← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 31341

رسالة في الدماء الطبيعية للنساء

ابن عثيمين

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] رسالة في الدماء الطبيعية للنساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمدُه ونستعينهُ ونستغفرهُ، ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. أما بعد: فإن الدماء التي تصيبُ المرأة وهي الحيض والاستحاضة والنفاس، من الأمور المهمة التي تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفة أحكامها، وتمييز الخطأ من الصواب من أقوال أهل العلم فيها، وأن يكون الاعتماد فيما يرجحَ من ذلك أو يضعف على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة. ١ - لأنهما المصدران الأساسيان اللذان تُبنى عليهما أحكام الله تعالى التي تعبد بها عباده وكلفهم بها. ٢ - في الاعتماد على الكتاب والسنة طمأنينةُ القلب وانشراحُ الصدر وطيب النفس وبراءة الذمة. ٣ - ما عداهما فإنما يحتجُّ له ولا يحتجُّ به.

стр. 2

إذ لا حجة إلا في كلام لله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكذلك كلام أهل العلم من الصحابة على القول الراجح بشرط أن لا يكون في الكتاب والسنة ما يخالفه وأن لا يعارضه قول صحابي آخر، فإن كان في الكتاب والسنة ما يخالفه وجب الأخذ بما في الكتاب والسنة، وإن عارضه قول صحابي آخر طلب الترجيح بين القولين وأخذ بالراجح منها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] النساء آية ٩٥. وهذه رسالة موجزة فيما تدعو الحاجة إليه من بيان هذه الدماء وأحكامها وتشتمل على الفصول الآتية: الفصل الأول: في معنى الحيض وحكمته . الفصل الثاني: في زمن الحيض ومدته. الفصل الثالث: في الطوارئ على الحيض. الفصل الخامس: في الاستحاضة وأحكامها. الفصل السادس: في النفاس وأحكامه. الفصل السابع: في استعمال ما يمنع الحيض أو يجلبه وما يمنع الحمل أو يسقطه. [الفصل الأول في معنى الحيض وحكمته] الفصل الأول في معنى الحيض وحكمته الحيض لغة: سَيَلان الشيء وجريانه. وفي الشرع: دم يحدث للأنثى بمقتضى الطبيعة بدون سبب في أوقات معلومة. فهو دم طبيعي ليس له من مرض أو جرح أو سقوط أو ولادة. وبما أنه دم طبيعي فإنه يختلف بحسب حال الأنثى وبيئتها وجوّها. ولذلك تختلف فيه النساء اختلافًا متباينًا ظاهرًا. والحكمة فيه: أنه لما كان الجنين في بطن أمه لا يمكن أن يتغذى بما كان خارج البطن ولا يمكن لأرحم الخلق به أن يوصل إليه شيئًا من الغذاء حينئذ جعل الله تعالى في الأنثى إفرازات دموية يتغذى بها الجنين في بطن أمه بدون الحاجة إلى أكل وهضم تنفذ إلى جسمه من طريق السرة حيث يتخلل الدم عروقه فيتغذى

стр. 3

به، فتبارك الله أحسنُ الخالقين. فهذه هي الحكمة في هذا الحيض، ولذلك إذا حَمِلت المرأة انقطع الحيض عنها، فلا تحيض إلا نادرًا. وكذلك المراضع يقلُّ من تحيضُ منهن لا سيما في أول زمن الإرضاع. [الفصل الثاني في زمن الحيض ومدته] [السن الذي يأتي فيه الحيض] الفصل الثاني في زمن الحيض ومدته الكلام في هذا الفصل في مقامين: المقام الأول: في السن الذي يأتي فيه الحيض. المقام الثاني: في مدة الحيض. ١ - المقام الأول: فالسن الذي يغلب فيه الحيض هو ما بين اثنتي عشرة سنة إلى خمسين سنة، وربما حاضت الأنثى قبل ذلك أو بعده بحسب حالها وبيئتها وجوها. وقد اختلف العلماء ﵏: هل للسنَّ الذي يأتي فيه الحيض حدّ معين بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا

стр. 4

بعده، وإن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض؟ اختلف العلماء في ذلك. قال الدارمي بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ! لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حالٍ وسنً وجب جعله حيضًا. والله أعلم (١) . وهذا الذي قاله الدارمي هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض، وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله على وجوده، ولم يحددْ الله ورسوله لذلك سنًّا معينًا، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي عُلقت الأحكام عليه، وتحديده بسنّ معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة ولا دليل في ذلك. [مدة الحيض] ٢ - المقام الثاني وهو مدة الحيض أي مقدار زمنه.

