← Тараджим

Тараджим · id 31316

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

القاضي عياض

Полный текст (1 447 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

انبعثت الآن عزمة مصممة للتفرغ، وترتيب مضمنه وتصنيفه. فاستخرت الله تعالى على ذلك، واستعنته، جل اسمه، لتوطئة هذه المسالك، وجمعت قراطيس فقبضتها، عما استودعتها، وطالعت تآليفي فوقفت على خفي أسرارها، واستشبت محفوظاتي فأنجدتني أذكارها، فنظمت منثورها، وفصلت شذورها، ورتبت أعجازها وصدورها، وأبرزت تأليفًا مفردًا في مضمونه، بالغًا فيما قصر عليه من أنواع هذا العلم وفنونه، واقتضى النظر بين يدي الغرض تقديم مقدمات تمس الحاجة إليها، ونتمم الفائدة بالوقوف عليها، تشتمل على أبواب في ذكر المدينة وفضائلها، وتقديم علمائها وعملها، ووجوب الحجج بإجماع أهلها، وترجيح مذهب مالك بن أنس، أمامها، وتقصيت هذه الأبواب تقصيًا يشفي الغليل، ونعمتها نظرًا يقف بالمنصب على سواء السبيل، ثم قفيته باقتداء الأئمة وثناء العلماء عليه، ونشر فضائله وما أضيف من السر إليه، إلى سائر ما يحتاج إليه، من معرفة تاريخه ونسبه، ويتطلع إليه من مجاري أحواله في معاشرته وأدبه، واستوعبت في هذه الجملة باختصار فنونها، والاقتصار على عيونها، ما طالت به تواليف جمة، وشحنت به مجلدات عدة. إذ ألف فضائل مالك وأخباره جماعة من الأئمة، والسلف والخلف من فرق هذه الأمة، فممن ألف في ذلك

стр. 37

وأطال القاضي أبو عبد الله التستري المالكي له في ذلك ثلاث مجلدات ومثل ذلك أبي الحسن بن فهر المصري ولأبي محمد الحسن بن اسماعيل الضراب وألف في ذلك القاضي أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، وأبو بشر الدولابي، وأبو العرب التميمي، والقاضي أبو الحسن بن المنتاب وأبو علاثة محمد بن أبي غسان وأبو اسحاق بن شعبان والزبير بن بكار القاضي الزبيري، وأبو بكر محمد بن محمد اليقطيني، وأبو نصر بن الحباب الحافظ، وأبو بكر ابن أبي دراوية الدمشقي، والقاضي أبو عبد الله البرنكاني وأبو محمد الجارود، والحسن بن عبيد الله الزبيري، وأحمد بن مروان المالكي، والقاضي أبو الفضل القشيدي، وأبو عمر المقاصي، وأحمد بن رشد بن جعفر، وأبو بكر بن محمد بن

стр. 38

صالحا الأبهري، وأبو بكر بن اللباد، وأبو محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ والقاضي أبو محمد بن نصر، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبو ذر الهروي وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن حزم الصدفي، وابن الامام التطيلي، وابن الحارث القروي، وابن حبيب، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو مروان بن الأصبغ القرشي النقيب. وأكثر تعويلي فعلى كتابي التستري والضراب وتتبعت من غيرهما ما فيه زيادة فائدة أو نادرة لم تقع فيهما، وحذفت كثيرًا مما أطالوا به من كلامه في التفسير والجوامع والرجال، إذ ليس من الغرض وله مظان أخر هي به أليق، ثم اثبت بعد ذلك جريدة في أسماء مشاهير الرواة عن مالك وحملة الفقه والعلم عنه، مختصة بالتعريف بهم معدات من تواريخهم وأخبارهم إذ قد اتسعنا في أخبار الفقهاء منهم بعد هذا، ومن عداهم فليس من غرضنا ذكرهم، ولم أقصد في هذه الورقات لاستيعاب كل من ذكرت له عنه رواية أو مجالسة أو سؤال إذ قد أودعنا ذلك كتابًا آخر في جمهرة رواة مالك انطوى على أزيد من ألف وثلاثمائة راو تقصيتها من الكتب المؤلفة في ذلك إذ ألفت في ذلك كتبًا عدة ككتاب أبي الحسن الدارقطني الحافظ، وكتاب اسماعيل الضراب المصري، وأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي، وأبي اسحاق بن شعبان القرطبي، وأبي الحسن بن أبي عمر البلخي، وأبي عبد الله بن حارث القروي، وأبي نعيم الأصبهاني، ومنهم من بلغ الألف ومنهم من قصر

стр. 39

دونها. ومن الأندلسيين أبو عبد الله محمد بن مفرج، وعبد الله بن أبي دليم وهما أقل عددًا وأبو محمد عبد الرحمان بن محمد البكري وفي كل واحد من هذه الكتب ما لم يذكر الآخر، فتتبعت ذلك جهدي وأضفت إليه ما شذ عنها وندر، فيما طالعته من كتب أهل الحديث وغيرهم. اقتصرنا في هذه الورقات على ذكر ألف اسم ممن عرف اسمه وصحت روايته وشهرت صحبته، ورأينا أن لا نخلي هذا الديوان من هذا القدر لتتم به فوائده وتكمل في فنه معارفه. وبعد هذا، اطردت أغراض التأليف واتسقت طبقات التصنيف، فابتدأنا بذكر الفقهاء من أصحابه خاصة، ثم باتباعهم طبقة طبقة وأخلافهم أمة بعد أمة، إلى شيوخنا الذين أدركناهم وأئمة زمننا الذين عاصرناهم ممن شهرت إمامته، وعرفت معرفته، أو ظهرت تواليفه ونقلت أقواله وامتثلت فتاويه وآراؤه، على حسب تقدم أزمانهم وتعاقب أوقاتهم، فأنبأنا بأسمائهم وأعربنا عن ألقابهم وأنسابهم وقيدنا مهملها لئلا يقع فيها تصحيف، وأزحنا علية مشكلها ليأمن من أطلع عليها من التحريف. فقد قال أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجرسي: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس. لأنه لا يداخله قياس لا قبله ولا بعده شيء يدل عليه، وقال علي بن المديني: أشد التصحيف التصحيف في أسماء الرجال. وقد قال ابن جريج طلبت اسم جندع بن ضمرة ثماني سنين حتى عرفته وكثيرًا ما شاهدت وسمعت في بعضها من التصحيف الشنيع ما يقبح ذكره ويشهد على الجاهل بها نقصه، وقد غلب على ألسنة الفقهاء أحمد بن ميسرة بكسر السين وصوابه بفتحها. كذا قيده

стр. 40

عبد الغني وغيره. وكذاك أحمد بن المعذل كثير من يقوله بدال مهملة وصوابه بمعجمة، ومن ذكر الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في رواة سحنون من الأندلسيين: إبراهيم بن محمد بن زيان ولا يعرف ذلك في الأندلس وقد رده عليه أهل الصنعة، والأشبه أنه ابن بلز وهو من جلة تلك الطبقة وكذلك صنع في أسماء كثيرة منهم في أنسابهم وذكرهم في غير طبقاتهم فأما تمييز المشتبه منها فمما لا يقف عليه إلا التحرير، ولا يعرفه إلا الفطن بهذا الباب البصير. ولقد بعث لسحنون في محمد بن رزين وقد بلغه أنه يروي عن عبد الله ابن نافع فقال له أنت سمعت ابن نافع؟ فقال: أصلحك الله إنما هو الزبيري وليس بالضائع. فقال له: ولم دلست؟ ثم قال سحنون: ماذا يخرج بعدي من العقارب. فقد رأى سحنون وجوب بيانها، وإن كانا ثقتين إمامين. حتى لا تختلط روايتاهما وأقوالهما فإن الصائغ أكبر وأقدم وأثبت في مالك، لطول صحبته له. وهو الذي خلفه في مجلسه بعد ابن كنانة، وهو الذي يحكي عنه سحنون ويحيى بن يحيى ويرويان عنه ولم يسمع سحنون منه سماعًا وإنما سمعه من أشهب كما نذكره بعد، ووفاته سنة ست وثمانين ومائة. والزبيري من متأخري أصحاب مالك وهو شيخ ابن حبيب وسعيد بن حسان ووفاته سنة ست عشرة ومائتين وكثيرًا ما تختلط رواياتهم عند الفقهاء، حتى لا علم عند أكثرهم بأنهما رجلان، وربما جاءت رواية أحدهما مخالفة

