← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مصعب ويحيى بن يحيى، أخرج له مسلم وروى له البخاري، قال ابن معين ليس به بأس وما روى في كتابه فهو أثبت في حفظه. قال ابن أبي حازم ومصعب: كان مالك يوثق الدراوردي. قال ابن بكير وأحمد بن صالح هو ثقة. قال الكوفي: هو ثقة، وكان يلحن لحنًا قبيحًا. قال أحمد: إذا حدث في كتابه فهو صحيح، وإذا حدث في كتب الناس أوهم. واختلف فيه قول النسائي فقال مرة ليس به بأس صالح. وقال مرة ليس بذاك. قال مصعب: ليس صاحب فتوى، كان صاحب حديث. قال محمد بن سعد: كان ثقة، كثير الحديث يغلط. قال الشافعي رأيت المغيرة وابن أبي حازم والدراوردي يذهبون مذهب مالك. وعده ابن حبيب في طبقاته خير فقهاء المدينة بعد مالك. قال مصعب وابن دينار: أمر هارون والي المدينة أن يولي الصدقات التي جعلها هارون لأهل المدينة خير رجلين بالمدينة، فلم يوجد يومئذ أفضل من الدراوردي وسلمة بن عكرمة المخزومي فأقرأهما الوالي كتاب هارون فأبيا عليه، فكتب إلى هارون فأجابه: تالله لئن ولينا أعمالنا أشرارنا ليرون ذلك من حيفنا وجورنا، ولئن وليناها خيارنا ليأبون علينا. اضرب كل واحد منهم ثلاثين سوطًا في كل يوم حتى يلياها. وكان سلمة قد أنهكته العبادة وما بقي فيه شيء، فقال لهما الوالي: والله إنكما لمن أجل أهل المدينة عندي، والله لأنفذن فيكما كتاب أمير المؤمنين أو تليانها. فبكى سلمة، وقال الدراوردي: والله إن ضربت

стр. 282

ثلاثين سوطًا لأموتن. فقال له الدراوردي: ويحك يا سلمة تموت تحت السياط خير لك من النار. فقال سلمة: إنك والله قد وجدت مس السياط، فأتت لا تباليها. فكلم الناس الدراوردي، وقالوا إليه: إنما هي صدقة على المساكين وأنت فيها مأجور فولياها جميعًا، وقد كان هارون حلف على الدراوردي قبل هذا في عمل أراد أن يستعمله فيه فأبى فحلف ليضربنه أو ليلين، فحلف الدراوردي فضربه اثنين وثلاثين سوطًا موجعة فما ولي. توفى سنة ست وقيل خمس وقيل سبع وثمانين ومائة بالمدينة. زكريا بن منظور بن ثعلبة ويقال عقبة بن ثعلبة بن أبي مالك القرضي الأنصاري أبو يحيى جليسه، ويحيى من أصحابه، وسمع منه ومعه، من زيد بن أسلم وأبي حازم وهشام ابن عروة، وسمع ابن أبي سبرة وعبيد الله بن عمر ومحمد بن عقبة وعطاف بن خالد وثابت بن يزيد المحاربي وعمر بن حسين. روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب وعبد العزيز الأوسي وهارون بن معروف الحميدي ومحمد بن ذبالة وأبو إبراهيم الترجماني وإسحاق بن أبي إسرائيل وعباد بن موسى الختلي وأبو ثابت المدني وهشام بن عمار وإبراهيم بن المنذر وعتيق بن يعقوب وهارون بن يحيى القاضي وبه تفقه. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ضعيف الحديث منكره، لم يكتب حديثه. وقال أبوزرعة ليس بالقوي، واهي الحديث منكره. وذكر يحيى بن معين أنه سكن بغداد، وقال أيضًا: لا بأس به. وقال مثل ذلك فيه أحمد بن صالح. قال الخطيب: اختلف قول يحيى فيه. قال ابن رشدين ولي القضاء وحمله هارون إلى الرقة، لقضية قضى بها، قال: وليس

стр. 283

بثقة. قال ابن رشدين: سألت يحيى عنه، فقال: لا بأس به. قلت له: لم أرك فيه قبل جيد الرأي. فقال: ليس به بأس، إنما زعموا أنه كان طفيليًا. وقال ابن حنبل: زكريا بن منظور شيخ، ولينه. وقال فيه المدني ضعيف. وقال مثله العلا والنسائي والساجي. وقال الدرا قطني: مدني متروك. وقال محمد بن سعد: كان أعور. محمد بن دينار هو محمد بن إبراهيم بن دينار الجهيني، مولاهم. من ولد دينار بن النجار. كنيته أبو عبد الله. قال القاضي أبو الوليد: كذا نسبه أصحاب الحديث. وقال عبد الرحمان الفقيه في روايته عنه: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن دينار يروي عن أبي ذئب وموسى بن عقبة ويزيد بن أبي عبيد وعبد العزيز بن المطلب وكان فقيهًا فاضلًا له بالعلم رواية وعناية. قال ابن حبيب: كان هو والمغيرة أفقه أهل المدينة. قال ابن حاتم الرازي عن أبيه، وكان من فقهاء المدين زمان مالك، وهو ثقة. قال يحيى: وهو ثقة. قال البخاري: هو معروف الحديث. أخرج عنه البخاري. قال أشهب: ما رأيت في أصحاب مالك أفقه من ابن دينار. وقال ابن شعبان: لا أحسبه أراد غير المدنيين. قال ابن حارث: كان من قدماء أصحاب مالك وكبارهم وشركه في بعض رجاله. وقال ابن القاسم: كبير من أصحاب مالك، وهو ابن دينار. وقال الشافعي: ما رأيت في فتيان مالك أفقه من ابن دينار. قال الشيرازي درس مع مالك على ابن هرمز. قال الحارث من مسكين كان ابن دينار ممن يقدم من أصحاب مالك. قال: جاء رجل إلى مالك يومًا أثر صلاة

стр. 284

الصبح وكان مالك لا يتكلم حتى تطلع الشمس فجلس الرجل ما شاء الله ثم قام يذهب فقال له ابن دينار ما شأنك؟ فأخبره. فأفتاه ابن دينار. فلما فتل قال مالك: يا محمد تفتي؟ قال أصلحك الله لم يطمع الرجل فيك وقام ليذهب، فخشيت أن يذهب بحاله فأفتيته بما أعلم من مذهبك. فقال له مالك: عجلت. قال سحنون كان مالك وعبد العزيز وابن أبي سلمة ومحمد بن دينار يختلفون إلى ابن هرمز، فيسألونه، فيجيب مالكًا وعبد العزيز، ولا يجيب الآخر. فتعرض له ابن دينار وقال له لم تستحل ما لا يحل لك؟ وذكر له القصة. فقال له: إني كبرت سني وأخاف أن يكون خالطني في عقلي مصل الذي خالطني في جسمي ومالك وعبد العزيز فقيهان عالمان يسألاني عن الشيء فأجيبهما فما رأياه من حق قبلاه، وما رأياه من خطأ تركاه. وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه. وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وثمانين ومائة. عثمان بن عيسى بن كنانة قال ابن سعبان: يكنى أبا عمرو. وكنانة مولى عثمان بن عفان، قال أبو عمر بن عبد البر: كان من فقهاء المدينة، أخذ عن مالك وغلبة الرأي، وليس له في الحديث ذكر. قال الشيرازي كان مالك يحضره لمناظرة أبي يوسف عند الرشيد، وهو الذي جلس في حلقة مالك بعد وفاته. قال ابن بكير لم يكن عند مالك أضبط ولا أدرس من ابن كنانة وكان مالك إذا مل من حبس الكتاب علينا أسلمه إلى حبيب كاتبه، وربما إلى ابن كنانة

стр. 285

وهو الذي قعد في مجلس مالك بعد وفاته، وقيل بل جلس فيه يحيى بن مالك أولًا، وجلس فيه بعد ابن كنانة عبد الله بن نافع الصائغ. قال غيره: وكان ابن كنانة ممن يخصه مالك بالأذن عند اجتماع الناس على بابه. فيدعى باسمه هو وابن زنبر وحبيب اللئالي المعروف ببابين. فإذا دخلوا ودخل غيرهم ممن يخصه أذن للعامة. قال يحيى: كان يجلس ابن كنانة عن يمين مالك لا يفارقه. وقال ابن مفرج وابن القرطبي: توفى ابن كنانة سنة ست وثمانين ومائة. وقال ابن سحنون وابن الجزار سنة خمس وثمانين. وقال ابن بكير: كان بين موت ابن كنانة ومالك عشر سنين، وكانت وفاته بمكة وهو حاج. عثمان بن الضحاك وبنوه قال الفقيه الإمام القاضي المؤلف أبو الفضل: هو عثمان بن الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام. زاد ابن أبي حاتم، ابن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزيز بن قصي، يكنى بأبي عثمان. قال الزبير: كان هو وابنه الضحاك بن عثمان بن الضحاك من أكبر أصحاب مالك، وكانا جميعًا يجالسانه. روى عن عثمان هذا الحديث سمع منه ابن غانم وابن نافع الصائغ وأنس بن عياض. يروي عن أبيه والثوري والقطان وزيد ابن حباب وأنس بن عياض. يروي عن مالك وسالم أبي النضر ونافع وبكير ابن الأشج وعبد الله بن عروة. قال مصعب بن عبد الله كان علامة قريش بالمدينة بأشعار العرب وأيامها. له مروءة وفضل وفقه، ومن كبراء أصحاب مالك، وأمه أم عبد الله بن خالد بن حزام، وله أخ اسمه الضحاك، روى عنه العلم. ذكر ابن أبي حاتم: قال الزبير: وكان ابنه الضحاك علامة

