[تقديم فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر القحطاني]
ولا تقربوا الفواحش
стр. 2
تقديم فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر القحطاني
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فلقد أصلح الله الأرض بالرسالات التي تضمنت تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن حتى تنتظم حركة الكون والحياة وحتى يعيش الإنسان حياة عفيفة طاهرة سليمة من الأقذار والأرجاس.
وقد تضمنت الرسالة الخاتمة والشريعة المهيمنة (الإسلام) تضمنت الوسائل الكفيلة بالقضاء على جميع الفواحش وقطع دابر الفساد، بمجموعة عظيمة من التدابير الوقائية والأساليب العلاجية التي لو طبقتها الأمة لعاشت حياة كريمة عامرة بالأهداف
стр. 3
النبيلة والغايات السليمة. وما هذه الرسالة القيمة التي ألفها أخي الكريم / جمال بن عبد الرحمن إسماعيل بعنوان (ولا تقربوا الفواحش) إلا محاولة جيدة وبأسلوب جذاب لبيان تلك التدابير الوقائية، وتلك الأساليب العلاجية التي تضمنتها الشريعة الغراء في مصدرها الرئيس الكتاب والسنة للقضاء على الفواحش الممثلة في الزنا واللواط والسحاق وإتيان المرأة في دبرها وإتيانها وهي حائض وإتيان البهائم وممارسة العادة المسماة بالسرية.
ولقد طلعت على هذه الرسالة وأعجبت بالطريقة الفريدة التي تناول الأخ الكريم الحديث بواسطتها. وفي نظري أن هذه الرسالة تلبي حاجة ماسة في المكتبة الإسلامية، ولا يستغني عنها بيت مسلم؛ لحماية بيوتنا وأسرنا وأجيالنا من الهجمة الشرسة التي يشنها أعداء الدين والملة عن طريق إشاعة
стр. 4
الفواحش وتسهيل الوقوع فيها كخطوة أولى لإبعاد المسلمين عن دينهم، فإذا ما وقعوا في الفواحش واقتحموا محارم الله سهل اختراق صفوفهم وزعزعة عقائدهم وإفساد دنياهم وآخرتهم.
فجزى الله الأخ الكريم كل خير. وأنصح كل أخ مسلم أن يسارع إلى اقتناء هذه الرسالة وقراءتها على أهله وتحصين أولاده وبناته ومحارمه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سعيد بن مسفر القحطاني
٢١ - / ٨ / ١٤١٧ هـ
стр. 5
[تقديم فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم]
تقديم فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. . .
فقد قرأت ما رقمه الأخ في الله الشيخ أبو محمد جمال بن عبد الرحمن إسماعيل في كتابه الموسوم بـ " ولا تقربوا الفواحش " والذي ضمنه جوانب متعددة من أنواع الفواحش التي حرمها الشارع الحكيم سواء ما كان منها متعلقا بجنس الذكور وجنس الإناث والتي هي بلاء أينما حلت لا لعًا لها (١) وكفى الله المسلمين شرها.
ولقد أحسن المؤلف في اختيار هذا العنوان
стр. 6
الذي وافق به نص الكتاب العزيز كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]
وهذا اللفظ أبلغ في الزجر من لفظ الإتيان ليقطع ويسد ذريعة الفاحشة حتى في القرب منها، وقد رأيت المؤلف قد وُفِّق في جمع مادة الكتاب في عبارات سليمة المبنى مفهومة المعنى خالية من الحشو الممل والإطناب المخل مدعما ما ذكره بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح ومقالات متنوعة عن سلف هذه الأمة.
كما أنه قد عقد ورقات من هذا الكتاب ذكر فيها رأي الطب المعاصر تجاه هذه الفواحش وما ينجم عنها من أضرار بالغة على الأمم والمجتمعات. . فجزاه الله خير الجزاء وضاعف له المثوبة والأجر وجعل ما خطَّه قلمه حجة له يوم القيامة، وأن ينفع
стр. 7
به وبكتابه المسلمين. . إنه سميع مجيب، وبالله التوفيق وهو المستعان.
قاله مقيده
سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم
٢٧ - / ٩ / ١٤١٧ هـ
стр. 8
[تقديم فضيلة الشيخ محمد صفوت نور الدين]
تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله وصحبه.