стр. 41

لرواية الآخر، فيقولون في ذلك اختلاف من رواية ابن نافع عن مالك وقد وهم فيهما عظيم من شيوخ الأندلسيين بعد أن فرق بينهما، لكنه زعم أن صاحب السماع هو الزبيري وأنه المذكور في العتيبة، ومثل ذلك علي ابن زياد التونسي وعلي بن زياد الاسكندراني كلاهما من أصحاب مالك فاضل مشهور. فالأول الفقيه شيخ سحنون وغيره، والآخر صالح يعرف بالمحتسب. وقد جرى ذكر ابن زياد مرة بحضرة من يفهم هذا الباب، فلم يكن عنده شك أن الفقيه المذكور اسكندارني فقلت له هما اثنان وأوقفته على من قال ذلك بمعرفة، هذا مما يضطر إليه، لا سيما إذا كان بينهما فرق في العلم ومزية في العدالة والفضل. ثم ذكرنا من مولدهم ووفاتهم وذكر مشايخهم ورواتهم وتصنيف أزمانهم وطبقاتهم ما انتهى ألينا علمه، وصح عندنا نقله، لتعرف بذلك أوقاتهم ولتبين في التقدم والتأخر درجاتهم، ويتميز بذلك المتصل من المنقطع من روايتهم. وكثيرًا ما يخلط الفقهاء هذا الباب، وربما حكوا الرواية وأسندوها عن المتقدم عن المتأخر إذا اشتبهت عليهم طبقاتهم ولم تتميز لهم أوقاتهم وقد شاهدت معظمًا منهم ذكر عن ابن حارث الفقيه مسألة، قال فيها ابن حارث: وقد شاهدت أحمد بن نصر يفتي بذلك. فحمل هذا الشيخ أنه ابن نصر الداودي المتأخر وطبقته بعد ابن حارث توفى ابن حارث سنة اثنين وستين وثلائمائة، وتوفى الداودي سنة اثنين وأربعمائة. وإنما أراد ابن حارث أحمد بن نصر بن زياد الهواري من أصحاب ابن سحنون، وابن عبدوس كاتب القاضي همام ووفاته سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فلو عرف الشيخ، والله أعلم، أنهما اثنان وميز طبقتهما لما سقط هذا السقوط ولعدم

стр. 42

المعرفة بهذا وهم جماعة فعدوا في الرواة عن مالك وأصحابه من لا تصح عنه رواية ولا جمعه معه زمن والله أعلم. فلقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن أبا يحيى الوقار ممن سمع من مالك، وعده في طبقة أصحابه ولم يذكر هذا أحد ممن جمع رواة مالك وإنما عدوه في أتباع أصحابه وهو الصحيح والله أعلم. وكذلك ذكر أبو إسحاق ابن شعبان إبراهيم بم محمد بن باز الأندلسي في رواة مالك، وهو من أصحاب سحنون مولده بعد وفاة مالك بمدة وتوفى سنة أربع وسبعين ومايتين وكذلك ذكر أبو بكر الخطيب، على تقدمه وحفظه، عبد الملك بن حبيب في الرواة عن مالك وأدخل له حديثًا عن المغيرة عنه، وهو غلط عظيم، لاسيما من مثله. وعبد الملك ابن حبيب إنما رحل سنة ثمان ومايتين بعد موت مالك بسنتين على ما تراه في أخباره إن شاء الله تعالى. وكذلك ما ذكره الشيرازي أيضًا أن عبد الملك بن حبيب تفقه أولًا بيحيى وعيسى وحسين بن عاصم هو وهم. هؤلاء نظراؤه، وإنما تفقه أولًا بشيوخ هؤلاء الأندلس زياد وصعصعة والغازي بن قيس ونظرائهم، وكذلك ذكره عبد الله بن غافق في طبقة سحنون، وزعم أ، هـ سمع من علي بن زياد باطل، هو من أصحاب سحنون وليس من ذوي الأسنان منهم، ومولده بعد موت علي بن زياد بأزيد من عشرين سنة كما سنذكره، وكذلك ذكر الرازي في استيعابه وأحمد بن عبد البر أن عيسى بن دينار سمع من مالك ورحل مع زياد وأقام بعده، وهذا كله وهم. وسنبين ذلك كله في مكانه إن شاء الله تعالى مع أمثاله. ثم ذكرنا بعد هذا من فضائلهم ومناقبهم وثناء

стр. 43

الأجلاء عليهم وتوثيق المزكي من الذكاء والعدالة ومراتبهم في العلم والرواية ومن تكلم فيه منهم على قلتهم أوعد منهم في أول التقدم والإمامة، مع ما يحتاج إليه الناظر المجتهد فيمن يعتمد بخلافه وأجماعه، ويضطر إليه المتفقه والمقلد في معرفة من يدين بإمامته وأتباعه. ودحضنا الدلس عن قوم منهم تحامل المتعصبون عليهم، أو تجمل أهل الريب بإضافتهم إليهم. وقد صح وعرف خلاف ذلك بما سنجلبه إن شاء الله تعالى، إذ نزه الله تعالى أهل هذا المذهب عما خالط من الهوى سواهم من أهل المذاهب، وعصمهم من علة الافتراق والتدابير فليس في أيمتهم بحمد الله من صحت عنه بدعة، ولا من اتفق أهل التزكية على تركه لكذب أو جرحة، وإن كان أبو خيثمة زهير بن حرب تكلم في أبي مصعب الزهري، ويحيى بن معين في إسماعيل بن أبي أويس ويحيى بن بكير. فما ضرهم ذلك. قد خرج عنهم إمام المعدلين صاحب الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، إذ لم ينسبهم إلى كذب ولا ريبة، وإن كان الباجي تعسف فيما نقله على عبد الملك بن الماجشون في علله، فالصحيح عنه ضد ذلك وهو المشهور من مذهبه حسبما نبينه عند ذكر كل واحد منهم في موضعه. وكذلك صنع يحيى بعبد الله ابن عبد الحكم فلم يقلد في قوله، وقد خالفه أبو حاتم الرازي في ذلك وغيره كما أن قول القاضي أبي الوليد ﵀ في القزويني أنه مجهول غير ملتفت إليه وكذلك قال في الصالحي فلو اعتنى ﵀ بهذا الباب لعلم أن