стр. 286

قريش بالمدينة بأخبارها وأشعارها وأيامها وأشعار العرب وأيامها وأحاديث الناس. قيل لابن معين: كيف حديثه؟ قال: ليس به بأس. وقال: هو ثقة. وعثمان أبوه ثقة. قال ابن نمير هو مدني ثقة لا بأس به، وفي حديثه اختلاف. قال ابن حنبل هو مدني ثقة. وقال أبو زرعة ليس بقوي. وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. وابنه محمد بن الضحاك من أصحاب مالك أيضًا كثير الرواية عنه والمجالسة. قال الزبير هلك شابًا وقد ظهرت مروءته وخلف أباه في العلم والأدب وكان ممدحًا. أمه أروى من بني عامر بن صعيعة. روى عنه الزبير كثيرًا، وإبراهيم بن المنذر وابنه أحمد بن محمد جالس الواقدي. وقال الواقدي: هذا الفتى، يعني أحمد، خامس خمسة جالستهم على طلب العلم كما ترون: هو وأبوه وجده الضحاك وأبوه عثمان بن الضحاك، وأبوه الضحاك وعثمان بن عبد الله. ولما استعمل الرشيد عبد الله بن مصعب بن ثابت بن ثابت بن عبد الله بن الزبير على اليمن، وجه عبد الله بن الضحاك بن عثمان خليفة له عليها، وأعطاها رزقه ألف دينار كل شهر، إلى أن يقدم عليه، وكلم له الرشيد فأعانه على سفره بأربعين آلأف درهم وكان محمود السيرة وقال (وهو) باليمن: أقول لصاحبي إذ عيل صبري … وحن إلى الحجاز نبات صدري لعمرك ما العقيق وما يليه … أحب إلي من صلع وصهر صلع وصهر، موضعان باليمن. قال الزبير: قال عمي مصعب: أظن أن البيت الأول من البيتين له، والآخر لغيره، ورواهما جميعًا غير عمي له

стр. 287

ومات الضحاك بمكة منصرفه من اليمن يوم التروية سنة ثمانين ومائة. فقال المنذر بن عبد الله الخزاعي يرثيه: أعيني اسكبا غلبت عزائي … حرارة بطنت حشائي على الضحاك أني أرى قليلًا … وقد بكى الحمام له بكائي ولا تستبقيا دمعًا لشيء … لعل الدمع يبرد حر دائي سعيد بن سليمان المساحقي قال القاضي الإمام أبو الفضل: هو سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق ابن عبد الله بن مخرمة. وقال ابن شعبان: ليس في رواة مالك سعيد بن عبد الرحمان المساحقي، وإنما هو ابن سليمان. كان من جلساء مالك وأصحابه، وعليه دخل مالك على الرشيد متوكئًا وعلى المخزومي والعامري. وإنما سعيد ابن عبد الرحمان جمحي أخذ عنه أيضًا، وذكره ابن شعبان أيضًا. قال الزبير: كان المساحقي من سراة قريش عقلًا وجلدًا وجمالًا وشعرًا وأدبًا، وعارضة. وكان مسددًا في قضائه. قال ابن شعبان وهو من وجوه أصحاب مالك المدنيين. قال القاضي أبو بكر بن محمد بن خلف المعروف بوكيع في طبقات القضاة: هو أول قاض استقضاه المهدي بالمدينة وأقره الرشيد صدرًا من ولايته. قال ابن الماجشون شهد سعيد بن سليمان عند ابن عمران الطلحي وهو قاض، فرد شهادته. فلما ولي سعيد شهد عنده ابن عمران فنظر في شهادته ففكر قليلًا ثم قال لكاتبه: أجز شهادته يا ابن دينار. فإن المؤمن لا يشفي غيظه. وكتب العباس بن محمد إلى سعيد بن سليمان، وكان ينقلب إلى الحجاز وإلى ماله بالجفر: أليس إلى نجد وبرد مياهه … إلى الحول أن حم الإياب سبيل

стр. 288

وقال له زد إليه. فقال سعيد: وإن مقام المرء في طلب الغنا … بباب أمير المؤمنين قليل وذكر المصعب بن عبد الله في كتابه هذه الحكاية فقال: فلما وفد على الرشيد وكان منقطعًا إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فنزل عليه، وجعل يتقلب إلى المدينة والى ماله بالجفر بناحية ضرية واشتكى عند العباس فجعل العباس يمازحه ويدفعه عن الخروج إلى الحج. قال مصعب: فكتب العباس إلى أبي بيتًا مازح به سعيدًا وقال له زدنا عليه بيتًا، وذكر البيت الأول إلا أنه قال: الحج مكان الحول. قال: فزاد أبي وذكر البيت الثاني وقال الحول، فكان المرء وهو أصح في المعنى وأولى. وقال المساحقي: وذي إحنة قد قلت ألًا ومرحبًا … له حين يلقاني بحيا ومرحبا وأعطيته من ظاهري قسمة الرضى … وأدنيته حتى دنا وتقربا فصلت به مستكمل الكف صولة … شفيت به أضغان من كان مغضبا وله إلى عمرو بن عبد الرحمان العامري: بلوت إخاء الناس يا عمرو كلهم … وجربت حتى أحكمتني تجاربي فلم أر ود الناس إلا رضاهم … فمن يذر أن يعتب فليس بصاحبي فخذ عفو من أحببت لا تحوجنه … فعند بلوغ الكد رتق المشارب فهونك في حب وبغض فربما … بدا جانب من صاحب بعد جانب وأنشد ابن الجراح في كتاب الورقة هاته البيتين لابنه عبد الجبار:

стр. 289

إن لنا مجلسًا نسر به … عند احتضار الهموم والحزن ما به من خلة يعاب بها … إلا حنين الفؤاد للوطن وابنه عبد الجبار يأتي ذكره في طبقة بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال مصعب: ومات سعيد وهو عند العباس وأمه أمة الوهاب ابنة عمر بن مساحيق. سليمان بن بلال أبو أيوب. قال البخاري. قال مسلم: ويقال أبو محمد وهو قول الواقدي. مولىعبد الله بن أبي عتيق (وهو محمد بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق ابن الحارث وابن قتيبة) هو مولى القاسم بن محمد، مدني سمع يحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وعبد الله بن دينار وربيعة وشريك بن أبي نمير، وصالح بن كيسان. روى عنه ابن إدريس وخالد بن مخلد المقري وابن وهب ويحيى ابن يحيى النيسابوري وأشهب وابن القاسم والقعنبي وابنا أبي أويس، ويحيى ابن حسان. قال ابن معين: هو ثقة أروى الناس عن يحيى بن سعيد وهو أحب إلي من الدراوردي. قال ابن حنبل: وكان كاتب يحيى بن سعيد، وإنما كان وضع منه عند أهل المدينة أنه ولي السوق. قال أبو عمر بن عبد البر: هو أحد ثقات أهل المدينة. وقال ابن حنبل والنسائي: هو ثقة. وقال ابن قتيبة: كان رضيئًا جميلًا. قال محمد بن يحيى: هو احفظ من الدراوردي. وقال أبو حاتم: هو مقارب. وقال أبو زرعة: هو أحب إلي من هشام بن سعد. قال ابن مهدي: ندمت ألا أكون أخذت عنه.

стр. 290

وخرج عنه البخاري ومسلم وعده ابن حبيب في الطبقة التي صار إليها الفقه بالمدينة بعد طبقة مالك، وشارك مالكًا في كثير من رجاله. وكان من أجل أصحابه وأخصهم به. وهو أول من جلس معه حين انعزل عن مجلس ربيعة، وعمل لنفسه مجلسًا. قال مطرف: قال لنا مالك: لما أجمعت تحولًا من مجلس ربيعة، وعمل لنفسه مجلسًا. قال مطرف: قال لنا مالك: لما أجمعت تحولًا من مجلس ربيعة جلست أنا وسليمان بن بلال في ناحية المجلس، فلما قام ربيعة عدل إلينا وقال: يا مالك تلعب بنفسك! زفنت وصفق لك سليمان ابن بلال، بلغت أن تتخذ مجلسًا، ارجع لمجلسك. وقد ذكرنا هذا الخبر بتمامه وسببه في أخبار مالك، وولي سليمان بن بلال سوق المدينة. وقال أحمد بن صالح الكوفي: أنه ولي قضاءها. وقال ابن قتيبة: ولي خراجها. والأول أصح. وقد قال بعضهم: إذا قال مالك ألأمر عندنا والأمر المجتمع عليه عندنا فإنما يعني ما به الحكم أيام سليمان بن بلال. وهذا غير صحيح. وقد شرحنا هذا الفصل في أخبار مالك وولي ابن بلال القضاء ببغداد للرشيد وتوفي وهو عليه. وصلى عليه الرشيد وذلك في سنة ست وسبعين ومائة قبل وفاة مالك بثلاث سنين. وقد قال البخاري: توفي سنة سبع وسبعين. وقال ابن قتيبة: سنة اثنتين وسبعين. وقال محمد بن المثنى سنة ثلاث وسبعين. محمد بن مطرف هو أبو غسان الليثي، المزني صاحبه. وله كتب مالك رسالته في الفتوى وهو يرويها عنه، وحكى البخاري أن إسحاق قال فيه: محمد بن طريف. قال البخاري: والأول أصح، مدني، نزل عسقلان. سمع زيد ابن أسلم وأبا حازم ومحمد بن المنكدر وشاركه مالك في كثير من رجاله.

