← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

إني وإني وإنني وإنا … وأهل بيتي معظموا الأمرا ثم اشار إلى أبي المضرجي وقال: إن أبا الضرجي شاعركم … يضرط في الشعر كلما شعرا قال القاضي: وبعد هذا بيت قبيح تركناه لفحشه ورفثه، وإن كان بيت الأبيات الثلاثة في بابه. فضحك الأمير ومن حضر وانكسر خاطره، وعلم من حيث أتى. فجاء إلى ابن غانم معتذرًا مقسمًا أنه ما هجا أحدًا من أهل بيته: فأظهر ابن غانم ألا علم عنده من شيء من القضية. فسأله كف أبي الوزن عنه، فأمر له بذلك. وكان ابن غانم يكثر إنشاد هذين البيتين: إذا انقرضت عني من العيش مدتي … فإن عناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي … ويحدث بعدي للخليل خليل وكان لابن غانم أخم اسمه سعيد، سمع من أخيه عبد الله وكتب عنه. وكان لابن غانم ابنان جليلان أبو عمر غانم وأبو شراحيل فقيهًا نظارًا ورعًا أديبًا شاعرًا، أخذ عن الكوفيين ومال إلى رأيهم. وتوفى ابن ست وثلاثين سنة. مولده سنة تسع ومائتين وكان لابنه أبي عمر غانم ولد يكنى أبا عبد الرحمان وهو القائل في شعر له يفتخر بآله رحمهم الله تعالى: ولينا قضاء الغرب عشرين حجة … فعز بعدل عندنا مستلينها

стр. 317

وأمضى ابونا الحق في الناس فاستوت … رعيته في العدل فاعتز دينها فصلى عليه الله في مستقره … وسقاه من غر السحاب هتونها قال القاضي أبو الفضل: ودخل على ابن غانم أبو الوليد المهدي اللغوي في مرضه الذي مات فيه، فقال له رفه الله ضجعتك من هذه العلة إلى إفاقة، وراحة، وأعاد عليك ما عودك من الصحة والسلامة، فطالما صححت وعوفيت أصلحك الله فاصبر لحكم ربك، فإن الله يحب أن يشكر على نعماه. فقال ابن غانم هو الموت والغاية التي إليها نهاية الخلق وما لا بد منه فصبر يؤجر صاحبه عليه خير من ضرع لا يقي عنه ثم تمثل: فهل من خالد أما هلكنا … وهل بالموت يا للناس عار وتوفى في ربيع الآخر سنة تسعين ومائة، وقيل ست وتسعين من فالج أصابه وقيل أن بصره كان قد كف والأول أصح، ويشهد له شعر حفيده قوله ولينا قضاء الغرب عشرين حجة وكان ولي القضاء سنة إحدى وسبعين وهو ابن اثنتين وأربعين وتوفي وهو قاض كما قدمناه ومولده سنة ثمان وعشرين ومائة مع البهلول بن راشد في ليلة واحدة. وذكر بعضهم أنه سمع عند موته صوتًا لا يرون شخصًا يقول: زارت ذئاب بعد طول عوائها … لما تضمنه الضريح الملحد وقيل بل رآه بعضهم في النوم ولما مات بكى عليه ابن الأغلب وجلس على كرسي ينتظر وقته، ووقف على قبره معه ابن عقال خال إبراهيم بن الأغلب، وجزع عليه، فسأله إبراهيم عن ذلك، فقال: كان لي صديقًا ودودًا. فقال إبراهيم والله ما ولينا أفريقية ولا أمنًا حتى مات. وكان علي الهمة لما مات قومت كسوة ظهره بألف دينار.

стр. 318

علي بن زياد التونسي العبسي أبو الحسن. وقيل أصله من العجم ولد بطرابلس، ثم انتقل إلى تونس فسكنها. وقال ابن شعبان وغيره هو من عبس. قال أبو العرب علي بن زياد من أهل تونس ثقة مأمون (خير) متعبد بارع في الفقه ممن يخشى اله مع علوه في الفقه. سمع من مالك وسفيان الثوري والليث ابن سعد، وابن لهيعة وغيرهم. وسمع بإفريقية قبل هذا من خالد بن أبي عمران، لم يكن بعصره بإفريقية مثله. سمع منه البهلول بن راشد وسحنون وشجرة وأسد بن الفرات وغيرهم. وروى عن مالك الموطأ، وكتب سماعه من مالك الثلاثة. قال ابو سعد بن يونس: هو أول من ادخل الموطأ وجامع سفيان المغرب، وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا يعرفونه. وكان قد دخل الحجاز والعراق في طلب العلم وهو معلم سحنون الفقه. قال الشيرازي به تفقه سحنون وله كتب على مذهبه وتفقه بمالك وله كتاب خير من زنته. قال سحنون: كتاب خير من زنته، أصله لابن أشرس. إلا أنا سمعناه من ابن زياد وكان يقرأه على المعنى وكان أعرف من ابن أشرس بالمعنى. قال ابن وضاح: قلت له: أو كان أكبر من ابن أشرس؟ قال: ما كان أمرهما واحدًا، إلا أن ابن أشرس رعى سمع، وغاب علي، فكان علي يقرأ على المعنى، وهو ثلاثة كتب بيوع ونكاح وطلاق، وسماعه من مالك ثلاثة كتب. قال أبو الحسن بن أبي طالب القيرواني العابد في كتاب

стр. 319

الخطاب: إن علي بن زياد لما ألف كتابه في البيع لم يدر ما يسميه به، فقيل له في المنام سمه: كتاب خير من زنته. ورأى حبيب أخو سحنون في منامه، خذ كتاب خير من زنته ذهبًا. فإنه الحق عند الله. قال اسد قال لي المخزومي، وابن كنانة: ما طرأ علينا طارئ من بلد من البلدان كشف عن هذا الأمر، في رواية عن ابن كنانة، كشف لنا مالك عن الأصول كشف علي بن زياد، وكان سحنون لا يقدم عليه أحدًا من أهل أفريقية، ويقول ما بلغ البهلول بن راشد شسع نعل علي بن زياد. قال سحنون: وكان البهلول يأتي إلى علي بن زياد ويسمع منه، ويفزع إليه. يعني في المعرفة والعلم، ويكاتبه إلى تونس يستفتيه في أمور الديانة. وكان أهل العلم بالقيروان إذا اختلفوا في مسألة كتبوا بها إلى علي بن زياد ليعلمهم بالصواب. قال وكان علي خير أهل أفريقية في الضبط للعلم. قال سحنون ولو أن التونسيين يسألون لأجابوا بأكثر من جواب المصريين. يريد علي ابن زياد وابن القاسم. وفي رواية أخرى: لو كان لعيي بن زياد من الطلب ما للمصريين ما فاته منهم أحد. وما عاشره منهم أحد. قال ابن الحداد، ألا إنها كلمة فضله بها عليهم. وقال سحنون: ما أنجبت أفريقية مثل علي ابن زياد. وكان يقول ما فاته المصريون إلا بكثرة سماعهم. وذلك أني اختبرت سره وعلانيته. والمصريون إنما اختبرت علانيتهم. قال أسد: كان علي بن زياد من نقاد أصحاب مالك. قال وإني لأدعو له مع والدي. وفي رواية أني لأدعو في إدبار صلاتي لمعلمي، وابدأ بعلي بن زياد، لأنه أول من تعلمت منه العلم. قال البلخي: لم يكن في عصر علي بن زياد أفقه منه ولا أورع. ولم يكن سحنون يعدل به أحدًا من علماء أفريقية. قال ابن حارث: كان علي ثقة مأمونًا خيرًا.

стр. 320

ذكر فضائله ومناقبه قال بعضهم: رأيت علي بن زياد واقفًا إلى سارية بجامع القيروان، فأراد أن يكبر فارتعد خوفًا من الله، ثم تحامل فكبر وتغير لونه. وذكر ابن اللباد عن سحنون قال: مات بعض قضاة أفريقية فقدم رسول الخليفة إلى أفريقية لجمع العلماء واستشارتهم في قاض يوليه أفريقية. فتوجه إلى تونس وبعث إلى واليها علي بن زياد فتثاقل، فأخبر بذلك الوالي رسول الخليفة فقال له الرسول، أمير بلد ورسول الخليفة، يوجه إلى رجل من الرعية فيتثاقل عن المجيء. فمضى إليه الوالي معه، فلما دخلا عليه وجداه قد حول وجهه إلى الحائط، فقال له الوالي: يا أبا الحسن، هذا رسول الخليفة يستشيرك في قاض يلي أفريقية، فحول عليه وجهه إلى القبلة وقال: ورب هذه القبلة ما أعرف بها أحدًا يستوجب القضاء قوموا عني. وبعث فيه روح بن حاتم ليوليه القضاء، فقدم عليه وقدم البهلول والصالحون إلى باب دار الإمارة إذ بلغهم قدومه فخرج عليهم علي يمسح العرق على جبهته، فقالوا: ما فعلت؟ فقال عافى الله وهو محمود. فقال له البهلول: بما عزمت عليه؟ (قال ألا بيت فيهان فيبدو له؟ فتوجه إلى تونس على حماره، وودعوه. وجاء رجل إلى البهلول وقال رأيت في المنام كأن قنديلًا دخل من باب تونس حتى دخل من باب تونس حتى دخل دار بني دراج. فقال تعرف الدار؟ قال نعم. قال قوموا بنا فقد جاء علي بن زياد. فانتهوا مع الرجل حتى أوقفهم على الدار. فسألوا فإذا علي قد دخلها في السحر. فدخل عليه البهلول، فقام إليه علي وسلم