стр. 44

الصالحي هو أبو بكر محمد بن صالح الأبهري، ولما قال فيه هذا ولنفى حال أبي سعيد القزويني وجلالته وإمامته في العلم، وحسن تصانيفه فصحح روايته ولم يرتب في نقله وكذلك ذكر في ابن خويز منداد وهو في شهرته وكثرة تصانيفه حيث لا يذكر أنه مجهول، وقال أن أحدًا من أيمتنا البغداديين لم يذكروه، وهذا الشيرازي قد ذكره في كتابه وهذا أبو محمد عبد الوهاب يحكي عنه ويقول فيه، وقال أبو عبد الله البصري وأنت أيها المنصف متى اعتبرتهم مع غيرهم وجدتهم أصح يقينًا وأمتن دينًا وأكثر أتباعًا وأزكى صحابة وأتباعًا حتى أن سيئاتهم حسنات سواهم، وما ينتقد بعضهم على بعض لا يلتف إليه من عداهم، ولهذا قال سحنون ﵀: المدني إذا لم يكن هكذا. يريد في الدين وشديده أيسر شيئًا أو كما قال، وفي كتاب الحكم المستنصر إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحكم ممن طالع الكتب ونقر عن أخبار الرجال تنقيرًا لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم، فقال في كتابه وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن زين على قلبه وزين له سوء عمله وقد نظرنا طويلًا في أخبار الفقهاء وقرأنا ما صنف في أخبارهم إلى يومنا هذا فلم نر مذهبًا من المذاهب غيره أسلم منه فإن فيهم الجهمية والرفضية والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك رحمه الله تعالى فإنا ما سمعنا أحدًا ممن تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله تعالى. وقد مزق القرويون أسمعتهم من

стр. 45

ابن أبي حسان وطرحوها على بابه لكلمة برزت منه لأمير افريقية حرضه بها على العصاة لا يبعد صوابها في بعض الأحوال كان الأولى بمثله غيرها، لامامته وفضله وتقدمه ستأتي مستوعبة إن شاء الله، ولهذا ماتركوا الحمل عن محمد بن رشيد، وكان ثقة من نمط سحنون وإليه كانت الرحلة معه لتساهل رئي منه في المعاملة، وترخص في العينة والأخذ برأي من لم ير الذريعة فتركوه حتى لما مات لم ينظر سحنون في تركته، وأسندها إلى حبيب صاحب مظالمه، قال القاضي أبو الفضل ﵁: ثم جمعت من أخبارهم وقصصهم وفقر من سير حكامهم وقضاتهم ونوادر من فتاوى فقهائهم وأيمتهم ما يحتاج إليه ولا غنى بالعلماء عنه وأثبتنا من حكم حكمائهم ورقائق وعاظهم ومناهج صلحائهم وزهادهم، ما ترجى بركته ولا تخيب إن شاء الله تعالى منفعته، وقد قال سفيان بن عينية رحمه الله تعالى: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وقال أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من الفقه، لأنها آداب القوم، وقال بعض المشايخ: الحكايات جند من جنود الله يثبت بها قلوب أوليائه. قال وشاهده قوله تعالى وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. وذكرنا من محن ممتحينهم وبلايا مبتليهم ما فيه مسلاة للممتحنين وأدلة على ثبات قدمهم في الصالحين. قال النبي ﷺ : أشدهم - يعني الناس - بلاء، الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، وإنما يبتلى المرء على قدر إيمانه، فإن كان إيمانه شديدًا

стр. 46

كان البلاء عليه أشد، حتى أن العبد يمشي على الأرض ما عليه خطيئة، وقال: إذا أحب الله عبدًا ابتلاه ليسمع تضرعه. وذكرنا من بلدانهم وأوطانهم ورجالهم وقضاتهم إذ كان ينبوع هذا المذهب بالمدينة فيها تفجر ومنها انتشر، فكانت المدينة كلها على ذلك الرأي وخرج منها إلى جهات من الحجاز واليمن فانتشر هنالك بأبي قرة القاضي ومحمد بن صدقة الفركي وأمثالهم، واستقر ببلاد العراق بالبصرة فغلب عليها بابن مهدي والقعنبي وغيرهما ثم باتباعهم من ابن المعذل، ويعقوب بن شيبة آل حماد بن زيد إلى أن دخلها بعض الشافعية فتشارك المذهبان جميعًا إلى وقتنا هذا وكان آخر الأئمة بها من المالكية في زمننا ومرتبة شيوخنا أبا يعلى العبدي، وابا منصور بن باخي، وأبا عبد الله بن صالح، فدخل هذا المذهب بغداد وغيرها من بلاد العراق فانتشر بها مع غيرها من المذاهب ولكنه غلب وفشي أيام قضاء آل حماد بن زيد وانقطع ببغداد فلم يبق له بها إمام من نحو الخمسين والاربعمائة عند وفاة أبي الفضل بن عبدوس، ثم سكنها ابن صالح بعد التسعين، وأما خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أولًا بيحيى بن يحيى التميمي، وعبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هنالك أئمة على مر الأزمان. وفشى بقزوين وما والاها من بلاد الجبل، وكان آخر من درس منه بينسابور أبو إسحاق بن القطان وغلب على تلك البلاد مذهبا أبي حنيفة والشافعي ودخل أيضًا من أيمة هذا المذهب

стр. 47

إلى بلاد فارس القاضي أبو عبد الله البركاني ولي قضاء الأسوار وانتشر عنه هذا المذهب وغلب على بلاد فارس مذهب داود. وأما الشام فكان بها من أصحاب مالك الوليد بن مسلم وأبو مسهر ومروان بن محمد الططوي وغيرهم وغلب عليها أولًا مذهب الأوزاعي ثم دخلتها المذاهب. وأما أرض مصر فأول أرض انتشر بها مذهب مالك بعد المدينة وغلب عليها وأطبق أهلها على الاقتداء به إلى أن قدم عليهم الشافعي فكان واحدًا منهم فيهم إلى أن كثر عليه فتيان ابن أبي السمح من فقهائهم وجرت بينه وبينهم خطوب اقتضت تحيزه مع أصحابه كما سنذكره في موضع ذكره، فنبه بها حينئذ مذهب الشافعي وكثر أصحابه والمتعصبون له ومنها انتشر في الآلإاق، ومذهب مالك في كل ذلك ظاهر بها غالب عليها إلى وقتنا هذا. ودخلها أئمة من أصحاب أبي حنيفة، وأما أفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، إلى أن دخل علي بن زياد وأبن أشرس والبهلول بن راشد، وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك فأخذ به كثير من الناس ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون فغلب في أيامه وفض حلق المخالفين واستقر المذهب بعده في أصحابه فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا، وكان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي ودخلها شيء من مذهب داوود، ولكن الغالب إذ ذاك مذهب المدينة والكوفة، وكان الظهور في دولة بني عبيد لمذهب الكوفيين لموافقتهم إياهم في مسألة التفضيل، فكان فيهم القضاء والرئاسة وتشرق قومهم منهم لمسرتهم واصطيادًا

стр. 48

لدنياهم وأخرجوا أضغاثهم عن المدنيين فجرت على المالكية في تلك المدة محن، ولكنهم مع ذلك كثير. والعامة تقتدي بهم والناشئ فيهم ظاهر إلى أن ضعفت دولة بني عبيد بها، من لدن فتنة أبي يزيد الخارجي فظفروا وأفشوا علمهم وصنفوا المصنفات الجليلة وقدم منهم جلة طار ذكرهم بأقطار الأرض ولم يزل ألأمر على ذلك إلى خربت القيروان. وأهلها وجهاتها وسائر بلاد المغرب مطبقة على هذا المذهب، مجمعة عليه، لا يعرف لغيره قائم. وأما أهل الأندلس فكان رأيها مذ فتحت على رأي الزاعي، إلى أن رحل إلى مالك زياد بن عبد الرحمن وقرعوس بن العباس والغازي ابن قيس ومن بعدهم بعلمه وأبانوا للناس فضله واقتداء الأئمة به، فعرف حقه ودرس مذهبه إلى أن أخذ أمير الأندلس إذ ذاك هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الناس جميعًا بالتزامهم مذهب مالك وصير القضاء والفتيا عليه وذلك في عشرة الشبعين ومائة من الهجرة في حياة مالك رحمه الله تعالى، وشيخ المفتيين يومئذ صعصعة بن سلام إمام الأوزاعية وروايته، وقد لحق به من أصحاب مالك عدة فالتزم الناس بها هذا المذهب وحموا بالسيف عن غيره جملة، وأدخل بها قوم من الرحالين والغرباء شيئًا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة واحمد وداوود فلم يمكنوا من نشره فمات لموتهم على اختلاف أزمانهم إلا من تدين به في نفسه ممن لا يؤبه لقوله. على ذلك مضى أمر الأندلس إلى وقتنا هذا، فبدأنا