وبعد:
فإن أمة الإسلام التي متعها الله بدينه وحباها برسالته قامت على دعائم إذا اعتنت بترسيخها قويت عزيمتها وارتفع لواؤها وساد أهلها. وإذا فرطت في تلك الدعائم فعصت ربها وخالفت نبيها ﷺ هانت على عدوها. بل ظهر البأس بينهم شديدا.
وإن من دعائم الإسلام تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولما كان لباس التقوى خيرا جعله الله ينزع عمن نزع عن نفسه اللباس الساتر للعورات كما ذكر ربنا في سورة الأعراف
стр. 9
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦ - ٢٧]
فإذا انتصر العبد على شهواته طاعة لله وامتثالا لأمره نصره الله تعالى على عدوه ورد كيده في نحره. وإذا انغمس العبد في شهواته فإن الله لمجرمه من تأييده ونصره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وفي الحديث: «احفظ الله يحفظك»
لذا كانت شريعة الله تنزل بالتطهير للأمة من دنس الشرك وبعث التوحيد ثم بقية الفواحش بعد. والناظر يرى أن سورة الأحزاب نزلت بعد غزوة
стр. 10
الأحزاب وسورة النور نزلت بعد غزوة بني المصطلق وهما متقاربتان حتى أن كثيرا من جهابذة أهل العلم بالسيرة اختلفوا في الأسبق منهما. لكن هما آخر غزوة تغزى فيها المسلمون في ديارهم وأول غزوة يخرجون فيها إلى عدوهم في بلاده فنزل الشرع بالتطهير لهم من الفواحش في السورتين الكريمتين ليعد هذه الأمة لملاقاة عدوها مؤيدا بنصر الله تعالى لمن روض نفسه على الطاعة وأبعدها عن الفواحش بدءا من غض البصر وحفظ الصوت وحجاب النساء حتى حفظ الفرج وحد الزاني والقاذف.
أيها القارئ الكريم وهذه الرسالة القيمة بين يديك تحذير من الفواحش، وأمر بالاستقامة، فاعلم أن لزوم ذلك فيه نصر الله لعبده في الدارين فلا تحرم نفسك من ذلك الخير العميم. ولا توقع نفسك في العذاب الأليم، فضلا عن حرمانك من السعادة
стр. 11
التي يغرسها الله في قلب من أحب دينه وعمل به.
أيها القارئ الكريم فكن في هذه الرسالة مطالعا متدبرا وكن لخيرها ناقلا ولا تكن كالغراب لا يقع إلا على الديدان والحشرات، ولكن كن كالنحل يسعى في البستان بين أزهاره وينقل من رحيقه فيحيله الله تعالى إلى شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناظر. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتبه: محمد صفوت نور الدين
المسجد الحرام
مغرب الثامن والعشرين من رمضان ١٤١٧ هـ
стр. 12
[تقديم المؤلف]
تقديم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
لقد حرصت الشريعة الإسلامية الغراء على تكريم الإنسان ورعاية مصالحه خاصة فيما يتعلق بالضروريات الخمس وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وجعلت الاعتداء على شيء منها جريمة في حق المعتدى عليه تستوجب العقوبة على المعتدي، ولولا ذلك لكانت الفتنة في الأرض والفساد العريض،
стр. 13
وإذا نظرنا إلى هذه الضروريات الخمس وجدنا أن الحفاظ على العرض يعد من الضروريات التي قد حازت أهمية عظمى وأولوية كبرى بعد الدين من بين سائر الضروريات، فنجد الإنسان يضحي بنفسه وبماله بتدبير عقله من أجل عرضه وشرفه وكرامته، وقد أقر الإسلام ذلك فجعل المقتول دون عرضه شهيدا.
وقد قال أحد الغيورين على عرضه:
أصون عرضي بمالي لا أبدده ... لا بارك الله بعد العرض في المال
كذلك فقد أحاط الإسلام العظيم العرض بسياج قوي للحفاظ عليه ووضع الضوابط والحدود التي تحول دون انتهاك الأعراض.
ولما كان فعل الفواحش بل والاقتراب منها هو
стр. 14
معول الهدم في العرض والشرف؛ فقد حرم الإسلام الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والطرق الموصلة إليها وجعل أقسى العقوبات لمن اقترفها.