стр. 5

فقد اختلف فيه العلماء اختلافًا كبيرًا على نحو ستة أقوال أو سبعة. قال ابن المنذر وقال طائفة: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام قلت وهذا القول كقول الدارمي السابق وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصواب لأنه يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.

стр. 6

الدليل الثالث: أن هذه التقديرات والتفصيلات التي ذكرها من ذكرها من الفقهاء في هذه المسألة ليست موجودة في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ مع أن الحاجة بل الضرورة داعية إلى بيانها فلو كانت مما يجب على العباد فهمه والتعبد لله به لبينهما الله ورسوله بيانًا ظاهرًا لكل أحد لأهمية الأحكام المترتبة على ذلك من الصلاة والصيام والنكاح والطلاق والإرث وغيرها من

стр. 7

الأحكام، كما بين الله ورسوله عدد الصلوات وأوقاتها وركوعها وسجودها، والزكاة: أموالها وأنصباؤها ومقدارها ومصرفها، والصيام: مدته وزمنه، والحج وما دون ذلك، حتى آداب الأكل والشرب والنوم والجماع والجلوس ودخول البيت والخروج منه وآداب قضاء الحاجة، حتى عدد مسحات الاستجمار إلى غير ذلك من دقيق الأمور وجليلها، مما أكمل به الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين، كما قال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال تعالى ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] فلما لم توجد هذه التقديرات والتفصيلات في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ تبين أن لا تعويل عليها، وإنما التعويل على مسمى الحيض الذي علقت عليه الأحكام الشرعية وجودا وعدما، وهذا الدليل - أعني أن عدم ذكر الحكم في الكتاب والسنة، دليل على عدم

стр. 8

اعتباره - ينفعك في هذه المسألة وغيرها من مسائل العلم؛ لأنَّ الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل من الشرع من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع معلوم، أو قياس صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة له: " ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاما متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدا فقد خالف الكتاب والسنة ". انتهى كلامه (١) . الدليل الرابع: الاعتبار أي القياس الصحيح المطرد، وذلك أن الله تعالى علل الحيض بكونه أذى، فمتى وُجد الحيض فالأذى موجود، لا فرق بين اليوم الثاني واليوم الأول، ولا بين الرابع والثالث، ولا فرق بين اليوم السادس عشر والخامس عشر، ولا بين الثامن عشر

стр. 9

والسابع عشر فالحيض هو الحيض والأذى هو الأذى فالعلة موجودة في اليومين على حد سواء فكيف يصح التفريق في الحكم بين اليومين مع تساويهما في العلة؟ أليس هذا خلاف القياس الصحيح؟ أوليس القياس الصحيح تساوي اليومين في الحكم لتساويهما في العلة؟ . الدليل الخامس: اختلاف أقوال المحددين واضطرابها فإن ذلك يدل على أنه ليس في المسألة دليل يجبُ المصير إليه وإنما هي أحكام اجتهادية معرضة للخطأ والصواب ليس أحدهما أولى بالاتباع من الآخر والمرجع قوة القول أنه لا حد لأقل الحيض ولا أكثره وأنه القول الراجح فاعلم أن كل ما رأته المرأة من دم طبيعي من غير تقدير بزمن أو سن إلا أن يكون مستمرًّا على المرأة لا ينقطع أبدًا أو ينقطع مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر فيكون استحاضة وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الاستحاضة وأحكامها.

стр. 10

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة. وقال أيضًا فما وقع من دم فهو حيض إذا لم يعلم أنه دم عرق أو جرح. اهـ. وهذا القول كما أنه هو الراجح من حيث الدليل فهو أيضًا أقرب فهما وإدراكًا وأيسر عملًا وتطبيقًا مما ذكره المحددون وما كان كذلك فهو أولى بالقبول لموافقته لروح الدين الإسلامي وقاعدته وهي اليسر والسهولة قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال ﷺ : «إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا» . رواه البخاري. وكان من أخلاقه ﷺ «أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» .