стр. 321

عليه، وجعل البهلول يسأله عن مسائل، وكتب البهلول مع سحنون إلى علي ابن وياد: يأتيك رجل يطلب العلم لله. فلما وصل سحنون أتاه علي إلى بيته بالموطأ. وقال والله لا سمعته علي إلا في بيتك. لأن أخي البهلول كتب إلي أنك ممن يطلب العلم لله. وقد رأيت أنا هذه الحكاية مع غير سحنون رجل آخر من أكابر أصحاب مالك المصريين يكنى بكنيته ويسمى باسمه، وينتسب بنسبه وهو أبو الحسن علي بن زياد الإسكندراني سيأتي ذكره في طبقته إن شاء الله تعالى. عبد الرحيم بن أشرس قال أبو العرب: هو أنصاري من العرب من أهل تونس كنيته أبو مسعود ونسبه ولم يسمه، وسماه المالكي العباس. وقالوا: هو مولى الأنصار. وقاله أبو سعيد بن يونس. وقال اسمه عبد الرحمان. . . . انتهى. وكذلك قال ابن فهر، رجح المالكي اسمه العباس، قال: وهو ثقة فاضل. سمع من مالك بن أنس ومن ابن القاسم. روى عنه عبد الرحمان حديث الموطأ. قال: وقرأت في رجال ابن وهب، أبو الأشرس عبد الرحمان بن أشرس المقري التونسي. ولعله أخا لأبي مسعود. وكان يكنى بأبي مسعود، وقد بين هذا ابن شعبان، فقال عنه أبو مسعود عبد الرحمان بن أشرس، ويقال عبد الرحيم، قال سحنون: كان علي بن زياد خير أهل أفريقية في الضبط للعلم، وكان ابن أشرس أحفظ على الرواية، وكان شديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن يونس الصدفي: روى ابن أشرس عن مالك وعبد الله وروى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي جعفر وعمران بن هارون

стр. 322

بمصر. قال موسى بن معاوية: كنت عند البهلول بن راشد، إذا أتاه ابن أشرس، فقال له: ما أقدمك؟ قال نازلة رجل ظلمه السلطان فأخفيته، وحلفت بالطلاق ثلاثًا ما أخفيته. قال له البهلول: مالك يقول: إنه يحنث في زوجته. قال ابن اشرس وأنا سمعته يقول، وإنما أردت غير هذا. فقال ما عندي غير ما تسمع. قال: فتردد إليه ثلاثة. كل ذلك يقول البهلول قوله الأول، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قال له يا ابن اشرس، شر ما أنصفتم الناس إذا أتوكم في نوازلهم، قلتم: قال مالك. فإذا نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص الحسن، يقول لا حنث عليه. قال ابن أشرس الله أكبر. قلدها الحسن أو كما قال. قال القاضي: كذا نقلته من كتاب ابن حارث وأراه كان بخطه. قال غيره فرجع ابن أشرس إلى زوجته. وكان هو صاحب المسألة. البهلول بن راشد أبو عمر من أهل القيروان. قال محمد بن أحمد التميمي كان ثقة مجتهدًا ورعًا مستجاب الدعوة لا شك في ذلك، كان عنده علم كثير. سمع من مالك والثوري وعبد الرحمان بن زياد ويونس بن زيد وحنظلة بن أبي سفيان وموسى بن علي بن رباح والليث بن سعد والحارث بن نبهان. وكان أولًا مشغولًا بالعبادة، فلما احتاج الناس إليه في العلم، سمع الموطأ من علي بن زياد وابن غانم، وسمع جامع سفيان الصغير من ابن أبي الخطاب، وأبي خارجة، والجامع الكبير من علي بن زياد. ودون الناس عنه جامعًا، وقام بفتياهم، وسمع من البهلول سحنون وعون والجعفري وعبد المتعالي وخالد بن يزيد

стр. 323

وأبو سنان ويحيى بن سلام وغيرهم من بعدهم. قال أبو عبيد الله الجدائبي وروى عن البهلول أيضًا عبد الله بن مسلمة القعنبي. وقال حدثنا البهلول بن راشد وهو وتد من أوتاد المغرب. وروى عنه يزيد الفقر، ونظر إليه مالك بن أنس فقال: هذا عابد بلده، وجاءت إلى مالك من عند ابن غانم أقضية فقال ما قال فيها المصفر؟ يعني البهلول. وما قال فيها الفارسي؟ يعني عبد الله بن فروخ. قال سعيد بن الحداد ما كان بهذا البلد أحد أقوم بالسنة من البهلول في وقته، وسحنون في وقته. قال أبو حاتم: هو ثقة لا بأس به. وقال العقيلي: هو شيخ من أهل المغرب، ليس به بأس. وقال مثله علي بن الجويني. وقال أبو إسحاق البرقي: كان بهلول بن راشد من أهل الفضل والعلم والورع معروفًا بذلك مع العبادة والاجتهاد. قال سحنون: كان البهلول رجلًا صالحًا ولم يكن عنده من الفقه ما عند غيره، وإنما افتديت به في ترك السلام على أهل الأهواء. ذكر فضائل البهلول وعبادته وورعه وتواضعه وشمائله وبقية أخباره قال أبو إسحاق البرقي: قال البهلول بن عمر: ما رأيت أحدًا أخشى لله من البهلول بن راشد. قال سحنون: كنا نختلف عند البهلول نتعلم منه السمت. قال غيره. دفع إلى البهلول كتاب ففضه. فإذا فيه: من امرأة من سمرقند من خرسان مجنت مجونًا لم يمجنه أحد إلا هي. ثم تابت إلى الله، وسألت عن العباد في أرضه، فوصف لها أربعة بهلول بإفريقية أحدهم،

стр. 324

فسألتك بالله يا بهلول ألا دعوت الله في أن يديم لي ما فتح لي فيه. فسقط الكتاب من يده وخر على وجهه وجعل يبكي حتى لصق الكتاب بطين دموعه ثم قال: يا بهلول كان الذكر لرباح فلما مات، صار لبهلول. وما ذلك إلا من خبيئة كانت له. ومرت امرأتان وهو يصلي فقالت إحداهما للأخرى هذا البهلول. فقالت لئن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فقال البهلول هذه عرفتني. وقال له رجل يومًا يا مرائي. فقال له البهلول: قد أخبرتها بذلك، يعني نفسه، فأبت علي ولم تقبل، فاجتمع عليها شهادتك وعلمي. وكان عند البهلول طعام، فغلا السعر فباعه ثم أمر أن يشترى له ربع نصف قفيز، فقيل له في ذلك، فقال نفرح إذا فرح الناس ونحزن إذا حزنوا. قال جماعة: إن البهلول مضى مرة يريد الجامع، فلما حاذى قصر الإمارة إذا خدم السلطان قد خرجوا من المطبخ يحملون القدور، فقالوا له تقدم. ووضعوا لوحًا عليه قدور على رأسه، فلما رآه الناس قاموا من كل ناحية فأرادوا البطش بهم، فاعتذروا بأنهم لم يعرفوه. فقال: أنا فعلته بنفسي ولا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه. فكان بعد لا ينصرف إلا بثياب حسنة. فقال بعضهم: رأيت البهلول منصرفًا إلى داره وعليه قلنسوة خز وساج طرازي، وقميص تستري ونعل طائفي. قال عون: صنع البهلول طعامًا وأحضر له جماعة من أصحابه، فقالوا له لم صنعت من غير سبب؟ فقال كنت خائفًا أن أكون من البربر، لما جاء فيهم من الحديث فأخبرني من يعلم أني لسن منهم. وكان البهلول جوادًا، فبلغني أنه كان لا يحبس فوق خمسمائة درهم. قال ابن الحداد: أخبرتني أمي قالت: وجهت إلى بهلول وأنا طفلة، فلما رآني قال تبارك الله. فزرع فيها الشبه ثم وهب لي مائة درهم. وقالت جاريته أقمت مع البهلول ثلاثين سنة فما رأيته نزع

стр. 325

ثوبه قط عن جسده. ولا رأيته مصليًا نافلة قط. كان ياتي فيرقدني كما ترقد الأم ابنتها، ثم يدخل المستراح فيتهيأ للصلاة، ثم يصعد لغرفته فيغلقها عليه، ولا أدري أحي هو أم ميت غير أني كنت ربما اسمع سقطته في آخر الليل، فأظن أنه استثقل نومًا فسقط، وذكر أنه كان عنده شاب يطلب ثم أقبل على المجانة، فبلغ ذلك البهلول، فساءه، فبينما هو جالس يومًا إذ خطر بباله الشباب وتحته طنبور فعرف ذلك، فذهب البهلول إلى داره فاستدعاه فسلم عليه وسأله عن الذي شغله عنه، وأقبل يعظه حتى رجع الفتى إلى الخير، وترك ما كان عليه ولازم البهلول ونفعه الله به فكان له شأن. قال أبو عثمان بن الحداد بلغني أن بهلولًا كان ذات يوم جالسًا وعنده صاحبه رباح بن يزيد الزاهد، إذ أقبل أخ للبهلول في البادية يلج بخبر المطر والزرع والبهلول يتلقى ويتلون اغتمامًا لرباح، لعلمه بكراهيته ذكر الدنيا وأسبابها فلما أكثر أخوه من هذا نهض وجعل يقول لبهلول: سقطت من عيني، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تغير. فقال له البهلول: إذا لم أسقط من عين الله فلا أبالي من عين من سقطت. فخر رباح على رأسه يقبله. نعم يا حبيبي يا بهلول لا تبالي من عين من سقطت، إذا المرء سقط من عين الله. ودخل بهلول على ابن غانم القاضي وقت المغرب في رمضان فقرب الماء ليغسل من حضر ففعلوا وغسل بهلول ولم يأكل. فكلمه في ذلك ابن غانم القاضي وقال: أنا سلطان طعامي حرام؟ ألست بصائم؟ فجعل البهلول يعتذر إليه ويقول طعام لا أجد في بيتي مثله، وإن تكلفت شق علي وأنا أمره أن أتكلف بما يشق علي. وابن غانم يهذر ويعيد كلامه الأول، والبهلول يعتذر