وفي هذا الكتاب نعرض بإيجاز لهذه الفواحش والأخطار الناجمة عن اقترافها، وأسبابها وعقوبتها وعلاجها بدءا بأشدها خطرا وفتكا على البشر، فأول ما ذكر فاحشة الزنا ثم اللواط حيث هما أكثر الفواحش التي يوقع الشيطان فيها كثيرا ممن تساهلوا وفرطوا ولم يلتزموا بالتعاليم الإسلامية، ونظرا لما يبثه الغرب من سموم الفاحشة التي تؤثر على شباب المسلمين، فلعل الله تعالى أن ينفع به، وأسأله الإخلاص والقبول إنه خير مرتجى وأكرم مسؤول.
المؤلف
جمال بن عبد الرحمن بن إسماعيل
стр. 15
[شكر وعرفان]
شكر وعرفان يقول رسولنا الكريم ﷺ : «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» (١) ومن هذا المنطلق القويم فإني أتوجه - بعد شكر الله تعالى - بالشكر والدعاء لكل من ساهم بجهد في هذا الكتاب، ومن أسبق من عاونني أثناء تأليفه:
١ - الرائد سعد بن سليمان العكوز - حفظه الله - مدير الشئون الدينية بشرطة العاصمة المقدسة بمكة الكرمة، وكان له توجيهات رشيدة وآراء سديدة ومتابعة دائمة لتطور الكتاب، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.
٢ - الأخ الفاضل الطبيب / أحمد عبد الحميد ندا
стр. 16
- حفظه الله - أخصائي الأمراض التناسلية والمسالك البولية بمستشفى أجياد بمكة المكرمة، وقد أمد الكتاب بتقريره الطبي الموفق عن الأمراض التي تسببها الفواحش.
ثم أوجه الشكر الجزيل والاعتراف بالجميل لأصحاب الفضيلة العلماء الذين تكرموا وتفضلوا بمراجعة الكتاب وتنقيحه وتهذيبه وتصحيحه، وهم بترتيب تداولهم للكتاب:
١ - الداعية الإسلامي فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر القحطاني - حفظه الله -.
٢ - فضيلة الشيخ سعود بن إبراهيم الشريم إمام وخطيب المسجد الحرام - حفظه الله تعالى -، وقد راجع الكتاب في أحرج أوقاته انشغالا في شهر رمضان من عام ١٤١٧ هـ.
стр. 17
٣ - فضيلة الشيخ محمد صفوت نور الدين الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وكان يؤدي العمرة في رمضان من نفس العام، ورأى الكتاب فتصفحه، وكانت فرصة لمراجعته، ونعم ما أسدى من نصح، وما أهدى من إرشاد، - حفظه الله تعالى - غفر الله لهم جميعا، وشَكَر لهم جميعا وحفظهم وأيدهم، وبعونه أمدهم، وجعلهم مباركين أينما كانوا؛ دعاة للهدى وأئمة لأهل التقى.
٤ - الأستاذ أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد آل خليفة بدار طيبة بمكة المكرمة لجهده المشكور في نشر هذا الكتاب.
والحمد لله رب العالمين. .
стр. 18
[الفصل الأول جريمة الزنا]
[الفساد الناتج عن الزنا]
الفصل الأول: جريمة الزنا لقد دعا الإسلام الحنيف إلى الزواج ورغب فيه؛ لأنه هو أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية وهو الوسيلة المثلى لإخراج سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها بالرعاية، وغرس عواطف الحب والود والطيبة، والرحمة والنزاهة، والشرف والإباء، وعزة النفس، ولكي تستطيع هذه السلالة أن تنهض بتبعاتها وتسهم بجهودها في ترقية الحياة وإعلائها، وكما وضع الإسلام الطريقة المثلى لتصريف الغريزة منع في المقابل تصريفها في غير الطريق المشروع، فلذلك حرم الله تعالى مجرد الاقتراب من الزنا لأنه فاحشة وسبيل سيئ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]
стр. 19
[الإسراء: ٣٢] .
قال العلماء: " ذلك أبلغ من أن يقول ولا تزنوا فإن معناه لا تدنوا من الزنى " (١) .
* الفساد الناتج عن الزنا: وإن ممارسة هذه الجريمة وشيوعها لَيَتْرُكُ آثارا وأضرارا تشيب منها الرؤوس وتقشعر منها الأبدان، وأول هذه الأضرار:
١ - تدنيس العرض والشرف ونزع شعار الطهر والعفاف والفضيلة وتلطيخ فاعله بالعار والشنار.