стр. 11

[حيض الحامل] حيض الحامل الغالب الكثير أن الأنثى إذا حملتْ انقطع الدم عنها، قال الإمام أحمد ﵀: " إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم ". إذا رأت الحامل الدم فإن كان قبل الوضع بزمن يسير كاليومين أو الثلاثة ومعه طلق فهو نفاس، وإن كان قبل الوضع بزمن كثير أو قبل الوضع بزمن يسير لكن ليس معه طلق فليس بنفاس، لكن هل يكون حيضًا تثبتُ له أحكام الحيض أو يكونُ دم فساد لا يحكمُ له بأحكام الحيض؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصواب أنه حيض إذا كان على الوجه المعتاد في حيضها لأن الأصل فيما يصيبُ المرأة من الدم أنه حيض، إذا لم يكن له سبب يمنعُ من كونه حيضًا، وليس في الكتاب والسنة ما يمنعُ حيض الحامل.

стр. 12

وهذا هو مذهب مالك والشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال في الاختيارات ص ٣٠: وحكاه البيهقي رواية عن أحمد، بل حكى أنه رجع إليه اهـ. وعلى هذا فيثبتُ لحيض الحامل ما يثبْت لحيض غير الحامل إلا في مسألتين: ١ - الطلاق، فيحرمُ طلاق من تلزمها عدة حالَ الحيض في غير الحامل، ولا يحرمُ في الحامل، لأن الطلاق في الحيض في غير الحامل مخالف لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أما طلاق الحامل حال الحيض فلا يخالفه، لأن من طلق الحامل فقد طلقها لعدتها، سواء كانت حائضًا أم طاهرًا، لأن عدتها بالحمل، ولذلك لا يحرمُ عليه طلاقها بعد الجماع بخلاف غيرها. ٢ - عدة الحامل لا تنقضي إلا بوضع الحمل، سواء كانت تحيض أم لا لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]

стр. 13

[الفصل الثالث في الطوارئ على الحيض] الفصل الثالث في الطوارئ على الحيض الطوارئ على الحيض أنواع: الأول: زيادة أو نقص مثل أن تكون عادة المرأة ستة أيام فيستمر بها الدم إلى سبعة أو تكون عادتها سبعة أيام فتطهر لستة. الثاني: تقدم أو تأخر مثل أن تكون عادتها في آخر الشهر فترى الحيض في أوله أو تكون عادتها في أول الشهر فتراه في آخره. وقد اختلف أهل العلم في حكم هذين النوعين والصواب أنها متى رأت الدم فهي حائض ومتى طهرت منه فهي طاهر سواء زادت عن عادتها أم نقصت وسواء تقدمت أم تأخرت وسبق ذكر الدليل على ذلك في الفصل قبله حيث علق الشارع أحكام الحيض بوجوده. وهذا مذهب الشافعي، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقواه صاحب المغني فيه ونصره وقال: ولو كانت العادة معتبرة على الوجه المذكور في المذهب لبينه النبي ﷺ لأمته ولما وسعه تأخير بيانه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقته وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل وقت فلم يكن ليغفل بيانه وما جاء عنه ﷺ ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة لا غير. اهـ.

стр. 14

النوع الثالث: صفرة أو كدرة بحيث ترى الدم أصفر كماء الجروح أو متكدرًا بين الصفرة والسواد فهذا إن كان في أثناء الحيض أو متصلًا به قبل الطهر فهو حيض نثبت له أحكام الحيض، وإن كان بعد الطهر فليس بحيض لقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا) . رواه أبو داود بسند

стр. 15

صحيح، ورواه أيضًا البخاري بدون قولها بعد الطهر، لكنه ترجم له بقوله: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض. قال في شرحه فتح الباري: " يشيرُ بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها حتى ترين القصة البيضاء وبين حديث أم عطية المذكور في الباب، بأن ذلك أي حديث عائشة محمول على ما إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالت أم عطية ". اهـ. وحديث عائشة الذي أشار إليه هو ما علّقهُ البخاري جازمًا به قبل هذا الباب، أن النساء كُنَّ يَبعثن إليها بالدرجة (شيء تحتشي به المرأة لتعرف هل بقيَ من أثر الحيض شيء) فيها الكرسف (القطن) فيه الصفرَة فتقول: " لا تعجلْنَ حتى تريْنَ القصة البيضاء ". والقصة البيضاء ماء أبيض يدفعُهُ الرحم عند انقطاع الحيض. النوع الرابع: تقطع في الحيض، بحيث تَرَى يومًا دمًا، ويومًا نقاءً ونحو ذلك فهذان حالان:

