[الفصل الخامس الاستحاضة وأحكامها]
[تعريف الاستحاضة]
الفصل الخامس
في الاستحاضة وأحكامها الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطعُ عنها أبدًا أو ينقطعُ عنها مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر.
فدليل الحالة الأولى التي لا ينقطع الدم فيها أبدًا ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «قالت فاطمة بنت أبي حُبيش لرسول الله ﷺ يا سول الله إني لا أطهُرْ. وفي رواية أستحاضُ فلا أطهُر» .
ودليل الحالة الثانية التي لا ينقطع الدم فيها إلا يسيرًا حديث حمنة بنت جحش حيث «جاءتْ إلى النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله إني أستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدة» . [الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ونقل عن الإمام أحمد تصحيحه وعن البخاري تحسينه] .
стр. 37
[أحوال الاستحاضة]
أحوال المستحاضة للمستحاضة ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكونَ لها حيض معلوم قبل الاستحاضة فهذه ترجع إلى مدة حيضها المعلوم السابق فتجلس فيها ويثبت لها أحكام الحيض، وما عداها استحاضة، يثبت لها أحكام المستحاضة.
مثال ذلك امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأتْ عليها الاستحاضة فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضُها ستة أيام من أول كل شهر، وما عداها استحاضة لحديث عائشة ﵂ «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: " يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا. إن ذلك عِرْق، ولكن دَعي الصلاة قدْرَ الأيام التي كنت تحيضينَ فيها ثم اغتسلي وصلى» . رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: «أن النبي ﷺ قال لأم حبيبة بنت جحش:
стр. 38
(إمكُثي قدْر ما كانت تحبسُك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) » . فعلى هذا تجلسُ المستحاضة التي لها حيض معلوم قدر حيضها ثم تغتسلُ وتصلي ولا تُبالي بالدم حينئذ.
الحالة الثانية: أن لا يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة بأن تكون الاستحاضة مستمرة بها من أول ما رأت الدم من أول أمرها، فهذه تعمل بالتمييز فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غِلْظَة أو رائحة يثبْتُ له أحكام الحيض، وما عداه استحاضة يثبتُ له أحكام الاستحاضة.
مثال ذلك امرأة رأتْ الدم في أول ما رأتهُ، واستمر عليها لكن تراهُ عشرة أيام أسْوَد وباقي الشهر أحمر. أو تراهُ عشرة أيام غَليظًا وباقي الشهر رقيقًا. أو تراهُ عشرة أيام له رائحة الحيض وباقي الشهر لا رائحة له فحيضها الأسود في المثال الأول والغليظ في المثال الثاني، وذو الرائحة في المثال الثالث، وما عدا ذلك فهو
стр. 39
استحاضة لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيضة فإنه أسودَ يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصليِّ؛ فإنما هو عِرْق» . [رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم] . وهذا الحديث وإن كان في سنده ومتنه نظر فقد عَمِلَ به أهل العلم ﵏، وهو أوْلى من ردِّها إلى عادة غالب النساء.
الحالة الثالثة: ألا يكونَ لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكونَ الاستحاضة مستمرة من أول ما رأتْ الدم ودمها على صفة واحدة أو على صفات مضطربة لا يمكنُ أن تكونَ حيضًا، فهذه تعملُ بعادة غالب النساء فيكونَ حيضها ستة أيام أو سبعة من كل شهر يبتدئ من أول المدة التي رأت فيها الدم، وما عداه استحاضة.
مثال ذلك أن ترى الدم أول ما تَرَاهُ في الخامس من الشهر ويستمر عليها من غير أن يكون فيه تمييز صالح للحيض لا بلون ولا غيره فيكون حيضُها من كل شهر ستة
стр. 40
أيام أو سبعة تَبتْدئ من اليوم الخامس من كل شهر. «لحديث حمنة بنت جحش ﵂ أنها قالت: " يا رسول الله: إني أستحاضُ حيضةً كبيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام، فقال. أنعتُ لك (أصفُ لك استعمال) الكرسف (وهو القطن) تضعينه على الفرج، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك.» وفيه قال: «إنما هذا ركْضَة من رَكَضَات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنك قد طهُرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي» . [الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن أحمد أنه صححه، وعن البخاري أنه حسنه] .
وقوله ﷺ «ستة أيام أو سبعة» ليس للتخيير وإنما هو للاجتهاد فتنظر فيما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خَلْقَةً ويقاربها سنا ورُحْمًا وفيما هو أقرب إلى الحيض من دمها، ونحو ذلك من الاعتبارات فإن كان الأقرب أن
стр. 41
يكون ستة جعلته ستة وإن كان الأقرب أن يكونَ سبعة جعلته سبعة.