стр. 49

في كل طبقة بأهل المدينة ثم بمن والاها من جزيرة العرب ثم بأهل المشرق ثم كررنا على المصريين ومن ورائهم من المغاربة وختمنا بأهل الأندلس إلا من لم نجد له من أهل تلك البلاد في تلك الطبقة اسم منتقد إلى ما بعده على الرسم وانتقينا أثناء ذلك من نوادر ظرفائهم وملح آدابهم ومحاسن شعرائهم ما ينشط النفس عن كسلها ويصقل عنها ريق صدائها فقد قال علي ﵁: سلوا النفوس ساعة فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد. وذكرنا ما ينتحله كل واحد منهم من المعارف وما أضيف من الخصال إليه منبهنا على الغالب من أنواع العلوم عليه، وسمينا من تواليف مؤليفهم وإملاءات مصنيفهم ما لا غنى عنه، وما ينبه المتفقه على الاقتباس منه ولم نغال فيما جمعنا من ذلك تحريًا للاختصار لفنونه، وتحريًا للاقتصار على فصوصه وعيونه وحذفًا للطرق والأسانيد وضمًا للتفاريق والأبادير، واستصفيناه من كبار تصانيف المحدثين وأمهات تآليف المؤرخين، ككتاب أبي عبد الله البخاري وعبد الله بن أبي حاتم وأبي الحسن الدارقطني والزبير بن بكار وأبي بكر بن حيان القاضي ووكيع في تاريخ القضاة، وكتب أبي جعفر الطبري والصولي وأبي كامل وكتاب أبي عمر الكندي، وأحمد بن يونس المصري في المصريين ومن تاريخ أبي عمر الصدفي القرطبي، ومن كتب أبي عبد الله بن حارث في القرويين والأندلسيين ومن كتب أبي العرب التميمي، وأبي إسحاق الرقيق الكاتب، وأبي علي بن البصري في القرويين وتعاليق وجدتها بخط الشيخ أبي عمران الفاسي في ذلك، وما وقع إلي من تاريخ أبي بكر بن أبي عبد الله

стр. 50

المالكي في القرويين ومن تواريخ الأندلس ككتاب أبي عبد الملك بن عبد البر وكتاب الاحتفال لأبي عمر بن عفيف، والانتخاب لأبي القاسم بن مفرج وكتاب القاضي أبي الوليد بن الفرضي وتاريخ أبي مروان بن حيان، والرازين وكتاب أحمد بن عبد الرحمن بن مظاهر الطليطلي، وسى هذه الكتب، ككتاب ابن أبي دليم المتقدم ذكره، ومما وقع إلي من كتاب أبي بكر الخطيب في البغدادين، وأوراقًا جمعت للحاكم المستنصر بالله وجدت عليها خطه في كتاب في العراقيين، وما وقع من ذلك في كتاب الأمير أبي نصر وفي كتاب الشيخ أبي اسحق، وكتاب أبي عمر بن عبد البر في ذكر الأئمة الثلاثة ورواتهم وغير هذه الكتب مما عسى أن يكون وقع من غرضنا فيها التافه اليسير إلى ما تلقيناه من أفواه الرجال والتقطناه بفرط الاعتناء والاهتبال وأنا أضرع إلى ذي العزة والجلال أن لا يجعل حظي من هذا الكتاب مجرد التعب والسهر والنصب، وأن يحسن فيه النية ويكمل بعفوه عن زللنا المنة، وجدير لمطالعه أن يحسن الظن ولا يبادر إلى الطعن حتى يجيل النظر ويحقق ما أنكر، فإن تيقن بعد ذلة أصلحها أو وجد مبهمة أوضحها وأن يشكر ما كفيناه في جمعه من شغل الخاطر والفراغ للبحث والطلب المتواتر، ويعذر فيما عساه يعثر عليه من زلل خفي، أو ظاهر، فالغالب على المرء التقصير والأمر الذي ارتكبته خطير، ويفتقر القليل للكثير وصلى الله على سيدنا محمد البشير النذير.

стр. 51

باب ما ورد من الآثار في فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ (لها) روى أنس بن ملك أن النبي ﷺ قال: اللهم بارك لهم في مكيالهم وبارك لهم في صاعهم ومدهم، يعني أهل المدينة، وعن أبي هريرة عنه ﷺ : اللهم بارك لنا في ثمارنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا ومدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه. وقال عمر بن الخطاب لعبد الله بن عياش: أنت القائل لمكة خير من المدينة؟ قال عبد الله: فقلت حرم الله وأمنه وفيها بيته. فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في بيته وأمنه شيئًا، ثم قال له عمر كما قال أولًا، فأجابه عبد الله بجوابه وأجابه عمر بمثل الأول، ثلاث مرات ثم انصرف. أنا اختصرته. وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا يصبر أحد على لأواء المدينة وشدتها إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، وفي رواية وشفيعًا. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها. وفي حديث أبي هريرة: تنقي الناس كما ينقي الكير

стр. 52

خبيث الحديد. وفي حديث زيد بن ثابت أنها تنقي الرجال كما تنقي النار الفضة. وروى سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله ﷺ : تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وذكر في فتح العراق والشام مثله، أنا اختصرته. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عنه ﷺ بمعناه. وقال: والذي نفسي بيده لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا خلف الله فيها من هو خير منه. وعن أبي هريرة عنه ﷺ : على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال. قال مالك بن أنس: المدينة، وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون وهي دار الهجرة والسنة وبها خيار الناس بعد النبي ﷺ وهجرة النبي ﷺ وأصحابه، واختارها الله بعد وفاته فجعل بها قبره وبها روضة من رياض الجنة ومنبر رسول الله ﷺ وليس ذلك في البلاد غيرها. وفي رواية، ومنها تبعت أشراف هذه الأمة يوم القيامة. وهذا كلام لا يقوله مالك عن نفسه، إذ لا يدرك بالقياس. وقال حماد بن واقد الصفار لمالك: يا أبا عبد الله أيما أحب إليك المقام هاهنا أو بمكة؟ فقال: هاهنا. وذلك أن الله تعالى اختارها لنبيه ﷺ من جميع بقاع الأرض. ثم ذكر حديث أبي هريرة في فضلها. وقال جعفر بن محمد: قيل لمالك اخترت مقامك بالمدينة وتركت الريف والخصب: فقال: وكيف لا أختاره وما بالمدينة طريق إلا سلك عليها رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة. قال أبو مصعب الزهري قيل لمالك