стр. 16

الحال الأول: أن يكون هذا مع الأنثى دائمًا كل وقتها، فهذا دم استحاضة يثبتُ لمن تراهُ حكم المستحاضة. الحال الثاني: ألا يكون مستمرًّا مع الأنثى بها يأتيها بعض الوقت، ويكون لها وقت طهر صحيح. فقد اختلف العلماء ﵏ في هذا النقاء. هل يكونُ طهرًا أو ينسحبُ عليه أحكام الحيض؟ فمذهب الشافعي في أصح قوليه أنه ينسحبُ عليه أحكام - الحيض فيكونُ حيضًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحب الفائق (١) ومذهب أبي حنيفة، وذلك لأن القصة البيضاء لا ترى فيه، ولأنه لو جُعِلَ طهرًا لكان ما قبله حَيضة، وما بعده حَيضة، ولا قائل به، وإلا لانقضتْ العدة القرء بخمسة أيام، ولأنه لو جُعلَ طهرًا لحصل به حرج ومشقة بالاغتسال وغيره كل يومين، والحرج منتف في هذه الشريعة ولله الحمد. والمشهور من مذهب الحنابلة أن

стр. 17

الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض فيكون الدم المتجاوز استحاضة وقال في المغني " يتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم فليس بطهر بناء على الرواية التي حكيناها في النفاس أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم وهو الصحيح إن شاء الله لأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج ينتفي لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] قال فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرًا إلا أن ترى ما يدل عليه مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها أو ترى القصة البيضاء اهـ. فيكون قول صاحب المغني هذا وسطًا بين القولين والله أعلم بالصواب. النوع الخامس: جفاف في الدم بحيث ترى الأنثى مجرد رطوبة فهذا إن كان في أثناء الحيض أو متصلًا به قبل الطهر فهذا حيض، وإن كان بعد الطهر فليس بحيض لأن غاية حالة أن يلحق بالصفرة والكدرة وهذا حكمها.

стр. 18

[الفصل الرابع في أحكام الحيض] [الأول الصلاة] الفصل الرابع في أحكام الحيض للحيض أحكام كثيرة تزيد عن العشرين نذكر منها ما نراه كثير الحاجة فمن ذلك: الأول: الصلاة: فيحرم على الحائض الصلاة فرضها ونفلها ولا تصح منها وكذلك لا تجب عليها الصلاة إلا أن تدرك من وقتها مقدار ركعة كاملة فتجب عليها الصلاة حينئذ سواء أدركت ذلك من أوله: امرأة حاضت بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها إذا طهرت قضاء صلاة

стр. 19

المغرب لأنها أدركَتْ من وقتها قدر ركعة قبل أن تحيض. ومثال ذلك من آخره: امرأة طَهُرَتْ من الحيضِ قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فيجبُ عليها إذا تَطهَّرَتْ قضاء صلاة الفجر، لأنها أدْرَكَتْ من وقتها جزءًا يتسعُ لركعة. أما إذا أدْرَكَتْ الحائض من الوقت جزءًا لا يتسع لركعة كاملة، مثل أن تحيضَ في المثال الأول بعد الغروب بلحظة أو تَطْهُرَ في المثال الثاني قبل طلوع الشمس بلحظة، فإن الصلاة لا تجبُ عليها، لقول النبي ﷺ : «من أدركَ ركعة من الصلاة فقد أدركَ الصلاة» . متفق عليه، فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يكنْ مدركًا للصلاة. وإذا أدركَتْ ركعة من وقت صلاة العصر فهل تجبُ عليها صلاة الظهر مع العصر، أو ركعة من وقت صلاة العشاء الآخرة، فهل تجبُ عليها صلاة المغرب مع

стр. 20

العشاء؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا يجبُ عليها إلا ما أدركتْ وقته، وهي صلاة العصر والعشاء الآخرة فقط. لقوله ﷺ : «من أدركَ ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» . متفق عليه، لم يقلْ النبي ﷺ : فقد أدرك الظهر والعصر ولم يَذْكُرْ وجوب الظهر عليه، والأصل براءة الذِّمَّة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك حكاه عنهما في شرح المهذب (١) . وأما الذكر والتكبير والتسبيح والتحميد، والتسمية على الأكل وغيره، وقراءة الحديث والفقه والدعاء والتأمين عليه واستماع القرآن فلا يحرمُ عليها شيء من ذلك، فقد ثبتَ في الصحيحين وغيرهما، «أن النبي ﷺ كان يتكئ في حِجْر عائشة ﵂ وهي حائض فيقرأ القرآن» .