[حال من تشبه المستحاضة]
حال من تشبه المستحاضة قد يحدث للمرأة سبب يوجبُ نزيف الدم من فرجها كعملية في الرحم أو فيما دونه وهذه على نوعين:
الأولى: أن يعلم أنها لا يمكن أن تحيض بعد العملية مثل أن تكونَ العملية استئصال الرحم بالكلِّية أو سده بحيث لا ينزلُ منه دم، فهذه المرأة لا يثبتُ لها أحكام المستحاضة، وإنما حكمها حكم من ترَى صُفْرَ أو كُدْرَةً أو رطوبة بعد الطهر، فلا تتركْ الصلاة ولا الصيام ولا يمتنعْ جماعها ولا يجبْ غسْل من هذا الدم، ولكن يلزمها عند الصلاة غُسْل الدم، وأن تُعَصِّبَ على الفرج خِرْقة ونحوها، لتمنع خروج الدم، ثم تتوضأ للصلاة ولا تتوضأ لها إلا بعد دخول وقتها، إن كان لها وقت كالصلوات الخمسة، وإلا فعند إرادة فِعْل الصلاة
стр. 42
كالنوافل المطلقة.
الثاني: ألا يعلم امتناع حيضها بعد العملية بل يمكن أن تحيض، فهذه حكمها حكم المستحاضة. ويدل لما ذكِرَ قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة» . فإن قوله «فإذا أقبلتْ الحيضةُ» يفيد أن حكم المستحاضة فيمن لها حيض ممكن ذو إقبال وإدبار، أما من ليس لها حيض ممكن فدمها دم عِرْق بكل حال.
[أحكام الاستحاضة]
أحكام الاستحاضة عرفنا مما سبق متى يكونُ الدم حيضًا ومتى يكون استحاضة فمتى كان حيضًا ثبتُت له أحكام الحيض، ومتى كان استحاضة ثَبتُتْ له أحكام الاسحاضة.
وقد سبق ذكر المهم من أحكام الحيض.
وأما أحكام الاستحاضة، فكأحكام الطهر، فلا فرق بين المستحاضة وبين الطاهرات إلا فيما يأتي:
стр. 43
الأول: وجوب الوضوء عليها لكل صلاة، لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «ثم تَوضَّئي لكل صلاة» . رواه البخاري في باب غسْل الدم. معنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها. أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها.
الثاني: إنها إذا أرادتْ الوضوء فإنها تغسلُ أثرَ الدم، وتُعصِّبُ على الفرج خِرْقة على قطن ليستمسك الدم لقول النبي ﷺ لحمنة: «أنعتُ لك الكرْسَفَ فإنه يُذْهب الدم، قالت: فإنه أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قالت هو أكثر من ذلك قال: فَتَلَجَّمي» . الحديث، ولا يضرُّها ما خرج بعد ذلك، لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «اجتنبي الصلاة أيام حيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي، وإن قطر الدم على الحصير» . [رواه أحمد وابن ماجه] .
الثالث: الجماع فقد اختلف العلماء في جوازه إذا لم يخفْ العنت بتركه والصواب جوازه مطلقا لأن نساء
стр. 44
كثيرات يبلُغن العشر أو أكثر استحضْن في عهد النبي ﷺ ولم يمنع الله ولا رسوله من جماعهنَّ. بل في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] دليل على أنه لا يجبُ اعتزالهن فيما سواه، ولأن الصلاة تجوزُ منها، فالجماعُ أهون. وقياس جماعها على جماع الحائض غير صحيح، لأنهما لا يستويان حتى عند القائلين بالتحريم والقياس لا يصحُّ مع الفارق.
стр. 45
[الفصل السادس في النفاس ومدته]
[تعريف النفاس]
الفصل السادس
في النفاس وحكمه النفاس: دم يرخيه الرحم بسبب الولادة، إما معها أو بعدها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطَّلق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ما تراه حين تشرعُ في الطلق فهو نفاس ولم يقيده بيومين أو ثلاثة، ومراده طلْق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس ". واختلف العلماء هل له حد في أقلهِّ وأكثره؟ . قال الشيخ تقيُّ الدين في رسالته في الأسماء التي علَّق الشارع الأحكام بها ص: ٣٧: " والنفاس لا حدَّ لأقله ولا لأكثره فلو قدر أن امرأة رأتْ الدم كثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس لكن إن اتصل فهو دم فساد وحينئذ فالحد أربعون فإنه منتهى الغالب جاءت به الآثار ". اهـ.