стр. 291

سمع من ابن المبارك ويزيد بن هارون وابن أبي يحيى وعيسى بن يونس وعلي ابن عياش. قال أبو حاتم فيه: ثقة. وقال ابن معين والنسائي والبزاز وابن السكري لا بأس به. وقال ابن السكري وابن بكير لا بأس به وقال ابن الرقي: احتملنا حديثه لأنه روى عنه الثقات. يحيى بن كثير بن درهم أبوعمران، ويقال أبو الهياج، ويقال أبو الهراج والأول أشهر وهو قول البخاري مولى العمريين. ذكره الدارقطني وابن شعبان وهو مدني، وقال ابن مفرج: مصري. وقال البخاري وغيره: هو بصري. قال ابن عبيد: كان من كبراء أصحاب مالك المتقدمين. حدث عنه ابن سفيان عن سعيد وعبد العزيز بن مسلم وأبي حفص بن العلا. روى عنه إبراهيم. خرج عنه البخاري ومسلم. قال ابو حاتم هو صالح الحديث. من أهل اليمن يحيى بن ثابت من قدماء أصحاب مالك هو ظيني جندي. قال أحمد بن خالد: قال لنا عبيد بن محمد الكشوري: يحيى بن ثابت من اقدم أصحاب مالك. وهو

стр. 292

أول من وطأ له كتبه. وحدثنا أحمد بن خالد عن ابن الكشوري عن عبد الله بن الصباح، قال: حدثنا يحيى بن ثابت عن مالك، قال: سمعت ربيعة يقول لا يحل لأحد عنده موضع العلم إلا طلبه يريد العقل هكذا قال غيره: كان كاتب مالك أولًا. من أهل المشرق عبد الله بن المبارك وهو مولى بني تميم. ثم لبني حنيفة مروزي وكنيته أبو عبد الرحمان. سمع من ابن أبي ليلى وهشام بن عروة والأعمش وسليمان التيمي وحميد الطويل ويحيى بن سعيد وابن عون وموسى بن عقبة والسفيانيين والأوزاعي وابن أبي ذئب ومالكًا ومعمرًا وشعبة وحيوة بن شريح وقرأ على أبي عمرو بن العلاء والليث وغيرهم. روى عنه ابن مهدي وعبد الرزاق ويحيى القطان وابن وهب وغيرهم. قال ابن وهب: ما فات ابن المبارك من مشيختنا إلا عمرو بن الحارث. قال الشيرازي تفقه بمالك والثوري، وكان أولًا من أصحاب أبي حنيفة ثم تركه ورجع عن مذهبه. قال ابن وضاح: ضرب آخرًا في كتبه على أبي حنيفة ولم يقرأه للناس. ذكر مكانته من العلم والثناء عليه قال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وكان الفزاري يجلس بين يديه فيسأله. وقال شعبة: ما قدم من ناحيته مثله. قال ابن مهدي: لقيت أربعة من الفقهاء: مالكًا وشعبة وسفيان وابن المبارك. وفي بعضها: حماد، مكان شعبة. فما رأيت أنصح للأمة من ابن المبارك وحديث لا يعرفه ابن المبارك لا نعرفه. وسئل ابن مهدي عنه وعن الثوري أيهما

стр. 293

أفضل، فقال ابن المبارك. فقيل له: إن الناس يخالفونك. قال: الناس لم يجربوا. ما رأيت مثل ابن المبارك. وكان ينسخه وحده. ولما نعي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة قال: ﵀. لقد كان فقيهًا عالمًا عابدًا زاهدًا سجينًا شجاعًا شاعرًا. وقال أيضًا: ما قدم علينا أحد يشبه ابن المبارك وابن أبي زائدة. قال محمد بن المعتمر: قلت لأبي لما مات الثوري: من فقيه العرب؟ قال ابن المبارك. قال الأوزاعي لأبي عثمان الكلبي عنه: لو رأيته لقرت عينك. وقال علي: هو ثقة. قال أبو حاتم: هو إمام. قال أبو زرعة: اجتمع فيه فقه ومروءة وشجاعة وسخاء وأشياء. وقال داود العطار: هو رجل طلع علينا من ناحية المشرق. وقال النسائي: ولا يعلم أحد في عصر ابن المبارك أجل منه ولا أعلى ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه. وقال سلام بن مطيع: ما خلق بالمشرق مثله، وابن المبارك أحب إلي من الثوري. وقال ابن وضاح: سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: اجتمع في ابن المبارك العلم والفتيا، والحديث والمعرفة بالرجال، والشعر والسخاء والعبادة والورع. ابتداء طلبه وسبب زهده وجمل من فضائله وعلمه قال الإمام القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ذكر الصدفي، قال: لما بلغ ابن المبارك دفع إليه أبوه خمسين ألف درهم يتجر بها، فطلب العلم حتى أفقدها، فلما انصرف لقيه أبوه، فقال: ما جئت به فاخرج إليه الدفاتر، فقال هذه تجارتي. فدخل أبوه المنزل فأخرج له أبوه ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال: هذه تمم بها تجارتك، فأنفقها. قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سن وطلبت العلم عشرين سنة. وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن ومصر والشام والحجاز

стр. 294

والبصرة والكوفة، وكان من رواة العلم وكان أهلًا لذلك، كتب عن الصغار والكبار، وما أقل سقطه. كان يحدث من كتاب، قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروي نحوًا من خمسين وعشرين ألف حديث. وقيل له إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت. وذكر أبو عمرو في كتابه في طبقات المقرئين، وذكر أنه يقرأ بالاختلاف: إن ابنك سرق. وقال يحيى الليثي أقبل يومًا إلى مالك رجل عليه سمت حسن: فكنت أراه، يعني مالكًا، يقول له: هاهنا. ثم تزحزح له في مجلسه، وما رأيته تزحزح لأحد غيره. فأجلسه في جواره، وكان ربما سأل مالكًا عن المسألة فيجيب فيها ثم يميل إلى الرجل ويقول له: ما يقول أصحابك فيها؟ فيقول الرجل جوابًا خفيًا لا نسمعه ولا نفهمه، فرأيته فعل ذلك أيامًا، فأعجبني أدب الرجل، ولم أره يسأل عن شيء حتى انصرف كان يجيز بما سمع. فقال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. وصلى ابن المبارك يومًا إلى جنب أبي حنيفة أتريد أن تطير؟ فقال: لو شهيت لطرت في الأولى. وكان يقول الزاهد الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا فاتته لم يحزن. وقال ابن شاهين: حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلمًا عليه، فذهب أصحاب الحديث إلى حماد أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم. فقال ابن المبارك: يا سبحان الله أحدث وأنت حاضر. قال: أقسمت عليك لتفعلن أنحوه. فقال: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد وما حدثهم بحرف إلا عنه، وكان ابن المبارك يقول أول العلم النية، ثم الاستماع ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر. ويقال أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والإقلال: ليخرج معي من أراد الحج، نكفيهم مؤونتهم. ويفعل مثل ذلك إذا أغزى.