стр. 326

ولا يزيد على قوله الأول، حتى فرغ القوم وخرجوا وخرج البهلول. وذكر ابن اللباد أن رجلًا سأل بهلولًا عن مسألة فأجابه فيها ثم قال له: اذهب إلى الفارسي يعني ابن فروخ فاسأله، فذهب إليه فسأله، فأجاب بمثل قول بهلول، فانصرف إلى بهلول فسأله أيضًا، فقال ألم أدلك على ابن فروخ؟ قال بلى. وقد أجابني. قال بهلول فما لك تفضل بعض الناس على بعض؟ يريد نفسه. والله لو كانت للذنوب رائحة ما جلست إلي ولا جلست إليك. وقال: ابن فروخ الدرهم الجيد، وأنا الدرهم المقوى. قال بهلول لقيت رباح بن يزيد ببئر زمزم، ومعه خراساني وقد نزعا ماء من بئر زمرم فجعلاه في سويق فنظرته فإذا هو عسل. فقالا لا تخبر بما رأيت. فما فعلت حتى مات. قال ابن الحداد: كان لقوم من النخاسين عشرون دينارًا عند البهلول وكان له عشرون دينارًا عند دحنون فجاءه سائل فقال لدحنون ادفع إليه دينارًا من العشرين فدفعه وجاءه النخاسون فقالوا حضر فقال حضر تسعة عشر وأمر دحنون بعدها لهم فوجد عشرين دينارًا. فقال لدحنون لا إله إلا الله. أراك لا تحسن العدد. قال سليمان بن سالم: جاء مغيث بن رباح إلى البهلول فأخبره بعزمه على الحج، فقال له أما كنت حججت؟ فقال نعم. ولكني اشتقت إلى بيت الله الحرام وقبر النبي ﷺ . فقال: كم عددت لخروجك؟ فقال مائة درهم. فقال هل لك أن تأتيني بها فأصرفها في مواضع وأضمن لك على الله عشر حجج مقبولة. فأتى مغيث بالصرة فأفرغها تحت جلد وجلس معه. فلم يزل يدفع منها الخمسة والعشرة يقول لهذا تزوج بها وعش بالباقي، وهذا أنفقها على عيالك، والآخر

стр. 327

استر وجهك بها. حتى نفذت. فرأى بعد ذلك رجل صالح أن أتيًا أتاه مرة في الليل يقول له امض إلى مغيث فأخبره أن الله قد وفاه ضمان بهلول. فأخبره بذلك الرجل. قال أبو زرجونة استقفيت ليلة جمعة وضربت بقرعة فأخبرت بذلك البهلول من الغد فأكب علي يسألني أن اجعل ما فعل ذلك في حل. فقلت فعلوا بي وفعلوا وأجعلهم في حل. فقال أيسرك أن يحال بين أخيك المسلم وبين الجنة بسببك؟ فلم يزل بي حتى جعلتهم في حل. قال: واقبل هرثمة بن أعين أمير أفريقية في موكبه، حتى انتهى إلى مسجد البهلول بن راشد، وبهلول مسند ظهره إلى عمود بإزاء باب المسجد، فانحنى هرثمة في السرج، وقال لبعض من معه ادفع إليه هذا المزود بالدراهم وقل له قال لك الأمير فرقها. فجاء إليه الرسول فقال له البهلول الأمير أقوى على تفريقها. قال سحنون: سأل رجل البهلول وأنا عنده عن مسألة، فأجابه بخطأ فقلت له في ذلك، فقال: ألا ترى إلى هؤلاء الأحداث يؤذوننا. وكنت إذا اجتمع لي قطعة خرجت إلى علي بن زياد فخرجت إليه، فبينما أنا عنده جاءه كتاب البهلول فرمى به إلي. فقلت هذه مسألة اختلف فيها عندنا. فقال لي ما قالوا؟ قلت: قال البهلول كذا. قال ومن نازعه؟ فقلت أنا، قلت فيها كذا. قال أصبت وأخطأ. اكتب إليه بهذا عني. ثم قال لي: افرح بهذا الرجل فإنه صالح. قال ابن الحداد عن أبيه كان البهلول من أغير الناس، ما كان يدخل داره رجل غيري. قال بعض أصحابه: دخلت عليه وبين يديه ابنته طفلة وعليها ثياب مصبوغة، فقال لي ما أحببت شيئًا حبي لها، وإني لأحب لو قدمتها لربي. فانصرفت عنه ثم رجعت إليه، فوجدت الناس مجتمعين على بابه فسألت، فقيل لي ماتت ابنته

стр. 328

فدخلت إليه فعزيته فلما وليت لحقني وقال: بالله لا تذكر ما كان مني، يعني أمنيته، يعني ما دمت حيًا. قال زكريا بن الحكم قلت للبهلول يا أبا عمر وهذه القراءة التي نقرأ عنكم الشيء رويته عن السلف أم شيء رأيته؟ فقال ما أخذته عن أحد إلا أني كنت عند معلمي أخيط فيمر علي سافر بن سليمان الواعظ بالجامع والقراء يقرأون عليه، فأقف إليه وأستحلي ذلك، ثم حاسبت نفسي وقلت أنا مستأجر، فصرت آخذ من معلمي طريحة معلومة، فإذا فرغت منها مضيت إلى مجلسه فانتفعت به وبقيت حلاوة ذلك في قلبي ومنفعتها إلى الآن، ثم قال وهؤلاء القراء إن أتوني سمعت منهم، وإن غابوا لم أرسل فيهم. وذكر رجل لبهلول أنه رأى الشمس والقمر ادخلا جوفه فأفتاه بهلول بأنه يموت وتلا: وجمع الشمس والقمر يقول ألإنسان يومئذ أين المفر. ذكر تسننه ومجانبته أهل الأهواء وموالاته ومعاداته في الله وخرج بهلول يومًا على أصحابه وقد غطى خنصره بيده وقد كان أهله سألوه حاجة، فربط في خنصره خطيًا ليذكرها ثم قال: خفت أن أكون ابتدعت فغطى أصبعه لئلا يراه أحد فيقتدي به. ثم وجه بعض أصحابه واسر إليه الأمر فسأل ابن فروخ وصاحبه عن ذلك، فجاءه فأخبره عنه أن عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك، فنحى بهلول كفه عن خنصره: وقال الحمد لله الذي لم يجعلني ممن ابتدع بدعة في الإسلام. قال ابن الحداد: قال لي ابن سنان ربما سمعت بهلولًا في داركم وهو يهدر ويقول السنة، ويلح بها.

стр. 329

قال سحنون: أتيت يومًا إلى البهلول فوافاني رجل من أهل الأهواء على بابه يسألني عن الشيخ، فلم أرد عليه جوابًا، والشيخ يسمع. فلما دخلت عليه سلمت فلم يرد علي وأعرض عني فلما خرج الناس جثوت بين يديه وقلت له ما قصتي؟ فقال سلم عليك رجل من أهل الأهواء وسألك عني. فقلت له: والله ما رددت عليه جوابًا. فقال مرحبًا أهلًا. وسلم علي. ثم قال لي بهذا يعرف الحق من الباطل. قال ابن الحداد: أتى أبو محرز العراقي الفقيه إلى البهلول يعوده فقيل ذلك البهلول، فقال: قولوا له إن كنت على رأيك فلا تقربنا. وقال سحنون: ما اقتديت في ترك السلام على أهل الأهواء إلا بالبهلول. قال بعضهم: دفع بهلول إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري له بهما زيتًا يستفد به فذكر للرجل أن عند نصراني زيتًا أعذب ما يوجد. فانطلق إليه الرجل بالدينارين، فأخبر النصراني أنه يريد زيتًا عذبًا لبهلول. فقال النصراني نتقرب إلى الله ببهلول كما تتقربون أنتم به إليه، وأعطاه بالدينارين من ذلك الزيت ما يعطى بأربعة دنانير من دنيء الزيت. ثم أقبل إلى بهلول فأخبره الخبر، فقال له بهلول قضيت حاجة فاقض لي أخرى، رد علي الدينارين. فقلت ولم؟ فقال ذكري قول الله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. فخشيت ان آكل زيت النصراني فنجد له في قلبي مودة فأكون ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير. ذكر محنته ووفاته قال القاضي ﵀: امتحن البهلول على يد العكي أمير القيروان وقيل

стр. 330

له: أنه يقع في سلطانك، وضعف عنده أمره. فأمر به فتحاشد الناس معه فزاده ذلك حنقًا عليه، وأخرج إليهم الأجناد ففضوهم وأمر بتجريده وضربه بالسياط ورمى جماعة أنفسهم، فضربوا، وضرب هو نحو العشرين وحبسه، وكان عندما هم به وسيق لقيه قوم متمثلون فشاوروه في القيام عليه وتخليصه فجعل يقول لا. . . لا. قال بعضهم كنا في غزاة مع بعض الخلفاء وكنا معه في أهل الثغور اثني عشر ألفًا وكان يقضي لنا كل يوم حاجتين، فلما بلغنا ضرب العكي لبهلول اختل العسكر، وتقدمنا إلى باب الخليفة فسألنا حاجبه، فقلنا قد جعلنا حوائجنا نصرة البهلول، بلغنا أن العكي ضربه. فقال الحاجب اتقوا الله في دم العكي، إن بلغ هذا الخليفة قتله، وكيف يضرب البهلول إلا أن يكون أهل أفريقية ارتدوا. وكان مما حرك عليه العكي أنه كان يهادي ملك الروم فوجه إليه الطاغية في سلاح وحديد ونحاس فلما أراد توجيه ذلك إليه عارضه في ذلك بهلول ووعظه فيه إذ لا يجوز ذلك. قال أبو زرجونة كنت عند بهلول بعد ضربه إذ سمعت بكاء رجل داخل من الباب وإذا ابن فروخ فجلس أمامه، فبكى. فقال له بهلول: ما أبكاك يا أبا عمر؟ قال أبكي لظهر ضرب بغير حق. فقال قضاء وقدر. وندم العكي بعد ذلك، وقال لابن غانم هل تستطيع أن ترينيه؟ فقال أما على أن يأتيك فلا ولكن استدعيه أنا واستشرف أنت من حيث تراه، ففعل. فلما بصر به جعل يقول تبارك الله كأنه سفيان الثوري في شأنه، فعن قريب عزل العكي اسوأ عزل وولي تمام بن تميم. وحكي أنه لما مدت رجلاه للقيد قال إن هذا الضرب من البلاء الذي لم أسأل الله العافية منه خطرة. وأتاه السجان في سجن العكي فعالجه فوهب إليه دينارًا وأعطى لمن معه دراهم، فعل بهم