قلت: وعلى هذا فإذا زاد دَمُها على الأربعين، وكان لها عادة بانقطاعه بعد أو ظهرتْ فيه إمارات قُرْب
стр. 46
الانقطاع انتظرتْ حتى ينقطعَ وإلا اغتسلتْ عند تمام الأربعين، لأنه الغالب إلا أن يصادفَ زمنُ حيضها فتجلس حتى ينتهيَ زمن الحيض، فإذا انقطعَ بعد ذلك فينبغي أن يكونَ كالعادة لها فتعمل بحسبه في المستقبل، وإن استمر فهي مستحاضة، ترجع إلى أحكام المستحاضة السابقة، ولو طَهُرَتْ بانقطاع الدم عنها فهي طاهر ولو قبل الأربعين، فتغتسل وتصلي وتصوم ويجامعُها زوجها، إلا أن يكونَ الانقطاع أقل من يوم فلا حكم له، قاله في المغنى.
ولا يثبتُ النفاس إلا إذا وضعتْ ما تبين فيه خلْقُ إنسان، فلو وضعت سقطًا صغيرًا لم يتبين فيه خلْق إنسان فليس دمها دم نفاس، بل هو دم عِرْق فيكون حكمها حكم المستحاضة، وأقل مدة تبين فيها خلق إنسان ثمانون يومًا من ابتداء الحمل وغالبها تسعون يومًا. قال المجد ابن تيمية: فمتى رأتْ يومًا على طلْق قبلها لم تلتفتْ إليه وبعدها تُمْسك عن الصلاة والصيام، ثم إن
стр. 47
انكشفَ الأمر بعد الوضع على خلاف الظاهر رجَعَتْ فاستدركتْ، وإن لم ينكشف الأمر استمرَّ حكم الظاهر فلا إعادة. نقله عنه في شرح الإقناع.
[أحكام النفاس]
أحكام النفاس أحكام النفاس كأحكام الحيض سواء بسواء، إلا فيما يأتي:
الأول: العدة فتعتبر بالطلاق دون النفاس لأنه إن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضتْ العدة بوضعه لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع انتظرتْ رجوع الحيض كما سبق.
الثاني: مدة الإيلاء يحسب منها مدة الحيض ولا يحسبُ منها مدة النفاس.
والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع امرأته أبدًا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فإذا حَلَفَ وطالبتْه بالجماع جَعَل له مدة أربعة أشهر من حلفه، فإذا تمَّتْ أجْبر على
стр. 48
الجماع أو الفراق بطلب الزوجة، فهذه المدة إذا مرّ بالمرأة نفاس لم يحسبْ على الزوج، وزيد على الشهور الأربعة بقدر مدته، بخلاف الحيض فإن مدته تحسبُ على الزوج.
الثالثة: البلوغ يحصلُ بالحيض ولا يحصلُ بالنفاس، لأن المرأة لا يمكنُ أن تحمل حتى تنزل فيكونَ حصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل.
الرابع: أن دم الحيض إذا انقطع ثم عاد في العادة فهو حيض يقينًا، مثل أن تكونَ عادتها ثمانية أيام، فَترَى الحيض أربعة أيام ثم ينقطع يومين ثم يعود في السابع والثامن، فهذا العائد حيض يقينًا يثبتُ له أحكام الحيض، وأما دم النفاس، إذا انقطع قبل الأربعين ثم عاد في الأربعين فهو مشكوك فيه فيجب عليها أن تصلي وتصومَ الفرض المؤقت في وقته ويحرمُ عليها ما يحرمُ على الحائض غير الواجبات وتقضي بعد طهرها ما فعلته في هذا الدم. مما يجبُ على الحائض قضاؤه. هذا هو
стр. 49
المشهور عند الفقهاء من الحنابلة والصواب أن الدم إذا عاودها في زمن يمكنُ أن يكونَ نفاسًا فهو نفاس، وإلا فهو حيض إلا أن يستمرَّ عليها فيكونَ استحاضة، وهذا قريب مما نقله في المغني (١) عن الإمام مالك حيث قال: وقال مالك: " إِن رأتْ الدم بعد يومين أو ثلاثة يعني من انقطاعه فهو نفاس وإلا فهو حيض ". اهـ وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وليس في الدماء شيء مشكوك فيه بحسب الواقع، ولكن الشك أمر نسبي يختلف فيه الناس بحسب علومهم وأفهامهم. والكتاب والسنة فيهما تبيان كل شيء، ولم يوجبْ الله سبحانه على أحد أن يصوم مرتين، أو يطوفَ مرتين، إلا أن يكون في الأول خَلَل لا يمكن تداركه إلا بالقضاء، أما حيث فعل العبد ما يقدرْ عليه من التكليف بحسب استطاعته فقد برئتْ ذمته، كما قال تعالى:
стр. 50
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]
الخامس: أنه في الحيض إذا طَهُرَتْ قبل العادة جاز لزوجها جماعها بدون كراهة. وأما في النفاس إذا طَهُرَتْ قبل الأربعين فيكره لزوجها جماعها على المشهور في المذهب، والصواب أنه لا يكرهُ له جماعها. وهو قول جمهور العلماء، لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في هذه المسألة سوى ما ذكره الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص أنها أتتهْ قبل الأربعين، فقال لا تقْربيني. وهذا لا يستلزمُ الكراهة لأنه قد يكون منه على سبيل الاحتياط خوفًا من أنها لم تتيقنْ الطُّهْر، أو من أن يتحرك الدم بسبب الجماع، أو لغير ذلك من الأسباب. والله أعلم.