стр. 295

قال أحمد بن شجاع: رأيت سفرة ابن المبارك على عجلة، وقال على عجلتين. ومن كتاب أبي عمرو الصدفي قال: قدم الرشيد الثغر فجاء الفزاري وفرج أبو سليمان إلى ابن المبارك، فقالا له: قدم هارون وهو يريد لقاءك والسلام عليك. فقال: إذًا أكمله بلساني كله. فقال أحدهما للآخر: قم بنا لعله يجيء منه ما يكرهه الآخر بسببنا. قال العسولي العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر فبكى. فقلت أتبكي من مثل هذا؟ فقال: إنما ابكي على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها. قال ابن الحسين: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عياش بأربعين ألف درهم، وقال سد بها خلة القوم عندك. قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: لا تستسوحش؟ فقال كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه، وحكى: أن إبليس جاء إلى ابن المبارك وهو يتوضأ فقال إنك لم تسمح. فقال بلى قد مسحت. قال بل لم تمسح. فقال: أنت المدعي فأقم البينة. قال منصور بن عمار: ثلاثة تفتت أكبادهم من الخوف، الفضيل وعيسى بن يونس وابن المبارك. وقال ابن المبارك لبعض أصحابه، لا تغفل عن يوم ذكره الله في كتابه في ثلاثة وستين موضعًا وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة كذا وكذا. فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلًا لم يزل يقرأ البارحة التكاثر إلى الصباح ما جاوزها. يعني نفسه. وذكر هو وغيره: أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم فقال: كنت شابًا أشرب النبيذ وأحب الغنا وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت إخوانًا حين طاب التفاح وغيره إلى بستان

стр. 296

لي، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السكر، فانتبهت آخر السحر فأخذت العود أعبث به وأنشد: ألم يأن لي منك أن ترحما … ونعصي العواذل واللوما فإذا هو لايجبني إلى ما أريد. فلما تكررت عليه بذلك وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله. قلت بلى، يا رب. فكسرت العود ومرقت النبيذ وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها، واقبلت على العلم والعبادة. وروي أن عبد الله ابن المبارك دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بإمرأة جالسة على مزبلة وهي تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة، فوقف على بغلة وقال لها: ما هذه البطة أميتة أم مذبوحة؟ قالت: ميتة. قال فلم تنتفيها؟ قالت لآكلها أنا وعيالي. فقال لها يا هذه إن الله قد حرم عليك الميتة، وأنت في بلد مثل هذا. قالت، يا هذا انصرف عني. فلم يزل يراجعها الكلام وتراجعه إلى أن قال: وأين تنزلين من الكوفة؟ قالت قبيلة بني فلان. فقال لها وبأي شيء نعرف داركم؟ قالت ببني فلان. فانصرف عنها وسار إلى الخان، ثم سأل عن القبيلة فدلوه عليها. فقال لرجل لك عليّ درهم وتعال معي إلى الموضع. فمضى حتى انتهى إلى القبيلة التي ذكرت المرأة فقال للرجل: انصرف. ثم دنا إلى الباب فقرع الباب بمقرعة كانت معه، فقالت العجوز من هذا؟ فقال افتحي الباب ففتحت بعضه، فقال افتحيه كله. ففتحته كله. ثم نزل عن البغل ثم ضربه بالمقرعة فدخل البغل إلى الدار، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد فهو لكم، وأنتم منه في حل الدنيا والآخرة. ثم جلس ابن المبارك مختفيًا حتى رجع الناس من الحج، فجاءه قوم من أهل بلده يسلمون عليه ويهنئونه بالحج، فأقبل

стр. 297

يقول لهم: إنه كانت بي علة ولم أحج هذه السنة. فقال بعضهم: يا سبحان الله، ألم أوادعك نفقتي، ونحن بمنى ونحن نذهب إلى عرفات. وآخر يقول: ألم تشتر لي كذا. فأقبل يقول: لا أدري ما تقولون. أما أنا فلم أحج في هذا العام. فرأى الليل في منامنه آت، فقال: يا أبا عبد الله، أبشر فإن الله قد قيل صدقتك وبعث ملكًا على صورتك فحج عنك. ذكر قطع من حكمه وشعره وملحه قال رحمه الله تعالى: تعاهد لسانك إن اللسان … سريع إلى المرء في قتله وهذا اللسان يريد الفؤاد … يدل الرجال على عقله وقال رحمه الله تعالى: أرى لي أناسًا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال أيضًا رحمه الله تعالى: لولا الجماعة ما كانت لنا سبل … وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا وقوله أيضًا رحمه الله تعالى: تنعم قوم بالعبادة والتقى … ألذ النعيم لا اللذاذة بالخمر فقرت بهم طول الحياة عيونهم … وكانت لهم والله زادًا إلى القبر على برهة نالوا بها العز والتقى … ألا ولذيذ العيش بالبر والصبر وكان فتى يصحب ابن المبارك يسمع منه كل يوم شيئًا يسيرًا، فسافر

стр. 298

ابن المبارك وسافر معه، فورد على ابن المبارك رجل في منزله فحدثه ابن المبارك بحديث كثير فوجد الفتى في نفسه فكتب إليه: كنت زوارًا لكم في أرضكم … وأنا اليوم رفيق في السفر ذان حقان عظيمان معًا … ليس كالطير الذي جاء فمر فكتب ابن المبارك رحمه الله تعالى: غاية الصبر لذيذ طعمها … ورديء الذوق منه كالصبر إن في الصبر لفضلًا بينًا … فاحمل النفس عليه تصطبر وقال أيضًا رحمه الله تعالى: كل عيش قد أراه نكدًا … غير ركن الرمح في ظل الفرس وقيام في ليال دجن … حارسًا للناس في أقصى الحرس وجاء رجل إلى ابن المبارك فقال له: رضي الله عنك صف لي الوالهين بالله فقال هم كما اقول لك: مستوفدين على رحل كأنهم … ركب يريدون أن يمضوا وينتقلوا عفت جوارحهم عن كل فاحشة … فالصدق مذهبهم والخوف والوجل وسأله آخر عن صفة الخائفين فقال: إذا ما الليل أظلم كابدوه … فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقالوا … وأهل الأمن في الدنيا هجوع لهم تحت الظلام وهم سجود … أنين منه تنفرج الضلوع وخرس بالنهار لطول صمت … عليهم من سكينتهم خشوع

стр. 299

وكان ينشد أيضًا: أغتنم ركعتين زلفى إلى الله … إذا ما كنت فارغًا مستريحًا وإذا ما هممت يومًا بنطق … فاجعل في مكانه تسبيحا واغتنام السكوت أفضل من … خوض وإن كنت في الكلام فصيحا ورأى أبا العتاهية يلبس الصوف فقال: أيها القارئ الذي لبس الصوف … وأضحى بعد في الزهاد إلزم الثغر والتعبد فيه … ليس بغداد منزل العباد إن بغداد للملوك محل … ومناخ للقارئ الصياد ومما استحسن له من الشعر قوله: قرب طعامك لمن دخلا … واحلف على من أبى واشكر لمن أكلا ولا تكن سامري العرض محتشمًا … من القليل فلست الدهر محتفلا وشعر ابن المبارك كثير في غير باب وله أرجوزة في الصحابة والتابعين وقصائد طوال في التثبت والجهاد مشهورة، وله كتاب الرقائق مشهور، وكتاب رغائب الجهاد. وسئل ابن المبارك فقيل له: من الناس؟ قال: العلماء. قيل فمن الملوك؟ قال الزهاد. قيل: فمن الغوغاء؟ قال: هرثة وخزيمة. وقيل من السفلة؟ قال من باع آخرته بدنيا غيره. وكان يقول: إن أثر الحبر في ثوب صاحب الحديث أحسن من الخلوق في ثوب العروس. وقيل له من أحسن الناس حالًا؟ فقال: من انقطع إلى ربه. وقال ابن المبارك: مررت بحائك وقد انقطع شسع نعلي فلقيني بنعال، فقلت للثواب فعلتها؟ قال نعم. فكنت إذا أجزت به ملت إليه فسلمت عليه. ثم افتقدته فأصبته قد أغلق حانوته، فسألت عنه بعض جيرانه، وقلت: إن

стр. 300

كان مريضًا عدناه أو مشغولًا أعناه أو فقيرًا واسيناه. فقالوا لا علم لنا به. فأستأذنت على منزله فخرج إلي، فسألته ما شغلك عن حانوتك؟ فقال لي: أنت يا ابن المبارك، يراك الناس تميل إلي فالبستني قميصًا ليس علي منه شيء. فأخذت بكمه فسرت به إلى المقابر فقلت له: هذا قبر فلان، كان من شأنه كذا. وهذا قبر فلان، كان من شأنه كذا. فقال لي يا ابن المبارك ما أعرف ما تقول، ليس الرجل كل الرجل من وصفته الألسن ولا الرجل كل الرجل من رمقته الأعين، إنما الرجل من ستر الله عليه في حياته فأدخله قبره مستورًا ثم أبرزه يوم القيامة ليس عليه ذلة معصية فذلك الرجل. وحكى أبو بكر بن الخطيب أن الحسن بن عيسى بن سرجس كان يجتاز وهو إذ ذاك على نصرانيته بابن المبارك، وكان الحسن من أحسن الناس وجهًا فسأل عنه عقيل فقيل له: هو نصراني فقال: اللهم ارزقه الإسلام. فاستجاب الله دعوته وحسن إسلام الحسن ورحل في طلب العلم، فكان أحد علماء الأمة، وممن رحل في طلب العلم والتسنن في الآفاق. وأخذ الناس عنه مع ورع وعقل وثقة، ومال إلى الدنيا رجل ممن كان يصحب ابن المبارك وصحب السلطان فلقيه يومًا فسلم عليه فقال له يا أخي: كل من الأرز والبر ومن خبز الشعير … واجعلن ذاك حلالًا تنج من حر السعير وق يا هذا هداك الله عن دار الأمير … لا تزرها واجتنبها إنها شر المزور تذهب الدين وتدنيك من الحرب الكبير فاستحى الرجل وترك مصاحبة السلطان ورجع إلى صحبته.