стр. 21

أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض يعني إلى صلاة العيدين وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيَّض المصلّى» . فأما قراءة الحائض القرآن بنفسها فإن كان نظرًا بالعين أو تأملًا بالقلب بدون نطق باللسان فلا بأس بذلك مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فتنظر إلى الآيات وتقرأها بقلبها. . قال النووي في شرح المهذب " جائز بلا خلاف". وأما إن كانت قراءتها نطقًا باللسان فجمهور العلماء على أنه ممنوع وغير جائز وقال البخاري وابن جرير الطبري وابن المنذر هو جائز وحكي عن مالك وعن الشافعي في القول القديم حكاه عنهما في فتح الباري. وذكر البخاري تعليقًا عن إبراهيم النخعي لا بأس أن تقرأ الآية. .

стр. 22

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى مجموعة ابن قاسم " ليس في منعها من القرآن سنة أصلًا فإن قوله «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وقد كان النساء يحضن في عهد النبي ﷺ فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما يقولونه في الناس فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا مع العلم أنه لم ينه عن ذلك وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم" اهـ. والذي ينبغي بعد أن عرفنا نزاع أهل العلم أن يقال الأولى للحائض أن لا تقرأ القرآن نطقًا باللسان إلا عند الحاجة لذلك مثل أن تكون معلمة

стр. 23

فتحتاج إلى تلْقين المتعلمات، أو في حال الاختبار فتحتاجُ المتعلمة إلى القراءة لاختبارها أو نحو ذلك. [الثاني الصيام] الثاني: الصيام: فيحْرُمُ على الحائض الصيام فرضه ونفله، ولا يصحُّ منها لكن يجبُ عليها قضاء الفرض منه لحديث عائشة ﵂ «كان يصيبنا ذلك، تعني الحيض فنؤْمَرُ بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة» . متفق عليه، وإذا حاضت وهي صائمة بطُلَ صيامها ولو كان ذلك قبيل الغروب بلحظة، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم إن كان فرضًا. أما إذا أحستْ بانتقال الحيض قبل الغروب لكن لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها تامٌّ ولا يبطل على القول الصحيح، لأن الدم في باطن الجوف لا حكم له، ولأن النبي ﷺ «لما سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: نعم إذا هي رأتْ الماء» فَعَلَّقَ الحكم برؤية المنيّ لا بانتقاله، فكذلك الحيض لا تثبت أحكامه إلا برؤيته خارجًا لا بانتقاله.

стр. 24

وإذا طلِع الفجر وهي حائض لم يصحْ منها صيام ذلك اليوم ولو طهُرَتْ بعد الفجر بلحظة. وإذا طَهُرَتْ قبيل الفجر فصامتْ صحَّ صومها، وإن لم تغتسلْ إلا بعد الفجر، كالجنب إذا نوى الصيام وهو جنب ولم يغتسلْ إلا بعد طلوع الفجر فإن صومه صحيح، لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» . متفق عليه. [الثالث الطواف بالبيت] الثالث: الطواف بالبيت: فيحرم عليها الطواف بالبيت، فرضه ونفله، ولا يصح منها لقول: النبي ﷺ لعائشة لما حاضت: «افْعلي ما يفعَلُ الحاجُّ غير ألا تطوفي بالبيت حتى تَطْهَري» . وأما بقية الأفعال كالسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار وغيرها من مناسك الحج والعمرة فليست حرامًا عليها، وعلى هذا فلو طافت الأنثى وهي طاهر ثم خرج الحيض

стр. 25

بعد الطواف مباشرة، أو في أثناء السعي فلا حرج في ذلك. [الرابع طواف الوداع] الرابع: سقوط طواف الوداع منها: فإذا أكملت الأنثى مناسك الحج والعمرة ثم حاضت قبل الخروج إلى بلدها واستمر بها الحيض إلى خروجها، فإنها تخرج بلا وداع، لحديث ابن عباس ﵄ قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) . ولا يستحب عند الوداع أن تأتي إلى باب المسجد الحرام وتدعو، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ والعبادات مبنية على الوارد بل الوارد عن النبي ﷺ يقتضي خلاف ذلك، ففي «قصة صفية ﵂ حين حاضت بعد طواف الإفاضة أن النبي ﷺ قال لها: فلتَنفُر إذن» . متفق عليه. ولم يأمر بالحضور إلى باب المسجد ولو كان ذلك مشروعًا لبيّنه. وأم طواف الحج والعمرة فلا يسقط عنها بل تطوف إذا طهرت.

