Полный текст (1 447 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الإهداء
إلى العالم الفاضل الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب
هدية اعتراف لرجل عاش خادمًا للعلم والمعرفة.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
يعتقد بعض المؤرخين أن أصل سكان افريقيا كنعانيون أجلاهم نبي الله موسى عن فلسطين. ويقول آخرون: إنهم من عنصرين سامي وحامي، امتزجا ونشأت منهما أمة وشعوب، لا حامية ولا سامية، بل وسط بينهما أو مزيج. وقد تتصل وتتفاعل هذه الشعوب بشعوب أخرى قريبة لها في أصولها. إذ يروي السلاوي أن حمير أبو القبائل اليمنية قد ملك المغرب مائة سنة، وكذلك القرطاجنيون عاشوا ثمانية قرون كاملة على السواحل الإفريقية، وهم ساميون من الشام قريبون في ساميتهم من العرب، هذه المجموعة من الأجناس تكون منها شعب شمال افريقيا، وما جاء الفتح الإسلامي حتى وجد أمما تمت إليه بنسب، وليست غريبة عنه غرابة الرومان أو الاغريق، وإن كانوا قد صمدوا في أول أمرهم للفتح العربي، إلا أنهم ما انفكوا أن اعتنقوا الدين الإسلامي وتكلموا العربية وصهروا في الجنس العربي، وكانوا أول الأمر موالي وجنوداً، وأخرى عرباً يستنكفون أن ينتسبوا لغير العرب إلى يومنا هذا.
في خلافة معاوية كان الفتح النهائي لإفريقيا على يد عقبة بن نافع الفهري في عشرة آلاف فارس عربي، وتأسست القيروان، وخرج عقبة منها، ثم
стр. 3
رجع إليها في عشرة آلاف أخرى أكثرهم من الأنصار، وتوالى المدد على إفريقيا من المشرق، وكثر عدد العرب النازحين إليها من اليمانيين والشاميين والأنصار، لاسيما في العهد الأموي من الناقمين على الدولة، أو من يحمل مبدأ يخالف مبادئ بني أمية، فكانت الصفرية والإباضية والأزارقة وبعض الأشراف من آل البيت، لاسيما بعد واقعة فخ، ينزحون إليها ويرون فيها مأمنا حصينا يختفون فيه بعيدين عن خصومهم، ويحاول كل منهم نشر مبادئه.
ومن عهد عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز ﵁، صارت إفريقيا إقليما عربيا خالصا، على اتصال متين بدمشق أكثر من أقاليم كثيرة أخرى كخراسان أو شرق الجزيرة العربية مثلا، لاسيما بعد إحداث الطريق البحري الذي أنشأه عبد الملك بين تونس والإسكندرية وطرطوس، وهو نفس الخط الذي كان مستعملا عند القرطاجنيين … هذه الروابط التاريخية والدينية والسياسية، صارت القيروان ولاية عربية صرفة ومركز انطلاق الفتوحات العربية للمغرب والأندلس، وجاء العصر العباسي واستقرت الدولة العربية، وانصرف الناس إلى النشاط العقلي، وكان هذا الوسط الإسلامي العربي بالقيروان وإفريقيا؛ إما عربي أو متعرب، وبما أن جلهم من اليمانيين أو الأنصار أو من الساميين، فلا غرابة أن يفتحوا صدورهم لمبادئ ناشئة من وسط عربي صميم تربطهم وإياه أواصر عدة. فكانوا في أول أمرهم أوزاعيين مع أهل الشام النازحين في العهد الأموي، وحنفيين مع الأغالبة. ولكن سرعان ما سمعوا أن إماما من أصل يمني من ذي أصبح، نزل أجداده المدينة قديما وأخذ عن التابعين، واشتهر بعلمه وتقواه وذكائه وورعه يعمل على إحياء السنة ويجلس الخلفاء والأمراء في حلقته ولا يمشي إليهم إلا مكرها، يرى أن أموال المسلمين ليست بحل للأمراء، ويجلس المهدي في حلقته ليقرأ عليه الموطأ وكذلك ابنه الرشيد وحفيداه الأمين والمأمون يهرعون إليه ليأخذوا عنه علم رسول الله ﷺ تبركا وفخرا. هذا الإمام هو: مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، فيسرع الناس إليه من إفريقية.
стр. 4
والأندلس للأخذ عنه ويعودون معجبين بعلم مالك ونقده للرجال وتحريه في الفتوى وذكائه في استنباط الأحكام من الأحاديث الشريفة وتقواه وخوفه من الله، مع ابتعاده عن ذوي السلطان، فيأخذ عنه علي بن زياد والبهلول ابن راشد والحارث بن أسد القفصي، وعبد الله بن فروخ، وعبد الله بن غانم وغيرهم من أندلسيين وإفريقيين آخرين، ثم يعودون ناشرين ما أخذوه عنه من فقه وحديث، وينتشر مذهبه ويكثر معجبوه وتشد له الرحال من الأندلس وإفريقيا للأخذ عنه، فينتشر مذهب مالك بالمغرب كله بما فيه الأندلس، ويتعصب تلاميذه لرأيه، ويقلدونه لا في آرائه فقط، بل في ملبسه وما كله ومشربه. وصار الذي يسعفه الحظ بعد أن يأخذ عن تلاميذ مالك يلتحق به ليأخذ عنه مباشرة، فيعلو نجمه ويصير في عداد من رأى الإمام وأخذ عنه مباشرة. ومن كان على غير رأي الإمام فهو صاحب رأي أو هوى، ضعيف العلم رقيق الدين، ربما لمز بانتسابه لمذهب آخر كان يقال عنه العراقي مثلاً، أي من أصحاب الرأي والحيل، العاملين في ركاب الملوك، المقربين لذوي السلطان، ولم يكن مالك ولا أصحابه في هذا من شيء. فيزداد إعجاب المنتسبين إلى آرائه ويصير في نظرهم أن المسلم لا يكون مسلماً حقاً إلا إذا كان مذهبه مذهب أهل المدينة، معدن الاسلام ومرقد الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وقد أدرك بعض الأذكياء من فقهاء القيروان وهو أسد بن الفرات هذا الميل الكلي الى مذهب مالك عند الناس، فأراد ان يوفق بين الرأيين ويجمع بين المذهبين، فسافر الى مالك وأخذ عنه، ثم الى بغداد وأخذ عن كبار أصحاب أبي حنيفة، وعاد وفي كتابه الأسدية شيء من المذهبين، لكن فقهاء القيروان رأوا أن الفقه المالكي الأصيل أعلق بنفوسهم، فلم يأخذوا عن أسد إلا القليل الموافق لمذهب مالك وتركوا ما سواه. ولما جاءهم سحنون بمدونته نبذوا الأسدية وتعلقوا بالمدونة واعتبروها القانون الشامل لمدرسة مالك بن أنس الأصيلة. وعندها كثرت الرحلات الى المشرق
стр. 5
بحثاً عن آثار مالك في مصر والمدينة والعراق والشام. وكان الولاة من عرب المشرق يعتمدون على فقهاء الحنفية في إدارتهم وأحكامهم، والمالكية يرون في أصحاب أبي حنيفة أنهم صنائع سلطان أكثر منهم فقهاء دين. فتصدوا لهم بالنقد اللاذع والاستنقاص في العلم والمروءة والدين. إلا أن رد الفعل عند الحنفية والولاة كان كبيراً فكثيراً ما تعرض أصحاب مالك في إفريقية إلى اضطهادات الأمراء، ولا شك أن ذلك كان برضا إن لم يكن بايعاز فقهائهم، وأدرك الرشيد أن المالكية تمكنت من نفوس الناس، وأنه لا قرار لإدارتهم ما لم يحظوا برضاهم، فأوصى الرشيد (وأظنه بإشارة من أبي يوسف القاضي) إبراهيم بن الأغلب عامله، أن يتخذ قاضيه من الفقهاء أصحاب مالك، بل عينه له تسمية، وكان عبد الله بن غانم القاضي تلميذ مالك وأحد كبار فقهاء القيروان. وكان من هذا أن اشترط في قبوله لمنصب القضاء أن لا يراعي في أحكامه اعتبارات القضاة السالفين، وأن الرعية عنده سواء أمام الشرع لا فرق في ذلك بين أميرها وخادمه وبين راعيها، فقبل الوالي شروطه على مضض وكان يحتمل منه هذه المثالية مكرهاً، نظراً إلى أن القاضي كانت تسميته من بغداد. ويوم مات ابن غانم وكان خال الوالي يبكيه، التفت ابن الأغلب إلى خاله الذي كان صديقاً للقاضي وقال له ما معناه: إنه لم يكن لنا معه دولة وما صارت لنا إلا اليوم. وكذلك كان سحنون فإن من شرائط توليه القضاء أن الأمير محمد بن الأغلب أعطاه كل ما طلب وأطلق يده في كل ما رغب حتى أهل بيته وقرابته وأعوانهم، الذين كانت للناس قبلهم ظلامات وأموال منذ زمان طويل، ولم يجرؤ عليهم من كان قبله. ولم يكن أتباع مالك من فقهاء القيروان يتمسحون بأعتاب الأمراء أو يقبلون هداياهم ولا ليلبوا رغباتهم إن أبدوها في رخصة أو فتوى ولا ليحضروا مجالسهم ولا أسمارهم أو أعيادهم. هذا السلوك المثالي من هؤلاء العلماء جعلهم في أعين الناس أقواماً صالحين وعلماء زهاداً ومعارضين باسم الدين لكل متجبر وجائر. وقد استمرت هذه
стр. 6