стр. 331

هذا ثلاثة أيام. كلما دخلوا عليه إعطاهم. فخاف أصحابه حاجته قبل خروجه فقالوا للسجان قد برئ فلا تعاودوه. فلما استبطأه بهلول سأل عنه أصحابه، وكأنه فطن لهم، فقالوا له لكل يوم دينار؟ فقال وما في ذلك؟ فقال له حفص بن عمارة من أصحابه سمعت الثوري يقول: إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يديه. فخر بهلول على يديه يقبلهما ويقول سألتك بالله أنت سمعتها منه؟ وبرئ الضرب الذي ضرب إلا أثر سوط واحد، تنغل فصار قرحة فكان سبب موته ﵀. قال البهلول: أقمت ثلاثين سنة اقول إذا أصبحت وإذا أمسيت: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض وهو السميع العليم. . . . إلى آخر هذا فنسيتها يومي مع العكي، فابتليت. وذكر أن العكي وجه إلينا ثيابًا وكبشًا فلم يقبل ذلك. فلما أبى سأله أن يحله فقال له: ما وقع علي سوط إلا وأ، ااستغفر الك يا أبا يسر. وفي رواية ما حللت يدي من العقالين حتى جعلتك في حل. وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. قال سحنون: بعد علي بن زياد بخمسة وثلاثين يومًا، كذا قال غير واحد، وقال فرات: سنة اثنتين ومولده مع عبد الله ابن غانم في ليلة واحدة سنة ثمان وعشرين ومائة. أبو محمد عبد الله بن فروخ الفارسي فقيه القيروان في وقته قال أبو بكر المالكي في كتاب رياض النفوس: إن مولده بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة، ثم انتقل إلى أفريقية، فسكن القيروان وأوطنها، ونحو ذلك ذكر سليمان بن عمران، فيما حكاه عنه ابن الجزار، في كتاب

стр. 332

التعريف. قال القاضي وإن اسمه كان بالأندلس عبدوسًا، وإن رجلًا ناداه به في الجامع يعني بالقيروان ممن كان يعرفه به، فقال له أناشدك الله أن تذكرني في هذا البلد. ثم رحل إلأى المشرق فلقي جماعة من العلماء والمحدثين كزكريا بن أبي زائدة وهشام بن حسان وعبد الملك بن جريج، والأعمش والثوري ومالك بن أنس، وأبي حنيفة وغيرهم. فسمع منهم وتفقه بهم. قال ابو بكر وكان اعتماده في الحديث والفقه على مالك بن أنس. وبصحبته أشتهر، وبه تفقه، لكنه كان يميل إلى النظر والاستدلال، فربما مال إلى قول أهل العراق فيما تبين له منه الصواب. ثم انصرف إلى أفريقية فأقام بالقيروان يعلم الناس العلم ويحدثهم فانتفع به خلق، ثم رحل ثانية، وأتى مصر فمات بها كما سنذكره. قال ابن الجزار في كتاب طبقات القضاة كان ابن فروخ فقيهًا ورعًا، رحل في طلب العلم، وكان يكاتب مالك بن أنس في المسائل ويجاوبه مالك، إلا أن سحنون كان يقول فيه: لا ينص الأصول، كان يسأل في المسألة فيجيب فيها بالأقاويل المختلفة. الثناء عليه بالعلم والعقل والدين قال ابو بكر: كان رجلًا صالحًا فاضلًا متواضعًا قليل الهيبة للملوك لا يخاف في الله لومة لائم، مباينًا لأهل البدع حافظًا للحديث والفقه. قال أبو العرب: كان ممن رحل في طلب العلم فلقي مالكًا وسفيان الثوري وغيرهما، وكان يكاتب مالكًا فيجيبه عن مسائله، وكان ثقة في حديثه. واستعفى من القضاء. قال ابن أبي مريم: هو أرضى أهل الأرض عندي.

стр. 333

وقد خرج له مسلم في صحيحه. وقال البخاري: عبد الله بن فروخ، سمع منه ابن أبي مريم، تعرف وتنكر، خراساني وقع بالمغرب. قال، قال عبد الله بن وهب: قدم إلينا ابن فروخ سنة ست وتسعين بعد موت الليث ابن سعد، فرجونا أن يكون خلفًا منه. فما لبث إلا يسيرًا حتى مات. وجعلت على نفسي ألا أحضر جنازة إلا وقفت على قبره، ادعو له. قال المالكي: كانت لوفاته بمصر فجعة عظيمة، عند أهل العلم، وقالوا: طمعنا أن يكون خلفًا عن الليث، وكانوا يعظمونه ويعتقدون إمامته. قال: وكان مالك بن أنس يكرمه ويعظمه. وحكى الطحاوي أن ابن فروخ قدم المدينة فلبس ثيابه، وأتى قبر النبي ﷺ ، ثم أتى مالكًا فلما رآه مالك تلقاه بالسلام: وقام إليه، وكان لا يكاد يفعل ذلك بكثير من الناس، وكان لمالك موضع من مجلسه يقعد فيه، وإلى جانبه المخزومي، معروف له، لا يستدعي مالك أحدًا للقعود فيه، فأقعده فيه وسأله عن أحواله ومتى كان قدومه، فأعلمه أنه في الوقت الذي أتى إليه. فقال له مالك صدقت لو تقدم قدومك لعلمت به ولأتيتك، وجعل مالك لا ترد عليه مسألة وعبد الله حاضر إلا قال: أجب يا أبا محمد. فيجيب. ثم يقول مالك: هذا كما قال. ثم التفت مالك إلى أصحابه، فقال: هذا فقيه المغرب وفي خبر آخر، إنه أتى مالكًا فأجلسه معه على دكان. فأتاه سائل من أهل المغرب بمسائل في الجنايات فقرئت عليه، فقال له مالك أجبهم يا أبا محمد فهم أهل بلدك، فقال له ابن فروخ: بحضرتك. قال نعم. عزمت عليك. وكانت المسألة: رجل ضرب على رأسه وعلى حقويه فذهب أم رأسه، وزال عقله وبصره وسمعه وأسنانه واسترخت انثياه، حتى بلغت ركبتيه. فقال له ابن فروخ: في السمع الدية، وكذلك في البصر والعقل والأسنان، ويقعد في إجالة فيها ماء بارد في ليلة باردة. فإن تقلصت انثياه وعادتا لحالهما

стр. 334

فلا شيء عليه، وإلا ففيها الدية كاملة. وإن تقلصت إحداهما فنصف الدية. فقال السائل لمالك أهذا جوابك يا أبا عبد الله. قال هذا جوابي. وقد حدث ابن فروخ بهذه الحكاية عنه وعن مالك. قال أبو العرب، عن أبي عثمان المعافري: أتيت إلى مالك بمسائل من ابن غانم، فقال لي ما قال فيها المصفر يعني البهلول بن راشد. وما قال فيها الفارسي، يعني ابن فروخ. ثم كتب الأجوبة وكتب في آخر الكتاب ودين الله يسر إذا أقيمت حدوده. فقال ابن حارث وسؤال مالك عن كلامه، وكلام البهلول في المسالة يدل على أنه علم أنهما صاحبا فتوى القيروان في زمنه. ولم يسأل عن كلام ابن زياد وابن أشرس لأنهما لم يكونا بالقيروان كانا بتونس، مع مناظرة ابن غانم علي بن زياد وابن أشرس لأنهما لم يكونا بالقيروان كانا بتونس، مع مناظرة ابن غانم علي بن زياد. قال وكان البهلول بن راشد، يعظم ابن فروخ ويقلده فيما نزل من أمور الديانات ويذكر أنه ناظر زفر بن الهذيل في مجلس أبي حنيفة، فازدراه زفر للمغربية، فلم يزل به ابن فروخ حتى قطعه. فقال أبو حنيفة لزفر لا خفف الله ما بك. ذكر زهده وعبادته وورعه وقيامه بالحق قال ابن قادم: كان ابن فروخ كثير التجهد، وكان تهجده آخر الليل. وقال أحمد بن يزيد: كان عبد الله بن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته، تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم. قال ابن قادم: كان الناس يتبركون بصحبة ابن فروخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من داره، ويمشون معه، ويغتنمون منه موعظة، ودعوة، متى يأتي الجامع، فإذا وصل الجامع تشاغل بمسح رجليه خارج المسجد، وقال لمن معه: ادخلوا رحمكم الله. فلا يدخل حتى لا يبقى معه أحد. وحدث الاجدابي: إن روح بن حاتم

стр. 335

أرسل إلى ابن فروخ ليوليه القضاء، فلما جاءه قال له: بلغني أنك ترى الخروج علينا. قال نعم. فعظم ذلك على روح، ثم قال ابن فروخ: ذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل مني. فقال روح: أمناك أن تخرج علينا أبدًا. ثم عرض عليه القضاء، فامتنع، فأقعده في الجامع وأمر الخصوم يكلمونه، وجعل يبكي ويقول لهم: ارحموني يرحمكم الله. وذكر غيره: أنه لما امتنع، أمر به ان يربط ويصعد به على سقف الجامع، فقال: تقبل. فقال: لا. فأخذ ليطرح. فلما رأى القوم، قال: قبلت. فأجلس في الجامع مع حرس، فتقدم إليه خصمان فنظر إليهما وبكى طويلًا، ثم رفع رأسه، فقال لهما: سألتكما الله إلا أعفيتماني من أنفسكما، ولا تكونا أول شؤمين علي، فرحماه وقاما عنه. فأعلم الحرس بذلك روحًا فقال اذهبوا إليه. فقالوا له تشير علينا من نولي، أو فاقبل. فقال: إن يكن، فعبد الله بن غانم. فإني رأيته شابًا له صيانة. يعني بمسائل القضاء فعليكم به، فإنه يعرف مقدار القضاء. فولي ابن غانم، فكان ابن غانم يشاوره في كثير من أموره وأحكامه، فأشفق ابن فروخ من ذلك، وقال له: يا ابن أخي، لم اقبلها أميرًا، اقبلها وزيرًا. فألح عليه ابن غانم، وشدد عليه، فلما رأى ذلك ابن فروخ، خرج إلى مصر هربًا من ذلك وورعًا. فمات بها وكان أكره الناس للقضاء وكان يقول: قلت أبي حنيفة، ما منعك أن تلي القضاء؟ فقال لي: يا ابن فروخ، إن القضاة ثلاثة، رجل يحسن العوم فأخذ البحر طويلًا فما عساه يعود، يوشك أن يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه، عام يسيرًا فغرق، ورجل لا يحسن العوم، ألقى