стр. 53

لمَ صار لأهل المدينة لين القلب وفي أهل مكة قساوة القلب فقال لأن أهل مكة أخرجوا نبيهم وأهل المدينة آووه. قال محمد بن مسلمة: سمعت مالكًا يقول: دخلت على المهدي فقال أوصني فقلت أوصيك بتقوى الله وحده والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: المدينة مهاجري ومنها مبعثي وبها قبري وأهلها جيراني وحقيق على أمتي حفظي في جيراني فمن حفظهم بي كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني سقاه الله من طينة الخبال. باب الآثار في اختصاص المدينة بفضل العلم والسنة والقرآن روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: فتحت المدائن بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن: وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ قبة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومبدأ الحلال والحرام. وروى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: إن الدين ليأزر إلى المدينة - وفي رواية إلى الحجاز - كما تأزر الحية إلى جحرها. وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل. إن الدين بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد

стр. 54

الناس بعدي من سنتي. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه قال: ليحاز الإسلام إلى المدينة كما يحاز السيل الدمن. وعن أبي هريرة عنه ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يأرز الإيمان إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها. قال أبو مصعب الزهري: في هذا الحديث والله ما يأرز إلا إلى أهله الذين يقومون به، ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقمون بأحكامه، وما ذلك من رسول الله ﷺ مدحًا للأرض والدور، وما ذلك إلا مدحًا لأهلها وتنبيهًا على أن ذلك باق فيهم زائل عن غيرهم حين يرفع العلم فيتخذ الناس رؤساء جهالًا فيسألون فيقولون بغير علم فيضلون ويضلون. قال ابن أبي أويس: سمعت مالكًا يقول في معنى الحديث بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها. باب فضل علم أهل المدينة وترجيحه على علم غيرهم واقتداء السلف بهم قال زيد بن ثابت: إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة، قال ابن عمر: لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيه إلى أهل المدينة فإذا اجتمعوا على شيء - يعني فعلوه - صلح الأمر، ولكنه إذا نعق ناعق تبعه

стр. 55

الناس. قال مالك كان ابن مسعود يسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه ثم يقدم المدينة فيجد الأمر على غير ما قال، فإذا رجع لم يحط راحلته ولم يدخل إلى بيته حتى يرجع إلى ذلك الرجل فيخبره بذلك. قال: وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى ويعلمون بما عندهم، وكتب إلى أبي بكر بن حزم أن يجمع له السنن ويكتب بها إليه، فتوفى وقد كتب له ابن حزم كتبًا قبل أن يبعث بها إليه. قال مالك: والله ما استوحش سعيد بن المسيب ولا غيره من أهل المدينة لقول قائل من الناس، لولا أن عمر بن عبد العزيز أخذ هذا العلم بالمدينة لشككه كثير من الناس. وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب كتب إلي عبد الله - يعني ابن الزبير - وعبد الملك بن مروان، كلاهما يدعوني إلى المشورة، فكتبت إليهما إن كنتما تريدان المشورة فعليكما بدار الهجرة والسنة. وقال رجل أبي بكر بن عمر بن حزم في أمر: والله ما أدري كيف أصنع في كذا. فقال أبو بكر: يا ابن أخي إذا وجدت أهل هذا البلد قد أجمعوا على شيء فلا يكن في قلبك منه شيء. وقال الشافعي أيضًا: أما أصول أهل المدينة فليس فيها حيلة من صحتها. قال ابن نافع كان مالك يرى أن أهل الحرمين إذا بايعوا لزمت البيعة أهل الاسلام. قال مالك كان ابن سيرين أشبه الناس بأهل المدينة في ناحية ما يأخذ به. قال أبو نعيم: سألت مالكًا عن شيء فقال لي إن أردت العلم فأقم - يعني بالمدينة - فإن القرآن لم ينزل على الفرات. قال الشافعي: رحلت إلى المدينة فكتبت اختلافهم، زاد في رواية، في الحد. قال مسعر قلت لحبيب بن

стр. 56

أبي ثابت: أيما أعلم بالسنة أو الفقه أهل الحجاز أم أهل العراق؟ قال: أهل الحجاز. وقال الشافعي كل حديث ليس له أصل بالمدينة وإن كان منقطعًا ففيه ضعف. وقال مالك في أثر ذكر التشهد في الوصية: هو الذي أدركت عليه الناس بهذه البلدة فلا يشك فيه فهو الحق. قال عبد الله بن عمر: بعث عمر نافعًا إلى مصر بعلمهم السنن. قال مجاهد وعمر بن دينار وغيرهما من أهل مكة: لم يزل شأننا متشابهًا فتناظرا حتى خرج عطاء بن أبي رباح إلى المدينة فلما رجع علينا استبان فضله علينا.

стр. 57

رسالة مالك إلى الليث بن سعد في هذا من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية وعافانا وإياك من كل مكروه. اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. الآية. وقال تعالى: فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. . . . الآية. فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في

стр. 58

اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله وعمل بغيره، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم. فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك فيه لنفسك واعلم أني أرجو أن لا يكون دعائي إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر لك والظن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحًا. وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر وعلى كل حال. والسلام عليك ورحمة الله، وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر. أتينا بها على وجهها بسرد فوائدها وهي صحيحة مروية. وكان من جواب الليث عن هذه الرسالة: وإنه بلغك عني أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم وأنه يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي فيما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت من ذلك إن شاء الله، ووقع مني بالموقع الذي لا أكره ولا أشد تفضيلًا مني لعلم أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ بفتواهم مني والحمد لله، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن عليه بين ظهراني أصحابه وما علمهم الله منه، وإن الناس صاروا تبعًا لهم فكما ذكرت. أنا اختصرت هذا وأتيت منها بموضع الحاجة وبالله التوفيق.

стр. 59

باب ما جاء عن السلف والعلماء في الرجوع إلى عمل أهل المدينة في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة وكونه حجة عندهم وإن خالف الأكثر روي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: احرج بالله على رجل روى حديثًا العمل على خلافه. قال ابن القاسم وابن وهب رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث، قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث وتبلغهم عن غيرهم فيقولون ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على غيره، قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر ابن عمر بن حزم وكان قاضيًا، وكان أخوه عبد الله كثير الحديث رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفًا للقضاء يعاتبه، ويقول له: ألم يأت في هذا حديث كذا؟ فيقول بلى. فيقول أخوه فما لك لا تقضي به؟ فيقول فأين الناس عنه، يعني ما أجمع عليه من العلماء بالمدينة، يريد أن العمل بها أقوى من الحديث، قال ابن المعذل سمعت إنسانًا سأل ابن الماجشون لمَ رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه. قال ابن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث. وقال أيضًا إنه ليكون عندي أو نحوه. وقال ربيعة ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد لأن واحدًا واحد ينتزع السنة من أيديكم، قال ابن أبي حازم كان أبو الدرداء يسأل فيجيب فيقال أنه بلغنا كذا وكذا بخلاف ما قال. فيقول: وأنا قد سمعته ولكني أدركت

стр. 60

العمل على غير ذلك، قال ابن أبي الزناد كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها وما كان منه لا يعمل به الناس ألغاه، وإن كان مخرجه من ثقة، وقال مالك: انصرف رسول الله ﷺ من غزوة كذا في نحو كذا، وكذا ألفًا من الصحابة، مات بالمدينة منهم نحو عشرة آلاف وباقيهم تفرق بالبلدان فأيهما أحرى أن يتبع ويؤخذ بقولهم؟ من مات عندهم النبي ﷺ وأصحابه الذين ذكرت؟ أو مات عندهم واحد أو اثنان من اصحاب النبي ﷺ ؟ قال عبيد الله بن عبد الكريم: قبض رسول الله ﷺ عن عشرين ألف عين تطرف. باب بيان الحجة بإجماع أهل المدينة فيما هو وتحقيق مذهب مالك اعلموا أكرمكم الله أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلب واحد على أصحابنا على هذه المسألة مخطئون لما فيها بزعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعد مثالبها وهم يتكلمون في غير موضع خلاف، فمنهم لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أطالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا

стр. 61

عنا في المسألة ما لا نقوله واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع وها أنا أفصل الكلام فيها تفصيلًا لا يجد المنصف إلى جحده بعد تحقيقه سبيلًا وأبين موضع الاتفاق فيه والخلاف إن شاء الله تعالى. فاعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين، ضرب من طريق النقل والحكاية الذي تؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملًا لا يخفى ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي ﷺ ، وهذا الضرب منقسم على أربعة أنواع، أولها ما نقل شرعًا من جهة النبي ﷺ من قول كالصاع والمد، وانه ﵊ كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة والوقوف (والأحباس) فنقلهم لهذه الأمور من قوله وفعله كنقلهم موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره وصفة صلاته من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا، أو نقل إقراره ﵇ لما شاهده منهم ولم ينقل عنه إنكاره كنقل عهده الرقيق وشبه ذلك، أو نقل تركه لأمور وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه ﵇ بكونها عندهم كثيرة، فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليه ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم موجب للعلم القطعي فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكًا وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع حين شاهد هذا النقل وتحققه، ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هذا، وهذا الذي

стр. 62

تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ولا خلاف بين أصحابنا في هذا ووافق عليه الصيرفي وغيره من أصحاب الشافعي كما حكاه الآمدي، وقد خالف بعض الشافعية عنادًا، ولا راحة للمخالف في قوله أن ما هذا سبيله فهم وغيرهم من اهل الآفاق من البصرة والكوفة ومكة سواء إذ قد نزل هذه البلاد وكان بها جماعة من الصحابة ونقلت السنن عنهم والخبر المتواتر من أي وجه ورد لزم المصير إليه ووقع العلم به، فصارت الحجة في النقل فلم تختص المدينة بذلك وسقطت المسألة في حق غيرهم لكن لا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه وهذا موجود في أهل المدينة ونقلهم الجماعة عن الجماعة عن النبي ﷺ أو العمل في عصره وإنما ينقل أهل البلاد غيرها عن جماعتهم حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد وبالحري أن تفرض المسألة في عمل أهل مكة في الآذان ونقلهم المتواتر عن الآذان بين يدي النبي ﵇ بها، لكن يعارض هذا آخر من رسول الله ﷺ والذي مات عليه بالمدينة، ولهذا قال مالك لمن ناظره في المسألة ما أدري أذان يوم ولا ليلة هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه من عهده ولم يحفظ عن أحد إنكاره على مؤذن فيه. النوع الثاني: إجماعهم على عمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، فهذا

стр. 63

النوع اختلف فيه أصحابنا فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة ولا فيه ترجيح وهذا قول كبراء البغداديين منهم ابن بكير وأبو يعقوب الرازي وأبو الحسن بن المنتاب، وأبو العباس الطيالسي، وأبو الفرج، والقاضي أبو بكر الأبهري وأبو التمام، وأبو الحسن بن القصار. قالوا لأنهم بعض الأمة والحجة إنما هي لمجموعها، وهو قول المخالفين أجمع. ولهذا ذهب القاضي أبو بكر ابن الخطيب وغيره، أنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا أو أن يكون مذهبه ولا الأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم، وهو قول جماعة من متفقيهم وبه قال بعض الشافعية ولم يرتضه القاضي أبو بكر ولا محققو أيمتنا وغيرهم، وذهب بعض المالكية إلى إن هذا النوع حجة كالنوع الأول وحكوه عن مالك. قال القاضي أبو نصر: وعليه يدل كلام أحمد بن المعذل وأبي معصب وإليه ذهب القاضي أبو الحسين بن أبي عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا ورآه مقدمًا على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك ولا يصح عنه كذا مطلقًا. قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة وجوه: أما أن يكون مطابقًا لها، فهذا أأكد في صحتها إن كان من طريق النقل، وترجيحه إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخرين وقياسهم، عند من يقدم القياس على خبر الواحد، وإن كان مطابقًا لخبر يعارضه خبر آخر كان عملهم مرجحًا لخبرهم وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب

стр. 64

الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني ومن تابعه من المحققين من الأصوليين والفقهاء من المالكية وغيرهم، وإن كان مخالفًا للأخبار جملة فإن كان إجماعهم من طريق النقل ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه الخلاف كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع والمد والوقوف وزكاة الخضروات وغيرها، وإن كان إجماعهم اجتهادًا أقدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا، فأما إن لم يكن لهم عمل بخلافه ولا وفاق فقد سقطت المسألة ووجب الرجوع إلى خبر الواحد كان من نقلهم أو من نقل غيرهم إذا صح ولم يعارض، فإن عارض هذا الخبر الذي نقلوه خبر آخر نقله غيرهم من أهل الآفاق كان ما نقلوه مرجحًا عند الأستاذ أبي إسحاق وغيره من المحققين لزيادة قرب مشاهدتهم قرائن الأحوال وتعددهم لنقل آثار الرسول ﵇ وإنهم الجم الغفير عن الجم الغفير عنه. وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك من ذلك سوى ما قدمناه فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكًا يقول لا يعتبر إلا بإجماع أهل المدينة دون غيره وهذا ما لا يقوله هو ولا أحد من أصحابه، وحكى بعض الأصوليين أن مالكًا يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعًا، ووجه قوله بأنه لعله كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم وهذا ما لم يقله مالك ولا روي عنه، وحكى بعضهم عنا إنا لا نقبل من الأخبار إلا ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب لم يفرقوا بين قولنا برد الخبر الذي في مقابله عملهم وبين من لا يقبل منه

стр. 65

إلا ما وافقه عملهم. فإن احتجوا علينا في هذا الفصل برد مالك حديث البيعين بالخيار الذي رواه هو وأهل المدينة بأصح أسانيدهم، وقول مالك في هذا الحديث بعد ذكره له في موطئه، وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به، وهذه المعارضة أعظم تهاويلهم وأشنع تشانيعهم قالوا هذا رد للخبر الصحيح إذ لم يجد عليه عمل أهل المدينة حتى قد أنكره عليه أهل المدينة وقال ابن أبي ذئب فيه كلاماَ شديدًا معروفًا فالجواب أنه إنما أوتيت بسوء التأويل. فإن قول مالك هذا ليس مراده به رد البيعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث وهذا قوله إلا بيع الخيار، فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، ولا يتعدى إلا قدر ما نختبر فيه السلعة وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع. وما يراد بهذا فسر قوله أيمتنا ﵏ وإنما ترك العمل بالحديث لغير هذا بل تأول التفرق فيه بالقول وعقد البيع وإن الخيار لهما ما داما متراوضين، ومتساويين. وهذا هو المعنى المفهوم من المتفاعلين وهما المتكلفان للأمر، الساعيان فيه. وهذا يدل أنه قبل تمامه، ويعضده قوله لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، وهذا أيضًا في لمتساويين. فقد سماه بيعًا قبل تمامه وانعقاده، وقال بعض أصحابنا: الحديث منسوخ بقوله في الحديث الآخر إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع. ويترادان ولو كان لهما الخيار لما احتاجا إلى تحالف وتخاصم، وقد يكون قول مالك على طريق الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة. لما خالفه كما تقدم وقد قال بحديث البيعان بالخيار والعمل به كثير، من أصحابنا: ابن حبيب. ومما ذكره المخالفون عن مالك أنه يقول أن المؤمنين الذين أمر الله تعالى