المثالية في النفوس زمناً طويلاً، وصارت عند بعض الصوفية من مالكية المغرب، فان الصوفي عندهم هو ذاك الذي امتاز عن غيره في تعلقه بالله جسماً وروحاً مع معرفة بالسنة واعتزاز بها، غير ناس لنصيبه من الدنيا أو داع لطريقة من الطرق أو مدرسة من المدارس. وحتى من تفلسف من علماء المالكية فانه لا يشذ عن قاعدة السنية فضلاً عمن تصوف، كما نجده في سير البهلول بن راشد والحارث بن أسد القفصي وأبي عثمان سعيد بن سلام المغربي، وأبي يوسف يعقوب بن ثابت الدهماني فيما بعد، وابن رشد في الفلاسفة. فكلهم سني مالكي لم يشذ بآرائه الصوفية شذوذ الحلاج وابن سبعين وابن عربي وابن الفارض وأضرابهم. ولما جاءت محنة القول بخلق القرآن لم يجاور المالكية بني الأغلب في قالتهم المملاة عليهم من خلفاء بغداد، فقال بقولهم أكثر الحنفية هنا ورفض المالكية رأيهم هذا، فنال بعضهم ما نال إخوانهم في المشرق من الضرب والتعذيب والسجن، وتجاهر المالكية بالعداء لبني الأغلب من جهة، وللحنفية من جهة أخرى، حتى صار من تحضره الوفاة من المالكية يوصي بأن يكتب على قبره: هذا قبر فلان بن فلان كان يشهد أن لا إله الا الله وأن محمداً رسول الله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، معتبراً بوصيته هذه متحدياً للاعتزال جهاراً في حياته وبعد موته. وموقف بني الأغلب من المالكية، هو الذي جعلهم يتقاعسون عن نصرتهم عندما أخذت دعوة بني عبيد تظهر بالمغرب، وقد أخطأ أتباع مالك هنا، إذ بعملهم هذا ساعدوا على إنشاء دولة من عقيدتها اعتبارهم كفاراً، وقتل أهل السنة مما يتعبد به عندها. فعندما جاء العبيديون ونصبوا أنفسهم خلفاء وأخذوا يدرسون أصول مذهبهم الباطني بالقيروان، كان علماء المالكية ينظرون اليهم شزراً أول الأمر، ثم تطورت البغضاء بين الطائفتين، فكانت طائفة الشيعة يساندها السلطان والسيف، والمالكية ومعها الشعب بأسره. ولما استقر الأمر لعبيد الله منع المالكية من الإفتاء والتدريس وحمل الناس على العمل ليلا والنوم نهاراً في شهر رمضان، كما فعل الحاكم من بعده في
стр. 7
مصر، وأمر بسب أبي بكر وعمر وعثمان وأم المؤمنين عائشة وأبي هريرة وكثير من أصحاب الرسول ﷺ ، وعمد إلى حماقات لا تليق بعامل فضلا عمن يدعي الخلافة. وذلك بأن أمر جنوده بتعليق رؤوس حيوانات من خرفان وماعز وبقر الخ … على دكاكين القيروانيين ليلا وكتب تحت كل رأس، اسم صحابي. بهذا التصرف الأهوج أنشأ عبيد الله خصوماً ألداء كانوا سبب فوضى دولته وعدم استقرارها وطردها الى المشرق ثم القضاء عليها فيما بعد، ففي أول صلاة جمعة بجامع عقبة حسب المذهب الباطني قام أحد الشيوخ وترك الجامع عندما سمع الإمام يلعن بعض الصحابة، وبخروجه من الجامع حدثت فوضى وسط المصلين فغادر كثيرون معه المسجد، وصار من يشهد الجمعة وراء إمام الباطنية يعتبر كافراً … وقد اعتمد الباطنية أول أمرهم على فقهاء حنفية ولكنهم لم يركنوا البتة إلى أصحاب مالك، كما أن هؤلاء رفضوا حتى السلام عليهم ومقابلتهم، وبهذا قام عبيد الله بجملات اضطهادية واسعة في صفوف علماء المالكية من قتل وتعذيب واستصفاء أملاك. وحدثت حادثة أخرى، هي أن عبيد الله طلب من مؤذن مالكي أن يؤذن حسب مذهبه الذي هو مذهب الدولة الرسمي، وذلك بأن يزيد بعد الشهادتين شهادة ثالثة بولاية علي ﵁، فرفض المؤذن طلبه، فقطع لسانه وطيف به في القيروان ثم قتله. إزاء هذا التصرف من العبيديين كان المالكية علماء وشعباً يصبون لعناتهم صباً على عبيد الله، ولفقوا له شجرة توصله لا إلى فاطمة ﵍ كما يدعي هو، بل إلى أمة أعجمية وأب يهودي من بغداد. وطال الصراع بين الباطنية والمالكية، وكانت السلطة كلما عثرت على من يقول بما لا يرضي الحاكمين صلبته وأنزلت به أنواع العذاب والتنكيل، فكان الشعب يروي كرامات عن هؤلاء الشهداء أثناء موتهم وبعده، ويقال أن صليباً لأحد الشهداء أشع نوراً كامل ليلته.
إزاء هذا الظلم النازل بأهل القيروان وهذه الإهانة النازلة بالدولة، كانت الشقة تتسع يوماً بعد يوم، فكر العبيدي إذاك في مغادرة القيروان وبناء.
стр. 8
مدينة خاصة له ولأتباعه. وكانت المهدية، ففر إليها تاركاً القيروان الخصومه المالكية. وإن كان أتباع مالك معارضين في العهد الأغلبي إلا أنهم في هذا العهد أصبحوا مجاهدين صامدين لدخلاء العقيدة هؤلاء.
يقول علماء التربية: كل حركة تقاوم تزداد عنفاً، وكانت المالكية، في أعنف مظاهرها وأشد صمودها مع بني عبيد بافريقيا رغم ما نال أتباعها من قتل وتعذيب، وإذا كان أهل القيروان ينظرون الى من يدين بالاعتزال على أنه كافر، ويقولون: فلان تمعزل، فما بالك بمن يقسم بحق عالم الغيب والشهادة مولانا الذي برقادة. فهو في نظرهم ولا شك «ألعن من أن يذكر».
ولما جاءت ثورة أبي يزيد الخارجي، انضم إليها فقهاء القيروان أول الأمر، على قاعدة الخوارج أنفسهم: (لا حباً في علي، بل بغضاً في معاوية). وكانوا يفتون بوجوب الجهاد تحت رايته، ولم يكونوا واثقين تمام الوثوق من (صاحب الحمار) في مباديه ولكن البغض لبني عبيد الله هو الذي حملهم على اختياره عليهم …
وما أظن أن مساندة عبد الرحمن الناصر خليفة قرطبة وهو مالكي لأبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي، إلا مجاراة منه للمالكية بافريقيا. وكاد الثائر ان يظفر ببغيته لولا الفوضى التي سادت في جيشه اللانظامي النهاب، ولقد حاصر المهدية وأطال حصارها، ولكن النجاح كان حليف بني عبيد، ورأى المالكية ان لا خير ينتظر من هذا الثائر الفوضوي، فانصرفوا عنه وفر بعدها هائماً على وجهه هو ومن معه من بقية أنصاره الى ان مات من جراء جروح أصابته في بعض معاركه العديدة.
ولما انتقل بنو عبيد الى مصر والمشرق وتركوا على افريقيا عمالهم من أبناء زيرى بن مناد الصنهاجي، الذين أقاموا ولايتهم بالمهدية، عمل فقهاء المالكية بافريقيا على استقلال بلادهم عن مركز الخلافة العبيدية، وما ان جاء المعز الصنهاجي حتى اقنعوه باعلان استقلاله عن هذا الخليفة الوهمي،
стр. 9
وأصبحت الدولة مالكية صرفة، وانتقم أصحابها من بقية من كان يتهم بالتشيع للباطنية وقتل بكل سني باطني. حاول العبيديون أول أمرهم بالمشرق أن يغضوا طرفهم عن أتباع مالك، وتركوهم وشأنهم أول الأمر إلى أن جاء الحاكم بأمره فتتبع المالكية وقتل منهم قاضيين ودخلوا في أزمة جديدة مع بني عبيد، حتى جاء الطرطوشي الذي لاقى منهم مضايقات أول أمره، ثم فرج عنه، فعمل بجد على إحياء المذهب ثانية، وبمجيء السلاجقة كان انتصار المذاهب السنية بالمشرق عاماً على الباطنية، ولم يسجل التاريخ مقاومة للبدع مثل ما سجل للمذهب المالكي مع الخوارج والشيعة الباطنية والمعتزلة، اللهم إلا ما قام به بعض الحنابلة في محنة القول بخلق القرآن وما كابده شيخ الاسلام ابن تيمية في مقاومته لبدع الطرقية في عصره.
ولما استقرت الدولة الصنهاجية أو دولة بني زيرى، متحالفة مع المالكية ازدهرت الحياة الفكرية واتسع نفوذ المذهب وكثرت حلقات العلم والمعرفة في شتى الفنون، وجددت القيروان عصرها في ربط صلتها بالمشرق والمغرب، وخرج طلاب العلم منها الى المشرق والمغرب معلمين ومتعلمين كما كانوا قبل.
وكان ابن أبي زيد قد جدد وأحيا مدرسة سحنون وكثر طلابه والمعجبون به. واشتهر علماء كثيرون في هذا العهد منهم الفقهاء والمتكلمون، كابن أبي زيد وأبي الحسن القابسي وأبي عثمان سعيد بن محمد الحداد. ولم يكن الوسط الافريقي مقصوراً على الفقهاء بل كان الأدب في أوجه، وكانت حياة عملية مزدهرة بالأوساط الافريقية، من أدب ولغة وصناعة ومجالس لهو وطرب ووجوه الحياة البشرية بجانب الوعظ ودراسة الشريعة، أو قل بالجانب الروحي من الحياة اليومية، فهو عصر محمد بن عبد الله الأموي وعبد الرزاق بن علي النحويين وابن الزنجي الكاتب الشاعر، وعلي بن عبد الغني الحصري، وأبي إسحاق الحصري الشاعرين، وإسحاق بن سليمان الاسرائيلي الطبيب، وتلميذه احمد بن ابراهيم ابن الجزار، والمازري وعلي بن احمد بن الماعز في آخرين.
وفي هذا العصر جاءت الأشعرية الى المغرب عن طريق القيروان طبعاً.
