Полный текст (364 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عنهم محظورات الإحرام، وما ترتب عليها من الشعث ونحوه ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] التي أوجبوها على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، فنفس عقد العبد للإحرام إيجاب منه على نفسه، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أي: القديم أقدم المساجد على الإطلاق، المعتق من تسلط الجبابرة عليه، وتخصيص الطواف به دون غيره من المناسك لفضله وشرفه، ولكونه المقصود وما قبله وما بعده وسائل وتوابع، ولأنه يتعبد به لله مع الأنساك ووحده، وأما بقية الأنساك فلا تكون عبادة إلا إذا كانت تابعة لنسك.
فصل
في آيات تتعلق بالجهاد وتوابعه
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]
كان المسلمون في أول الأمر مأمورين بكف الأيدي عن قتال الكفار، وإنما جهادهم بالدعوة لحكمة ظاهرة، فلما اضطهدوا واضطرهم الأعداء إلى ترك بلادهم وأوطانهم، وقتلوا من قتلوا، وحبسوا من حبسوا، وجدوا في العداوة البليغة بكل طريق، وهاجر المسلمون بسبب ذلك إلى المدينة، وقواهم الله على قتال الأعداء، وقد رماهم الأعداء عن قوس واحدة، فحينئذ أذن الله لهم في القتال، ولهذا قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] لمنعهم من دينهم، وإخراجهم من ديارهم، ومطاردتهم لهم في كل مكان، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] وهذا مع أمره لهم بفعل الأسباب، ومقاومة الأعداء بكل مستطاع أمر لهم بالتوكل عليه، واستنصاره، والطلب منه.
стр. 107
ثم ذكر صفة عدوانهم، فقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] بالأذية والفتنة بغير حق إلا أن ذنبهم إيمانهم بالله، واعترافهم بأنه ربهم وإلههم، وأنهم أخلصوا له الدين، وتبرءوا من عبادة المخلوقين، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]
وهذا ظاهر في حكمة الجهاد، وعظم مصلحته، وأنه من الضروريات في الدين؛ فإن المقصود به إقامة دين الله، والدعوة إلى عبادته التي خلق الله المكلفين لها، وأوجبها عليهم، ودفع كل من قاوم الأمر الضروري، ومقاومة الظالمين المعتدين على دين الله وعلى المؤمنين من عباده كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]
ولهذا قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] فلولا مدافعة الله الناس بعضهم ببعض بأسباب متعددة، وطرق متنوعة قدرية وشرعية، وأعظمها وأجلها وأزكاها الجهاد في سبيله لاستولى الكفار الظالمون، ومحقوا أديان الرسل، فقتلوا المؤمنين بهم، وهدموا معابدهم، ولكن ألطاف الله عظيمة، وأياديه جسيمة، وبهذا وشبهه يعرف حكمة الجهاد الديني، وأنه من الضروريات لا كقتال الظلمة المبني على العداوات والجشع والظلم والاستعباد للخلق، بل الجهاد الإسلامي مرماه وغرضه الوحيد إقامة العدل، وحصول الرحمة، واستعباد الخلق لخالقهم، وأداء الحقوق كلها، ونصر المظلومين، وقمع الظالمين، ونشر الصلاح والإصلاح المطلق بكل وجه واعتبار، وهو من أعظم محاسن دين الإسلام.
стр. 108
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧]
هذه الآيات تضمنت الأمر بجهاد الأعداء، والإرشاد إلى الأسباب التي ينبغي للجيوش والمجاهدين الأخذ بها، فمن أعظمها وأهمها أمران: الصبر، وهو الثبات التام وإبداء كل مجهود في تحصيل ذلك، والثاني: التوكل على الله، والتضرع إليه، والإكثار من ذكره، فمتى اجتمع الأمران على وجه الكمال والتكميل فقد أتى المجاهدون بالأسباب الوحيدة للنصر والفلاح، فليبشروا بنصر الله وليثقوا بوعده.