стр. 301

ذكر مذهبه في الرواية والحديث كان ابن المبارك ينكر التدليس في الحديث. وقال له بعض الصوفية وسمعه يصف بعض الرواة: يا أبا عبد الرحمان تغتاب. قال: اسكت، إذا لم نبين فمن أين يعرف الحق من الباطل؟ توفى ابن المبارك بهيت منصرفه من الغزو في سفينة. فدفن بهيت في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة. قال البخاري: ومولده سنة ثمان عشرة ومائة ولما حضرته الوفاة قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب. فبكى نصر. فقال ما يبكيك؟ قال ذكرت ما كنت عليه من النعيم وأنت هو ذان تموت فقيرًا غريبًا. فقال له: اسكت. فإني سألت الله أن يحيني حياة الأغنياء ويمتني ميتة الفقراء. ثم قال: لقني ولا تعد علي إلا أن أتكلم بكلام ثان. ولقني حتى يكون آخر كلامي. قال بشر بن قعنب: رأيت في النوم قائلًا يقول: عبد الله ابن المبارك وفلان في الفردوس الأعلى. من أهل مصر عثمان بن عبد الحكم الجذامي من بني نصر مشهور في أصحاب مالك المصريين. قال ابن شعبان: هو أول من أدخل علم مالك مصر. وقال ابن مريم: لم تنبت مصر أنبل من عثمان ابن عبد الحكم. قال ابن أبي حاتم: فسألت أبي عنه فقال: شيخ ليس بالمتقن. قال الأمير: كان فقيهًا له روايات مشهورة عن مالك. قال ابن مفرج: وله عن مالك نحو سبعة عشر حديثًا. يروي عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ وموسى بن عقبة وزهير بن محمد ويونس بن يزيد وابن جريج وعبيد الله بن محمد. روى عنه سعيد بن أبي مريم، وأبو زرعة عبد الأحد بن

стр. 302

الليث، وروى عنه ابن وهب كثيرًا في موطاه وفي المدونه. قال أبو الربيع الرشيديني في كتاب عباد مصر: أشار الليث بن سعد أن يولي عثمان بن الحكم القضاء أو غيره، فوقف عثمان عليه فقال: يا ليث رميتني بمشاقص الحتوف لا كلمتك بعد يومي هذا أبدًا. فجاءه الليث يعوده في مرضه فقال: حولوا وجهي إلى الحائط. قال ابن المفرج وابن الجزار توفي سنة ثلاث وستين ومائة. وقال ابن شعبان سنة ست وثلاثين ومائة. وقال ابن شعبان سنة ست وثلاثين ومائة. والأولى أشبه. عبد الرحيم بن خالد بن يزيد مولى الجمحيين قال أبو عمر الكندي مولى أبي الضبيع، مولى عمر بن وهب الجمحي اسكندراني يكنى أبا يحيى. قال الدارقطني: عبد الرحيم وعثمان بن عبد الحكم أول من قدم مصر بمسائل مالك. قال الشيرازي: كان من إخوان بني أبي حاتم ونظرائه، وعنده تفقه ابن القاسم بمصر قبل رحلته إلى مالك وكان جمع بين الزهد والعلم. وقد روى عن مالك الموطأ، وقد روى عنه الليث وابن وهب، وروى ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب. قال ابن بكير: بلغني أن مالكًا كان يعجب به، وكان فقيهًا. قال ابن القاسم: تذاكرنا مع عبد الرحيم بن خالد إيمان الكافر ورجوعه إلى الإسلام، مع ما ذكر الله في كتابه: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. . . . الآية. وذنوب أهل الإسلام. فقال: إني لأرجو أن يكون أهل الإسلام أفضل حالًا من أهل الكفر. ولقد بلغني أن توبة المسلم كالإسلام بعد الإسلام. وكان أبوه خالد من فقهاء مصر وقضاتها، يروي عن عطاء وأبي الزبير يروي عنه الليث وابن لهيعة والفضل. ووثقه أبو زرعة.

стр. 303

وقال أبو حاتم لا بأس به. وقال ابن القاسم لمالك يومًا: ما قدم أعلم بهذه البيوع من أهل مصر. فقال مالك: وأنى لهم بذلك؟ فقال: من قبل عبد الرحيم. ذكر الرشديني عن عبد الرحيم قال: بعثني أبي في حاجة، فجاءه إنسان فسأله عن مسألة فأجاب فيها، فقال له الرجل: مد الله للأمة في عمرك. وسمعته يقول وهو لا يراني لنفسه: خالد مولى أبي الضبيع مد الله للأمة في عمرك ومن أنت لولا نعمة ربك، ومن أنت لولا ستر ربك وهو يبكي فلما أحس بي سكت. قال الرشديني: قال لي إدريس: لما مات عبد الرحيم عرف اليتم على ابن شريح. توفي سنة ثلاث وستين ومائة، قال العقدي وابن شعبان وابن الجزار وذلك بالإسكندرية وسنه ثلاث وخمسون سنة. سعد بن عبد الله بن سعد المعافري ابو عمرو. وقيل أبو محمد، وقيل أبو عثمان، من أقران عبد الرحيم من كبراء أصحاب مالك من المصريين. سمع منه ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبيد وابن بكير وغيرهم. قال الشيرازي: وبه تفقه ابن وهب وابن القاسم. قال ابن القاسم: ما خرجت إلى مالك إلا وأنا عالم بقوله. قال سحنون يريد أنه تعلم من عبد الرحيم وطليب وسعد وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك. قال ابن بكير: هو ثقة. قال ابن حارث: كان فاضلًا مأمونًا، ووصى لابن القاسم مع ابن وهب بابنته. قال ابن شعبان: وهو الذي أعان ابن وهب على تآليفه. قال ابن حارث: كان معلم ابن القاسم في العبادة. قال سليمان بن داود المقري في كتابه: أخبرني فتح بن حماد،

стр. 304

قال: لقيت الليث بن سعد عند قدومي من الإسكندرية فقال لي: كيف تركت إخواننا بالإسكندرية؟ فقلت له مات سعد بن عبد الله. فاسترجع وقال لو كان في عدوة وكنت أنا وسعد في عدوة لرجوت أن أكون به مليئًا. قال ابن حارث: وكان فاضلًا مأمونًا، خطب ابنة سعد رجل موسر، لكنه يعيبه أهل الدين، فقال ابن وهب أزوجها منه. وقال ابن القاسم لا أزوجها منه. ثم قال أرأيت لو كان سعد حيًا لكان يفعل؟ قال ابن وهب لا. قال: فإنما نفعل كما يفعل. قال سعد عن مالك: ليس على الفقيه ضيافة. . . ولا مكافآت، يريد عن هدية، ولا شهادة بين اثنين. وذكر ابن وضاح أخبرني محمد بن يحيى وغيره: أن ابن القاسم أعطى سعدًا معلمه صاحب مالك سبعين دينارًا. توفي بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة. زيد بن شعيب بن ركيب المعافري ثم الخامري بخاء معجمة، من الأخمور، بطن من المعافر، أبو عبد الملك، ويقال أبو عبد الله. كذا قال الأمير أبو نصر اسكندراني مصري. وآخر اسم زين بالنون: روى عن مالك وقاسم العمري وأسامة بن زيد وغيرهم. روى عنه ابن وهب وسيد بن تليد وابن بكير ومرة البرالسي وعبد الأعلى بن عبد الواحد، قال ابن شعبان: كان مالك إذا فقده قال: كيف الشيخ الصالح؟ وكان فقيهًا فاضلًا عابدًا وكان يعبر الرؤيا، وهو الذي عبر رؤيا ابن القاسم التي نذكرها في خبره. قال الحارث بن مسكين: كان زين، من علية

стр. 305

أصحاب مالك. حكى سليمان بن داود العنبري عن عمه أبي الأصبع قال: كنت مع زين بن شعيب في الحرس، وكان إنما نام هجعة أول الليل ثم لا ينام حتى يصبح، يحرس وسط الليل وآخره ووسطه، أشد ما يكون. وإذا كان قبل الفجر بمنزلتين إنما تراه هكذا راحتاه إلى وجهه رافعًا يديه داعيًا ثم يقلب بطونهما يسأل ويتعوذ إلى الفجر، قال: وعادلته إلى مكة فذكر من فضله. حكى الحارث بن المسكين أن رجلًا سأل زين بن شعيب عن الواطي في الدبر. فتناول وسادة من وسائد الحرس فضرب بها رأسه. قال وكان زين، من علية أصحاب مالك. قال الدارقطني توفي بالإسكندرية بعد الثمانين ومائة. قال الأخير سنة أربع وثمانين. وقال غيره سنة تسع وثمانين. عبد الحكم بن أعين بن الليث القرشي مولاهم يقال هو مولى رافع مولى عثمان بن عفان ويقال مولى عفيرة، امرأة من موالي عثمان ويقال مولى رافع مولى عثمان. قاله ابن شعبان. والد بني عبد الحكم من فقهاء مصر. ويكنى عبد الحكم هذا أبو عثمان. وله رواية عن مالك في مسائل من المدبر وغيرها. ذكر ابن القاسم في المدونة عنه مسألة. قال ابن أبي حاتم: يروي عن أبي حنيفة اليماني. روى عنه ابن وهب وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وابن القاسم. قال بعضهم: كان عاقلًا أديبًا أعجلته المنية عن إتقان مذهب مالك. (مسائل) سكن هو وأبوه إسكندرية. ويقال أصلهم من ايلة. قال ابن بكير كان مداعبًا للناس، ورفع اسمه في تاريخ أحمد بن سعيد سماه عبد الحكم بن أعين وتوفي سنة إحدى وسبعين ومائة.