стр. 10
وكثرت الرحلات العلمية إلى بغداد والشام ومكة والمدينة من المغرب والأندلس، كما نزح بعض أهل المشرق إلى القيروان والأندلس بعد ما قرفوا من ضعف الخلافة العباسية وتقسيمها إلى دويلات وكثرة الانتفاضات المذهبية. أقول، نزحوا باحثين عن الاستقرار في بلد إسلامي ليس فيه إلا دين واحد، ومذهب واحد، وعقيدة واحدة. فكان من كبار الأشاعرة النازحين إلى المغرب أبو عبد الله الحسين بن حاتم الأزدي، تلميذ القاضي الباقلاني، وعبد الوهاب بن نصر البغدادي الذي كان عازماً على الالتحاق بالأندلس ومات في طريقه بالقاهرة. والتحق الكثيرون بصقلية من أدباء وأطباء ورياضيين.
وكانت المراسلات بين علماء طرفي العالم الإسلامي بغداد والقيروان توضح أن "كلا البلدين كان على علم بما يجد عند الآخر في ميدان الفكر"، من ذلك ما رواه ابن عساكر في تبيين كذب الفتوى، أن علي بن أحمد ابن إسماعيل المعتزلي البغدادي كتب إلى ابن أبي زيد القيرواني يدعوه إلى اتباع آرائه، ورد ابن أبي زيد على طلبه هذا، برد يعتبر خلاصة للعقيدة الأشعرية بالمغرب، والذي صار مقدمة لكتابه الرسالة، وانتشرت العقيدة الأشعرية بافريقيا بسرعة انتشار المذهب المالكي … بقي أن نتساءل لماذا انتشرت العقيدة الأشعرية بهذه السرعة وفي حياة صاحبها كما وقع ذلك بالنسبة لمذهب مالك وفي حياته؟
يبدو أن الأصل العربي اليمني قد لعب دوراً مهماً في انتشار المذهب والعقيدة الأشعرية. إذ كلاهما من أصل عربي يمني، وأن الغالب على سكان إفريقيا الأول هم من ذلك الأصل، ثم ان مالكية الباقلاني، هي التي جعلت الأشعرية تجد هذا القبول في هذا الوسط المالكي، ولئن اختلف في مذهب الأشعري، وإن كان لا يبعد أن يكون مالكياً في فروعه فإن الاتفاق مجمع على أن "الباقلاني مالكي" مع خلاف بسيط لا يعتد به عند المالكية. وكذلك كره المالكية للعبيديين جعلهم يتقبلون كل علم جديد يأتيهم من
стр. 11
المشرق، لاسيما اذا كان من وسط مالكي … ولما وصل الحسين بن حاتم الأزدي تلميذ الباقلاني الى القيروان، وجد أهل القيروان على اطلاع ومعرفة بعقيدة الأشعري، فقد سافر أبو الحسن القابسي الى المشرق وعاش به خمس سنوات بعد موت الأشعري بثلاثين سنة، ولما كان الحامل للعقيدة الأشعرية أحد كبار مالكية القيروان، أعني القابسي وكان كبير معلميها الباقلاني، انتشرت الأشعرية بكامل المغرب والاندلس وصقلية، على أيدي القابسي والبغدادي وأبي ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي، وبالاندلس على يد العالم المشهور الأصيلي، واشتهر بعض علماء المغرب بها في المشرق، من ذلك ما رواه السبكي في طبقاته (ج ٥ - ٢٤٥) أن أبا عبيد الله محمد بن أبي بكر عتيق السوسي الأصل القيرواني المولد سافر الى بغداد وكان علامة زمانه في فن الكلام، واسندت له وظيفة التدريس بنظامية بغداد، وهناك لمع نجمه ونال احترام علماء مدينة الرشيد حيث أدى رسالته كأشعري، ودفن بجانب أبي الحسن الأشعري. (ياقوت، بلدان. قيروان - وابن تغري بردي، نجوم، ط القاهرة ج ٥، ص ٢١٧) … هكذا كانت المالكية جزءاً لا يتجزأ من شخصية الفرد المغربي في كامل عصوره، وكان كذلك أشعرياً (إذ لا تجد مالكياً غير أشعري) وكان خلاصة هذه التجربة الطويلة أن أنشئت دولة المرابطين العريقة في مالكيتها؛ إلا أن التطرق في مذهبيتها جعل حركتها ثقيلة بعض الشيء، الأمر الذي سبب رد فعل عند أحد مجددي العصر، إلى القيام بحركة تجديدية سرت الى أعماق نفوس كثيرة، وبنيت على أسسها دولة الموحدين التي لم تكن مالكية ولم تناصب العداء جهاراً لأتباع مذهب مالك، بل كانت حركة تجديدية عملت في تكوينها عناصر سنية متعددة، ففيها من التصوف وفيها من الأشعرية مع ميل الى الشافعية والظاهرية، وكان الموطأ عمدة فقهائها، وان كانوا لا يميلون الى اتباعه. في هذه التجربة التي عاشها المذهب المالكي في نفوس أتباعه نلاحظ أن من تصوف من المالكية أو من تفلسف فانه لا يشذ عن قاعدة السنية
стр. 12
كما قلنا، فلا نكاد نعثر على متصوف مالكي دان بوحدة الوجود مثلاً أو سجلت عليه شطحات يشم منها رائحة الزيغ أو الحلول، فكانت متانة الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية تبعدان معتنقيهما عن الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه كثير من المتصوفة أو الفلاسفة. ولا غرو إن وجد من يعتز بهذا المذهب من المغاربة ويكتب فيه المجلدات الضخمة باحثاً عن حياة الإمام في نشأته وتكوينه ومأكله وملبسه وجميع نواحي حياته، ثم عن أتباعه وانتشار مذهبه شرقاً وغرباً، وكان في الواقع خلاصة التاريخ المالكي في المغرب والمشرق، وهذه الشخصية المالكية الفذة، هي شخصية القاضي عياض.
стр. 13
القاضي عياض حياته، آثاره
هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون، بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، واليحصبي، نسبة الى يحصب بن مدرك بن حمير، نزح أجداده إلى إفريقيا ونزلوا القيروان، وذهب بعضهم إلى الأندلس، واستقروا بجهة بسطة ثم نزلوا الى فاس وسبتة بالمغرب. ولد عياض بسبتة سنة ٤٧٦ وتوفي سنة ٥٤٤ - ١١٤٩. تعلم في صباه بسبتة على القاضي أبي عبد الله بن عيسى، والفقيه أبي إسحاق بن الفاسي، ثم رحل الى الأندلس سنة ٥٠٧ وأخذ عن أعلامها كابن عتاب وابن الحاج وأبي الوليد بن رشد، وأبي الحسين بن سراج وأبي القاسم بن النحاس، وابن السيد عبد الله بن محمد البطليوسي. وبالمشرق عن أبي علي الصدفي، وكان لما رحل إليه عياض وجده قد اختفى لنبذه خطة القضاء من غير أن يعفى، ووجد الرحالين إليه قد نفذت نفقات بعضهم، ومنهم من ابتدأ كتاباً لم يتمه، فأخذ أكثرهم في الرجوع الى مواطنهم وتربص بعضهم، فمكث عياض شهرين لا يقع له على خبر سوى الظن بكونه هناك. وقابل أثناء انتظاره هذا، ما كان قد بلغه من كتبه بأصولها، وكتب منها ما أراد على يد خاصة من أهله، ولا يبعد أن يكون ذلك بأمره. ولقد شافهه بعد خروجه بما معناه: إنه لو طال تغيبه لأشعره بالترحال إلى موضع لا يوجد به، لكونه الاختيار عليه
стр. 14
فيجد ما يرغب فيه من سماعاته حتى يبلغ غرضه لما وقع في نفسه من اخفاق رغبته وتعطيل رحلته فشكره على ذلك، وسمع عليه الصحيحين والمؤتلف والمختلف، ومشتبه النسبة لعبد الغني بن سعيد الأزدي القدمي المتوفى سنة ٤٠٩ وكتاب الشهاب في المواعظ والآداب في علم الحديث للقضاعي المصري المتوفى سنة ٤٥٤، وأجاز له جميع مروياته، ولقي في رحلته هذه أعلام الأندلس المهاجرين إلى المشرق فاجازوا له تأليفهم ومروياتهم، وكذلك علماء المشرق فكان منهم: أبو علي الغساني، وأبو عبد الله الخولاني، وأبو بكر الطرطوشي وأبو الطاهر السلفي. ثم عاد إلى سبتة وجلس للتدريس، وكتب إليه أثناءها من المشرق أبو نصر النهاوندي يستجيزه، وأبو عبد الله المازري من المهدية أيضاً، وكتب هو يستجيز الزمخشري وقد انقطع إلى العبادة وترك الدنيا فرفض أن يجيزه، فقال الحمد لله الذي لم يجعل لصاحب بدعة علي يداً. وفي سنة ٥١٥ ولي قضاء سبتة، فسار فيها أحسن سيرة، محمود الطريقة، مشكور الحالة، أقام الحدود على ضروبها واختلاف أنواعها، وأنشأ رباطاً للعباد في جبل المنيا، كما زاد في بناء جامع سبتة، وطار صيته فاستدعاه تاشفين إلى غرناطة واسند له قضاءها، فسار فيها أحسن سيرة لا تأخذه في الحكم بالعدل لومة لائم، وضرب على أيدي العابثين من المقربين إلى السلطان، فاشتكوا منه إلى تاشفين، وكثر المتذمرون عنده ممن أصيبوا في نفوذهم من أهل الباطل، فضاق به ذرعاً وأقاله من منصبه، فرجع إلى سبتة وتولى قضاءها ثانية، وذلك سنة ٥٣٩، فسار سيرته المعهودة، وفرح به أهل بلده وبعد صيته، وقصده كثير من طلبة العلم يأخذون عنه سواء عندما كان بالأندلس أو عندما رجع إلى سبتة، ومن أشهر تلاميذه الاندلسيين أبو جعفر احمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي. قال ابن بشكوال في الصلة: قدم الأندلس طالباً للعلم، فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين وأبي الحسين بن سراج بن عبد الملك ابن سراج، وعن شيخنا أبي محمد بن عتاب وغيرهم، واجاز له أبو علي
стр. 15
الغساني ما رواه، وأخذ عن القاضي أبي علي حسين بن محمد الصدفي وعن غيره، وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيراً، وله عناية كبيرة به، واهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة والفهم. واستقضي ببلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها الى قضاء غرناطه فلم يطل أمده بها، وقدم علينا قرطبة في ربيع الآخر سنة احدى وثلاثين وخمسمائة فأخذنا عنه بعض ما عنده.