٢ - يكسو صاحبه ثوب المقت بين الناس.
٣ - يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته.
٤ - يفسد نظام البيت ويهز كيان الأسرة ويقطع العلاقة الزوجية، ويعرض الأولاد لسوء التربية مما
стр. 20
يتسبب عنه التشرد والانحراف والجريمة.
٥ - وفي الزنا ضياع الأنساب واختلاطها وتمليك الأموال لغير أصحابها عند التوارث، وقد قال النبي ﷺ فيمن يخلط النسب حينما أراد رجل أن يطأ جارية وكانت حاملا فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له» (١) قال ابن القيم ﵀: " يعني إن استلحقه وشركه في ميراثه لا يحل له لأنه ليس بولده، وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد " (٢) قال: " وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل " (٣) . . انتهى.
стр. 21
فإذا كان نكاح الحامل محرما سواء كانت حرة فتزوجها، أو من السبايا فوطأها؛ فما بالك إذا زاد الطين بلا فزنى، والزاني لا يُفَتِّشُ فيمن يزني بها، وهي إما أن تحمل منه فتدخل على قومها من ليس منهم، وإما أن تكون حاملا فماء الزاني يزيد في ولدها، وإما لا يُعْلَم أَمِنْ زوجها الحمل أم من غيره، ومن هنا تختلط الأنساب والنُّطَف.
وفي الحديث: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» (١) .
٦ - الزنا علاقة مؤقتة لا مسؤولية بعدها، لذا فهي عملية حيوانية بحتة ينأى عنها الإنسان الشريف.
٧ - والزنا أحد أسباب جريمة القتل فقد لا يجد
стр. 22
الغيور على عرضه وسيلة يغسل بها العار الذي لحقه ولحق أهله إلا سفك الدم.
٨ - يحطم المجتمعات ويفكك روابطها ويكثر فيها اللقطاء والضائعون حيثما يولد الولد وهو لا يدري أباه ولا أمه.
٩ - الزنا يجلب الهم والحزن والخوف ويجعل الزانية والزاني بين خطرين، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رؤوسهم، فإن حملت من الزنا وقتلت ولدها جمعت بين جريمتي الزنا والقتل، وإن أمسكته أضافت إلى زوجها غير ولده.
١٠ - ظهور الزنا من أمارات خراب العالم، فقد ورد في الصحيحين من خطبة الرسول ﷺ في صلاة الكسوف أنه قال: «يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو
стр. 23
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ثم رفع يديه وقال: اللهم هل بلغت؟» قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: " وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله، وظهور الزنا من أمارات خراب العالم " (١) . إذًا تغير حال الشمس وذهاب ضوئها بالكسوف علامة من علامات تغير الحال من الأحسن إلى الأسوأ وقد يكون بسبب المعاصي والذنوب، لذلك أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى في صلاة الكسوف.
١١ - الزنا سبب مباشر في الأمراض الخطيرة التي تفتك بالبدن وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء وأبناء الأبناء، وسيأتي تقرير مفصل في نهاية الكتاب عن هذه الأمراض.
١٢ - الزنا يستجلب غضب الله ويستمطر عذابه،
стр. 24
فقد جرت سنة الله تعالى أنه عند ظهور الفواحش يغضب الله ويشتد غضبه، وفي عصرنا فتح كل باب إلى الفاحشة، وسهل الشيطان الطريق بمكره ومكر أوليائه، واتبعه العصاة والفجرة ففشا التبرج والسفور وعم انفلات البصر والنظر المحرم إلا من شاء الله، وانتشر الاختلاط وراجت مجلات الخنا وأفلام الدعارة والفحش، وكثر السفر إلى بلاد الفجور والفسق والإلحاد والكفر والعري والإباحية، وقام سوق تجارة الدعارة، وكثر انتهاك الأعراض بالاغتصاب أو بالتراضي، وازداد عدد أولاد الحرام وحالات قتل الأجنة، وهذا كله من دواعي غضب الله تعالى ومقته وعذابه، فإذا غضب سبحانه فإن غضبه لا بد أن يؤثر في الأرض عقوبة، قال عبد الله بن مسعود: " ما ظهر الزنا في قرية إلا أذن الله بهلاكها ".