стр. 306

طليب بن كامل اللخمي من كبار أصحاب مالك وجلسائه. كنيته أبو خالد وهو أيضًا أبو عبد الله له اسمان قاله أبو سعيد حفيد مؤنس في تاريخه. قال وأصله أندلسي سكن الإسكندرية. روى عنه ابن القاسم وابن وهب وبه تفقه ابن القاسم قبل رحلته إلى مالك مع سعد وعبد الرحمان. قال ابن حارث: وكانوا عنده أوثق أصحاب مالك. قال ابن وضاح: كان طليب بن كامل نبيلًا وهو من العرب من لخم، وهو مصري اسكندراني. قاله سحنون. وذكر ابن شعبان في المصريين عبد الله بن كامل. وفي الاسكندرانيين طليبًا بن كامل فجعلهما رجلين وهما واحد كما تقدم. وتوفي طليبًا بن كامل فجعلهما رجلين وهما واحد كما تقدم. وتوفي طليب بالإسكندرية سنة ثلاث وسبعين ومائة في حياة مالك. أبو السمح عبد الله بن السمح ابن أسامة بن زنبر مولى بن عامر بن عدي بن نجيب المصري، والد فتيان مصر. كذا كناه ونسبه أبو عمرو الكندي في كتاب أعيان موالي مصر فيمن روى عن مالك. قال: وكان أبو السمح فقيهًا، روى عن مالك. وكان ابن وضاح أبو السمحاء. قال ابن حزم الصدفي: قال سحنون: رأى ابن السمحاء في منامه، نعم العمل الحج لولا المناهل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أبو السمحاء ليس بوالد فتيان. وإنما والد فتيان أبو السمح المذكور. وقد وصفه ابن القاسم بالفقه والثقة في المدونة، في كتاب الحج في مسألة الإمام يذكر صلاة نسيها. قال: ولقد سألني رجل عن هذه المسألة ما يقول مالك فيها. وكان من أهل الفقه ورواته الثقة. فأخبرته أن مالكًا يرى

стр. 307

أن تنتقض عليهم، كما تنتقض عليه، فلا أعلمه إلا قيل لي، وهذا الرجل هو أبو السمح والد فتيان. قال الكندي ولد أبو السمح سنة خمس وعشرين ومائة وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. خالد بن حميد أبي ثعلبة ويقال خالد بن أبي ثعلبة أبو حميد مولى حرة اسكندراني. قال الكندي كان فقيهًا من أصحاب مالك، روى عنه هانئ بن المتوكل وسعيد بن سابق ابن عابد مولده سنة ثلاث عشرة وتوفي سنة نسع وستين ومائة. يحيى بن أزهر أبو عبد الله مولى قريش قال الكندي: كان فقيهًا من أكابر أصحاب مالك وغلبت عليه العبادة. قال الحارث: كان ابن أزهر من خيار المسلمين، وقدماء أصحاب مالك. وقال عبد الرحمان بن القاسم: كان العباد يأتون يحيى فينظرون صلاته لحسنها. قال غيره: كان يتيمًا وكان له مال في بيت المال، فملا كبر وقبض ماله أدى منها أربعمائة دينار أو نحوها عن زكاة تلك السنين. وقال سليمان بن القاسم: ترك يحيى ألف دينار، كالخائف عليه. وكان قد اشترى تجارة بثمن فبيعت بعد موته بألف. توفي سنة إحدى وستين ومائة في حياة مالك. موسى بن مسلمة بن أبي مريم مولي أبي الضبيع هو خالد سعيد بن أبي مريم، كان من أكبر أهل مصر طلبًا للعلم، توفي سنة ثلاث وستين ومائة في حياة مالك.

стр. 308

من أهل إفريقيا عبد الله بن غانم القاضي قال القرطبي هو عبد الله بن عمر بن غانم بن شراحيل بن ثوبان بن محمد بن شريح بن شراحيل بن الحنف بن ايمن بن ذي النبط بن فوز بن ذي رعين. كنيته أبو عبد الرحمان، كذا نسبه ابن شعبان وابن حارث وأبو العرب. وقال البخاري في التاريخ: عبد الله بن عمر النميري عن يونس بن عبد الله، سمع من الثوري وحجاج بن منهال، وقال في الصحيح: حدثنا عبد الله بن عمر النميري حدثنا يونس حديث الإفك في باب من شهد بدرًا، قال ابن هنده عبد الله هذا هو ابن غانم الإفريقي. روى عنه القعنبي وابن القاسم. قال أبو العرب التميمي: كان ثبتًا ثقة فقيهًا عدلًا في قضائه. قال أبو علي ابن أبي سعيد في كتابه المغرب في أخبار المغرب: كان ابن غانم رجلًا كاملًا فقيهًا مقدمًا مع فصاحة لسان وحسن بيان وبصر بالعربية ورواية الشعر، ترى له أبيات مستحسنة وكانت فيه تهتهة. وكان أبوه مذكورًا قديمًا في عرب أفريقية وابنائها قبل دخول المذهب. قال غيره: كان من أهل العلم والدين والفضل والورع والتواضع والفصاحة والجزالة. قال أبو سعيد ابن يونس: كان أحد الثقات الأثبات، ولم يعرفه أبو حاتم لبعد قطره، وقال: مجهول. قال الشيرازي: كان ابن غانم من نظراء ابن أبي حازم واقرانه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: سمع ابن غانم من ابن أنعم، وخالد ابن أبي عمران. ودخل إلى الحجاز والشام والعراق فسمع من مالك وعليه

стр. 309

اعتماده، ومن سفيان الثوري ومن أبي يوسف بن الضحاك وإسرائيل ابن يونس. وداود بن قيس وغيرهم. سمع منه القعنبي وغيره. قال ابن عمران كان يجل ابن غانم وإذا جاءه اقعده إلى جنبه ويسأله عن أخبار المغرب وإذا رآه أصحابه قالوا شغله المغرب عنا. ولما ولي القضاء أعلم مالك بذلك أصحابه، وسر به. ويقال أن مالكًا عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقوم عنده، فامتنع عن المقام، وقال له: إن أخرجتها إلى القيروان تزوجتها. وله سماع من مالك مدون انقطع. ومنه في المجموعة مسائل. وسمع الموطأ. قال وجاء رجل مرة بوثيقة إلى أسد بخط ابن غانم فجعل أسد يعرضها ثم تعربها بإصبعه، وقال: ما كان أفقهه. قال سليمان بن عمران: ابن غانم كاملًا متكملًا فصيحًا حسن البيان جيد الترتيل، لولا تمتمته ما قام بطلاقة لسانه أحد. قال أحمد بن الجزار: وهذه التمتمة الباقية في ولده إلى زمننا. قال أسد: كان ابن غانم فقيهًا. قال معمر: كان ابن غانم يقرئنا كتب أبي حنيفة في الجمعة يومًا. ولما بلغت وفاته ابن وهب استرجع وترحم عليه، ثم قال: لقد كان قائمًا بهذا الأمر. قال ابن غانم: لما دخلت مع البهلول ابن راشد على سفيان الثوري وكان معهم عبد الله بن فروخ، قال: ليقرأ علي أفصحكم لسانًا. فإني أسمع اللحنة فيتغير لها قلبي. فقرأت عليه إلى أن فارقته، ما رد علي حرفًا. قال أبو العرب ومناقب ابن غانم كثيرة وذكر ابن حارث أن علي بن زياد كان يسيء القول فيه ويغمزه في كتبه، ويقول ما صدق والله. حدث عنه سحنون وداود بن يحيى.