ثم كتب إلى القاضي أبو الفضل بخطه، يذكر أنه ولد في منتصف شعبان من سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفى ﵀ بمراكش مغرباً عن وطنه وسط سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ (١): الحافظ عالم المغرب، صنف التصانيف التي سارت بها الركبان.
وقال ابن الآبار في معجم أصحاب الصدفي: وكان لا يدرك شأوه ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث وتقييد الآثار وخدمة العلم مع حسن التفنن والتصرف الكامل في فهم معانيه الى اضطلاعه بالأدب وتحققه بالنظم والنثر ومهارته بالفقه، وبالجملة فكان جمال العصر ومعجز الافق وينبوع المعرفة ومعدن الافادة، واذا عدت رجالات المغرب فضلاً عن الاندلس حسن فيهم صدراً.
وقال أبو عبد الله محمد الأمين الصحراوي نزيل مراكش في كتابه المجد الطارف والتالد: مقام عياض مثل مقام البخاري والأئمة الأربعة، فهم حملة الشريعة وعلومهم التي يبثونها في صدور الرجال بالتلقين والتأليف … دبوا عن الشريعة بسيوف علومهم فبقيت علومهم خالدة تالدة الى الأبد، وكم من ولي الله كان معهم وبعدهم بكثير، كان لهم تلاميذ وأوراد وانقطعت تلك الأوراد وباد المريدون بمرور الازمان، وأئمة العلم لا زالوا بعلومهم كأنهم أحياء، وكل من استفاد مسألة علمية فهم أشياخه الى يوم القيامة.
_________
(١) النشرة الثالثة ج ٤، ١٣٠٤.
стр. 16
وانظروا الى عياض، فلا تأليف معتبراً من تواليف أهل الحديث ولا أصحاب السير والفقهاء إلا وجدته مشحوناً بكلامه … ولا يضر منصبه كون صاحب التشوف (١) لم يذكره في رجال التصوف مع أنه أقدم وفاة من جميع من ذكر فيه، ووجه العذر أنه التزم فيه ذكر الزهاد دون العباد، أي الذين انقطعوا لذلك. وقال ابن صعد في النجم الثاقب: كان عمدة أولياء الله في البلاد المغربية، وممن أجمع على فضله وعلمه علماء الفقه وأكابر الصوفية. وقال ابن العماد (٢) فيه: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى ابن عياض العلامة اليحصبي السبتي المالكي الحافظ، أحد الاعلام، ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وأجاز له أبو علي الغساني وأبو محمد بن عتاب وطبقتهما، ولي قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة وصنف التصانيف البديعة وسمع من أبي علي بن سكرة وغيره، ومن مصنفاته الشفاء الذي لم يسبق الى مثله، ومنها مشارق الانوار في غريب الصحيحين والموطأ، وكان امام وقته في علوم شتى مفرطاً في الذكاء.
وبالجملة فانه كان عديم النظير حسنة من حسنات الايام، شديد التعصب للسنة والتمسك بها، حتى أمر باحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها.
وقد ترجم له الشيخ قاسم النواوري في سمط اللآليء (٣): ترجمة جامعة وافية تختصر منها ما يلي: هو ابو الفضل عياض بن موسى بن عياض … استقر اجداده في القديم بالاندلس جهة بسطة. ثم انتقلوا الى مدينة فاس ثم الى سبتة، نقلته من خط ابنه الفقيه ابو عبد الله محمد بن عياض. توفى عياض ﵀ ليلة الجمعة نصف الليل التاسعة من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ودفن بمراكش في باب ايلان من داخل السور رحمة الله.
_________
(١) الكلاباذي.
(٢) شذرات الذهب ج ٤ ص ١٣٨ ط القاهرة ١٣٥٠.
(٣) ورقة ١٠ وما بعدها مخطوط الأحمدية تونس.
стр. 17
ومغفرته عليه. قال في بديعة البيان لليحصبي، بعد ذكر نسبه: كان حافظاً علامة مفيداً للطلاب متفنناً للعلوم كالحديث والفقه والنحو واللغة والآداب وأيام العرب والمعاني والبيان والتواريخ والأنساب. ومن مصنفاته: كتاب الشفا، وترتيب المدارك في أربع مجلدات كبار وكتاب جامع التواريخ وكتاب مشارق الأنوار. والإكمال في شرح كتاب مسلم.
ويذكر صاحب السمط أن عبد الوهاب الشعراني ترجم للقاضي عياض في كتابه لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، قال وأحرقوا كتاب الإحياء بالأندلس. ثم نصره الله عليهم وكتبوه بماء الذهب … وكان من جملة من أنكر على الغزالي وأفتى بتحريق كتابه: القاضي عياض، فمات فجأة في الحمام يوم الدعاء عليه.
وقيل، إن المهدي هو الذي أمر بقتله في الحمام بعد أن ادعى عليه أهل بلده أنه لا يخرج يوم السبت. وقيل قتله لأجل دعوة الغزالي.
ويرد على هذا الرأي الشيخ مرتضى في شرحه على الإحياء (١) بقوله: وعندي في قوله (أي الشعراني) توقف. فإن القاضي مات في رمضان أو في جمادى الآخرة سنة ٥٤٤. مع أن الإمام الغزالي توفي سنة ٥٠٥.
وفي كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس، في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس لأبي محمد صالح بن عبد الحليم في وقائع ثلاث وأربعين وخمسمائة. فثار أهل سبتة على الموحدين بعد أن بايعوهم ومكنوهم من المدينة، وكان قيامهم عليهم، بدأ في قاضيهم عياض بن موسى فقاتلوا من بها من الموحدين وعمالهم، وحرقوهم بالنار، وركب عياض البحر إلى ابن غانية بالبيعة وطلب منه والياً، فأرسل معه الصحراوي فدخلها وأقام بها والياً، فلما سمعت بنو غواطة بخروج عبد المؤمن إليهم كتبوا إلى الصحراوي والي
_________
(١) شرح الإحياء لمرتضى ١ - ص ٢٧ مصر ط حجرية بدون تاريخ. ثم يزيد: إن الذي كان يقع في كتاب الإحياء إنما هو الشيخ الصوفي ابن حرزهم.
стр. 18
سبتة ينتصرون به، فأتاهم فبايعوه واجتمعوا عليه، وقاتلوا عبد المؤمن وهزموه، ثم كانت له الكرة عليهم، وهرب الصحراوي ثم أرسل يطلب الأمان من عبد المؤمن، فأمنه، فأتاه وبايعه وحسنت طاعته. فلما رأى ذلك أهل سبتة سقط في أيديهم وندموا على صنعهم وكتبوا ببيعتهم إلى عبد المؤمن فأتاه بها أشياخ المدينة وطلبتها تائبين فعفا عنهم، وأمر القاضي عياض بسكنى مراكش وأمر بهدم سور مدينة سبتة، فهدم. واجتمع القاضي ليلة بعبد المؤمن فوجده قد تغير عليه فاستعطفه بالمنظوم والمنثور حتى رق له، وعفا عنه، فلازم مجلسه إلى أن رده إلى حضرة مراكش بعد انصرافه عن القضاء (أي بمراكش) واحتال عبد المؤمن لقتله بعد أن ادعى عليه باليهودية، وأنه لا يخرج للناس يوم السبت لاشتغاله بإعداد كتاب الشفاء وقد قتله خنقاً في الحمام يوم الجمعة السابع من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ورمي به في مكان ينزه قدره عنه، واستخرجه ابن البنا بعد أربعين سنة فوجده لم يتغير كفنه ولا جسده ودفنه في المكان المعروف بباب إيلان داخل السور بمراكش.
ولكن القاضي كان معروفاً بميله للدولة المرابطية وهو الذي قاد الثورة على الموحدين في سبتة كما مر، فلا يبعد أن يكون هذان العاملان هما اللذان سببا قتله. وما ادعي عليه باليهودية فهي أقوال الغوغاء العاملة في ركاب الموحدين إذاك، وكما قالوا: إن الملوك إذا حقدن فإن غوائلهم لا تؤمن.
وقد خلف القاضي عائلة علمية من أبنائه وأحفاده منهم: ابنه محمد وابنه عياض بن محمد وابنه محمد بن عياض بن محمد ابن القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي. ترجم لهم ابن فرحون وكانت لهم مكانة علمية مرموقة إلا أن سمعة أبيهم عياض قد أحجبتهم ولم يصلوا في الواقع إلى ما وصل إليه أبوهم (١).
_________
(١) الديباج ١٧٢، ٢٨٩ والشجرة الزكية للقاضي مخلوف ص ١٥٩ - ١٧٩.
стр. 19
مؤلفات عياض:
كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى. وهو كتاب جليل في سيرة الرسول ﷺ والتنويه بشخصه الكريم وخلقه العالية وسيرته المثلى. جمع فيه أخباره الشريفة مقارناً بين شخصيته الكريمة وشخصيات إخوانه الأنبياء، صلى الله عليهم جميعاً وسلم. مستقصياً أخبارهم مظهراً ميزته بين ولد آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة والأخبار.