стр. 336

بنفسه على الماء فغرق من ساعته. قال سحنون: اختلف ابن غانم وابن فروخ في الرجل يوليه أمير غير عدل القضاء، فأجاز ابن غانم له أن يلبي، وأباه ابن فروخ، وكتبا بذلك إلى مالك. فلما قرأ مالك الكتاب قال للرسول ولي ابن غانم؟ قال نعم. قال مالك: إنا لله وإنا إليه راجعون، فألا هرب. فألا فر حتى تقطع يداه. أصاب الفارسي وأخطأ الذي يزعم أنه عربي. وسأله يزيد بن حاتم الأمير عن دم البراغيث في الثوب هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى بأسًا. ثم قال بمحضر رسوله: يسألونني عن دم البرغيث ولا يسألونني عن دماء المسلمين التي تسفك. وخرج مرة يصلي على جنازة، فإذا بإسحاق ابن الأمير يزيد بن حاتم قد أغرى كلابه بظبي، يغريها بذلك فلما انصرف استوقفه، وقال له: يا فتى رأيتك الآن تفعل كذا، وما أحسب ذلك لك، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك. فقبل منه إسحاق وقال صدقت أبا محمد جزاك الله خيرًا، والله لا فعلت ذلك بعدها أبدًا. قال ابن قادم: كان ابن فروخ ربما غسل الأموات ولا يولي ذلك غيره، ويحملها إلى قبرها. ذكر رحلته وطلبه ذكر المالكي عنه، أنه رحل قديمًا فلقي الشيوخ والفقهاء، قال وهناك سمع من أبي حنيفة مسائل كثيرة مدونة. ويقال إنها نحو عشرة آلاف مسألة. قال: لقي مالكًا وتفقه عنده وسمع منه. وأما خبره المتقدم مع مالك، فإنما كان في سفرته الثانية، بعد خروجه من القيروان، وذكرت أنه قال: سقطت آخره من أعلى دار أبي حنيفة وأنا عنده على رأسي فدمي. فقال: اختر الأرش أو ثلاثمائة ألف حديث. فقلت الحديث. قال: فحدثني.

стр. 337

قال: ولما أتيت الكوفة وأكثر أملي السماع من الأعمش، فسألت عنه، فقيل لي غضب على أصحاب الحديث، فحلف أن لا يسمعهم مدة، فكنت اختلف إلى باب داره لعلي أصل إليه، إذ فتحت يومًا بابه وخرجت منه جارية، فقالت لي ما بالك على بابنا؟ فأعلمتها بخبري. قالت واين بلدك؟ قلت أفريقية. فانشرحت إلي وقالت تعرف القيروان؟ قلت أنا من أهلها. قالت تعرف دار ابن فروخ؟ قلت: أنا. فتأملتني، ثم قالت: عبد الله؟ قلت نعم. وإذا هي جارية لنا بعناها صغيرة، فصارت إلى الأعمش، وقالت له: مولدي الذي كنت أخبرتك بخبره بالباب. فأمر بإدخالي فدخلت، وأسكنني بيتًا قبالة بيته، فسمعت منه وحدثني. ذكر تسننه وأتباعه وبقية أخباره قال أبو العرب: كان ابن فروخ كتب إلى مالك يخبره أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم كتابًا في الرد عليهم. فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل وتهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطًا عارفًا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعرجوا عليه فهذا لا بأس به. وأما غير ذلك فإنني أخاف أن تكلمهم فتخطئ، فيمضون على خطاك أو يظفروا منه بشيء، فيطغوا ويزدادوا تماديًا على ذلك. قال محمد بن سحنون كانت المعتزلة تدعي ابن فروخ عندنا. فأخبرني بعض أصحاب أبي وكان صحب أبا خارجة. قال: نزل بنا أبو خارجة فسألته عن ابن فروخ وما يرمي به. فقال من قال هذا، فو الله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت بهذين العينين شابًا أعبد لله من ابن فروخ. ثم قال: فو الله لقد كنت معه حتى سئل عن المعتزلة، فقال للسائل: وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة

стр. 338

لعنة الله قبل يوم الدين، وفي يوم الدين، وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين. فقال له: وما فيهم قوم صالحون. فقال ويحك، وهل فيهم رجل صالح؟ قال سحنون: مات رجل من أصحاب البهلول، فحضر هو وابن غانم وابن فروخ فصلوا عليه وجيء بجنازة ابن صخرة المعتزلي، فقالوا لابن غانم الجنازة. فقال كل حي ميت. قدموا دابتي. وقيل لابن فروخ مثل ذلك. فقال مثله. وقيل للبهلول مثل ذلك، فقال مثله. وانصرفوا ولم يصلوا عليه. فكان ذلك مما عرف لابن فروخ. وكان قبل هذا يرى الخروج على أئمة الجور، إذا اجتمع ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عدة أهل بدر. فلما خرج إلى مصر وشيعه الناس التفت إلى من شيعه، فقال اشهدوا أني رجعت عما كنت أقول به من الخروج على أئمة الجور، وتائب إلى الله منه. وكان قد تواعد مع قوم أيام العكي للخروج عليهن وكان العكي رجل سوء، وأن يكون اجتماعهم بباب تونس، فذهب ابن فروخ لمكان الموعد وتخلفوا، فلم يوافه منهم إلا محمد بن منوتا، من المدنيين وابن محرز القاضي من العراقيين، فرجع. قال سحنون: ذهبت مع أخي حبيب، وكان يسمع من ابن فروخ، فلما رأيته يمازح الطلبة حوله، مجة قلبي. وذكر أن رجلًا دعاه فأطعمه واسقاه نبيذًا، وكان يرى فيه رأي أهل العراق فشربه واحمر وجهه، فقال له الذي دعاه: ألم تحدثنا أن الحسنات تتناثر من وجه الرجل إذا احمر وجهه من النبيذ؟ فقال له ابن فروخ: قد كنا أغنياء عن طعامك. وفاته توفي رحمه الله تعالى بمصر إثر منصرفه من الحج، في سنة خمس وسبعين

стр. 339

ومائة، ودفن بالمقطم. قال عبد الله بن وهب قدم علينا ابن فروخ سنة ست وسبعين ومائة، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل ابن ستين سنة. وكان يخضب بالحناء فما لبث إلا يسيرًا حتى رحمه الله تعالى. من أهل الأندلس سعيد بن عبدوس من أهل طليطلة يعرف بالجدي مصغرًا، لقي مالكًا فسمع منه الموطأ وكان مفتي بلده في وقته، وسمع منه، وأبوه عبدوس مولى هشام بن الحكم عتاقة. وقيل مولى الحكم. توفي سنة ثمانين ومائة من كتاب ابن الفرضي. وقال ابن حارث: ذكر لي إسحاق بن إبراهيم، أنه كان من أهل الفقه والعلم، وكان مفتي البلد، وولي قضاء طليطلة، وإن أباه عبدوسًا كان رأيًا للأمير الحكم، وهو الذي اعتقه، وكان تقيًا فاضلًا، وعلى يديه تم أمر أهل طليطلة وسلمهم مع الحكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هو الذي ذكر هؤلاء في عتقه، كان موجودًا بطليطلة وهو الذي أجار يحيى بن يحيى عند فراره من قرطبة، في محنة أهل الربض، ومنعه من الحكم ابن هشام حتى أمنه واعتذر إليه. قال ابن وضاح لقيته بطليطلة. الغازي بن قيس من أهل قرطبة. أموي يكنى أبا محمد. رحل قديمًا فسمع من مالك الموطأ وسمع من ابن أبي ذئب وابن جريج والأوزاعي وثور بن يزيد ومحمد

стр. 340

ابن وردان، وهو أول من أدخل موطأ مالك وقراءة نافع الأندلس فيما قاله أبو عمرو المقرئ. قال: وشهد مالكًا وهو يؤلف الموطأ ظاهرًا، وانصرف إلى الأندلس بعلم عظيم، نفع الله به أهلها. وكان الغازي يقدم أو يؤخر فيرد عليه ذلك. وقصد قارئًا يومًا أن يقدم من أبواب الموطأ ويؤخرها، ليرى الناس حفظ الغازي فأنكر ذلك عليه، وقال إن عدت، لا تقرأ. إنما تريد أن تري الناس ما يكن يريد حفظه. روى عنه ابنه وابن حبيب وأصبغ بن خليل وعثمان بن أيوب، وقيل إنه عرض عليه القضاء فأبى. قال أصبغ: سمعته يقول: والله ما كذبت منذ اغتسلت ولولا أن عمر بن عبد العزيز قاله ما قلته، وما قاله عمر فخرًا، ولا رياء، وما قاله إلا ليقتدى به. وشاوره مصعب بن عمران القاضي عند موت صعصعة بن سلام، وأدب بقرطبة قبل رحلته، وكان إمام الناس بها في القراءة. قال أبو عمر القمرئ: وكان جيدًا فاضلًا عالمًا أديباَ ثقة مأمونًا. قال أحمد بن عبد البر: كان عاقلًا نبيلًا يروي حديثًا كثيرًا ويتفقه في المسائل، رأسًا في علم القرآن، متهجدًا بالقرآن كثير الصلاة بالليل، وتوفي فيها قبل سنة تسع وتسعين ومائة. وروي عنه أنه كان يقول: ما من يوم يأتي إلا ويقول: أنا خلق جديد، وعلى ما يفعل بي شهيد، احذرني قبل ان أبيد، فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدًا، وقال الحمد لله الذي لم يجعلني لليوم العقيم. وكان للغازي بن قيس ابنان عبد الله، وكان من أهل العلم بالعربية والتأدية لقراءة نافع، سمع من أبيه، وروى عنه ثابت وابنه قاسم. توفي سنة ثلاثين ومائتين، ومحمد أبو عبد الله، صاحب عربية ولغة، ورحل ولقي الرياشي وأبا حاتم ومات بطنجة في انصرافه وقال لما حضرته الوفاة:

стр. 341

الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله … ماذا عن الموت من ساه ومن لاه ماذا يرى المرء والعينان من عجب … عند الخروج من الدنيا إلى الله زياد بن عبد الرحمان بلقب بشبطون قرطبي. جد بني زياد: يكنى أبا عبد الله، وهو زياد بن عبد الرحمان ابن زهير بن ناشدة بن لوذان من حي ابن أخطب بن الحارث بن وائل اللحمي وقد قيل إنه من ولد حاطب بن أبي بلتعة. سمع من مالك الموطأ، وله عنه في الفتاوى كتاب سماع معروف بسماع زياد، وسمع من معاوية بن صالح القاضي، وكان صهره زياد، على ابنته. وروى عن عبد الله بن عقبة والليث بن سعد وسليمان بن بلال وعبد الله بن عبد الرحمان وعبد الرحمان بن أبي الزناد وعبد الله بن عمر العمري ويحيى ابن أيوب وأبي معشر وموسى بن علي ومحمد بن عبد الله بن عمر الليثي والقاسم بن عبد الله وإسماعيل بن داود وهارون بن عبد الله ومحمد بن أبي سلمة العمري وأبي معمر صاحب أنس، وعبد الرحمان بن أبي بكر بن أبي مليكه وابن أبي داود وسفيان بن عيينة وعمرو بن قيس وابن أبي حازم، وروى عنه يحيى بن يحيى الموطأ، وسماعه من مالك قبل رحلته من الأندلس، فأشار عليه زياد بالرحيل إلى مالك ما دام حيًا، وأخذه عنه، ففعل. وكان زياد أول من أدخل إلى الأندلس موطأ مالك، مثقفًا بالسماع منه، ثم تلاه يحيى بن يحيى. قال يحيى بن يحيى

стр. 342

زياد أول من أدخل الأندلس علم السنن ومسائل الحلال والحرام، ووجوه الفقه والأحكام وهو أول من عرف بالسنة في تحويل الأردية في الاستسقاء، وصاحب الصلاة إذ ذاك المصعب بن عمران فأنكر ذلك. وقال هذا مذر مشر. قال يحيى: فخرجت بعد ذلك إلى المشرق، ولقيت مالك بن أنس، والليث بن سعد، ومن دونهما، فوجدت سنة تحويل الأردية عندهم معروفة فاشية. قال الشيرازي: كان أهل المدينة يسمون زيادًا فقيه الأندلس. وحكى ابن حارث أنه كانت له إلى مالك رحلتان: أحداهما حين اجتمع به معاوية بن صالح. وحكى أبو بكر المالكي أن زيادًا قدم المدينة فدخل على مالك وعنده ابن كنانة. فلم يعرفه ابن كنانة. فسأله ابن كنانة عن بلده، فذكره فقال له فقيه بلدكم؟ قال: أنا أو نحو هذا. فجادله ابن كنانة في مسائل فلم يأت منه ما أحب. فقال: وإن بقوم سودوك لفافة. . . . البيت. فقال له مالك: اخفظت الرجل وأسأت أدبه. فلما استقر المجلس بزياد جاراه ابن كنانة ففجر منه بحرًا. فعلم أن ما كان أولًا إنما كان هيبة المجلس. ذكر فضائله وخبره كان زياد إذا بعث معاوية بن صالح القاضي شيئًا وكان أبا زوجته إلى داره، لم يأكل شيئًا منه. وكان زياد ناسكًا ورعًا، رواه الأمير هشام على القضاء فأبى عليه وخرج هاربًا بنفسه. فقال هشام: ليت الناس كلهم

стр. 343

كزياد حتى أكفى أهل الرغبة في الدنيا. ثم أمنه فرجع إلى قرطبة، وكان هشام يقول: بلوت الناس فما رأيت رجلًا يكتم من الزهد أكثر مما يظهر إلا زيادًا. وذكر يحيى بن إسحاق أن هشامًا لما ولي قيل له: لا يعتدل ما تريد، إلا بتولية زياد على القضاء. فبعث إليه فتمنع، فألح هشام عليه، فقال للوزراء: أما إذا عزمتم فأخبركم بما ابتدأ به، على المشي إلى مكة إن وليتموني إ، جاءني أحد متظلمًا منكم إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه، ورددته عليه وكلفتكم البينة، لما أعرف من ظلمكم. فتركوه وأشاروا بإعفائه فعوفي، فقيل ليحيى بن يحيى أهو وجه القضاء؟ قال: نعم، فيمن عرف بالظلم والقدرة. وكان الأمير هشام يؤثر زيادًا ويكرمه ويسهم إليه ويخلو به ويسائله عما يعن إليه من أمور دينه. فيأخذ برأيه ويبالغ في بره، ويدفع إليه المال يتصرف به، وربما اجتاز به ليلًا فيخرج إليه ويسلم عليه ويحادثه. وذكر الصدفي: أنه عرض عليه أخذ مال ليفرقه فأبى. وذكر أنه حضر عنده يومًا غضب فيه على خاصة له، أوصل إليه كتابًا كرهه، فأمر بقطع يده، فقال زياد: أصلح الله الأمير. فإن مالك بن أنس حدثني في خبر رفعه إلى النبي ﷺ ، إن من كظم غيظًا يقدر على إنفاذه ولاه الله أمنًا وإيمانًا يوم القيامة. فسكن غضب الأمير، وقال له: أحسنت. إن مالكًا حدثك به. فأمر الأمير أن يمسك عن يد الخادم، وعفا عنه. وذكر أن زيادًا راكب الأمير الحكم، وقد أردف زياد ولده خلفه، منصرفين من جنازة ووصل محادثته الأمير إلى أن وصل القنطرة، فسمع المؤذن فقطع

стр. 344

زياد حديثه وقال: معذرة إلى الأمير أصلحه الله، إنا كنا في حديث عارضه هذا المنادي إلى الله تعالى. ولا يجوز الإعراض عنه، فهو أحق بالإجابة وإن اجتمعنا قدرنا على تتميم الحديث إن كانت بنا إليه حاجة. وسلم عليه فدخل الجامع من باب القنطرة واستقام الأمير إلى القصر. قال يحيى: كان زياد واحد زمانه، زاهدًا ورعًا وأتاه هشام ليلًا في خاصته فقرع عليه الباب فخرج فعرف به، ففتح له وسلم عليه، وسأله عن سبب مجيئه، فقال: طلب التفرد بك، وهذا مال طيب وأشار إلى مال يحمله الفتى أردت التزلف به فأتيتك به لتضعه حيث تراه. فقال له زياد: تجد من هو أقوم لك بذلك وأعرف بأهله. وسمى له قومًا من صلحاء الناس، فأبى هشام إلا إياه، فلم يقدر عليه إلى أن حلف أن له بفعل. فاستحياه هشام وخرج بماله، وهو يقول: اللهم أعني على طاعتك بمثل هذا. قال حبيب: كنا جلوسًا عند زياد فأتاه كتاب من بعض الملوك بعد مدة، فكتب فيه ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول. فقال زياد أتدرون عم سأل صاحب هذا؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة، من ذهب هي أم من ورق؟ فكتبت إليه، حدثنا مالك عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وسترد فتعلم. وقال الحكم: صارت له في مصاهرته لمعاوية بن صالح نادرة مذكورة، وذلك إنما أراد النظر إلى المرأة قبل تمام نكاحها، كما يفعل بعض الناس وقيل بعد النكاح وهو أشبه بحاله، وآخر الحكاية فواعد أهل الدار أ، يأتيهم ليلًا خفية من معاوية، فجاء واختفى في اسطوان الدار، وخرج معاوية فأحس من دابته قلقًا وحركة، لمكان زياد، فأنكر ذلك، ودعا بالمصباح فلما نظر إذا بزياد قد انزوى في بعض

стр. 345

زوايا اسطوانة، فلم يزد أن قال استوصوا بضيفكم خيرًا وانصرف. وله سماع من مالك، مؤلف. وكتاب الجامع له. قال ابن عتاب: وهو كتاب غريب يشتمل على علم كثير. قال يحيى بن يحيى: عرضت سماع زياد على ابن نافع واين القاسم، فرد عليه ابن القاسم مسألة، وقال لي: كذب زياد على مالك. وما سمع هذا منه قط. فأخذت الكتاب وطويته وأدخلته كمي، فقال: اقرأ. فقلت زياد أجل في نفسي من أن أعرضه مثل هذا. فاحتشم ابن القاسم وقال لي: اقرأ فو الله لا عدت لمثلها أبدًا. فقرأت. وكان محمد بن عيسى الأعشى سيء الرأي في زياد، وكان يقول: إني لآكل التفاح الحلو وأحسو البيض الخفيف وأبول في الماء الراكد، منذ كذا، لينسيني الله علم زياد ويخرجه من صدري، فما نسيته. والتزمت كل ما أعرف أنه ينسي. فقيل لم؟ قال لأن زيادًا لم يكن شيئًا، وكان علمه باردًا. وتوفي سنة ثلاث، وقيل أربع، وقيل تسع وتسعين ومائة. ونجب ولده بقرطبة، وكان فيهم عدة من أهل الجلالة والفضل والقضاء والعلم والخير. سعيد بن أبي هند أبي عثمان أصله من طليطلة وسكن قرطبة، ولقي مالك بن أنس، وهو الذي كان يسميه مالك، الحكيم. قال أحمد بن عبد البر. وقال ابن لبابة: اسمه عبد الوهاب. قال بعضهم عن أبي حارث، عبد الرحمان بن أبي هند الأصبحي من أهل طليطلة يكنى أبا هند. سمع مالكًا وكان له مكرمًا، وكان يسميه حكيم الأندلس، وانصرف وسكن قرطبة واستوزره بعض الأمراء. وفي كتاب أبي سعيد الصدفي مثله، وكناه أبا دريد. وقال توفي سنة مائتين. وذكر غيره: إن سبب ولايته الوزارة ما امتحن به من