стр. 51
[الفصل السابع استعمال ما يمنع الحيض أو يجلبه وما يمنع الحمل أو يسقطه]
[استعمال المرأة ما يمنع حيضها]
الفصل السابع
في استعمال ما يمنع الحيض
أو يجلبه وما يمنع الحمل أو يسقطه استعمال المرأة ما يمنع حيضها جائز بشرطين:
الأول: ألا يخشى الضرر عليها، فإن خَشِيَ الضرر عليها من ذلك فلا يجوزُ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج إن كان له تَعَلّق به مثل أن تكونَ معتدَّة منه على وجه تجبُ عليه نَفَقَتُها، فتستعمل ما يمنعُ الحيض لتطول المدة وتزداد عليه نفقتها، فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه، وكذلك إن ثبت أنَّ منع الحيض يمنعُ الحمل فلا بد من إذن الزوج، وحيث ثبت الجواز فالأوْلى عدم استعماله، إلا لحاجة لأن ترْك الطبيعة على ما هي عليه
стр. 52
أقرب إلى اعتدال الصحة فالسلامة.
[استعمال المرأة ما يجلب الحيض]
وأما استعمال ما يجلب الحيض فجائز بشرطين أيضًا:
الأول: ألا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قُرْب رمضان، من أجل أن تفطر أو لتسقط به الصلاة، ونحو ذلك.
الثاني: أن يكونَ ذلك بإذن الزوج، لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، فلا يجوزُ استعمال ما يمنعُ حقه إلا برضاه، وإن كانت مطلقة، فإنّ فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرَجْعَة إن كانَ له رَجْعة.
[استعمال المرأة ما يمنع الحمل]
وأما استعمال ما يمنع الحمل فعلى نوعين:
الأول: أن يمنعهُ منعًا مستمرًّا فهذا لا يجوزُ، لأنه يقطعُ الحمل فيقلَّ النسلُ، وهو خلاف مقصود الشارع، من تكثير الأمة الإسلامية، ولأنه لا يؤمن أن يموتَ أولادها الموجودون فتبقى أرملة لا أولاد لها.
الثاني: أن يمنعهُ منعًا مؤقتا، مثل أن تكون المرأة
стр. 53
كثيرة الحمل، والحمل يرهقُها، فتحبُّ أن تنظم حملها كل سنتين مرة، أو نحو ذلك فهذا جائز، بشرط أن يأذن به زوجها وألا يكونَ به ضرر عليها، ودليله أن الصحابة كانوا يعزلون عن نسائهم في عهد النبي ﷺ من أجل ألا تحمل نساؤهم، فلم ينهوا عن ذلك. والعزل أن يجامع زوجته وينزع عند الإنزال فينزل خارج الفرج.
[استعمال المرأة ما يسقط الحيض]
وأما استعمال ما يسقط الحمل فهو على نوعين:
الأول: أن يقصد من إسقاطه إتلافه، فهذا إن كان بعد نفخ الروح فيه فهو حرام، بلا ريب، لأنه قتل نفس محرَّمةٍ بغير حق وقتل النفس المحرمة حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وإن كان قبل نفخ الروح فيه فقد اختلف العلماء في جوازه، فمنهم من أجازَه، ومنهم من مَنعه، ومنهم من قال يجوزُ ما لم يكن علَقَة أي ما لم يمض عليه أربعون يومًا، ومنهم من قال يجوزُ ما لم يتبيّن فيه خلْقُ إنسان.
والأحوط المنع من إسقاطه إلا لحاجة كأن تكون الأم
стр. 54
مريضة لا تتحمل الحمل أو نحو ذلك، فيجوزُ إسقاطه حينئذ إلا إن مضى عليه زمن يمكنُ أن يتبين فيه خلْقُ إنسان فيمنعُ، والله أعلم.
