١٣٤٩ هـ، وعمر بن سليم ت: ١٣٦٢ هـ، ومحمد بن عبد اللطيف ت: ١٣٦٧ هـ، وعبد الله العنقري ت: ١٣٧٣ هـ، ومحمد بن إبراهيم ت: ١٣٨٩ هـ ﵏ جميعا: "وقد وقع كثير من الجهلة في اتهام أهل العلم والدين بالمداهنة والتقصير وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه وكتمان ما يعلمون من الحق والسكوت عن بيانه، ولم يدر هؤلاء أن اغتياب أهل العلم والتفكه بأعراض المؤمنين سم قاتل وداء دفين وإثم واضح مبين قال تعالى:

стр. 36

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سدُّوا (١) اهـ. ومما قالوا: "ومما أدخل الشيطان على بعض المتدينين اتهام علماء المسلمين بالمداهنة وسوء الظن وعدم الأخذ عنهم هذا سبب لحرمان العلم النافع، والعلماء هم ورثة الأنبياء في كل زمان ومكان، فلا يتلقى العلم إلا عنهم، فمن زهد في الأخذ عنهم ولم يقبل ما نقلوه فقد زهد في ميراث سيد المرسلين واعتاض عنه بأقوال الجهلة الخابطين الذين لا دراية لهم بالشريعة. والعلماء هم الأمناء على دين الله فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم (٢) . وهنا أتذكر حال بعض الصحابة - رضوان الله عنهم - لما جاءت الشريعة

стр. 37

على خلاف مقتضى غيرتهم وحماسهم في صلح الحديبية حيث صالح النبي ﷺ قتلة ياسر وسمية ومعذبي الصحابة ﵁ ومن ضرب النبي ﷺ ووضع سلا الجزور على ظهره وأراد قتله. صالحهم على أن يرجع إلى المدينة بدون عمرة مع أنه لبس الإحرام مع صحابته الكرام. صالحهم على إرجاع أبي جندل إليهم وهو يصيح في المسلمين: "يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني ". يقول عمر ﵁ للرسول ﷺ : " «ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ . قالت: بلى. قالت: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ . فقال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. وأتى عمر أبا بكر الصديق فسأله فأجاب بجواب النبي ﷺ وقال: فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق» (١) .

стр. 38

فما تكلموا على حملة الشريعة ولا أساءوا الظن بهم بل سلموا وأذعنوا وانقادوا. وكذلك ينبغي علينا أن نكون فلا نسيء الظن بحملة الشريعة ولا ننقص من قدرهم وإن جاء كلامهم على خلاف مرادات النفوس وتطلعاتها في نصر هذا الدين ورد كيد الكائدين وعداء المعتدين بغير نظر شرعي فالعبرة ليست في نصر الدين بمراداتنا وغيرتنا وإنما العبرة أن ننصر الدين على مقتضى الكتاب والسنة بفهم نقلة الشريعة وحملة العلم الراسخين الذين عدلهم النبي ﷺ بقوله " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله " وعدلناهم نحن أيضا في مسائل الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والبيوع والمعاملات والديات وغير ذلك. فائدة: كتب رجل إلى ابن عمر يسأله عن العلم، فكتب إليه ابن عمر: إنك كتبت تسألني عن العلم فالعلم أكبر من أن أكتب به إليك ولكن إن استطعت أن تلقى الله كاف اللسان عن أعراض المسلمين، خفيف الظهر من دمائهم، خميص البطن من أموالهم، لازما لجماعتهم فافعل (١) .

стр. 39

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: " تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع عن الصغائر لحظة، ولكنه يطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق (١) . [الأمر بالجهاد من مهمات وحقوق الإمام] ٣ - اعلم أن الأمر بالجهاد من مهمات وحقوق الإمام قال الحسن البصري: "هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون (٢) . وقال سهل بن عبد الله التستري: " أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير والمكاييل والموازين والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد (٣) . ومعنى الإمامة نص عليه أهل العلم، قال ابن عابدين: "رياسة

стр. 40

عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ (١) ولا يخرج الجهاد عما ذكر. وقال: " الرياسة عند التحقيق ليست إلا استحقاق التصرف إذ معنى نصب أهل الحل والعقد للإمام ليس إلا إثبات هذا الاستحقاق (٢) قلت: فهو صاحب التصرف وطاعته واجبة. ولأجل ذلك قال الخرقي: "وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر ولا يخرجون إلى العدو إلا بإذن الأمير إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه فلا يمكنهم أن يستأذنوه (٣) . فاشترط إذن الأمير في الجهاد الذي هو فرض عين، وقال الزركشي: "لا يجوز الخروج إلى العدو إلا بإذن الأمير إذ أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلته ومكامنه فاتبع رأيه في ذلك، إلا أن يتعذر استئذانه كطلوع عدو غالب عليهم بغتة ويخافون شره إن استأذنوه فإن إذنه إذا
следующие страницы →