стр. 25
١٣ - كذلك فإن الزنا من الفتنة والبلاء الذي هو من أشراط الساعة، وذلك كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: لأحدثنكم حديثا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي ﷺ : «أن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويظهر الجهل ويُشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» .
[الحيوانات تأبى الزنا وترفضه]
الحيوانات تأبى الزنا وترفضه: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]
فأخبر تعالى عن فحش الزنا في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر في العقول فحشه، حتى عند كثير من الحيوان.
فلو نظر المرء منا إلى حيوان ضعيف أليف وديع
стр. 26
مثل الحمام فإنه يجد أن أنثى الحمام لا تسمح لغير ذكرها أن يعلوها وكذلك لا يسمح ذكرها لغيره أن يمتطيها، بل لا يفكر أصلا أي ذكر أن ينزو على غير أليفته؛ بما فطره الله عليه فحافظ على هذه الفطرة بلا اختلال، فأين الشهامة يا رجال. .؟ !
ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: " رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا".
فليتعلم أهل الإباحة من القرود وسائر الحيوانات إن لم يتعلموا من شرع الله، ليتعظ الذين تأثروا بالغرب وانسلخوا من هويتهم الإسلامية ورأوا في حدود الله وعقوباته - بزعمهم - شيئا من الشدة والقسوة لا تتفق مع روح العصر، وتعارض الحرية الشخصية وخاصة حرية المرأة التي أطلقها الغرب باسم التحرر والمساواة وتحت شعار الديموقراطية التي قررها لها القانون.
стр. 27
إلى هؤلاء الذين جعلوا الزنا حين يكون بالتراضي فلا جناح عليه ولا غبار إلا إذا كان إكراها أو اغتصابا، فالزنا في نظر الغربيين ليس جريمة وإن كان عيبا، فإذا زنى الرجل البكر بامرأة بكر فإن فعلهما ليس بفاحشة مستلزمة للعقوبة إلا إذا كان ذلك بالإكراه فإنه يعاقب للإكراه بعقوبة خفيفة، وأما إذا زنى بامرأة متزوجة فللزوج أن يطالبه بتعويض مالي لأنه أفسد عليه زوجته.
بئست النظرة وبئست العقيدة وبئس من ساروا وراء الغرب يلهثون خلفهم ويتبعون سننهم حذو القذة بالقذة، شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه خلفهم، وهل بقيت مسحة خير أو حياء أودين فيمن يلهث وراء المفسدين العابثين ويعرض عن شرع العزيز الحكيم؟
стр. 28
[فعل الفواحش سلف ودين]
فعل الفواحش سلف ودين أرأيت الذي يأتي الفواحش ويطلق العنان لشهواته في بنات الناس وأولادهم ونسائهم يكون في معزل ومأمن من عقوبة الله تعالى له من جنس عمله؛ فيرتد فعله على أهله وولده؟ وهو بالطبع آخِرُ من يعلم ثم يصير حديث الناس والمجالس وهو لا يعلم وقد خرب بيته وتنجست أركانه وهو لا يعلم.
فليحافظ المتهور الذي لا يبالي بالعواقب على عرضه وبيته أن يكون نهبة لكل لاهث وهو لا يدري، وصدق الإمام الشافعي ﵀ حين قال:
عِفُّوا تَعفُّ نِسَاؤُكْمْ في المحْرَمِ ... وَتَجَنَّبُوا مَا لا يَلِيقُ بمُسْلمِ
إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِنْ أَقْرَضْتَهُ ... كَانَ الْوَفَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ به وَلَوْ بِجِدَارِهِ ... إِنْ كُنْتَ يَا هَذَا لَبِيبًا فَافْهَمِ
стр. 29
وهذه قصة حدثت حول هذا المعنى وهي قصة الرجل الساقي مع امرأة الصائغ:
" حكي أن رَجُلا سَقَّاء بمدينة بخارَى كان يحمل الماء إلى دار صائغ مدة ثلاثين سنة، وكان لذلك الصائغ زوجة صالحة في نهاية الحسن والبهاء، فجاء السقاء يوما على عادته وأخذ بيدها وعرّها - أي مسها بشهوة - فلما جاء زوجها من السوق قال: ما فعلت اليوم خلاف رضا الله تعالى؟ فقال: ما صنعت شيئا، فأَلَحَّت عليه، فقال: جاءت امرأة إلى دكاني وكان عندي سوار فوضعته في ساعدها فأعجبني بياضها فعصرتها، فقالت: الله أكبر هذه حكمة خيانة السقَّاء اليوم، فقال الصائغ: أيتها المرأة إني تبت فاجعليني في حل فلما كان الغد جاء
стр. 30
السقاء وقال يا صاحبة المنزل اجعليني في حل فإن الشيطان قد أضلَّني، فقالت امْضِ فإن الخطأ لم يكن إلا من الشيخ الذي في الدكان، فإنه لما غيَّر حاله مع الله بمس الأجنبية غيَّر الله حاله معه بمس الأجنبي زوجته " (١) .