стр. 26

[الخامس المكث في المسجد] الخامس: المكث في المسجد: فيحرم على الحائض أن تمكث في المسجد حتى مصلى العيد يحرم عليها أن تمكث فيه، لحديث أم عطية ﵂: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «يَخرجُ العواتقُ وذواتُ الخدورِ والحيّض» . وفيه «يعتزل الحيض المصلى» . متفق عليه. [السادس الجماع] السادس: الجماع: فيحرم على زوجها أن يجامعها، ويحرم عليها تمكينه من ذلك. لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والمراد بالمحيض زمان الحيض ومكانه وهو الفرج. ولقول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» . يعني الجماع. رواه مسلم؛

стр. 27

ولأن المسلمين أجمعوا على تحريم وطء الحائض في فرجها. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم على هذا الأمر المنكر الذي دل على المنع منه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين. فيكون ممن شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين، قال في المجموع شرح المهذب ص: ٣٧٤ ج٢ قال الشافعي: " من فعل ذلك فقد أتى كبيرة ". قال أصحابنا وغيرهم: " من استحل وطء الحائض حُكِمَ بكفره ". اهـ كلام النووى. وقد أبيحَ له ولله الحمد ما يكسرُ به شهوته دون الجماع، كالتقبيل والضم والمباشرة فيما دون الفرج، لكن الأولى ألا يباشر فيما بين السرة والركبة إلا من وراء حائل، لقول عائشة ﵂ : «كان النبي ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض» . متفق عليه. [السابع الطلاق] السابع: الطلاق: يحرمُ على الزوج طلاق الحائض حال حيضها، لقوله

стр. 28

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي في حال يستقبلن به عدة معلومة حين الطلاق، ولا يكون ذلك إلا إذا طلقها حاملا أو طاهرا من غير جماع، لأنها إذا طلقت حال الحيض لم تستقبل العدة حيث إن الحيضة التي طلقت فيها لا تحسب من العدة، وإذا طلقت طاهرا بعد الجماع، لم تكن العدة التي تستقبلها معلومة حيث إنه لا يعلم هل حملت من هذا الجماع، فتعتد بالحمل، أو لم تحمل فتعتد بالحيض، فلما لم يحصل اليقين من نوع العدة حرم عليه الطلاق حتى يتبين الأمر. فطلاق الحائض حال حيضها حرام للآية السابقة، ولما ثبت في الصحيحين وغيرهما من «حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأخبر عمر بذلك النبي ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ وقال: " مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي

стр. 29

أمر الله أن تطلق لها النساء» . فلو طلق الرجل امرأته وهي حائض فهو آثم وعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يرد المراة إلى عصمته ليطلقها طلاقًا شرعيًا موافقًا لأمر الله ورسوله، فيتركها بعد ردها حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم تحيض مرة أخرى، ثم إذا طهرت فإن شاء أبقاها وإن شاء طلقها قبل أن يجامعها. ويستثني من تحريم الطلاق في الحيض ثلاث مسائل: الأولى: إذا كان الطلاق قبل أن يخلو بها، أو يمسها فلا بأس أن يطلقها وهي حائض، لأنه لا عدة عليها حينئذ، فلا يكون طلاقها مخالفًا لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الثانية: إذا كان الحيض في حال الحمل، وسبق بيان سبب ذلك. الثالثة: إذا كان الطلاق على عوض، فإنه لا باس أن يطلقها وهي حائض.

стр. 30

مثل أن يكون بين الزوجين نزاع وسوء عشرة فيأخذ الزوج عوضًا ليطلقها، فيجوز ولو كانت حائضًا. لحديث ابن عباس ﵄ «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءتْ إلى النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله إني ما أعْتِبُ عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام "، فقال النبي ﷺ : " أتردِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ : أقْبلْ الحديقة وطلّقها تطليقة» [رواه البخاري] . ولم يسأل النبي ﷺ هل كانت حائضًا أو طاهرًا؟ ، ولأن هذا الطلاق افتداء من المرأة عن نفسها فجازَ عند الحاجة إليه على أي حال كان. قال في المغني معللا جواز الخلع حال الحيض ص: ٥٢ ج ٧ ط م " لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقُها بطول العدة، والخلعُ لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرههُ ولَبغضُه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة

стр. 31

عن حالها ". اهـ كلامه. وأما عقد النكاح على المرأة وهي حائض فلا بأس به لأن الأصل الحل، ولا دليل على المنع منه، لكن إدخال الزوج عليها وهي حائض يُنظرُ فيه فإن كان يُؤْمَّنُ من أن يطأها فلا بأس، وإلا فلا يدخل عليها حتى تَطْهُرُ خوفًا من الوقوع في الممنوع. [الثامن اعتبار عدة الطلاق بالحيض] الثامن: اعتبار عدة الطلاق به - أي الحيض-: فإذا طلّق الرجل زوجته بعد أن مسها أو خلا بها وجَبَ عليها أن تعتدَّ بثلاث حيض كاملة، إن كانت من ذوات الحيض، ولم تكنْ حاملًا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي ثلاث حيض. فإن كانت حاملًا فعدتها إلى وضع الحمل كله، سواء طالت المدة أو قصرت لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وإن كانت من غير ذوات الحيض كالصغيرة التي لم يبدأ بها الحيض والآيسة من الحيض لكبر أو عملية استأصلت

стр. 32

رحمها أو غير ذلك مما لا ترجو معه رجوع الحيض، فعدتها ثلاث أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وإن كانت من ذوات الحيض لكن ارتفع حيضها لسبب معلوم كالمرض والرضاع فإنها تبقى في العدة وإن طالت المدة حتى يعود الحيض فتعتد به، فإن زال السبب ولم يعد الحيض بأن برئت من المرض أو انتهت من الرضاع وبقي الحيض مترفعا فإنها تعتد بسنة كاملة من زوال السبب، وهذا هو القول الصحيح، الذي ينطبق على القواعد الشرعية، فإنه إذا زال السبب ولم يعد الحيض صارت كمن ارتفع حيضها لغير سبب معلوم وإذا ارتفع حيضها لغير سبب معلوم، فإنها تعتد بسنة كاملة تسعة أشهر للحمل احتياطا لأنها غالب الحمل، وثلاثة أشهر للعدة. أما إذا كان الطلاق بعد العقد وقبل المسيس والخلوة، فليس فيه عدة إطلاقا، لا بحيض ولا غيره

стр. 33

لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] [التاسع الحكم ببراءة الرحم] التاسع: الحكم ببراءة الرحم: أي بخلوة من الحمل، وهذا يحتاج إليه كلما احتيج إلى الحكم ببراءة الرحم وله مسائل: منها: إذا مات شخص عن امرأة يرثه حملها، وهي ذات زوج، فإن زوجها لا يطأها حتى تحيض، أو يتبين حملها، فإن تبين حملها، حمكنا بإرثه لحكمنا بوجوده حين موت مورثه، وإن حاضت حكمنا بعدم إرثه لحكمنا ببراءة الرحم بالحيض. [العاشر وجوب الغسل] العاشر: وجوب الغسل: فيجب على الحائض إذا طهرت أن تغتسل بتطهير جميع البدن، لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» [رواه البخاري] .

стр. 34

وأقلُّ واجب في الغسل أن تعمَّ به جميع بدنها حتى ما تحت الشعر، والأفضل أن يكون على صفة ما جاء في الحديث «عن النبي ﷺ حيث سألته أسماء بنت شكل عن غسل المحيض فقال ﷺ " تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة أي قطعة قماش فيها مسك فتطهر بها، فقالت أسماء كيف تطهر بها؟ فقال: سبحان الله، فقالت عائشة لها: تتبعين أثر الدم» [صحيح مسلم] (١) . ولا يجبُ نقض شعر الرأس، إلا أن يكونَ مشدودًا بقوة. بحيث يخشى إلا يصل الماء إلى أصوله، لما في صحيح مسلم (٢) . من «حديث أم سلمة (رضي الله

стр. 35

عنها) أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنقضَه لغسل الجنابة؟ وفي رواية للحيضة والجنابة؟ فقال " لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» . وإذا طهرتْ الحائض في أثناء وقت الصلاة وجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتدرك أداء الصلاة في وقتها، فإن كانت في سفر وليس عندها ماء أو كان عندها ماء ولكن تخافُ الضرر باستعماله، أو كانت مريضة يضرها الماء فإنها تتيمم بدلًا عن الاغتسال حتى يزولَ المانع ثم تغتسل. وإن بعض النساء تطهرُ في أثناء وقت الصلاة، وتؤخرُ الاغتسال إلى وقت آخر تقول: إنه لا يمكنها كمال التطهر في هذا الوقت، ولكن هذا ليس بحجة ولا عذر لأنها يمكنُها أن تقتصر على أقل الواجب في الغسل، وتؤدي الصلاة في وقتها، ثم إذا حصل لها وقت سعة تَطَهَّرَتْ التطهر الكامل.