стр. 346

صدقه، وأنه لم تجرب عليه كذبة قط. فقال بعض وزراء ذلك الوقت أنا أجعله يكذب. فرصده حت نعس ثم قال له: رقدت يا أبا هند؟ قال: نعم. فلم يظفر منه بما يريد، لعادة الناس الإنكار في هذا. وقد أضيفت هذه القصة بعده لغيره، فلعلهما قصتان. وقرأت في كتاب القضاة لابن حارث: سعيد بن عبد الرحمان بن أبي هند، أبو هند الأصبحي الطليطلي روى عن مالك الموطأ. وقال القاضي أبو الوليد بن الفرضي ومحمد بن حارث: لا أدري، أهما اثنان أم واحد. فقد قيل لي، أن ابن أبي هند مات في أيام هشام بن عبد الرحمان، والله تعالى أعلم. قال أحمد بن سعيد: كان ابن أبي هند ولم يسمه، فاضلًا نبيلًا عاقلًا، له همة وهيبة. قال ابن وضاح: كان ابن أبي هند هذا شريفًا، وكان مالك يسأل عنه، يقول: ما فعل الحكيم عندكم بالأندلس لكلمة سمعها منه، وهي: إن قال مالك يومًا ما أحسن السكوت وأزينه بأهله. فقال ابن أبي هند: وكل من شاء سكت يا أبا عبد الله. فأعجبت مالكًا كلمته. وقيل بل قال له: إ، ما نزين الصمت ما بعده. وعرض به رجل عند ألأمير عبد الرحمان بالرياء. فقال سعيد: اصلح الله الأمير يظن بنا سوء السريرة مع حسن العلانية، فما ظن ألأمير أعزه الله تعالى، بسريرة رجل قد فسدت علانيته، ورأى الناس ينظرون إلى قوم كساهم ألأمير ويستحسنون كسوتهم، فقال: إنهم ما أخذوا ذلك إلا ببخس من الثمن. يعني أنهم بذلوا فيها دينهم. حدث عنه يحيى، وروى ابن وهب عن مالك عن أبي هند، قال: وجدت الصمت اشد من الكلام. قال يحيى بن يحيى: سمعت ان أبي هند يقول: ما هبت أحدًا هيبة عبد الرحمان بن معاوية، حتى حججت فدخلت على مالك فهبته هيبة شديدة فصغرت هيبة ابن معاوية. قال: وكان له ابن شيخ لم يملك من مال أبيه شيئًا، فقال له يا أبت، هب لي من مالك شيئًا. فقال: وهل

стр. 347

استأثرت عنك منه بشي؟ تركب وتلبس وتأكل كما أفعل أنا. فقال: إن تسمي لي منه شيئًا. فقال يمنعني من ذلك أ، هـ يقال ينتقص من عقل الرجل بقدر ما ينتقص من ماله. قال أحمد: وتوفي سعيد ابن أبي هند صدر أيام عد الرحمان بن معاوية قبل موت مالك بكثير. يحيى بن مضر القيسي وقيل اليحصبي من أهل قرطبة أبو زكرياء. ويقال أبو بكر شامي الأصل كبير من فقهاء قرطبة. سمع من سفيان الثوري ومالك بن أنس وروى عنه مالك، حكاية عن سفيان الثوري أن الطلح المنضود هو الموز. وقال: أخبرني بذلك عن سفيان يحيى بن مضر فقيه ألأندلس، وروى عنه عبد الله بن وهب ويحيى بن يحيى قبل رحلته، وكان عالمًا متقنًا صاحب رأي. قال يحيى بن يحيى لبعض الكبراء، وقال له: أن الأمير أجابني أن يجلس لي الفقهاء فيما حكم به علي بن بشير ويجلسك معهم، فقال له يحيى: عليكم إن كنتم لا بد فاعلين بشيخنا يحيى بن مضر، وطلبه أمير المؤمنين الحكم بن هشام ابن عبد الرحمان بن معاوية بن عبد الملك بن مروان، فيمن طلبه بسبب المهدي، ممن أراد القيام عليه وخلعه، سنة تسع وثمانين ومائة وكانوا قد أنكروا على أميرهم أمورًا كثيرة، من انهماكه في لذاته وفي ذلك. فأرادوا خلعه وكانوا عدة من أعيان الفقهاء وأكابر العلماء والصلحاء وأكابر الناس وبياضهم ولقوا فتى من بني عمه، عزموا على القيام معه وتقديمه فوشى بهم إلى الأمير وأوقفه على صحة الحال، بأن أدخل كاتبه وثقته قبة له وأسبل عليه سترًا

стр. 348

في يوم، وعدهم بالاجتماع فيه معهم، فلما حضروا، أقبل يسألهم عمن معهم في هذا ألأمر، والكاتب يكتب إلى أن استراب بعضهم بكثرة سؤاله، وقيل بل سمع صرير القلم وراء الستر، فكشفوه فوقفوا على الأمر، فسقط في أيديهم، وبادروا الخروج، فنجي من بادر وقبض على من بقي، فكان ممن نجا يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، وقبض على يحيى بن مضر، فيمن قبض فأمر الأمير بصلبهم على شط نهر قرطبة، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا من الفقهاء وأهل الصلاح، وقيل كان عدة من صلب مائة وأربعين، وقيل في شرح هذه القصة غير هذا، فعظم ما فعل في قلوب الناس وغدوا إلى جدة لم يزالوا متربصين للوثوب به، إلى أن أقاموا القيامة المشهورة بوقعة الربض الذين أصطلحوا فيها سنة اثنتين ومائتين. الطبقة الوسطى من أهل المدينة عبد الله بن نافع مولى بني مخزوم المعروف بالصائغ كنيته أبو محمد. قاله البخاري. روى عنه مالك وابن أبي ذئب، وحسين ابن عبد الله وابن أبي الزناد وتفقه بمالك ونظرائه. قال أحمد بن حنبل: كان صاحب رأي مالك، وفقه أهل المدينة برأي مالك. ولم يكن صاحب حديث، ولم يكن في الحديث بذاك، وكان ضعيفًا فيه. قال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. قال البخاري تعرف حديثه وتنكر. وكتابه أصح. وقال محمد بن الحسين: سألت أبا عبد الله عنه، فقال ثقة. قال ابن لبابة: أهل الحديث يقدمون ابن نافع على أصحاب مالك في الحديث والثقة. قال ابن غانم: قلت لمالك: من لهذا الأمر بعدك؟ قال: رجل من أصحابي. حتى دخل رجل أعور وهو ابن نافع، فقال: هذا. قال الشيرازي: كان

стр. 349

أصم أميًا لا يكتب، وقال: صحبت مالكًا أربعين سنة، ما كتبت منه شيئًا، وإنما كان حفظًا أتحفظه. وهو الذي سمع منه سحنون، وكبار أتباع أصحاب مالك، والذي سماعه مقرون بسماع أشهب في العتبية، لا كما زعم أبو عبد الله بن عتاب في فهرسته أنه ابن نافع الزبيري، وما ذكرناه غير منكر، ولهذا مشيخة الأندلس عما يقع في سماعها، وفي سماع الشيخين، يعنون أشهب وابن نافع الصائغ، وهو الذي ذكروه، وروايته في المدونة نفيسة. قال أشهب: ما حضرت لمالك مجلسًا إلا وابن نافع حاضر. وما سمعت إلا وقد سمع. لكنه كان لا يكتب. فكان يكتب أشهب لنفسه وله. وفي المدونة أن مالكًا سأل ابن نافع عن حديثه عن حسين بن عبد الله ابن ضميرة في القراءة في ركعتي الوتر، قال ابن نافع حدثته به، فأعجب مالك واستحسنه. قال قد كنا على هذا ولم يبلغني فيه شيء؟. وجلس مجلس مالك بعد ابن كنانة. قال ابن وضاح: كان أفضل أصحاب مالك في العبادة المصريين والاسكندرايين، وكان ابن نافع رجلًا صالحًا لكن هؤلاء فوقه. قال محمد بن سعيد: لزم مالكًا لزومًا شديدًا. وكان لا يقدم عليه أحدًا وهو دون معنى قال سحنون: كان ابن نافع رجلًا صالحًا، وكان ضيق الخلق. وكان أبوه صائغًا، وكان أولًا في حداثته منحرفًا فبينما هو في حائط من حيطان المدينة إذ سمع رجلًا يقرأ القرآن، قال: هذا يتلو كتاب الله وأنا مشغول في هذا الحائط. فرجع ولزم المسجد، وله تفسير في الموطأ رواه عنه يحيى بن يحيى، وعده ابن حبيب وابن حارث فيمن خلف مالكًا في الفقه بالمدينة. وقال مجاهد بن موسى: قال عبد الله بن نافع الصائغ: أنا أجالس مالكًا منذ ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة بالغداة والعشي وربما

стр. 350

هجرته، فما رايته قرأ الموطأ على أحد قط. توفي بالمدينة في رمضان سنة ست وثمانين ومائة. محمد بن مسلمة أبو هشام قال الزبير: هو محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام، والذي يذكر عنه ذكر عهدة الرقيق في خطبته. روى محمد عن مال وتفقه عنده، وروى عن الضحاك بن عثمان وإبراهيم بن سعد والهديري. قال أبو حاتم: كان أحد فقهاء المدينة وأصحاب مالك وأفقههم، ولمحمد بن مسلمة كتاب فقه أخذت عنه. وقال القاضي التستري: هو ثقة مأمون حجة. قال الشيرازي: جمع العلم والورع. قال: وكان مالك إذا دخل على الرشيد دخل بين رجلين من بني مخزوم، المغيرة عن يمينه وأبو مسلمة عن يساره. قال البخاري قيل لمحمد بن مسلمة: ما لرأي فلان، دخل البلاد كلها إلا المدينة. فقال: لأنه دجال من الدجاجلة. وقال النبي ﷺ : لا يدخلها الطاعون ولا الدجال. وتوفي سنة ست عشرة ومائتين. مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان ابن يسار اليساري الهلالي، أبو مصعب ويقال أبو عبد الله، مولى ميمونة أم المؤمنين. كان جد أبيه سليمان مشهورًا مقدمًا في الفقه والعلم، وكان هو وإخوته عطاء وعبد الله وعبد الملك بنو يسار، مكاتبين لميمونة أم المؤمنين، أخذ عن جميعهم العلم، وولاؤهم لبني العباس وهبت ميمونة ولاءهم لعبد الله بن عباس. قال أبو عمر الصدفي