стр. 66

بإتباعهم هم أهل المدينة ومالك لا يقول هذا. وكيف يقوله وهو يرى أن الإجماع حجة ومما عارض به المخالف أن قالوا إذا سلمنا باب النقل الذي ذكرتم فما فائدة الإجماع والعمل؟ ومتى حصل النقل عن جماعة يحصل العلم بخبرهم وجب الرجوع إليه وإن خالفهم غيرهم فما فائدة ذكرهم الإجماع مع الاتفاق على هذا؟ فالجواب أنا نقول: إذا نقل البعض فلا يخلو الباقون أن يؤثر عنهم خلاف أو لا يؤثر، فإن لم يؤثر فهو ما أردناه، وإن علم الخلاف فإن كان من القليل لم يلتفت إليه ولم يقدح مخالفة القليل في الإجماع النقلي، وقد اختلف في مخالفة القليل فالإجماع الإجماع على ما قرره أرباب الأصول الذي شرطه في التحقيق أطباق ملأ المجتهدين. وأما النقل فإنما يحتاج فيه عدد يوجب لنا العلم فإذا خالف فيه القليل نسب إليه الغلط والوهم إذ القطع نقل، التواتر وصحته يبطل خلافه، وأما إن كان الخلاف من جماعة آخرين وجمهور ثان متواتر أيضًا فقد قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب هذا نقل متعارض لا يكون حجة وليست مسألتنا. قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: وعندي أن تصور هذه النازلة يستحيل إذ نقل المتواتر موجب للعلم الضروري إذا جاء على شروطه ولا يصح أن يعارضه تواتر آخر لأنه يقضي أن أحدهما باطل محال، وهذا مما لا يصححه العقل ولا يصح كونهما جميعًا حقًا، ولا كونهما جميعًا باطلا، فسقط السؤال كرة. إلا أن يكون النقل المتواتر المتعارض في نازلتين معينتين أن حالين مختلفين أو وقتيين متغايرين فيحكم فيهما بحكم الدليلين الصحيحين المتعارضين، وينظر إلى الجمع بينهما إن أمكن، وقصر كل واحد على نازلته وبابه أو الرجوع إلى التاريخ والحكم بالنسخ وغير ذلك من الحكم في

стр. 67

التعارض والترجيح، وموضع بسطه أصول الفقه، قالوا فإذا تقرر ما بسطتموه رجع إلى نقلهم وتواتر خبرهم وعملهم، وبه الحجة، فما معنى تسميتهم إجماعًا؟ قلنا: معناه إضافة النقل والعمل إلى الجميع من حيث لم ينقل أحد منهم ولا عمل بما يخالفه، فإن قيل فقد حلتم المسألة وصرتم من إجماع إلى إجماع على نقل بقول أو عمل، فالجواب: إن موجب الكلام لنا في هذه المسألة مخالفة العراقيين وغيرهم لنا في مسائل طريقا النقل والعمل المستفيض اعتمدوا فيها على أخبار آحاد واحتج أصحابنا بنقل أهل المدينة وعملهم المجمع عليه المتواتر على تلك الأخبار لما قدمناه. فإن قالوا فقد قال الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وهذا رد إلى غير الرسول إذ تقرر عندنا بالنقل المتواتر إن ذلك العمل هو سنة رسول الله ﷺ وعمله وإقراره. قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه فأما قول من قال من أصحابنا أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة فحجته، ما لهم من فضل الصحبة والمخالطة والملابسة والمساءلة ومشاهدة الأسباب والقرائن، ولكل هذا فضل ومزية في قوة الاجتهاد، وقد قال أصحابنا ومخالفونا: إن تفسير الصحابي الراوي لأحد محتملي الخبر أولى من تفسير غيره وحجة يترك لها تفسير من خالفه لمشاهدة الرسول وسماعه ذلك الحديث منه وفهمه من حاله ومخرج ألفاظه وأسباب قضيته ما يكون له به من العلم بمراده ما ليس عند غيره فرجع تفسيره لذلك فكذلك إجماع أهل المدينة بهذا السبيل واجتهادهم مقدم على غيره فمن نأت داره ولم يبلغه إلا مجرد خبر معرى من قرائنه سليب من أسباب

стр. 68

مخارجه. وهذا ما رجح الشافعي أحاديث شيوخ الصحابة على حديث أسامة في الدماء، قال لأن ابن عمر وعبادة والمشيخة أعلم برسول الله ﷺ من أسامة، ولهذا رجح الأصوليين والفقهاء قياس الصحابي على قياس غيره ولذلك رجح كثير منهم لعمل الصحابي بل للحديث إذا رواه على غيره من حديث لم يعمل به راويه، وقد قال الشافعي مرة: إجماع أهل المدينة أحب إلي من القياس، وهذا قول بأن إجماعهم حجة في وجه بخلاف إجماع غيرهم الذي لا خلاف بين أحد أنه لا تأثير له في الأحكام، إلا ما حكي عن بعض الأصوليين أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة كما قدمناه وما رجح به أهل الأصول في تعارض الأخبار بعمل أهل مكة والمدينة. وهذا - أكرمكم الله تعالى - منتهى الكلام في هذا الباب، ولباب العقول والألباب ومترع في المسألة من التحقيق والتدقيق يشهد له كل منصف بالصواب. باب ترجيح مذهب مالك والحجة في وجوب تقليده وتقديمه على غيره من الأئمة قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه: رأينا البداية قبل الخوض في هذا ماسة إلى تقديم مقدمة وتمهيد قاعدة لموجب التقليد عليها ينبني الكلام فيما قصدناه فأقول: اعلموا وفقنا الله تعالى وإياكم أن حكم المتعبد بأوامر

стр. 69

الله تعالى ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه ﵇ طلب معرفة ذلك وما يتعبد به، وما يأتيه ويذره، ويجب عليه ويحرم، ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇، فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ولا يعبد الله تعالى إلا بعلمهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما ومسند إليهما فلا يصح أن يوجد وينعقد إلا عنهما، إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله، ومن اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد، وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك الطريق والآلات الموصلة إليه من نقل ونظر وطلب قبله وجمع وحفظ وعلم وما صح من السنن واشتهر، ومعرفة كيف يتفهم وما به يتفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية واللغة وعلم معانيها وعلم موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر نواحيه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه وأكثره يتعلق بعلم العربية ومقاصد الكلام والخطاب، ثم يأخذ قياس ما لم ينص عليه على ما نص بالتنبيه على علته أو شبيهًا له. وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه، ثم إن الواصل إلى هذا الطريق وهو طريق الاجتهاد والحكم به في الشرع قليل وأقل من القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح والقرون المحمودة الثلاثة وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما تعبد به وكلف به من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به ويثبته عليه في نقله وعلمه وحكمه وهو التقليد ودرجة عوام الناس بل أكبرهم هذا، وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم لموثوق بذلك، فإذا كثر العلماء فالأعلم وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه ولا يترك المقلد الأعلم

стр. 70

ويعدل إلى غيره وإن كان يشتغل بالعلم فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه. قال الله تعالى: (فاسألوه أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأمر النبي ﷺ بالإقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه، وقد بعث النبي ﷺ أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وإذا كان هذا الأمر لازمًا لا بد منه فكان أولى من قلده العامي الجاهل (والمبتدئ) المتعبد والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله تعالى وأحق بذلك فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين أخذوا عنه العلم وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي ووظائف الشرائع ومخارج كلامه ﵇. وشاهدوا قرائن ذلك وثاقبوا في أكثرها النبي ﵇ واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من سعة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور، فكانوا أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل ولا تكلموا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل مما علموا والذبّ عن حوزة الدين وتوكيد شريعة المسلمين ثم بينهم من الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف، وإنما جاء التفريع التنتيج وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم، فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم ثم جاء من بعدهم العلماء من أتباع التابعين، والوقائع قد كثرت والنوازل قد حدثت، والفتاوى في ذلك قد تشعبت فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وحذروا انتشار الأمر وخروج الخلاف عن الضبط فاجتهدوا في جمع السنن وضبط الأصول