فيدخل بالأمر بالصبر والثبات تمرين النفوس على ذلك، فإنه من يتصبر يصبره الله، وتعلم الرمي والركوب والفنون العسكرية المناسبة للزمان، فإن التعليم وتعلم أمور الجهاد من أكبر العون على الثبات والصبر؛ ومن ذلك الحث على الشجاعة، والسعي في أسبابها، والترغيب في فضائل الجهاد، وما فيه من الثمرات العاجلة والآجلة، وما في تضييعه من ضياع الدين والدنيا، واستيلاء الأعداء، والذل والدمار، فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى لأنفسها بغير هذا الخلق الفاضل الذي هو أعلى الأخلاق وأنفعها، قال تعالى:
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فحثهم على الصبر بتأملهم وطمعهم في الأجر والثواب وإدراك المقامات العالية.
стр. 109
وقال أيضا في ذم الناكلين، وترغيب التائبين الصابرين:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]
وقال عن المنافقين ونكولهم عن مشقة الجهاد: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] أي: لو كان عندهم فقه نافع في تنزيل الأشياء منازلها، وتقديم ما ينبغي تقديمه لآثروا مشقة الجهاد على راحة القعود الضار عاجلا وآجلا.
وفي هذا أنه بحسب فقه العبد وعلمه ويقينه يكون قيامه بالجهاد، وصبره عليه وثباته، ومن دواعي الصبر وهو من الفقه أيضا أنه إذا علم المجاهد أنه على الحق ويجاهد أهل الباطل أن هذا أعلى الغايات وأشرفها وأحقها، وأن الحق منصور وعاقبته حميدة.
ومن دواعي الصبر الثقة بالله وبوعده؛ فإن الله وعد الصابرين العون والنصر، وأنه معهم في كل أحوالهم، ومن كان الله معه فلو اجتمع عليه من بأقطارها لم يخف إلا الله، ومما يعين على الصبر والثبات (الأمر الثاني) وهو التوكل على الله، وقوة الاعتماد عليه، والتضرع إليه في طلب النصر، والإكثار من ذكره، كما قال تعالى هنا حيث رتب على هذا الفلاح: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
стр. 110
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]
وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧] أي: تقوموا بدينه وبالحق الذي جاء به رسوله مخلصين لله، قاصدين أن تكون كلمة الله هي العليا ينصركم، ويثبت أقدامكم، وقال تعالى:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
فإخباره بأنه المتفرد بنصرهم، وأن غيره لا يملك من النصر شيئا، وأمرهم بالتوكل عليه أمر لهم بأقوى الأسباب النافعة في هذا المقام العظيم؛ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]
أي: الذي قام بعبوديته، فبحسب توكلهم عليه، وقيامهم بعبوديته يحصل لهم النصر، والكفاية التامة.