стр. 36

[الفصل الخامس الاستحاضة وأحكامها] [تعريف الاستحاضة] الفصل الخامس في الاستحاضة وأحكامها الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطعُ عنها أبدًا أو ينقطعُ عنها مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر. فدليل الحالة الأولى التي لا ينقطع الدم فيها أبدًا ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «قالت فاطمة بنت أبي حُبيش لرسول الله ﷺ يا سول الله إني لا أطهُرْ. وفي رواية أستحاضُ فلا أطهُر» . ودليل الحالة الثانية التي لا ينقطع الدم فيها إلا يسيرًا حديث حمنة بنت جحش حيث «جاءتْ إلى النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله إني أستحاضُ حيضةً كبيرةً شديدة» . [الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ونقل عن الإمام أحمد تصحيحه وعن البخاري تحسينه] .

стр. 37

[أحوال الاستحاضة] أحوال المستحاضة للمستحاضة ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكونَ لها حيض معلوم قبل الاستحاضة فهذه ترجع إلى مدة حيضها المعلوم السابق فتجلس فيها ويثبت لها أحكام الحيض، وما عداها استحاضة، يثبت لها أحكام المستحاضة. مثال ذلك امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأتْ عليها الاستحاضة فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضُها ستة أيام من أول كل شهر، وما عداها استحاضة لحديث عائشة ﵂ «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: " يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا. إن ذلك عِرْق، ولكن دَعي الصلاة قدْرَ الأيام التي كنت تحيضينَ فيها ثم اغتسلي وصلى» . رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: «أن النبي ﷺ قال لأم حبيبة بنت جحش:

стр. 38

(إمكُثي قدْر ما كانت تحبسُك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) » . فعلى هذا تجلسُ المستحاضة التي لها حيض معلوم قدر حيضها ثم تغتسلُ وتصلي ولا تُبالي بالدم حينئذ. الحالة الثانية: أن لا يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة بأن تكون الاستحاضة مستمرة بها من أول ما رأت الدم من أول أمرها، فهذه تعمل بالتمييز فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غِلْظَة أو رائحة يثبْتُ له أحكام الحيض، وما عداه استحاضة يثبتُ له أحكام الاستحاضة. مثال ذلك امرأة رأتْ الدم في أول ما رأتهُ، واستمر عليها لكن تراهُ عشرة أيام أسْوَد وباقي الشهر أحمر. أو تراهُ عشرة أيام غَليظًا وباقي الشهر رقيقًا. أو تراهُ عشرة أيام له رائحة الحيض وباقي الشهر لا رائحة له فحيضها الأسود في المثال الأول والغليظ في المثال الثاني، وذو الرائحة في المثال الثالث، وما عدا ذلك فهو

стр. 39

استحاضة لقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيضة فإنه أسودَ يُعْرَفُ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصليِّ؛ فإنما هو عِرْق» . [رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم] . وهذا الحديث وإن كان في سنده ومتنه نظر فقد عَمِلَ به أهل العلم ﵏، وهو أوْلى من ردِّها إلى عادة غالب النساء. الحالة الثالثة: ألا يكونَ لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكونَ الاستحاضة مستمرة من أول ما رأتْ الدم ودمها على صفة واحدة أو على صفات مضطربة لا يمكنُ أن تكونَ حيضًا، فهذه تعملُ بعادة غالب النساء فيكونَ حيضها ستة أيام أو سبعة من كل شهر يبتدئ من أول المدة التي رأت فيها الدم، وما عداه استحاضة. مثال ذلك أن ترى الدم أول ما تَرَاهُ في الخامس من الشهر ويستمر عليها من غير أن يكون فيه تمييز صالح للحيض لا بلون ولا غيره فيكون حيضُها من كل شهر ستة

стр. 40

أيام أو سبعة تَبتْدئ من اليوم الخامس من كل شهر. «لحديث حمنة بنت جحش ﵂ أنها قالت: " يا رسول الله: إني أستحاضُ حيضةً كبيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام، فقال. أنعتُ لك (أصفُ لك استعمال) الكرسف (وهو القطن) تضعينه على الفرج، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك.» وفيه قال: «إنما هذا ركْضَة من رَكَضَات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنك قد طهُرت واستنقيت فصلي أربعًا وعشرين أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي» . [الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن أحمد أنه صححه، وعن البخاري أنه حسنه] . وقوله ﷺ «ستة أيام أو سبعة» ليس للتخيير وإنما هو للاجتهاد فتنظر فيما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خَلْقَةً ويقاربها سنا ورُحْمًا وفيما هو أقرب إلى الحيض من دمها، ونحو ذلك من الاعتبارات فإن كان الأقرب أن
следующие страницы →