стр. 310

ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها، وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان سأل عن ذلك ابن أبي حسان فأعلمه فقال ما ذلك كثير له. وكان الرشيد يكاتبه فكان يعد قضاؤه قبله. وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته فقال بعضهم: هي من المسودة (كذا) دون أمير المؤمنين. فقال أبو عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثًا ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين، ثم جاء إلى ابن غانم فأخبره الخبر، فقال لا يا أبا عثمان، كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال خذها فقد بانت منك امرأتك واعتق مماليكك. ولم يزل ابن غانم على القضاء إلى أن توفي، فكانت ولايته نحوًا من تسعة عشر عامًا. وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله أيام قضائه إلى مالك فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة، وكان يكتب إلى كنانة فيأخذ له الأجوبة من مالك. وكان يكتب أيضًا إلى أبي يوسف. قال السيوري ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من إكرام الخليفة له إذا كتب كتابًا لإبراهيم بن الأغلب يقول له فيه وأنا لا إفك

стр. 311

لك كتابًا حتى يكون مع كتابك إلي كتاب ابن غانم. فكان إبراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له، وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، فيلبس يومئذ الفرو الخشن وخلق الثياب، وينظر ببصره إلى الأرض فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه، وكان له حظ من صلاة الليل فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها عرض كل خصم يريد أن يحكم له، على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان منازع فلانًا وادعى عليه بكذا فأنكر داعوه فسألته البينة فأتى ببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها فأتاني بمن زكاهم وسألت عنهم في السر فذكر يعني خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لي أنه حق له، فإن كنت على صواب فثبتني وإن كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني. اللهم سلمني. فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. وابن غانم هذا هو الذي أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية، لمرافق المرابطين. وكان ابن غانم إذا جلس رمى إليه الخصوم الشقاف فيها قصههم مكتوبة، فوجد يومًا شقفة فيها قصة النخاسين البغال فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى إبراهيم بن الأغلب الأكبر صاحب أمره ابتاع منهم بغالًا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئًا. فضم ديوانه ونهض إلى إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون أذن، فكان القاضي إذا أتى تنحنح فإذا قيل له ادخل، دخل. ففعل كعادته، فسأله إبراهيم ما وصيته، فذكر له شأن المتظلمين. فأحضر أبا هارون فاعترف وقال حتى يجيء الخراج وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع إليهم أموالهم. فما برح حتى دفعت إليهم. ودعا الأمير إبراهيم ابن الأغلب ابن غانم يومًا فقرأ عليه كتاب الرشيد يأمره بإحضار رجل يقال له حاتم الإبزاري، ويقول إن لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرة

стр. 312

آلاف دينار، ويأمر إبراهيم بقبضها ويوجهها مع رسول له خراساني. ويقول في آخر الكتاب: واحضر ابن غانم القاضي، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائضه فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب قال لابن غانم سمعت ما فيه؟ قال نعم. قال ابن غانم وما أحضرت إلا لتحمل علي قولي فيما في هذا الكتاب. قال إبراهيم: ولم أمرت بإحضارك. إذا قال فأول ذلك أن يثبت الرسول بعدلين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه، فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم أن يأخذ مالًا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه. قال الخراساني ما تقول أيها الأمير؟ قال ما قال القاضي. وتحمل. فقام ابن غانم وحمل الإبزاري معه. فقال إبراهيم: ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. وراكب ابن غانم إبراهيم يومًا فزادت دابة إبراهيم في المشي فحول ابن غانم دابته، وعرج إلى داره، فعاتبه إبراهيم على ذلك، فقال ابن غانم أصلح الله الأمير إنما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. وراكبه مرة، فشق إبراهيم زرعًا فلم يسلك ابن غانم معه. ودخل عليه يومًا وفي يد إبراهيم قارورة فيها دهن يسير، قال كم تظن أيها القاضي يساوي هذا؟ قال تافه، فكم عسى أن يبلغ؟ قال إبراهيم فإن ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال السم. قال أرنيه. فدفع إليه إبراهيم القارورة ضرب بها عمودًا في المجلس فكسرها. ودعاه إبراهيم يومًا إلى صعود الصومعة فأبى، وقال: نكشف حرم المسلمين، فلم يصعد معه. ودخل يومًا على إبراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ إبراهيم كتابه ثم دفعه إلى ابن غانم

стр. 313

فقرأه ورده على إبراهيم. فقال له إبراهيم هات كتابك أقرأه قالا لا أفعل قال له: فلم قرأت أنت كتابي. قال أنت دفعته إلي ومددت يدك به فكرهت ردها. وقد اسر أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا. فقال له إبراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك. ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك ولست ذلك القاضي، هو غيري. فقدر أن الخبر بعد هذا، صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي قتله الأمير إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه. وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله. قال ابن غانم: دخلت مجلس إبراهيم بن الأغلب، إذ أشرف علينا إبراهيم فقام إليه من كان في البيت غيري. فجلس مغضبًا ثم قال لي: يا أبا عبد الرحمان ما منعك أن تقوم كما قام أخواك؟ فقلت أيها الأمير: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. فنكس إبراهيم رأسه وأطرق. ومر رباح بن يزيد الزاهد وبيده قسط زيت على ابن غانم وهو قاض، فقال لها ابن غانم: احمله لك. فقال رباح شأنك. فرفع القسط إليه وجعل يشق به مجامع الناس فسلك به حوانيت البزازين حتى انتهى إلى داره. فقال رباح إنما فعلت هذا، لأنه بلغني عنك أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك. فجزاه ابن غانم خيرًا وكان رباح بن يزيد يأتي كل يوم جمعة إلى ابن غانم فيدعوا. وكان نحيلًا دقيق العروق فجعل يومًا يدعو فاستضحك ابن غانم وتمادى رباح في الدعاء، وابن غانم في الضحك حتى نهض رباح فعذل ابن غانم

стр. 314

جلساؤه في ذلك، وقالوا له: مثل رباح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: امسكوا عني، إنما غمني أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم أو نحوه. فلما كان الجمعة جاء رباح فأخذ في الدعاء وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال ابن غانم جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد. فقال له رباح قد علمت أن الذي كان منك إنما حركك عليه العدو ليقطع ما نحن فيه من الخير. ومر يومًا بالسوق والبهلول بن راشد يشتري لحمًا من جزار فنزل ابن غانم عن دابته وعانقه وقرب إليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول فأقسم عليه ابن غانم، فقال له أني اشتريت لحمًا قال احمله لك. فقال البهلول أني أجلك أن تمشي راجلًا فقال اركب خلفك. فركب البهلول على السرج وركب القاضي خلفه على كفل الدابة وقد حمل اللحم فشقا السماط حتى وصلا إلى دار البهلول فعجب الناس من تواضعه وشرفه. بقية أخباره وكرمه وحلمه قال ابن البصري: ذكر أن ابنًا لابن غانم جاءه من عند معلمه، فسأله عن سورته فقرأ عليه فأحسن، فدفع إليه عشرين دينارًا أو نحوها. فلما جاء بها الصبي إلى المعلم أنكرها وظن بالصبي ظنًا. فجاء بها إلى ابن غانم، فقال ابن غانم: لعلك استقللتها؟ قال لا. فقال له حرف واحد مما علمته يعدل الدنيا وما فيها. وذكر أن رجلًا يقال له ابن زرعة كان ابن غانم قد حكم عليه، فبلغ ذلك من ابن زرعة كل مبلغ، فلقي ابن غانم في طريق ضيقة فسبه وقال له: يا فاعل يا ابن الفاعلة،، وبالغ. فلما كان بعد ذلك لقيه في طريق ضيقة، فسلم عليه ابن غانم وحمله معه إلى منزله فأحضر

стр. 315

طعامًا وأكل معه، واقاما إلى قرب المساء ثم انصرفا. فلما أراد مفارقته استغفره ابن زرعة واعترف له بالخطأ، فقال أما هذا فلست اجعله حتى نخاصمك بين يدي الله، وأما أن ينالك منه شيء مكروه في الدنيا فلا. ومن طريق آخر أن الجند نزلوا في دار ابن زرعة بعد سبه له وملأوها سلاحًا. فلجأ إلى ابن غانم، فلما دنا من الباب تذكر، وقال بعد أن سببته أستنصره، فانصرف، ثم أعظم ما نزل به فرجع إليه، فلما دنا انصرف ثم رجع، فلما رآه ابن غانم قال مرحبًا بابن زرعة وأوسع مجلسه وقال له: ما جاء بك؟ فأخبره فقال يا غلام الرداء والنعال. فلبسهما ثم مضى إلى الأمير، فسأله إخراج الجند من داره، ففعل. وخرج ابن غانم مع جماعة إلى منزله ومعه سليمان بن زرعة وخرج بزوائله ومطانجه فنزل وقرب إليهم الطعام وفيه كنافة فجر رجل من القوم الزبد إلى جهته، فقال ابن زرعة: أخرقتها لتغرق أهلها؟ فقال ابن غانم: استهزاء بكتاب الله تعالى؟ لله علي أن كلمتك أبدًا. وانصرف راجعًا إلى القيروان. وهجا أبو المضرجي الشاعر بني غانم فاتصل ذلك بالقاضي فضجر منه واشتهر الشعر فقيل لابن غانم: ليس لك إلا أبا الوزن، فإنه يلقاه بكل ما يكره. وكان أبو الوزن مضحكًا ضعيف الشعر. فأتي به، فقال ابن غانم: بلغني أنك بعيد الصوت ونحن نريد من يؤذن في الجامع. وقال لبعض خدمه: ادفع لأبي الوزن خمسة أقفزة قمحًا وخمسين قفيزًا زيتًا ومائة درهم، حتى ننظر في أمره. فلما قبض ذلك أبو الوزن قال للذي أتى به للقاضي: والله قصة، فإني لا أصلح أن أكون مؤذنًا، فأخبر بالأمر، فقال: قد كفي. فدخل يومًا على إبراهيم بن الأغلب في جملة الشعراء فنظر إلى الأمير ثم أنشده:

стр. 316

إني وإني وإنني وإنا … وأهل بيتي معظموا الأمرا ثم اشار إلى أبي المضرجي وقال: إن أبا الضرجي شاعركم … يضرط في الشعر كلما شعرا قال القاضي: وبعد هذا بيت قبيح تركناه لفحشه ورفثه، وإن كان بيت الأبيات الثلاثة في بابه. فضحك الأمير ومن حضر وانكسر خاطره، وعلم من حيث أتى. فجاء إلى ابن غانم معتذرًا مقسمًا أنه ما هجا أحدًا من أهل بيته: فأظهر ابن غانم ألا علم عنده من شيء من القضية. فسأله كف أبي الوزن عنه، فأمر له بذلك. وكان ابن غانم يكثر إنشاد هذين البيتين: إذا انقرضت عني من العيش مدتي … فإن عناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي … ويحدث بعدي للخليل خليل وكان لابن غانم أخم اسمه سعيد، سمع من أخيه عبد الله وكتب عنه. وكان لابن غانم ابنان جليلان أبو عمر غانم وأبو شراحيل فقيهًا نظارًا ورعًا أديبًا شاعرًا، أخذ عن الكوفيين ومال إلى رأيهم. وتوفى ابن ست وثلاثين سنة. مولده سنة تسع ومائتين وكان لابنه أبي عمر غانم ولد يكنى أبا عبد الرحمان وهو القائل في شعر له يفتخر بآله رحمهم الله تعالى: ولينا قضاء الغرب عشرين حجة … فعز بعدل عندنا مستلينها

стр. 317

وأمضى ابونا الحق في الناس فاستوت … رعيته في العدل فاعتز دينها فصلى عليه الله في مستقره … وسقاه من غر السحاب هتونها قال القاضي أبو الفضل: ودخل على ابن غانم أبو الوليد المهدي اللغوي في مرضه الذي مات فيه، فقال له رفه الله ضجعتك من هذه العلة إلى إفاقة، وراحة، وأعاد عليك ما عودك من الصحة والسلامة، فطالما صححت وعوفيت أصلحك الله فاصبر لحكم ربك، فإن الله يحب أن يشكر على نعماه. فقال ابن غانم هو الموت والغاية التي إليها نهاية الخلق وما لا بد منه فصبر يؤجر صاحبه عليه خير من ضرع لا يقي عنه ثم تمثل: فهل من خالد أما هلكنا … وهل بالموت يا للناس عار وتوفى في ربيع الآخر سنة تسعين ومائة، وقيل ست وتسعين من فالج أصابه وقيل أن بصره كان قد كف والأول أصح، ويشهد له شعر حفيده قوله ولينا قضاء الغرب عشرين حجة وكان ولي القضاء سنة إحدى وسبعين وهو ابن اثنتين وأربعين وتوفي وهو قاض كما قدمناه ومولده سنة ثمان وعشرين ومائة مع البهلول بن راشد في ليلة واحدة. وذكر بعضهم أنه سمع عند موته صوتًا لا يرون شخصًا يقول: زارت ذئاب بعد طول عوائها … لما تضمنه الضريح الملحد وقيل بل رآه بعضهم في النوم ولما مات بكى عليه ابن الأغلب وجلس على كرسي ينتظر وقته، ووقف على قبره معه ابن عقال خال إبراهيم بن الأغلب، وجزع عليه، فسأله إبراهيم عن ذلك، فقال: كان لي صديقًا ودودًا. فقال إبراهيم والله ما ولينا أفريقية ولا أمنًا حتى مات. وكان علي الهمة لما مات قومت كسوة ظهره بألف دينار.

стр. 318

علي بن زياد التونسي العبسي أبو الحسن. وقيل أصله من العجم ولد بطرابلس، ثم انتقل إلى تونس فسكنها. وقال ابن شعبان وغيره هو من عبس. قال أبو العرب علي بن زياد من أهل تونس ثقة مأمون (خير) متعبد بارع في الفقه ممن يخشى اله مع علوه في الفقه. سمع من مالك وسفيان الثوري والليث ابن سعد، وابن لهيعة وغيرهم. وسمع بإفريقية قبل هذا من خالد بن أبي عمران، لم يكن بعصره بإفريقية مثله. سمع منه البهلول بن راشد وسحنون وشجرة وأسد بن الفرات وغيرهم. وروى عن مالك الموطأ، وكتب سماعه من مالك الثلاثة. قال ابو سعد بن يونس: هو أول من ادخل الموطأ وجامع سفيان المغرب، وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا يعرفونه. وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم وهو معلم سحنون الفقه. قال الشيرازي به تفقه سحنون وله كتب على مذهبه وتفقه بمالك وله كتاب خير من زنته. قال سحنون: كتاب خير من زنته، أصله لابن أشرس. إلا أنا سمعناه من ابن زياد وكان يقرأه على المعنى وكان أعرف من ابن أشرس بالمعنى. قال ابن وضاح: قلت له: أو كان أكبر من ابن أشرس؟ قال: ما كان أمرهما واحدًا، إلا أن ابن أشرس رعى سمع، وغاب علي، فكان علي يقرأ على المعنى، وهو ثلاثة كتب بيوع ونكاح وطلاق، وسماعه من مالك ثلاثة كتب. قال أبو الحسن بن أبي طالب القيرواني العابد في كتاب

стр. 319

الخطاب: إن علي بن زياد لما ألف كتابه في البيع لم يدر ما يسميه به، فقيل له في المنام سمه: كتاب خير من زنته. ورأى حبيب أخو سحنون في منامه، خذ كتاب خير من زنته ذهبًا. فإنه الحق عند الله. قال اسد قال لي المخزومي، وابن كنانة: ما طرأ علينا طارئ من بلد من البلدان كشف عن هذا الأمر، في رواية عن ابن كنانة، كشف لنا مالك عن الأصول كشف علي بن زياد، وكان سحنون لا يقدم عليه أحدًا من أهل أفريقية، ويقول ما بلغ البهلول بن راشد شسع نعل علي بن زياد. قال سحنون: وكان البهلول يأتي إلى علي بن زياد ويسمع منه، ويفزع إليه. يعني في المعرفة والعلم، ويكاتبه إلى تونس يستفتيه في أمور الديانة. وكان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب. قال وكان علي خير أهل أفريقية في الضبط للعلم. قال سحنون ولو أن التونسيين يسألون لأجابوا بأكثر من جواب المصريين. يريد علي ابن زياد وابن القاسم. وفي رواية أخرى: لو كان لعيي بن زياد من الطلب ما للمصريين ما فاته منهم أحد. وما عاشره منهم أحد. قال ابن الحداد، ألا إنها كلمة فضله بها عليهم. وقال سحنون: ما أنجبت أفريقية مثل علي ابن زياد. وكان يقول ما فاته المصريون إلا بكثرة سماعهم. وذلك أني اختبرت سره وعلانيته. والمصريون إنما اختبرت علانيتهم. قال أسد: كان علي بن زياد من نقاد أصحاب مالك. قال وإني لأدعو له مع والدي. وفي رواية أني لأدعو في إدبار صلاتي لمعلمي، وابدأ بعلي بن زياد، لأنه أول من تعلمت منه العلم. قال البلخي: لم يكن في عصر علي بن زياد أفقه منه ولا أورع. ولم يكن سحنون يعدل به أحدًا من علماء أفريقية. قال ابن حارث: كان علي ثقة مأمونًا خيرًا.

стр. 320

ذكر فضائله ومناقبه قال بعضهم: رأيت علي بن زياد واقفًا إلى سارية بجامع القيروان، فأراد أن يكبر فارتعد خوفًا من الله، ثم تحامل فكبر وتغير لونه. وذكر ابن اللباد عن سحنون قال: مات بعض قضاة أفريقية فقدم رسول الخليفة إلى أفريقية لجمع العلماء واستشارتهم في قاض يوليه أفريقية. فتوجه إلى تونس وبعث إلى واليها علي بن زياد فتثاقل، فأخبر بذلك الوالي رسول الخليفة فقال له الرسول، أمير بلد ورسول الخليفة، يوجه إلى رجل من الرعية فيتثاقل عن المجيء. فمضى إليه الوالي معه، فلما دخلا عليه وجداه قد حول وجهه إلى الحائط، فقال له الوالي: يا أبا الحسن، هذا رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلي أفريقية، فحول عليه وجهه إلى القبلة وقال: ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحدًا يستوجب القضاء قوموا عني. وبعث فيه روح بن حاتم ليوليه القضاء، فقدم عليه وقدم البهلول والصالحون إلى باب دار الإمارة إذ بلغهم قدومه فخرج عليهم علي يمسح العرق على جبهته، فقالوا: ما فعلت؟ فقال عافى الله وهو محمود. فقال له البهلول: بما عزمت عليه؟ (قال ألا بيت فيهان فيبدو له؟ فتوجه إلى تونس على حماره، وودعوه. وجاء رجل إلى البهلول وقال رأيت في المنام كأن قنديلًا دخل من باب تونس حتى دخل من باب تونس حتى دخل دار بني دراج. فقال تعرف الدار؟ قال نعم. قال قوموا بنا فقد جاء علي بن زياد. فانتهوا مع الرجل حتى أوقفهم على الدار. فسألوا فإذا علي قد دخلها في السحر. فدخل عليه البهلول، فقام إليه علي وسلم
следующие страницы →