ومن أسباب النصر والصبر والثبات: اتفاق القلوب، وعدم التفرق والتنازع، فإن ذلك محلل للقوة، موجب للفشل، وأما اجتماع الكلمة، وقيام الألفة بين المؤمنين، واتفاقهم على إقامة دينهم وعلى نصره فهذا أقوى القوى المعنوية التي هي الأصل، والقوة المادية تبع لها، والكمال: الجمع بين الأمرين كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وفي قوله:
стр. 111
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ [الأنفال: ٦٠]
ومن أسباب الثبات والنصر: حسن النية، وكمال الإخلاص في إعلاء كلمة الحق؛ فلهذا حذر تعالى من مشابهة الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، فهؤلاء لما لم يعتمدوا على ربهم، وأعجبوا بأنفسهم، وخرجوا أشرين بطرين، وكان قتالهم لنصر الباطل باءوا بالخيبة والفشل والخذلان، ولهذا أدب خيار الخلق لما حصل من بعضهم الإعجاب بالكثرة في غزوة حنين حيث قال القائل: لن نغلب اليوم عن قلة. فقال:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] فلما زال هذا الأمر عنهم، وعرفوا ضعفهم وعاقبة الإعجاب: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦]
ومن الأسباب التي أرشد الله إليها في القتال: الثبات والصبر وحسن التدبير، والنظام الكامل في جميع الحركات العسكرية، قال تعالى:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]
وكان ﷺ يرتب الجيش، وينزلهم منازلهم، ويجعل في كل جنبة كفئها، ويسد الثغرات التي يخشى أن يتسرب منها العدو، يحفظ المكامن، ويبعث العيون لتعرف أحوال العدو، ويستعين بمشاورة أصحابه كما أمر الله
стр. 112
بذلك، خصوصا في هذا الأمر المهم، وتعرف أسرار العدو، وبث العيون، ووضع الجواسيس السريين الذين لا يكاد يشعر بهم، كما أن من المهم التحرز من جواسيس العدو، وعمل الأسباب لأخذ الحذر من ذلك بحسب ما يليق، ويناسب الزمان والمكان.
ومن المهم أيضا أن تفعل جميع الأسباب الممكنة في إخلاص الجيوش، وقتالها عن الحق، وأن تكون غايتها كلها واحدة لا يزعزعها عن هذا الغرض السامي فقد رئيس، أو انحراف كبير، أو تزعزع مركز قائد، أو توقف في صمودها في طريقها النافع على أمور خارجية، فإنه متى كانت هذه الغاية العالية هي التي يسعى لها أهل الحل والعقد، ويعملون لها التعليمات القولية والفعلية، كانت الجيوش التي على هذا الوصف مضرب المثل في الكمال وسداد الأحوال، وحصول المقاصد الجليلة؛ ولهذا أرشد الله المؤمنين يوم أحد إلى هذا النظام العجيب، فقال تعالى:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]
فنبههم على أنه وإن كان محمد هو الإمام الأعظم، والرسول المعظم، فإنه لا ينبغي لكم أن يفت فقده في عزيمتكم، وانحلال قوتكم، بل أنتم تقاتلون لله، وعلى الحق الذي بعث به رسوله، ولدفع الباطل والشرور، فاجعلوا هذه الغاية نصب أعينكم، وأساس عملكم، وامضوا قدما في سبيل الله غير هائبين، ولا متأثرين إذا أتت الأمور على خلاف مرادكم، فإن الأمور هكذا تكون: تارة لك، وتارة عليك، والكمال كل الكمال أن يكون العبد عبدا لله في الحالين، في السراء والضراء، في حال إتيان الأمور على ما يحب، أو ضد
стр. 113
ذلك، وهذا الوصف هو كمال الفرد، وكمال الجماعات، والله الموفق.
ومن الأمور المهمة جدا أن يكون الرئيس رحيما برعيته، ناصحا محبا للخير، ساعيا فيه جهده، كثير المراودة والمشاورة لهم، خصوصا لأهل الرأي والحجا منهم؛ وأن تكون الرعية مطيعة منقادة، ليس عندهم منازعات ولا مشاغبات، قال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] أي: إذا حصل النزاع في أي أمر من الأمور، خصوصا في الأمور المتعلقة في سياسة الحرب، ردت إلى هذا الأصل الذي يطمئن إليه المؤمنون، ويلجأ إليه كبارهم وصغارهم، لعلمهم أنه فرض على جميعهم، ولعلمهم أن حكم الله ورسوله هو الخير والصلاح، وأن الله يعلم من مصالحهم ما لا يعلمون، ويرشدهم إلى كل ما به ينتفعون.