стр. 351

هذا وهم، أنا أنكره، إنما هي مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها. وقال فيه ابن حارث الأسلمي وقد ذكره إسماعيل بن إسحاق في مبسوطه، وروى الأسلمي عن مالك ولم يسمه. وقال محمد بن سعد: مطرف بن عبد الله بن يسار، وكان يسار مكاتبًا لرجل من أسلم فادعى عنه عبد الله بن أبي فريرة فعتق، فصار في دعوتهم، وهو ثقة. قال القاضي أبو الوليد الباجي: مطرف الفقيه صاحب مالك، هو ابن أخته، وكان مطرف أصم. روى عن مالك وان أبي الزناد وعبد الرحمان بن أبي المولى وعبد الله بن عمر العمري، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم بن المقدر والذهلي ويعقوب بن شيبة والبخاري، وخرج عنه في صحيحه. قال الشيرازي: تفقه بمالك، وعبد العزيز ابن الماجشون وابن أبي حازم وابن دينار وابن كنانة والمغيرة. قال ابن معين: مطرف ثقة. قال ابن وضاح: هو عنده ارجح من ابن أبي أويس. قال الكوفي هو ثقة. قال أحمد بن حنبل كانوا يقدمونه على أصحاب مالك. قال أبو حاتم: مطرف أحب إلي من إسماعيل بن أبي أويس، ومطرف صدوق، مضطرب. قيل لابن معين: مطرف مثل العقباني ومعن؟ قال: كلهم ثلاث. قال الزبير: قال مطرف: صحبت مالكًا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد. وكان يعيب كتابة العلم علينا. ويقول لم أدرك أحدًا من أهل بلدنا ولا كان ممن مضى يكتب. فقيل له فكيف نصنع؟ قال تحفظون كما حفظوا، وتعملون كما عملوا. حتى تنور قلوبكم فيغنيكم عن الكتابة. وقد كره عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذلك، وقال لا يكتب كتاب مع كتاب الله. قال ابن وضاح: رأيت سحنون لا يعجبه مطرف. قال أبو العرب: وامتحن مطرف في القرآن أيام المأمون

стр. 352

وقال البخاري: ولد ابن أبي خثيمة ومحمد بن سعيد، وقال في أولها. وقال الدارقطني: في صفر منها. وقال غيره: توفي سنة أربع عشرة، وقال ابن وضاح: سنة تسع عشرة. وقيل سنة بضع وثمانين. ابن الماجشون: عبد الملك بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة كنيته أبو مروان واسم أبي سلمة ميمون. قاله الألكاني. ويقال دينار، وقال الباجي: مولى بني تميم من قريش. ثم لآل المنكدر. والماجشون هو أبو سلمة فيما قاله الألكاني. وقال محمد بن سعد والدارقطني: هو يعقوب بن أبي سلمة، أخو عبد الله. قال الباجي: والماجشون المورد، بالفارسية. قال الدارقطني: سمي بذلك لحمرة في وجهه. وحكى ابن خلاد أن أحدهم يلقى الآخر يقول: شؤون، شؤون يعني كيف أنت. فلقبوا بذلك. وحكى ابن حارث: أن ماجشون موضع بخراسان نسبوا إليه، وكان عبد الملك فقيهًا فصيحًا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى موته، وعلى أبيه قبله فهو فقيه ابن فقيه. قال مصعب: عبد الملك مفتي أهل المدينة في زمانه. وكان ضرير البصر، ويقال عمي آخر عمره. وبيته بيت علم وخير بيت بالمدينة، وجده عبد الله يروي عن ابن عمر وغيره، خرج له مسلم. وأخو جده يعقوب بن أبي سلمة يروي عن ابن عمر أيضًا، وعمر بن عبد العزيز. خرج عنه مسلم أيضًا، ويوسف بن عبد العزيز أخو عبد الملك حدث عنه الزبير ابن بكار، ومنهم يوسف بن يعقوب بن عبد الله وأبي سلمة يروي عن ابن المنكدر الزهري، خرج عنه البخاري ومسلم، وروى عنه ابن حنبل وابن

стр. 353

المديني وغيرهما، وأخوه عبد العزيز بن يعقوب أبو الأصبغ يروري أيضًا عن ابن المنكدر مراسيل رواها عنه ابن حنبل. ثناء العلماء عليه وتعظيمهم له وفضله قال الشيرازي: تفقه بأبيه ومالك وابن أبي حازم وابن دينار، وابن كنانة والمغيرة وكان فصيحًا، روي أنه كان إذا ذاكر الشافعي لم يعرف الناس كثيرًا مما يقولون. لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية، وعبد الملك تأدب في خولة من كلب، بالبادية. قال يحيى بن أكثم القاضي: عبد الملك بحر لا تكدره الدلاء. قال عبد الملك: أتيت المنذر بن عد الله الجذامي وأنا حديث السن، فلما تحدثت وفهم عني بعض الفصاحة قال لي من أنت؟ فأخبرته. قال لي: اطلب العلم فإن معك حذاءك وسقاك. وقال ابن المعذل: كلما تذكرت أن التراب أكل لسان عبد الملك، صغرت في عيني الدنيا. وقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟ فقال: كان لسانه إذا تضايا أحسن من لساني إذا تحايا. قال ابن حارث: كان من الفقهاء المبرزين، وأثنى عليه سحنون وفضله، وقال: هممت أن أرحل إليه وأعرض عليه هذه الكتب، فما أجاز منها أجزت، وما رد، رددت. وأثنى عليه ابن حبيب كثيرًا، وكان يرفعه في الفهم على أكثر أصحاب مالك قال ابن المواز: كنت عنده بعد أن عمي، حتى جاءه كتاب أمير المؤمنين فسأله عن أشياء فلما قرأ القارئ عليه، قال حول الكتاب واكتب جوابه، وأملى عليه، ثم ختمه ودفعه إلى الرسول. وقال ابن شعبان: كتب إليه

стр. 354

المأمون بولاية القضاء، وكان قد عمي فامتنع من ذلك، وقيل له لو خرجت إلى العراق وعالجت بصرك فإن بها من يعالجه، وتنظر في ذلك، وكان بها غلام بتجارة خلط عليه فيها. فقال لا أفارق المدينة. وذكر أنه أوتي بقداح يقدح بصره فقال له: أنك تقيم كذا وكذا على ظهرك مستلقيًا فأبى، وقال ما كنت لألتمس ما جعل الله ثوابه الجنة بتعطيل فرض من الصلاة. قال ابن حارث وكانت له نفس أبية، كلمه يومًا مالك بكلمة خشنة فهجره عامًا كاملًا، وذكر أنه استقصى على مالك في الفقر بين مسألتين، فقال له مالك تعرف دار قدامة، وكانت دارًا يلعب فيها الأحداث بالحمام، وقيل بل عرض له بالسجن وكان العلماء يفضلونه في علم الأحباس. قال القاضي إسماعيل: عبد الملك عالم بقول مالك في الوقوف. وكان يقول بعد أن كف بصره هلم إلي سلوني عن معضلات المسائل. وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط بعض كلامه، ثم قال ما أجزل كلامه، وأعجب تفصيلاته، وأقل فضوله. وتفقه به خلق كثير، وأئمة جلة كأحمد بن المعذل وابن حبيب وسحنون. قال ابن أكثم القاضي ما رأيت مثل عبد الملك، أيما رجل لو كان مسائلون. وكان ممن سمع كتبه. كتب عنه أربعمائة جلد ومائتي جلد شك الرواي، أو كما قال. وقال النسائي: فقيه الأمصار من أصحاب مالك من أهل المدينة، عبد الملك بن الماجشون ولعبد الملك بن الماجشون كلام كثير في الفقه وغيره. قال ابن حارث وعلم كثير جدًا وله كتاب سماعاته وهي معروفة، وكتابه الذي ألفه آخرًا في الفقه يرويه عنه يحيى ابن حماد السجلماسي، ورسالة في الإيمان والقدر والرد على من قال بخلق القرآن والاستطاعة.

стр. 355

ذكر مذهبه فيما اختلف الناس فيه وإتباعه السنة قال أبو مصعب الزهري: القرآن ليس بمخلوق وهو مذهب عبد الملك بن الماجشون، وكتب سحنون إلى عبد الملك يذكر ما حدث عندهم من الكلام في التشبيه والقرآن، ويسأله الجواب عليه. وكتب إليه عبد الملك مرة: من عبد الله بن الماجشون إلى سحنون بن سعيد، سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، وفقنا الله وإياكم لطاعته، سألتني عن مسائل ليست من شأن أهل العلم والعمل بها جهل، فيكفيك من مضى من صدر هذه الأمة أنهم اتبعوا بإحسان ولم يخوضوا في شيء منها، وقد خلص الدين إلى العذراء في خذرها، فما قيل لها كيف ولا من أين؟ فاتبع لما اتبعوا وأعلم أنه العلم الأعظم الذي لا يشاء الرجل أن يتكلم في شيء من هذا، فيكب فيهوى في نار جهنم. وقال عبد الملك: لو أخذت المريسي لضربت عنقه. قال: وسمعت من أدركت من علمائنا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال القاضي رضي الله تعالى عنه. ذكرنا هذا كله وجلبناه من كتب الأئمة الثقات ردًا وإبطالًا حكاه الساجي، في علله من خلاق هذا العالم يصح عنه. ولم يعرف منه مما كان الأولى بعد تركه. ذكر ابن اللباد، أن يحيى بن أكثم القاضي كان مع عبد الملك على سريره. يعني وهما يتذاكران مذهب أهل العراق وأهل المدينة، ويتناظران في ذلك. فقال ابن أكثم: يا أبا مروان رحلنا إلى المدينة في العلم قاصدين فيه، وكنتم بالمدينة لا تعنون به، وليس من رجل قاصدًا فيه كمن كان فيه وتوانى. فقال عبد الملك: اللهم غفرًا، يا أبا محمد ادع لي أبا عمارة المؤذن
следующие страницы →