عليه شروح كثيرة منها: شرح عبد الباقي بن عبد المجيد القرشي اليمني المتوفى سنة ٧٤٣، وشمس الدين الحجازي المتوفى سنة ٨٥٠ - ١٤٤٦، والشمني القاهري المتوفى سنة ٨٧٢ - ١٤٦٧، ومحمد بن أبي الشريف الحسني التلمساني، والقاري الهروي المتوفى سنة ١٠١٤ - ١٦٠٥، وعبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ - ١٦٢٢، وخليل السبكي المتوفى سنة ١٠٣٧ - ١٦٢٧، والخفاجي المتوفى سنة ١٠٦٩ - ١٦٥٨، وابن حسين بن رسلان الروميلي. طبع بمصر سنة ١٢٧٦ هـ مطبعة حجرية وبهامشه المدد الفياض وهو شرح عليه للشيخ حسن العدوي الحمزاوي، وفي أوله مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا الجلال الدين السيوطي. طبع بالآستانة، حجرية بمطبعة خليل أفندي سنة ١٢٩٠ في جزء واحد، بالمطبعة العثمانية سنة ١٣١٢ في جزأين، وبفاس سنة ١٣٠٥ و ١٣١٣.
ومن كتب عياض المشهورة كتاب مشارق الأنوار على صحيح الآثار في تفسير غريب حديث الموطأ والبخاري ومسلم. التزم فيه ضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال طبع الجزء الأول منه بفاس سنة ١٣٢٨. بعناية المرحوم السلطان عبد الحفيظ، وبمطبعة السعادة سنة ١٣٣٢ في ٣٦٠ صفحة وطبع الجزء الثاني سنة ١٣٣٣.
وكتاب بغية الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد توجد منه نسخة ببرلين تحت رقم ١٥٦٧/ ٨ حسب بروكلمان. وكتاب الإعلام في حدود الأحكام. وكتاب الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع - سماه حاجي
стр. 20
خليفة: الإلماع في ضبط الرواية توجد منه نسخة بالأسكوريال تحت عدد ١٥٦٧ وبالظاهرية تحت رقم ٤٣٣ bis AS.
وله أيضاً، كتاب الغنية في شيوخه (١) وكتاب المعجم في شيوخ ابن سكرة. وكتاب نظم البرهان على حجة جزم الاذان. وكتاب مسألة الأهل بينهم التزاور وكتاب العيون الستة في أخبار سبتة. وهذا الكتاب كثيراً ما يذكره أبو العباس الحلبي الفاسي في كتابه الدر النفيس في مناقب إدريس.
وكتاب: غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسل.
وكتاب: الاجوبة المحبرة على الاسئلة المتخيرة.
وكتاب: أجوبة القرطبيين.
وكتاب أجوبته عما نزل في ايام قضائه من نوازل الأحكام، في سفر.
وكتاب: سر السراة في ادب القضاة.
وله كذلك كتاب مجموعة خطبه الجمعية.
وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك وهو هذا.
وله مجموعة أشعار. فمن شعره قوله:
الله يعلم أني منذ لم أركم … كطائر خانه ريش الجناحين
فلو قدرت ركبت البحر نحوكم … فان بعدكم عني جنا حيني
وله أيضاً:
انظر الى الزرع وخاماته … تحكي وقد ماست امام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة … شقائق النعمان فيها جراح
_________
(١) ديباج ١٧٠.
стр. 21
كتاب المدارك والدافع على تأليفه
كما كانت المالكية بالمغرب والاندلس السد المانع ضد النحل والزيغ، مع الاعتزال والخوارج والباطنية، والظاهرية والموحدين، ففي المشرق لم يكن نصيبها من الكفاح أقل: ففي حياة الامام ﵁، كان الليث بن سعد ﵀ زميلاً وصديقاً للامام مالك، جمع بين آراء أهل المدينة والعراق أو الكوفة على الاصح. وكانت مصر في عهده منطقة تغلب عليها آراء اهل المدينة. فما أن رجع الليث إلى مصر حتى أخذ يعلم ويفتي بما يخالف عمل أهل المدينة مجتهداً ومقتنعاً في ذلك بصحة رأيه، وما أن بلغ الخبر إلى مالك حتى أرسل يلومه على ذلك مبيناً له فضل المدينة وأنها بلد الوحي، بها أحل الحلال وحرم الحرام وأكثر اصحاب رسول الله ﷺ إنما عاشوا وماتوا بها، وأن عمل المدينة هو عمل الرسول وأصحابه، ولا يجوز لأحد مخالفتهم فهم السابقون الاولون من مهاجرين وأنصار، وقول من خالفهم لا يعتد به ولو كان معتمداً على صحابي او عشرة من الصحابة، فأكثر هؤلاء الوارثين للسنة العاملين بها إنما عاشوا بالمدينة وعلموها لاهلها حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم، ولا قول لمن خالفهم في هذا. وكان رد الليث رداً رصيناً يدافع عن رأيه دفاع العلماء، مع مروءة وفضل ومجاملة. إلا أن مخالفته لعمل اهل المدينة قد فتحت باباً جديداً في الجدل حول هذا الموضوع (١) فما ان انتقل مالك الى جوار ربه، حتى سلت السيوف على آرائه، فكان السابق الى هذه المعارك محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، الذي أخذ الموطأ عن مالك بعدما تعلم على أبي حنيفة، وكان في أول رجوعه من المدينة معجباً بمالك (٢) ولكن بعد توليته القضاء للرشيد.
_________
(١) انظر رسالة مالك الى الليث من هذا الجزء ورد الليث في اعلام الموقعين ج ٣ ص ٧٢٧.
(٢) انظر ابن حجر تعجيل المنفعة ج ٢ ص ٣٦١ ابن أبي الوفاء ج ٢ ص ٤٢ وما بعدها وكذلك الانتقاء لابن عبد البر ص ٢٦ في الرد على مالك.
стр. 22
أخذ معوله ضد المالكية: وقد فتح الباب على مصراعيه للقول في مذهب مالك، ثم جاء دور الشافعي الذي كان تلميذاً لمالك وجاب الآفاق باحثاً عن تربة صالحة لمذهب جديد فسافر إلى اليمن والعراق ومصر حيث استقر أخيراً … وكان يعتبر في أول أمره في عداد المالكية ولكنه سرعان ما وجد بعض أنصار الليث متعصبين على مالك، فكتب هنالك رسالته التي طرق فيها نفس الموضوع الذي طرقه الليث، أي إجماع أهل المدينة، الذي هو أحد الأسس المتينة لمذهب مالك (١)، أخذ الشافعي هذا الموضوع وأنكر صحته، كما حاول تفنيده بنفس الطرق المستعملة عند محمد بن الحسن، والليث بن سعد، ورد ردوداً على المالكية يستبعد أن تصدر من خصم فضلاً عن تلميذ لمالك.
استقبل أتباع مالك الشافعي لما نزل مصر وعدوه واحداً منهم حتى إنه كان في ضيافة بني عبد الحكم. ولما رأوه قد تغير عليهم وجاءهم بالرأي كما يقولون. تغيروا عليه … وكانت المعركة في الأول تتجاوز حد الكلام اللاذع أحياناً، من ذلك ما رواه الكندي في قضاة مصر (٢) أن ابن وهب أحد كبار المالكية في مصر قال: سمعت ابن المنكدر يقول للشافعي: كان أمرنا واحداً ورأينا واحداً عندما جئنا إلى هنا، ففرقت بيننا، فرق الله بين روحك وجسدك.
وتحرك أصحاب مالك للرد على الشافعي، فكان أول من كتب في الرد عليه، أحمد بن مروان بن محمد المعروف بأبي بكر المالكي المصري المتوفي سنة ٢٩٠ كتب كتاباً سماه فضائل مالك والرد على الشافعي (٣) كذلك إسماعيل بن إسحاق قاضي قضاة بغداد. كتب: الرد على الشافعي (٤) وتلميذه.
_________
(١) الرسالة ص ١٤٢.
(٢) ط جوتهيل ص ١١٦.
(٣) الديباج ٣٢.
(٤) الديباج ٩٤، ٣٥٢.
стр. 23
الأندلسي يحي بن عمر الكناني دفين سوسه، كتب: الرد على الشافعي (١) ومحمد بن سحنون أيضاً كتب كتاباً بنفس العنوان، ومعه أبو عثمان سعيد الحداد، الرد على الشافعي. وكتب ابن المواز الإسكندري كتاب: الرد على الشافعي وعلى أهل العراق. وتقدم كل هؤلاء محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم بكتابه: الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة (٢) واشتدت الازمة بين أتباع الإمامين شرقاً وغرباً، وكان العامل الأول بعد الشافعي في إيقاد النار هو أحد تلامذة الشافعي نفسه، وهو الربيع بن سليمان المرادي، كاتب الأم وواضع الردود القارصة على المالكية (٣) ويصعب جداً أن تكون تلك الأقوال صادرة من الشافعي ﵁. وجاء في آخر هذا العصر ابن حزم الأندلسي، الذي وان كان ظاهرياً إلا أن مذهبه ما هو إلا إغراق في الشافعية، وجرد قلمه ولسانه على مالك كما جرده على أبي حنيفة، وأخذ في ثلب المذهب وأتباعه لاسيما قاعدتهم الكبرى: العمل بعمل أهل المدينة، فأخذ يعد مثالبها وأنها بلد أكابر المنافقين والكفرة الفجرة وأن لا فضل لها على اية مدينة اخرى من مدن الدنيا. ناسياً أو متناسياً الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلها والآيات القرانية الكريمة (٤) وتأزمت الحالة على المالكية بالمشرق، وحتى نفي أحد أعلامها وهو القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، نفاه أبو حامد الإسفراييني الشافعي، الذي قاومه كما قاوم بعنف كبير، أبا بكر الباقلاني. وكان الفاطميون بمصر يشدون عليهم الخناق والموحدون ينظرون اليهم شزراً. فقام عياض بن موسى اليحصبي كرد فعل لكل هذا متحدياً بكتابه المدارك خصوم المالكية شرقاً وغرباً … ويعتبر كتابه كما يقول أستاذنا (Brunshvig) بناية ضخمة
_________
(١) الديباج ١٢٨
(٢) الديباج ٢٣٦
(٣) انظر الأم [جـ] ٧ صفحات ١٧٧، ١٨٣، ١٨٦، ٢١٤، ١٥ وهنا وهناك.