الثاني: ألا يقصد من إسقاطه إتلافه بأن تكون محاولة إسقاطه عند انتهاء مدة الحمل وقُرْب الوضع فهذا جائز، بشرط ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، ولا على الولد. ولا يحتاج الأمر إلى عملية، فإن احتاج إلى عملية فله حالات أربع:
الأولى: أن تكون الأم حيةً والحمل حيًّا، فلا تجوزُ العملية إلا للضرورة، بأن تتعسر ولادتها فتحتاجُ إلى عملية، وذلك لأن الجسم أمانة عند العبد، فلا يتصرف فيه بما يخشى منه إلا لمصلحة كبرى؛ ولأنه ربما يظنُّ ألا ضرر في العملية فيحصل الضرر.
الثانية: أن تكون الأم ميتة والحمل ميتًا، فلا يجوزُ إجراء العملية لإخراجه لعدم الفائدة.
الثالثة: أن تكون الأم حيةً والحمل ميتًا، فيجوزُ إجراء
стр. 55
العملية لإخراجه، إلا أن يخشى الضرر على الأم لأن الظاهر - والله أعلم - أن الحمل إذا مات لا يكادُ يخرجُ بدون العملية، فاستمراره في بطنها يمنعُها من الحمل المستقبل، ويشُقُّ عليها، وربما تبقى أيِّمًا إذا كانت معتدَّة من زوج سابق.
الرابعة: أن تكون الأم ميتة والحمل حيًّا، فإن كان لا ترجى حياته لم يجزْ إجراء العملية.
وإن كان ترجى حياته، فإن كان قد خرج بعضه شُقَّ بطن الأم لإخراج باقيه، وإن لم يخرجْ منه شيء فقد قال أصحابنا ﵏ لا يشق بطن الأم لإخراج الحمل، لأن ذلك مُثلة، والصواب أنه يُشَقُّ البطن إن لم يكنْ إخراجه بدونه، وهذا اختيار ابن هبيرة قال في الإنصاف (١) وهو أولى.
قلت ولا سيما في وقتنا هذا فإن إجراء العملية ليس
стр. 56
بمثلة، لأنه يُشَقُّ البطن ثم يُخَاط، ولأن حرْمَة الحي أعظم من حُرْمَة الميت، ولأن إنقاذ المعصوم من الهَلَكة واجب. والحمل إنسان معصوم فوجب إنقاذه. والله أعلم.
تنبيه: في الحالات التي يجوزُ فيها إسقاط الحمل فيما سبق لا بدَّ منْ إذن من له الحمل في ذلك كالزوج.
وإلى هنا انتهى ما أردْنا كتابته في هذا الموضوع المهم، وقد اقتصرنا فيه على أصول المسائل وضوابطها وإلا ففروعها وجزيئاتها وما يحدث للنساء من ذلك بحر لا ساحل له، ولكن البصير يستطيعُ أن يَرُد الفروع إلى أصولها والجزئيات إلى كلياتها وضوابطها، ويقيس الأشياء بنظائرها.
وليعلم المفتي بأنه واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ ما جاءتْ به رُسُلهُ، وبيانه للخلْق، وأنه مسئول عما في الكتاب والسنة، فإنهما المصدران اللذان كُلِّفَ العبد فهمهما، والعمل بهما، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو خطأ، يجبُ رَدُّه على قائله، ولا يجوز العمل به،
стр. 57
وإن كان قائله قد يكون معذورًا مجتهدًا فيؤجر على اجتهاده لكن غيره العالم بخطئه لا يجوز له قبوله.
ويجب على المفتي أن يخلص النية لله تعالى، ويستعين به في كل حادثة تقع به، ويسأله تعالى الثبات والتوفيق للصواب.
ويجب عليه أن يكون موضع اعتباره ما جاء في الكتاب والسنة، فينظر ويبحث في ذلك أو فيما يستعانُ به من كلام أهل العلم على فهمهما.
وإنه كثيرًا ما تحدث مسألة من المسائل، فيبحث عنها الإنسان فيما يقدرُ عليه من كلام أهل العلم، ثم لا يجدُ ما يطمئن إليه في حكمها، وربما لا يجدُ لها ذكرًا بالكلية، فإذا رجع إلى الكتاب والسنة، تبين له حكمهما قريبًا ظاهرًا وذلك بحسب الإخلاص والعلم والفهم.
ويجب على المفتي أن يتريَّث في الحكم عند الإشكال، وألا يتعجل، فكم من حكم تعجل فيه، ثم تبين له بعد النظر القريب، أنه مخطئ فيه، فيندم على
стр. 58
ذلك، وربما لا يستطيعُ أن يستدرك ما أفتى به.