ومن الأمور المهمة جدا سلوك طريق الحق، والعدل في قسمة الغنائم، وأن لا تكون ظالمة مستبدا بها الأقوياء، محروما منها الضعفاء، أو تكون فوضى، فإن هذين الأمرين مع ضررهما في الدين - وإن هذا لا يحل ولا يجوز، وهو من أعظم المحرمات - فإنهما يضران غاية الضرر في الجيوش في وقوع العداوات، وحصول الجشع والطمع، وكون وجهتها تكون متباينة، فبذلك ينحل النظام، ويقع الفشل، ويكون هذا الأمر أعظم سلاح للأعداء على المسلمين.
ومن الأمور المهمة جدا أيضا - وهي عون كبير في الحروب - السعي بقدر الاستطاعة في إيقاع الانشقاق في صفوف الأعداء، وفعل كل سبب يحصل به تفريق شملهم وتفريق وحدتهم، ومهادنة من يمكن مهادنته
стр. 114
منهم، وبذل الأموال للرؤساء إذا غلب على الظن أن ينكف شرهم عن المسلمين، فكم حصل بهذا الطريق من نكاية العدو ما لا يحصل بالجيوش الكثيرة، ولهذا قال:
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]
فذكر الله هذه المصلحة العظيمة في الكف عن أمثال هؤلاء الموصوفين.
وللموفقين من الرؤساء وقواد الجيوش في هذه الأمور مقامات معروفة صار لهم فيها اليد البيضاء على المسلمين.
فانظر إلى هذه التعاليم الإلهية التي هي النظام الكامل الوحيد في جميع الأزمنة والأمكنة، واستدل بذلك على أن الإسلام الحقيقي هو الدين الحق الذي إليه ملجأ الخليقة، وبه سعادتها وسلامتها من الشرور، وأن النقص والهبوط بتضييع تعاليم هذا الدين الذي أكمله الله، وأتم به النعمة على المؤمنين.
فصل
في البيوع وأنواع المعاملات
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]
وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
стр. 115
اشتملت هذه الآيات الكريمات على أحكام جمة وفوائد مهمة، منها أن الأصل في البيوع والمعاملات والتجارات كلها الحل والإطلاق، كما هو صريح هذه الآيات، لا فرق بين تجارة الإدارة التي يديرها التجار بينهم، هذا يأخذ العوض، وهذا يعطي المعوض، ولا بين التجارة في الديون الحال ثمنها، المؤجل مثمنها كالسلم، وبيع السلع بأثمان مؤجلة لعموم قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا بين تجارة التربص والانتظار، بأن يشتري السلع في أوقات رخصها، وينتظر بها الفرص من مواسم وغيرها، ولا بين التجارة بالتصدير والتوريد من محل إلى آخر، ولا بين التجارة والتكسب أفرادا ومشتركين، فكل هذه الأنواع وما يتبعها قد أباحها الشارع وأطلقها لعباده؛ رحمة بهم، وقياما لمصالحهم، ودفعا للأضرار عنهم، وكلها جائزة بما يقترن بها ويتبعها من شروط ووثائق ونحوها إذا سلمت من المحاذير الشرعية التي نبه الله عليها ورسوله، يدخل في هذا العموم جميع أجناس المبيعات وأنواعها وأفرادها من عقارات وحيوانات وأمتعة وأطعمة وأوان وأشربة وأكسية وفرش وغيرها، وكلها لا بد أن تقترن بهذا الشرط الذي ذكره الله، وهو التراضي بين المتعاوضين، الرضا الصادر عن معرفة، وأما السفيه والمجنون ومن لا يعتبر كلامه فوليه يقوم مقامه في معاملاته.
وأعظم المحاذير المانعة من صحة المعاملات: الربا والغرر والظلم.
فالربا الذي حرمه الله ورسوله يدخل فيه ربا الفضل، وهو بيع المكيل بالمكيل من جنسه متفاضلا، وبيع الموزون بالموزون من جنسه متفاضلا، ويشترط في هذا النوع في حله ما شرط الشارع، وهو التماثل بين المبيعين بمعياره الشرعي، مكيلا كان أو موزونا، والقبض للعوضين قبل التفرق، وربا النسيئة: وهو بيع المكيل بالمكيل إلى أجل، أو غير مقبوض - ولو من غير جنسه -
стр. 116
وبيع الموزون بالموزون إلى أجل أو بلا قبض، ويستثنى من هذا السلم.