(٤) الاحكام لابن حزم [جـ] ٣ ص ٢٠٣، ٢٠٠، ٢١٧. [وجـ] ٧ ص ١٧٠، ٧١.
стр. 24
أقيمت على شرف والمجد المالكية (١) في عصورها المختلفة. يبتدئ المؤلف كتابه الضخم بعد المقدمة بإظهار فضل علم أهل المدينة وترجيحه على غيرهم، بمنطق وحجج مع اطلاع واسع على الفقه والحديث واختلاف الناس، مدافعاً عن نظرية المالكية في العمل بعمل أهل المدينة هذا الموضوع الذي أثار نقمة الخصم والجميع فيه إلب عليهم: «اعلموا اكرمكم الله، أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلب واحد على أصحابنا، على هذه المسألة مخطئون لنا فيها بزعمهم محتجون علينا بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصيب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعد مثالبها (٢)، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف. فمنهم من لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يتحققه عنا، ومنهم من أحالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا عنا في المسألة ما لا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع». ويأخذ عياض في الرد عليهم بمنطق أرسطاطاليس، ضارباً في ذلك الأمثلة، موضحاً رأي المالكية ومستنداتهم الشرعية، وأن عمل أهل المدينة لم يعمل به مالك وحده، بل عمل به الصحابة والتابعون وتابعوهم، ومالك أحدهم. فهو في عمله هذا متبع لسنة مضت لا مبتدع في دين الله. ثم يأتي بما دار بين المالكية وبين خصومهم في هذا الموضوع لاسيما الشافعية ويرد على أقوالهم قولاً قولاً. ثم يأتي بباب في ترجيح مذهب مالك على المذاهب الأخرى مستعملا الحجج المنطقية المسكتة كأن يقول: «أبو حنيفة ترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول، وآثر الرأي والقياس
_________
(١) وما بعدها. Polemiques، autour du rite de Malik، in Revue al Andaluss pp. ٣٧٧.
(٢) يعني بذلك ابن حزم.
стр. 25
والإستحسان ثم قدم الإستحسان على القياس بأبعد ما شاء. وحدّ بعضهم استحسانه: إنه الميل إلى القول بغير حجة، وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحدث في الدين والبدعة.
وأما أحمد وداود فإنهما سلكا اتباع الآثار ونكبا عن طريق الإعتبار، ولكن داود غلا في ذلك فترك القياس جملة، فأحدث هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة فخانه التمسك برفع أدلة الشريعة، وأعرض ما حضت عليه من الإجتهاد والإعتبار. وسمى ما لم يجد فيه نصاً ظاهراً، عفواً. وأطلق على بعضه الإباحة، واضطربت أقوال أصحابه في ذلك لضيق المسلك فيه فتهافت مذهبه، واختل نظره، وجاء من اتباع الظاهر بمقالات يمج الكثير منها السمع وينكره.
وقال أحمد: الخبر الضعيف عندي، خير من القياس. وبديهة العقل تنكر هذا. فلا خير في بناء على غير أساس».
ثم شرع في سرد نقط الضعف في الفروع عند المذاهب الثلاثة، جامعاً من كل مذهب أكثر مما جمع أحدهم على المالكية. وهو يقيم الحجة بهذا على وجوب تقليد مذهب مالك وتقديمه على غيره، ولا يعتبر الشافعي من أئمة الفقه، بل مالكياً مخالفاً لبعض أصول مذهب مالك لا عن دراية بل عناداً. ثم يشرع عياض في ترجمة الإمام مالك، في نسبه وصباه وتعلمه وجلوسه للتدريس والفتوى ومأكله وملبسه ومجلسه، والرواة عنه. ثم أتباعه مترجماً لهم واحداً واحداً، وانتشار المذهب شرقاً وغرباً حتى في بعض أصقاع نائية انقرض اليوم منها، ثم تأليف كل واحد وتلاميذه مع ما يمس من الحوادث بحياته. وبالجملة فكتاب المدارك، لا يعتبر معجماً لأتباع مالك فقط، بل كتاب من أهم كتب تاريخ الحضارة الإسلامية.
стр. 26
الكُتُبُ التي اعتمد عليها القاضي
تقدم عياضاً جماعة من العلماء، كتبوا في فضل المدينة، كأبي عبد الله التستري. وفضائل مالك لأبي الحسن بن فهر المصري. وفي طبقات فقهاء المالكية كمحمد بن حارث الخشني القيرواني (١). ولابن حارث أيضاً كتاب: طبقات من روى عن مالك (٢). وكتب عبد الملك بن حبيب الأندلسي المتوفي سنة ٢٣٩ طبقات فقهاء المالكية (٣). ولعبد الله بن أبي دليم القرطبي طبقات من روى عن مالك ولأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم المتوفى سنة ٣٣٣ طبقات علماء أفريقيا (٤).
وكتب أبو بكر عتيق بن خلف التجيبي القيرواني، المتوفى سنة ٤٢٣ كتاب الطبقات.
والشيرازي العلامة المشهور المتوفى سنة ٤٧٦ كتاب طبقات الفقهاء (٥). ترجم فيه لفقهاء كثيرين على اختلاف مذاهبهم. وعياض كثير الاستشهاد برواياته. وكذلك ابن النديم ترجم لبعض فقهاء المالكية في الفهرست.
وجماعة أخرى كثيرين ذكرهم القاضي في مقدمة الكتاب ممن كتبوا في هذا الموضوع كأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضراب وأبي بكر الفريابي، وأبي بشر الدولابي، وأبي الحسن بن المنتاب وأبي بكر المالكي صاحب رياض النفوس وغيرهم.
_________
(١) طبقات علماء أفريقيا الموجود بين أيدينا لا بد وأن يكون اختصاراً لطبقات فقهاء المالكية اذ كثيراً ما يذكر القاضي اخباراً لابن حارث ليست في المطبوع الذي بين أيدينا.
(٢) ديباج ٢٥٩ تذكرة الحفاظ ج ٣ ص ١٠٠١ شجرة النور الزكية ٩٤٠.
(٣) تذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٥٣٧.
(٤) ديباج ٢٥٠.
(٥) طبعة الأعظمي بغداد ١٣٦٠.
стр. 27
وكتب قاضينا عياض ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعيان مذهب مالك مستعيناً بالكتب المتقدمة كما يقول هو.
وكتب بعده متأثراً بطريقته يوسف بن عباد الأندلسي، المتوفى سنة ٥٧٥ كتاب طبقات الفقهاء من زمن عبد البر سنة ٤٦٣ إلى وقته.
ثم كتب ابن فرحون الديباج المذهب لمعرفة أعيان المذهب (توفي ابن فرحون سنة ٧٩٩ وتبعه أحمد بابا التنبكتي فاختصر الديباج وذيله بدر الدين محمد القرافي).
وكتب متأثراً بهؤلاء جميعاً وبآثارهم الباقية الشيخ مخلوف كتابه شجرة النور الزكية.
اختصارات المدارك
من الذين اختصروا كتاب المدارك للقاضي عياض: أحمد بن محمد بن علوان التونسي الأصل، الشهير بالمصري المتوفى سنة ٧٨٧ بالإسكندرية. قال أحمد بابا التنبكتي وقفت له على اختصار المدارك بخطه (١).
وكذلك ابن حماد أو حمادة السبتي له مختصر المدارك، وهو من أصحاب القاضي أو تلاميذه (٢). وذكر الشيخ محمد ظافر في كتابه اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة (ص ٨) أنه وقف على اختصار للمدارك ولم يسم صاحبه، وقال إنه يوجد في المكتبة الأزهرية، والشائع أنه بدار.
_________
(١) نيل الابتهاج ص ٧٤.
(٢) عن الدر النفيس في مناقب إدريس لأبي العباس الحلبي الفاسي ط حجرية فاس ١٢٩٨ ص ١٦.
стр. 28
العلم. ويعتبر الديباج اختصاراً للمدارك، إذ كثيراً ما يأتي بأقوال القاضي بحذافيرها وإن كان قد زاد بعض تراجم الفقهاء الذين جاءوا بعد عياض. ويخيل لي أحياناً أنه لم ير المدارك ولكنه اعتمد على بعض مختصراتها، إذ لم يترجم لفقهاء كثيرين ترجم لهم عياض. ولابن رشيق المصري اختصار المدارك. ذكره الشيخ الظافر المتقدم. والشيخ محمد بن مخلوف قاضي المنستير في المتأخرين يعتبر كتابه شجرة النور الزكية اختصاراً للمدارك من ناحية، ومن أخرى زيادات واستدراكات عليها، إذ ترجم لكثير من المتأخرين والمعاصرين من فقهاء المالكية واعتنى خاصة بتراجم تونسية من أصحاب المذهب المالكي. ولم يقيض القدر للمدارك أن تطبع على قيمتها العلمية، اللهم إلا ما قام به المرحوم الشيخ ابن أبي شنب من إلفات نظر الناس إلى هذا الكتاب القيم، إذ نشر منه المقدمة مع تجريد للمواضيع التي يضمها الجزء الأول منه (١) مثل: باب ما ورد من الاثر في فضل المدينة، باب الاثار في اختصاص المدينة بفضل العلم والإيمان والسنة والقرآن، باب فضل علم أهل المدينة وترجيحه على علم غيرهم واقتداء السلف الخ … ثم يشرع في ذكر الطبقات من المغيرة بن عبد الرحمان المخزومي الى عجنس بن أسباط، عن نسخة تونسية مؤرخة بعام ثمانين وتسعمائة الموافق لاثنين وستين وستمائة والف. ناسخها علي بن علي الجبي الأندلسي الأصل التونسي المنشأ. وكذلك ما نشره أستاذنا (Brunshvig) استاذ الحضارة الإسلامية بالسوربون في مجلة الأندلس مع دراسة مفيدة للكتاب واراء القاضي عياض في دفاعه عن المالكية ونشر بابين من مقدمة الكتاب في فضل المدينة، وعلم أهل المدينة. كما تقدم.