وقصة أخرى: فلما قيل لبعض الملوك إن الزنى يؤخذ بمثله من ذرية الزاني فأراد تجربته بابنة له وكانت في غاية الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها ألا تمنع أحدا أراد التعرض لها بأي شيء شاء، وأمرها بكشف وجهها، فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق حياء وخجلا منها، فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها رجعت إلى دار الملك، فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب عنها، فأدخلتها المرأة على الملك وذكرت
стр. 31
له القصة فسجد شاكرا وقال: الحمد لله تعالى، ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة لأجنبية وقد قوصصت بها الآن، أي وقع القصاص به في ابنته (١) .
والقصة وإن كانت ليست محلا للقدوة - فلو سأل ربه العافية لكان أوسع له - لكنها يؤخذ منها عبرة، فهل يُصدِّق الآن من يزني أن بيته مصاب لا محالة؟ ! ! ويزداد الأمر قبحًا وفحشًا إذا استمر الزاني في زناه مع كبر سنه وشيب شعره واقترابه من القبر، قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» (٢) فمن يزكيهم وينظر إليهم بعين الرحمة إذا لم يفعل الله ذلك؟ ! !
أيها الزاني: هل تعلم لماذا أنت منغمس في الزنا
стр. 32
مكثر منه؟
إنه بسبب موت الغيرة عندك على نسائك فلا تبالي بهن، وأنت قد استغنيت بالأجنبية الحرام عن امرأتك الحلال، فأصبحت ترى امرأتك تتزين ولا حاجة لك بها، ولا تشعر بالإقبال عليها كما تقبل على غيرها، فصارت تتزين هذه المرة ولكن ليس لك، وتخرج من بيتك ليلا ونهارا وتركب مع أي سائق وتذهب إلى حيث لا تعلم أنت، وتدخل على أي خياط وأي طبيب بدعوى العلاج، فهي ترى رجالا أجمل منك وأقوى منك وأحلى كلاما منك، فهذا يحادثها وذاك يسامرها وآخر يغازلها وكثيرا ما تمتد إليها الأيدي الخائنة، وهي ليست حجرا وإنما هي تشتهي من الرجال غيرك مثلما اشتهيته أنت من النساء غيرها، فهل سترد الدَّيْن أيها الزاني؟ !
أيها الزاني ببنات الناس ونسائهم أفتحبه لأمك؟
стр. 33
أفتحبه لابنتك؟
أفتحبه لأختك؟ أفتحبه لعمتك؟ أفتحبه لخالتك؟ طبعا لا! !
فكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم ولا لبناتهم ولا لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم.
فإذا كنت لا تحبه لقرابتك فَلِمَ رضيت أن يُزْنَى بقرابتك بزناك قَرَابة الناس؟
إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِنْ أَقْرَضْتَهُ ... كَانَ الْوَفَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَمِ
[اقتران الزنا بالشرك]
اقتران الزنا بالشرك: قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: " ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزنا ". وقد أكد سبحانه حرمته بقوله:
стр. 34
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]
فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح (١) .
[اقتران الزاني بالمشركة وبالزانية]
اقتران الزاني بالمشركة وبالزانية: معلوم أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]
стр. 35
[النور: ٣] .
والمعنى أن الزاني لا ينبغي له أن يتزوج إلا زانية مشركة ولا يقترن بالعفيفة الشريفة الطيبة ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] فيقع الزاني على من هي مثله وتقع الزانية على من هو مثلها زان أو مشرك، فاقتران الزاني بالمشركة والزانية بالمشرك إشارة إلى عظيم خطر الزنا وكبير ضرره.