стр. 71

وسألوا فأجابوا وبنوا القواعد ومهدوا الأصول وفرعوا عليها النوازل ووضعوا في ذلك للناس التصانيف وبوبّوها، وعمل كل واحد منهم بحسب ما فتح عليه ووفق له، فانتهى إليهم علم الأصول والفروع والاختلاف والاتفاق وقاسوا على ما بلغهم ما يدل عليه ويشبه، رضي الله عن جميعهم ووفاهم أجر اجتهادهم فالمتعين على المقلد العامي وطالب العلم المبتدئ أن يرجع في التقليد لهؤلاء لنصوص نوازله والرجوع فيما أشكل من ذلك إليهم، ولاستغراق علم الشريعة ودورها عليهم وأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم، لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل وجمهور المسائل لاختلافهم باختلاف الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن، يقلد المقلد من شاء منهم على الشهوة والبحث أو على ما وجه عليه أهل قطره وآله، فحظه هنا من الاجتهاد النظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم حتى يركن العامي في أعماله إلى فتواه ويجتهد في تعبداته على ما رآه وينصب العامي الأعلم من ملتزمي مذاهب هؤلاء منصبه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه من لا يرى مذهبه، فقد قال بعض المشائخ: إن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه كالنبي ﵇ مع أمته، ولا يحل له مخالفته. وهذا صحيح في الاعتبار مما بسطناه وشرطناه يظهر صوابه لأولي البصائر والأبصار وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرعه وحفظ ما ألفه وجمعه والاهتداء بنظره في ذلك والميل حيث مال معه إذ لو ابتدأ الطالب في كل مسألة فطلب الوقاف على الحق منها بطريق الاجتهاد عسر عليه ذلك إذ لا يتفق له إلا بعد جمع خصاله وتناهي كماله، وإذا كان بهذا السبيل استغنى عن تقليد أرباب المذاهب وكان من المجتهدين لنفسه

стр. 72

فسبيله أن يقلد من يعرفه أن، هذا هو الحق، حتى إذا أدرك من العلم ما قيض له وحصل منه ما قسم الله تعالى له وأفلح وكان فيه عمل للنظر والاجتهاد انتقل إلى ذلك وأدركه، فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قبلهم ومع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه، لكن للعلل التي ذكرنا وكفاية ما نحلوه وانتقوه من ذلك كما قدمنا. ثم اختلفت الآراء والهمم في تعيين المقلد منهم بحسب ما اعتقدوه فيه أنه هو الأعلم والأولى بالإتباع، أما من اعتقاد اعتقدوه أو انتشار ذكر وثناء سمعوه أو من اتباع له اعتمدوه أو من تقليد لآبائهم أو أهل بلادهم نشأوا عليه وألفوه، فكان المقلدون المقتدى بمذاهبهم أصحاب الأتباع في سائر الأقطار البقاع كثرة قبل مالك بن أنس بالمدينة وأبو حنيفة والثوري بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة على ما تقدم منه، والأوزاعي بالشام، والشافعي بمصر، وأحمد بن حنبل (بعده) ببغداد وكان لأبي ثور هناك أيضًا أتباع. ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري وداود الأصبهاني فألفا الكتب واختارا في المذاهب على آراء أهل الحديث واطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهما أتباع، وسرت جميع هذه المذاهب في الآفاق فغلب مذهب مالك على الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا وظهر ببغداد ظهورًا كثيرًا وضعف بها بعد أربعمائة سنة وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب من بلاد خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور

стр. 73

وكان با وبغيرها أئمة ومدرسون سنذكر منهم بعد في طبقاتهم من ألهم الله تعالى إليه، وكان ببلاد فارس وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام، وغلب مذهب أبي حنيفة على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا وظهر بإفريقية ظهورًا كثيرًا إلى قريب من أربعمائة عام فانقطع منها ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب قديمًا بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس وغلب مذهب الأوزاعي على الشام وعلى جزيرة الأندلس أولًا إلى أن، غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع، وأما مذهب الحسن والثوري فلم يكثر أتباعهما ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب، وأما الشافعي فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهبي مالك وأبي حنيفة قبله وكان أول ظهوره بمصر وكثر أصحابه بها مع المالكية وبالعراق وبغداد وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا أتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع على أصولهم دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم، للعلل التي ذكرناها، وصار الناس اليوم في أقطار الدنيا إلى خمسة مذاهب مالكية وحنفية وشافعية وحنفية وحنبلية وداودية وهم المعرفون بالظاهرية. فحق على طالب العلم ومريد تعرف الصواب والحق أن يعرف أولاهم بالتقليد ليعمل على مذهبه ويسلك في التفقه سبيله، وها نحن نبين أن مالكًا رحمه الله تعالى هو ذلك لجمعه أدوات الإمامة وتحصيله درجة الاجتهاد وكونه أعلم القوم بأهل زمانه وأطباق أهل وقته على شهادتهم له بذلك وتقديمه، وهو القدوة والناس إذ ذاك ناس والزمان زمان، ثم للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي داره وانطلاق هذا الوصف ولإضافة على ألسنة الجماهير، وموافقة أحواله الحال التي أخبر في

стр. 74

الحديث عنه وتأويل السلف الصالح أنه المراد به، وتفصيل الكلام في ذلك وبسطه في فصلين أولهما ما اعتمد النقل والأثر وفي ذلك ترجيحان، والثاني مسلكه الاعتبار والنظر، وفيه ثلاث ترجيحات فانتهينا في ترجيح مذهبه وعظيم قدره في العلم وعلو منصبه إلى خمس حجج كلها أتينا فيها بمبلغ الوسع بما يقطع الغدر ويكاد ينتهي بعضها إلى مدارك القطع.

стр. 75

الفصل الأول اعلموا وفقكم الله تعالى أن ترجيح مذهب مالك على غيره وأنافة منزلته في العلم وسمو قدره من طريق النقل والأثر لا ينكره إلا معاند أو قاصر لم يبلغه ذلك مع اشتهاره في كتب المخالف والمساعد، وها نحن نقرر الكلام في ذلك في حجتين أولاهما: بالتقديم وهو الأثر المشهور الصحيح المروي في ذلك من رسول الله ﵇ من حديث الثقات، منهم سفيان بن عيينة عن أبي جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم. وفي رواية يلتمسون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم، وفي رواية من عالم المدينة وفي بعضها أباط الإبل مكان أكباد الإبل، وقد رواه غير سفيان عن ابن جريج بمثل حديث سفيان منهم المحاربي موقوفًا على أبي هريرة ومحمد بن عبد الله الأنصاري في سند وهو ثقة مأمون. وهذا الطريق أشهر طرقه ورجال هذا الطريق رجال مشاهير ثقات خرج عن جميعهم البخاري ومسلم وأهل الصحيح ورواه أيضًا المقبري عن أبي هريرة بلفظ آخر حدث به القاضي أبو البختري وهب بن منتبه عن عبد الأعلى بن عبد الله عن القبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه إلا أن أبا البختري ضعيف عندهم وقد رواه النسائي أيضًا، وخرجه في مصنفه عن علي بن محمد بن كثير عن سفيان
следующие страницы →