_________
(١) بمكتبة استاذنا الكبير حسن حسني عبد الوهاب، in Centenario di Amari، T، T، p. ٢٤ L.Palermo ١٩١٠.
стр. 29
النسخ التي اعتمدناها في نشر هذا النص
- نسخة شيخ الإسلام العلامة محمد الطاهر بن عاشور مؤرخة سنة ١٢٣٠ - ١٨١٥ بخط الباش كاتب للحكومة التونسية إذ ذاك الحاج محمد بن أحمد الأصرم. تبتدئ من الديباجة وتنتهي بترجمة الإمام الشافعي ﵁. وهي نسخة جميلة الخط والورق واضحة قليلة الأخطاء في أربعة أجزاء. وهي النسخة الفريدة الكاملة إذ كل النسخ الأخرى ينقصها جزء أو جزآن وقد اعتمدناها أصلا لنشرتنا هذه. ويبدو أن نسخة الكتانية وهي الثانية التي قابل عليها الأستاذ (Brunshvig) النص المنشور بمجلة الأندلس مأخوذة عن أصل واحد ونسخة آل عاشور، إن لم تكن مأخوذة عنها، وهي مؤرخة كما قال الأستاذ بسنة ١٢٣٧ - ٢٢ - ١٨٢١ حجمها ١٨/ ٢١ أشرنا إليها بالأصل، وأحياناً. ب: ع.
- نسخة ثانية وقف على المكتبة الصادقية. توجد بقسم المخطوطات بالجامعة التونسية رقمها ٥١٣٢ في ثلاثة أجزاء ينقصها الثاني. أي أن الأجزاء الموجودة هي: الأول والثالث والرابع تبتدئ من الديباجة وتنتهي بترجمة يحيى بن بكير - حجمها ١٧/ ٢٠ أوراقها ١٥٥ ورقة. سطورها ٢٣ كتبت بخط تونسي واضح جميل، في آخرها كتبها حموده بن أحمد الطرابلسي سنة ١٢٥٥ هـ تختلف قليلًا عن الأصل، وتسقط منها بعض الجمل أو الكلمات أحياناً وما ذلك الا من سهو الناسخ كما يبدو. وقد أشرنا إليها. ب: ص.
- نسخة ثالثة في جزأين ليس منها الا جزء واحد بمكتبة الجامعة التونسية أيضاً، وهي من مكتبة المرحوم بلحسن النجار - تبتدئ من الديباجة وتنتهي بترجمة عون بن يوسف الخزاعي ابو محمد من أهل القيروان - ليس عليها تاريخ الا انها تبدو من القرن الثاني عشر. رقمها بمخطوطات الجامعة ١٠٤٥٢ بخط تونسي اوراقها ١٥٣ سطورها ٣٠ حجمها ٢٢/ ٢٩ - رغم
стр. 30
وضوح وجمال خطها كثيرة الأغلاط والسقط، فلم نعتمد عليها كثيرًا ورمزنا إليها بحرف "ن".
- نسخة رابعة - بكلية الشريعة في جزأين كاملة بخط حموده بن أحمد الطرابلسي ناسخ ص. بحيث تكون معاصرة لها، لا تاريخ بها، تبتدئ من الديباجة وتنتهي بترجمة عون بن يوسف الخزاعي. وهي أثبت النسخ بعد الأصل. حجمها ١٧/ ١٨ تتراوح سطورها بين ٢١ و ٢٣. هذا وسنكون مجبورين إلى وصف النسخ التي سنعتمدها في نشر الكتاب كاملاً كل ما نشرنا جزءاً من أجزائه نظرًا إلى أن النسخ ليست كلها كاملة … ألف عياض كتابه المدارك وجعله في اثني عشر جزءاً، وأكثر النسخ الكاملة هي: إما في أربعة أجزاء أو في جزأين. ونحن نتوخى التقسيم الأوسط أي جعل الكتاب في أجزاء أربعة، كما أن فهارس الأعلام ستكون في الجزء الأخير إن لم نجعل لها جزءاً مستقلاً.
ونلاحظ إلى أن الأجزاء التي استعملناها في هذا الجزء الأول ليس بينها كبير اختلاف بخلاف الجزء الثاني والثالث فالاختلاف أكثر. مما يدل على أن عناية الناس والوراقين قديمًا كانت ترتكز على الجزء الأول وعلى دفاع القاضي عن المذهب وإظهار خاصيته وميزته بين المذاهب، والتي هي في هذا الجزء، فكثيرًا ما تختلف الخطوط في الأجزاء الثانية والثالثة والأخيرة في النسخ التي بين أيدينا ما عدا نسخة الأصل.
وختاماً أشكر من تفضل بمساعدتي على نشر هذا الكتاب القيم من أصدقائي وأساتذتي لاسيما صاحب الفضيلة الأستاذ محمد الفاضل ابن عاشور عميد كلية الشريعة وأصول الدين، والأستاذ العلامة محمد العربي الماجري، والأستاذ الكبير حسن حسني عبد الوهاب، وصديقي الفاضل الأستاذ أبا القاسم محمد كرو، وتلاميذي الذين تكبدوا عناء النسخ الشاق. كما أشكر لـ "دار مكتبة الحياة، بيروت"، اعتناءها بنشره وإخراجه في ثوبه الجميل.
стр. 31
والله أسأل أن ينفع به ويرحم مؤلفه، والحمد لله أولاً وآخراً وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى.
تونس، في ذي الحجة الحرام ١٣٨٤
أفريل ١٩٦٥
احمد بكير محمود
стр. 32
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أسبغ على عباده بفضله نعمًا لا تحصى، وقدر على ما شاء بعدله أن يطاع ويعصى، وعين بين أهل الجنة والنار بقضيتي القضاء، وميز في ظهر آدم بين طائفتي السعادة والشقاء، ثم انتقى منهم ليتمم عدله خواص وأصفياء، وجعل فيهم رسلًا وأنبياء، ليوضح بهم لمن أراد هداية منهاجه، ويقيم على من صد عنه وصرف عن آياته حجاجه، فبذلوا في ذاته جدهم، ونصحوا العباد جهدهم، إلى أن اختار الله تعالى لهم ماعنده وقضى كل واحد منهم ما كتب له من أثر ومدة، عليهم من صلوات الله ما لا يحيط به حصر ولا عدة، ثم تمم الله على المؤمنين بفضله، وختم أنبياؤه ورسله، بأرجحهم ميزانًا، وأرفعهم مكانًا، وأكرمهم أخلاقًا، وأطيبهم أعراقًا، وأطولهم في الفضائل باعًا، وأكثرهم أمة وأتباعًا، أبي القاسم، سيد ولد آدم، ﷺ ، كما شرف وكرم، فجاهد في الله حق
стр. 33
جهاده، وزايل الجلايل الصعبة في إرشاد عباده، حتى أقاموا على سواء محجته، وأخذهم طوعًا وكرهًا ببالغ حجته، وسافهم في السلاسل إلى جنته، ودخلوا في دين الله أفواجًا بدعوته، فأنجز الله به وعده، وعبد تعالى وحده، وخصه بخير أمة أخرجت للناس، وآزروه في إقامة شرعة في حياته، وخلفوه في حياطته وحمايته بعد وفاته، نص في غير موطن على تفضيلهم، وأمر بالاقتداء بهم، وتوعد على اتباع غير سبيلهم، بوأهم دار وحيه، ومأوى دينه، ومتبوى شرعه، ومهبط ملائكته، ومهاجر نبيه، ومنزل كتابه، ومختم مثوى رسله، ومجثم الخير كله، كهف الإيمان والحكمة، ومعدن الشريعة والسنة، وسراج الهدى الذي بنوره ضاء أقطار المشارق والمغارب، وينبوع العلم الذي استمدت منه سائر الأدوية والمذائب ثم خلفهم في كل قرن باتباع صدق وعدل، واخلاف هدى وفضل، وأكناف معرفة
وعلم، ومعادن خير وحلم، اختار منهم أئمة المسلمين، ونصب منهم أعلامًا للدنيا والدين، فبينوا للناس ما نزل إليهم، وشرحوا لهم ما أشكل عليهم، وانقادوا لما ثبت من السنن لديهم، واعتبروا باستنباطهم، وصحيح اجتهادهم، حكم ما لم ينص على عينه، وقاسوا - بما فهموا من الشرع - حكمه في غيره، ولم يزيغوا عن سنن التحقيق، ولا أخذوا بنيات الطريق،
стр. 34
ولا حكموا الآراء المضلة في الدين، ولا انهملوا انهمال الملحدين، وتنطعوا تنطع المعتدين، بل تبعوا آثار من مضى قبلهم، واقتفوا في التمسك بأصول الشريعة سبلهم، ولم يضرهم خلال من خالفهم من الفرق، ولا شغب من لج في هواه ومرق، فالموفق من اقتفى آثارهم، وغاير شرود من شرد وأتباعهم، وعلم أن الحق مع هذا النمط الذي هدى الله واقتدى بهداه، ولم يعرج على ناعق نعق وان اختدع العقول بلهجة صداه، جعلنا الله ممن اتبع فعلم، واقتفى ما مر عليه السواد الأعظم.