قال العلامة الألوسي في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]
" وفي هذا كله تقبيح أشد تقبيح لأمر الزاني بيان أنه مقابل رصا بالزنا لا يليق أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنا لا يليق أن ينكحها إلا من هو مثلها وهو الزاني أو من أشد حالا منها وهو المشرك، فأما المسلم العفيف فَأسَدُ
стр. 36
غيرته يأبى ورود جفرتها " (١) . . اهـ.
وَتَجْتَنِبُ الأُسُودُ وُرُودَ ماءٍ ... إِذَا كَانَ الكِلابُ وَلَغْنَ فِيهِ
[حد الزنا وشدة نكاله من بين سائر الحدود]
حد الزنا وشدة نكاله من بين سائر الحدود: وقد خص الله سبحانه حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص:
الأولى: القتل فيه بأشنع القتلات في حالة الزاني المحصن، وعندما يكون جلدا - أي للزاني غير المحصن - فقد جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
جاء في الصحيحين: «أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن ابني كان عسيفا (أجيرا) على هذا فزنى بامرأته وإني أُخبرت أن على ابني الرجم
стр. 37
فافتديت منه بمائة شاة ووليدة (جارية) ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني (جلد مائة وتغريب عام) وأن على امرأة هذا الرجل الرجم، فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وَاغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها "، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي ﷺ فرجمت» .
الثانية: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن تأخذهم بالزناة رأفة في دين الله عند إقامة الحد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
الثالثة: أنه سبحانه أوجب عليهما الفضيحة رغم أنه تعالى " سِتِّير " يحب الستر وعفو يحب العفو، لكن لقبح الزنا وبشاعته أوجب ذلك ردعًا للغير،
стр. 38
فأمر أن يكون الحد بمشهد من المؤمنين، ولا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
وحدُّ الثيب مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالإمطار بالحجارة وذلك لاشتراك الزنا واللواط في الفحش، ونعوذ بالله من ذلك.
[شدة معاناة المرجوم دليل على عظم ما اقترفت يداه]
شدة معاناة المرجوم دليل على عظم ما اقترفت يداه: انظر هداني الله وإياك إلى حالة من يوضع على سمع الناس وبصرهم يشاهده المقيم والزائر والبر والفاجر، بل ويساهم كل الحضور في التنكيل به، فيحمل كل واحد ما جمع من أحجار ويرمي به ذلك المرجوم في المكان الذي يختاره، ومن رأسه وعينيه التي أبصرت ما حرم الله ورسوله، وأنفه الذي شم عطر الزانية وريحها، وشفتيه التي قبلت شريكته في
стр. 39
الفاحشة، وبدنه التي احتضنها وتلذذ بضمها إليه، ويديه التي لمست وتحسست وتلذذت، إن كل هذا البدن وكل هذه الجوارح التي سعدت وتلذذت، ها هي الآن ترجم وتلقى العذاب الأليم، وتستقبل مكان كل قبلة حجرا بلا هوادة ولا رأفة، ولا شفقة أو رحمة.
وها هو الوجه الذي لم يستح من الله وقد بدا الآن شاحب اللون قد استحى أن يواجه الناس خزيا إنه - والله - لمشهد رهيب تشخص إليه العيون، وتخفق منه الأفئدة، إنه الوبال والنكال والعار والشنار ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]
وأنت يا من ستر الله عليك جريمتك حدِّث نفسك وقل لها: يا نفس أما تستحين، أما تخجلين، وماذا ستقولين لرب العالمين؟ معيشتك يا نفس على الأرض حرام، طعامك وشرابك وأنفاسك عليك
стр. 40
حرام، يا نفس أنت الآن في حكم المقتول الذي حكم عليه بالإعدام لكنه أفلت، فإن كنت قد أَفْلَتِّ يا نفس من الإعدام والفضيحة فماذا ستفعلين أمام من لا تخفى عليه خافية، إن أجل عذابك وفضيحتك إلى يوم تبدو فيه الفضائح والقبائح والمخازي بين الأنام؟ !
[أعظم الزنا وأشده]
أعظم الزنا وأشده: قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وأعظم أنواع الزنا أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما ينتهكه من الحرمة، فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب غيره عليه، وغير ذلك من أنواع أذاه، فهو أعظم إثمًا وجرمًا من الزنا بغير ذات البعل. فإن كان زوجها