والمفتي إذا عرف الناس منه التأني والتثبت وثقوا بقوله واعتبروه، وإذا رأوه متسرعًا، والمتسرع كثير الخطأ، لم يكن عندهم ثقة فيما يفتي به فيكون بتسرعه وخطئه قد حَرَمَ نفسه وحرم غيره ما عنده من علم وصواب.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم. وأن يتولانا بعنايته. ويحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم؛ وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تم بقلم الفقير إلى الله:
محمد الصالح العثيمين
في ضُحى يوم الجمعة
الموافق ١٤ شعبان سنة ١٣٩٢ هـ.
стр. 59
[فتاوى مهمة في أحكام الحيض]
فتاوى مهمة
في أحكام الحيض لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 60
س١: هذا السائل يقول: إذا طهرت الحائض واغتسلت بعد صلاة الفجر وصلت وكملت صوم يومها، فهل يجب عليها قضاؤه؟
جـ: إذا طهرت الحائض قبل طلوع الفجر ولو بدقيقة واحدة ولكن تيقنت الطهر فإنه إذا كان في رمضان فإنه يلزمها الصوم ويكون صومها ذلك اليوم صحيحًا ولا يلزمها قضاؤها لأنها صامت وهي طاهر وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر فلا حرج كما أن الرجل لو كان جنباٌ من جماع أو احتلام تسحر ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر كان صومه صحيحاٌ.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أمر آخر عند النساء إذا أتاها الحيض وهي قد صامت ذلك اليوم فإن بعض النساء تظن أن الحيض إذا أتاها بعد فطرها قبل أن تصلي العشاء فسد صوم ذلك اليوم، وهذا لا أصل له بل إن الحيض إذا أتاها بعد الغروب ولو بلحظة فإن صومها تام وصحيح.
* * *
стр. 61
س ٢: هل يجب على النفساء أن تصوم وتصلي إذا طهرت قبل الأربعين؟
جـ: نعم. متى طهرت النفساء قبل الأربعين فإنه يجب عليها أن تصوم إذا كان ذلك في رمضان، ويجب عليها أن تصلي، ويجوز لزوجها أن يجامعها، لأنها طاهر ليس فيها ما يمنع الصوم ولا ما يمنع وجوب الصلاة وإباحة الجماع.
* * * س ٣: إذا كانت المرأة عادتها الشهرية ثمانية أيام أو سبعة أيام ثم استمرت معها مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك فما الحكم؟
جـ: إذا كانت عادة هذه المرأة ستة أيام أو سبعة ثم طالت هذه المدة وصارت ثمانية أو تسعة أو عشرة أو أحد
стр. 62
عشر يوما فإنها تبقى لا تصلي حتى تطهر وذلك لأن النبي ﷺ لم يحد حدًّا معينًا في الحيض وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] فمتى كان هذا الدم باقياٌ فإن المرأة على حالها حتى تطهر وتغتسل ثم تصلي فإذا جاءها في الشهر الثاني ناقصًا عن ذلك فإنها تغتسل إذا طهرت وإذا لم يكن على المدة السابقة والمهم أن المرأة متى كان الحيض معها موجودًا فإنها لا تصلي سواء كان الحيض موافقًا للعادة السابقة أو زائدًا عنها أو ناقصا. وإذا طهرت تصلي.
* * * س ٤: إذا أحست المرأة بالدم ولم يخرج قبل الغروب، أو أحست بألم العادة هل يصح صيامها ذلك اليوم أم يجب عليها قضاؤه؟
جـ: إذا أحست المرأة الطاهرة بانتقال الحيض وهي صائمة ولكنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس، أو
стр. 63
أحست بألم الحيض ولكنه لم يخرج إلا بعد غروب الشمس فإن صومها ذلك اليوم صحيح وليس عليها إعادته إذا كان فرضًا ولا يبطل الثواب به إذا كان نفلًا.
* * * س ٥: إذا رأت المرأة دمًا ولم تجزم أنه دم حيض فما حكم صيامها ذلك اليوم؟
جـ: صيامها ذلك اليوم صحيح لأن الأصل عدم الحيض حتى يتبين لها أنه حيض.
س ٦: إذا رأت المرأة في زمن عادتها يوما دمًا والذي يليه لا ترى الدم طيلة النهار. فماذا عليها أن تفعل؟
جـ: الظاهر أن هذا الطهر أو اليبوسة التي حصلت لها في أيام حيضها تابع للحيض فلا يعتبر طهرًا، وعلى هذا فتبقى ممتنعة مما تمنع منه الحائض، وقال بعض أهل العلم: من كانت ترى يومًا دمًا ويومًا نقاءً فالدم حيض والنقاء طهر حتى يصل إلى خمسة عشر يومًا فإذا وصل
стр. 64
إلى خمسة عشر يومًا صار ما بعده دم استحاضة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
* * * س ٧: في الأيام الأخيرة من الحيض وقبل الطهر لا ترى المرأة أثرًا للدم، هل تصوم ذلك اليوم وهي لم ترَ القصة البيضاء أم ماذا تصنع؟
جـ: إذا كان من عادتها ألا ترى القصة البيضاء كما يوجد في بعض النساء فإنها تصوم وإن كان من عادتها أن ترى القصة البيضاء فإنها لا تصوم حتى ترى القصة البيضاء.