وبعد فلما تكررت رغبات الأصحاب، شملنا الله وإياهم بسعادته، لإمضاء ما كانت النية اعتقدته، وتبييض ما غدت الهمة قد سودته: من كتاب حاو لأسماء أعيان المالكية وأعلامهم، وتبين طبقاتهم وأزمانهم، وجمع عيون فضائلهم وآثارهم، ونظم نثر فنون سيرهم وأخبارهم، تشمل منفعته، وتجمل معرفته، وتستغرب فوائده، وتستعذب مصادره وموارده، إذ هو فن لم يتقدم فيه تأليف جامع، ولا اختص به تصنيف رائع، يوصل الطالب إلى الغرض، ويقف بالراغب على البغية، مع شدة حاجة المجتهد والمقلد إليه، وضرورة الفقيه والمتفقه إلى ما ينطوي عليه، إلا ما جمعه عبد الله بن محمد بن أبي دليم القرطبي، من ذلك، ومحمد بن حارث القروي، مع
стр. 35
تقدم زمنهما، وما اقتضته الشيخ أبو إسحاق الفيروزأبادي في موضع ذكرهم من مختصره، وكل الكتب فما شفت غليلًا، ولا تضمنت من الكثير إلا قليلًا، على أن ابن أبي دليم اتسع اتساعًا حسنًا، فيمن ذكره من المغاربة، من أتباع
رواة مالك: من المصريين والأندلسيين، وطائفة من القرويين، واقتصر على ذكر طبقاتهم، دون شيء من أخبارهم، وبيان أحوالهم، ولم يجز لأحد من الحجازيين والمشرقيين ذكرًا، على جلالة مكانهم، وكثرة أعلامهم، قال القاضي: ولم أزل، منذ سمعت همتي لمعرفة هذا الفن، وتحركت نيتي للاطلاع عليه، أستقرئ سبل مسالكه، وأفحص عن وجوه مداركه وأقيد أثناء مطالعتي شوارده، وأجود، مدة بحثي، جوائده، إلى أن اجتمع لي من ذلك، بعد طول المباحثة الشديدة، والعناية التامة، والمطالعة المتواترة، ما وجدته بغية وغنية، وبسط لي في تحريره أملًا ونية، ولم ألق أحدًا ممن يعتنى بقوله، ويلتفت إلى حسن رأيه، ممن وقف على نبذ من أمره، وانتهى إليه رش من ذكره، إلا قلقًا إلى تمامه، شديد التعطش إلى كماله، محرضًا على صرف العناية إلى تحريره وتهذيبه، راغبًا في تقريب الفائدة بنظمه وتبويبه، والنفس تمطل بذلك وتسوف، وتوالي القواطع والشواغل تصدف عن ذلك وتصرف إلى أن
стр. 36
انبعثت الآن عزمة مصممة للتفرغ، وترتيب مضمنه وتصنيفه.
فاستخرت الله تعالى على ذلك، واستعنته، جل اسمه، لتوطئة هذه المسالك، وجمعت قراطيس فقبضتها، عما استودعتها، وطالعت تآليفي فوقفت على خفي أسرارها، واستشبت محفوظاتي فأنجدتني أذكارها، فنظمت منثورها، وفصلت شذورها، ورتبت أعجازها وصدورها، وأبرزت تأليفًا مفردًا في مضمونه، بالغًا فيما قصر عليه من أنواع هذا العلم وفنونه، واقتضى النظر بين يدي الغرض تقديم مقدمات تمس الحاجة إليها، ونتمم الفائدة بالوقوف عليها، تشتمل على أبواب في ذكر المدينة وفضائلها، وتقديم علمائها وعملها، ووجوب الحجج بإجماع أهلها، وترجيح مذهب مالك بن أنس، أمامها، وتقصيت هذه الأبواب تقصيًا يشفي الغليل، ونعمتها نظرًا يقف بالمنصب على سواء السبيل، ثم قفيته باقتداء الأئمة وثناء العلماء عليه، ونشر فضائله وما أضيف من السر إليه، إلى سائر ما يحتاج إليه،
من معرفة تاريخه ونسبه، ويتطلع إليه من مجاري أحواله في معاشرته وأدبه، واستوعبت في هذه الجملة باختصار فنونها، والاقتصار على عيونها، ما طالت به تواليف جمة، وشحنت به مجلدات عدة. إذ ألف فضائل مالك وأخباره جماعة من الأئمة، والسلف والخلف من فرق هذه الأمة، فممن ألف في ذلك
стр. 37
وأطال القاضي أبو عبد الله التستري المالكي له في ذلك ثلاث مجلدات ومثل ذلك أبي الحسن بن فهر المصري ولأبي محمد الحسن بن اسماعيل الضراب وألف في ذلك القاضي أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، وأبو بشر الدولابي، وأبو العرب التميمي، والقاضي أبو الحسن بن المنتاب وأبو علاثة محمد بن أبي غسان وأبو اسحاق بن شعبان والزبير بن بكار القاضي الزبيري، وأبو بكر محمد بن محمد اليقطيني، وأبو نصر بن الحباب الحافظ، وأبو بكر ابن أبي دراوية الدمشقي، والقاضي أبو عبد الله البرنكاني وأبو محمد الجارود، والحسن بن عبيد الله الزبيري، وأحمد بن مروان المالكي، والقاضي أبو الفضل القشيدي، وأبو عمر المقاصي، وأحمد بن رشد بن جعفر، وأبو بكر بن محمد بن
стр. 38
صالحا الأبهري، وأبو بكر بن اللباد، وأبو محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ والقاضي أبو محمد بن نصر، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبو ذر الهروي وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن حزم الصدفي، وابن الامام التطيلي، وابن الحارث القروي، وابن حبيب، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو مروان بن الأصبغ القرشي النقيب.
وأكثر تعويلي فعلى كتابي التستري والضراب وتتبعت من غيرهما ما فيه زيادة فائدة أو نادرة لم تقع فيهما، وحذفت كثيرًا مما أطالوا به من كلامه في التفسير والجوامع والرجال، إذ ليس من الغرض وله مظان أخر هي به أليق، ثم اثبت بعد ذلك جريدة في أسماء مشاهير الرواة عن مالك وحملة الفقه والعلم عنه، مختصة بالتعريف بهم معدات من تواريخهم وأخبارهم إذ قد اتسعنا في أخبار الفقهاء منهم
بعد هذا، ومن عداهم فليس من غرضنا ذكرهم، ولم أقصد في هذه الورقات لاستيعاب كل من ذكرت له عنه رواية أو مجالسة أو سؤال إذ قد أودعنا ذلك كتابًا آخر في جمهرة رواة مالك انطوى على أزيد من ألف وثلاثمائة راو تقصيتها من الكتب المؤلفة في ذلك إذ ألفت في ذلك كتبًا عدة ككتاب أبي الحسن الدارقطني الحافظ، وكتاب اسماعيل الضراب المصري، وأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي، وأبي اسحاق بن شعبان القرطبي، وأبي الحسن بن أبي عمر البلخي، وأبي عبد الله بن حارث القروي، وأبي نعيم الأصبهاني، ومنهم من بلغ الألف ومنهم من قصر
стр. 39
دونها.
ومن الأندلسيين أبو عبد الله محمد بن مفرج، وعبد الله بن أبي دليم وهما أقل عددًا وأبو محمد عبد الرحمان بن محمد البكري وفي كل واحد من هذه الكتب ما لم يذكر الآخر، فتتبعت ذلك جهدي وأضفت إليه ما شذ عنها وندر، فيما طالعته من كتب أهل الحديث وغيرهم.
اقتصرنا في هذه الورقات على ذكر ألف اسم ممن عرف اسمه وصحت روايته وشهرت صحبته، ورأينا أن لا نخلي هذا الديوان من هذا القدر لتتم به فوائده وتكمل في فنه معارفه.
وبعد هذا، اطردت أغراض التأليف واتسقت طبقات التصنيف، فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصة، ثم باتباعهم طبقة طبقة وأخلافهم أمة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم وأئمة زمننا الذين عاصرناهم ممن شهرت إمامته، وعرفت معرفته، أو ظهرت تواليفه ونقلت أقواله وامتثلت فتاويه وآراؤه، على حسب تقدم أزمانهم وتعاقب أوقاتهم، فأنبأنا بأسمائهم وأعربنا عن ألقابهم وأنسابهم وقيدنا مهملها لئلا يقع فيها تصحيف، وأزحنا علية مشكلها ليأمن من أطلع عليها من التحريف. فقد قال أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجرسي: أولى الأشياء بالضبط
أسماء الناس. لأنه لا يداخله قياس لا قبله ولا بعده شيء يدل عليه، وقال علي بن المديني: أشد التصحيف التصحيف في أسماء الرجال.
وقد قال ابن جريج طلبت اسم جندع بن ضمرة ثماني سنين حتى عرفته وكثيرًا ما شاهدت وسمعت في بعضها من التصحيف الشنيع ما يقبح ذكره ويشهد على الجاهل بها نقصه، وقد غلب على ألسنة الفقهاء أحمد بن ميسرة بكسر السين وصوابه بفتحها. كذا قيده
стр. 40
عبد الغني وغيره. وكذاك أحمد بن المعذل كثير من يقوله بدال مهملة وصوابه بمعجمة، ومن ذكر الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في رواة سحنون من الأندلسيين: إبراهيم بن محمد بن زيان ولا يعرف ذلك في الأندلس وقد رده عليه أهل الصنعة، والأشبه أنه ابن بلز وهو من جلة تلك الطبقة وكذلك صنع في أسماء كثيرة منهم في أنسابهم وذكرهم في غير طبقاتهم فأما تمييز المشتبه منها فمما لا يقف عليه إلا التحرير، ولا يعرفه إلا الفطن بهذا الباب البصير.
ولقد بعث لسحنون في محمد بن رزين وقد بلغه أنه يروي عن عبد الله ابن نافع فقال له أنت سمعت ابن نافع؟ فقال: أصلحك الله إنما هو الزبيري وليس بالضائع. فقال له: ولم دلست؟ ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدي من العقارب. فقد رأى سحنون وجوب بيانها، وإن كانا ثقتين إمامين.
حتى لا تختلط روايتاهما وأقوالهما فإن الصائغ أكبر وأقدم وأثبت في مالك، لطول صحبته له. وهو الذي خلفه في مجلسه بعد ابن كنانة، وهو الذي يحكي عنه سحنون ويحيى بن يحيى ويرويان عنه ولم يسمع سحنون منه سماعًا وإنما سمعه من أشهب كما نذكره بعد، ووفاته سنة ست وثمانين ومائة.
والزبيري من متأخري أصحاب مالك وهو شيخ ابن حبيب وسعيد بن حسان ووفاته سنة ست عشرة ومائتين وكثيرًا ما تختلط رواياتهم عند الفقهاء، حتى لا
علم عند أكثرهم بأنهما رجلان، وربما جاءت رواية أحدهما مخالفة
следующие страницы →