س ٨: ما حكم قراءة الحائض والنفساء للقرآن نظرًا وحفظًا في حالة الضرورة كأن تكون طالبة أو معلمة؟
جـ: لا حرج على المرأة الحائض أو النفساء في قراءة القرآن إذا كان لحاجة كالمرأة المعلمة أو الدارسة التي تقرأ وردها في ليل أو نهار، وأما القراءة أعني قراءة القرآن
стр. 65
لطلب الأجر وثواب التلاوة فالأفضل ألا تفعل لأن كثيرًا من أهل العلم أو أكثرهم يرون أن الحائض لا يحل لها قراءة القرآن.
* * * س ٩: ما رأيك في تناول حبوب منع الدورة الشهرية من أجل الصيام مع الناس؟
جـ: أنا أحذِّر من هذا. . . وذلك لأن هذه الحبوب فيها مضرة عظيمة، ثبت عندي ذلك عن طريق الأطباء ويقال للمرأة هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فاقنعي بما كتب الله وصومي حيث لا مانع وإذا وجد المانع فأفطري رضاءً بما قدَّر الله- .
* * * س١٠: بعض النساء يستمر معهن الدم وأحيانًا ينقطع يومًا أو يومين ثم يعود. . فما الحكم في هذه الحالة
стр. 66
بالنسبة للصوم والصلاة وسائر العبادات؟
جـ: المعروف عند كثير من أهل العلم أن المرأة إذا كان لها عادة وانقضت عادتها فإنها تغتسل وتصلي وتصوم وما تراه بعد يومين أو ثلاثة ليس بحيض لأن أقل الطهر عند هؤلاء العلماء ثلاثة عشر يومًا، وقال بعض أهل العلم: إنها متى رأت الدم فهو حيض، ومتى طهرت منه فهي طاهر، وإن لم يكن بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
* * * س ١١: سائلة تقول: إنها منذ وجب عليها الصيام وهي تصوم رمضان ولكنها لا تقضي صيام الأيام التي تفطرها بسبب الدورة الشهرية ولجهلها بعدد الأيام التي أفطرتها فهي تطلب إرشادها إلى ما يجب عليها فعله الآن؟
جـ: يؤسفنا أن يقع مثل هذا بين نساء المؤمنين فإن
стр. 67
هذا الترك. أعني ترك قضاء ما يجب عليها من الصيام: إما أن يكون جهلًا، وإما أن يكون تهاونًا وكلاهما مصيبة؛ لأن الجهل دواؤه العلم والسؤال، وأما التهاون فإن دواءه تقوى الله ومراقبته والخوف من عقابه والمبادرة إلى ما فيه رضاه. فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله مما صنعت وأن تستغفر وأن تتحرى الأيام التي تركتها بقدر استطاعتها فتقضيها، وبهذا تبرأ ذمتها ونرجو أن يقبل الله توبتها.
* * * س ١٢: هل السائل الذي ينزل من المرأة، أبيض كان أم أصفر طاهر أم نجس؟ وهل يجب فيه الوضوء مع العلم بأنه ينزل مستمرا؟ وما الحكم إذا كان متقطعًا خاصة أن غالبية النساء لا سيما المتعلمات يعتبرون ذلك رطوبة طبيعية لا يلزم منه الوضوء؟
جـ: الظاهر لي بعد البحث أن السائل الخارج من
стр. 68
المرأة إذا كان لا يخرج من المثانة وإنما يخرج من الرحم فهو طاهر، ولكنه ينقض الوضوء وإن كان طاهرًا، لأنه لا يشترط للناقض للوضوء أن يكون نجسًا فها هي الريح تخرج من الدبر وليس لها جرم ومع ذلك تنقض الوضوء. وعلى هذا إذا خرج من المرأة وهي على وضوء فإنه ينقض الوضوء وعليها تجديده.
فإن كان مستمرًّا فإنه لا ينقض الوضوء، ولكن تتوضأ للصلاة إذا دخل وقتها وتصلي في هذا الوقت الذي تتوضأ فيه فروضا ونوافل وتقرأ القرآن وتفعل ما شاءت مما يباح لها كما قال أهل العلم نحو هذا في من به سلس البول. هذا هو حكم السائل. من جهة الطهارة فهو طاهر، ومن جهة نقضه للضوء فهو ناقض للوضوء إلا أن يكون مستمرا عليها، فإن كان مستمرًّا فإنه لا ينقض الوضوء، لكن على المرأة ألا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول الوقت وأن تتحفظ.
أما إن كان متقطعًا وكان من عادته أن ينقطع في أوقات
стр. 69
الصلاة فإنها تؤخر الصلاة إلى الوقت الذي ينقطع فيه ما لم تخش خروج الوقت. فإن خشيت خروج الوقت فإنها تتوضأ وتتلجم (تتحفظ) وتصلي.
ولا فرق بين القليل والكثير لأنه كله خارج من السبيل فيكون ناقضًا قليله وكثيره بخلاف الذي يخرج من بقية البدن كالدم والقيء فإنه لا ينقض الوضوء لا قليله ولا كثيره.
وأمّا اعتقاد بعض النساء أنه لا ينقض الوضوء فهذا لا أعلم له أصلًا إلا قولا لابن حزم ﵀ فإنه يقول: " إن هذا لا ينقض الوضوء " ولكنه لم يذكر لهذا دليلًا ولو كان له دليل من الكتاب والسنة أو أقوال الصحابة لكان حجة. وعلى المرأة أن تتقي الله وتحرص على طهارتها، فإن الصلاة لا تقبل بغير طهارة ولو صلت مائة مرة، بل إن بعض العلماء يقول: إن الذي يصلي بلا طهارة يكفر لأن هذا من باب الاستهزاء بآيات الله .
* * *
стр. 70
س ١٣: ما حكم الكدرة التي تنزل من المرأة قبل الحيض بيوم أو أكثر أو أقل، وقد يكون النازل على شكل خيط رقيق أسود أو بني أو نحو ذلك وما الحكم لو كانت بعد الحيض؟
جـ: هذا إذا كانت من مقدمات الحيض فهي حيض، ويعرف ذلك بالأوجاع والمغص الذي يأتي الحائض عادة. أما الكدرة بعد الحيض فهي تنتظر حتى تزول لأن الكدرة المتصلة بالحيض حيض، لقول عائشة ﵂: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. والله أعلم.
س ١٤: قدمت امرأة محرمة بعمرة وبعد وصولها إلى مكة حاضت ومحرمها مضطر إلى السفر فورًا، وليس لها أحد بمكة فما الحكم؟
جـ: تسافر معه وتبقى على إحرامها، ثم ترجع إذا طهرت وهذا إذا كانت في المملكة لأن الرجوع سهل ولا يحتاج إلى تعب ولا إلى جواز سفر ونحوه، أما إذا كانت أجنبية وبشق عليها الرجوع فإنها تتحفظ وتطوف وتسعى
стр. 71
وتقصر وتنهي عمرتها في نفس السفر لأن طوافها حينئذ صار ضرورة والضرورة تبيح المحظور.
س ١٥: تقول السائلة: قد حججت وجاءتني الدورة الشهرية فاستحييت أن أخبر أحدًا ودخلت الحرم فصليت وطفت وسعيت فماذا علي، علمًا بأنها جاءت بعد النفاس؟
جـ: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضًا أو نفساء أن تصلي سواء في مكة أو في بلدها أو في أي مكان لقول النبي ﷺ في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» . . وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل لحائض أن تصوم ولا يحل لها أن تصلي، وعلى هذه المرأة التي فعلت ذلك عليها أن تتوب إلى الله وأن تستغفر مما وقع منها وأما طوافها حال الحيض فهو غير صحيح وأما سعيها فصحيح لأن القول الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج وعلى هذا فيجب عليها أن تعيد الطواف لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج ولا يتم التحلل الثاني إلا به وبناء عليه فإن هذه المرأة لا يباشرها
стр. 72
زوجها إن كانت متزوجة حتى تطوف ولا يعقد عليها النكاح إن كانت غير متزوجة حتى تطوف والله تعالى أعلم.
* * * س ١٦: يقول السائل: لقد قدمت من ينبع للعمرة أنا وأهلي ولكن حين وصولي إلى جدة أصبحت زوجتي حائضًا ولكن أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم بالنسبة لزوجتي؟
جـ: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى حتى تطهر ثم تقضي عمرتها لأن النبي ﷺ «لما حاضت صفية ﵂ قال: " أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلتنفر إذن» فقوله ﷺ (أحابستنا هي) دليل على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة حتى تطهر ثم تطوف وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة لأنه ركن من العمرة فإذا حاضت المعتمرة قبل الطواف انتظرت حتى تطهر ثم تطوف.