وأشد أنواع هذا النوع قلب الديون في الذمم، وهو الذي ذكره بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]
وذلك إذا حل ما في ذمة المدين، قال له الغريم: "إما أن تقضيني ديني، وإما أن تزيد في ذمتك"، فيتضاعف ما في ذمة المعسر أضعافا مضاعفة بلا نفع ولا انتفاع، وذلك أن المعسر قد أوجب الله على غريمه إنظاره كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]
وسواء كان قلب الدين المذكور صريحا أو يتحيل عليه بحيلة ليست مقصودة، وإنما يراد بها التوصل إلى مضاعفة ما في ذمة الغريم، فهذا الذي قد توعده الله بهذا الوعيد الشديد، وأن الذين يأكلون الربا لا يقومون من قبورهم إلى بعثهم ونشورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، أي: من الجنون، فيقومون مرعوبين منزعجين قد اختلت حركاتهم لما يعلمون ما أمامهم من القلاقل والأهوال المزعجة والعقوبات لأكلة الربا، وقد آذنهم الله بمحاربته ومحاربة رسوله إذا لم يتوبوا، ومن كان محاربا لله ورسوله فإنه مخذول، وإن عواقبه وخيمة، وإن استدرج في وقت فآخر أمره المحق والبوار، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]
فالمرابي يأخذه الأمن والغرور الحاضر، ولا يدري ما خبئ له في مستقبل أمره، وأن الله سيجمع له بين عقوبات الدنيا والآخرة، إلا إن تاب وأناب، فإذا تاب فله ما سلف، وأما العقود الحاضرة فالزيادة لا تحل، وعليه أن ينزل على رأس ماله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
стр. 117
[البقرة: ٢٧٩]: بأخذ الزيادة، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] بأخذ بعض رؤوس أموالكم.
ومن أنواع الربا: القرض الذي يجر نفعا؛ فإن القرض من الإحسان والمرافق بين العباد، فإذا دخلته المعاوضة وشرط المقرض على المقترض رد خير منه بالصفة أو المقدار، أو شرط نفعا أو محاباة في معاوضة أخرى، فهو من الربا؛ لأنه في الحقيقة دراهم بدراهم مؤخرة، والربح ذلك النفع المشروط، فالله تعالى وعظ المؤمنين عن تعاطي الربا كله والمعاملة به، وأن يكتفوا بالمكاسب الطيبة التي فيها البركة وصلاح الدين والدنيا، وفيها تزكو الأخلاق، ويحصل الاعتبار وحسن المعاملة والصدق والعدل وأداء الحقوق والسلامة من جميع التبعات.
ومن المحاذير في المعاملات محذور الميسر والغرر، فإن الله حرم في كتابه الميسر، وقرنه بالخمر، وذكر مضار ذلك ومفاسده، والميسر يدخل في المعاملات كما يدخل في المغالبات، فكما أن المراهنات والمقامرات وتوابعها من الميسر، فالبيوع التي فيها غرر ومخاطرات وجهالات داخلة في الميسر، ولهذا قال ﷺ كلمة جامعة «نهى عن بيع الغرر»، فيدخل في ذلك بيع الحمل في البطن، وبيع الآبق والشارد، والشيء الذي لم ير ولم يوصف، ودخل فيه بيع الملامسة والمنابذة، وجميع العقود التي فيها جهالة بينة؛ وذلك لأن أحد المتعاملين إما أن يغنم، وإما أن يغرم، وهذا مخالف لمقاصد المعاوضات التي يقصد أن يكون العوض في مقابلة المعوض على وجه يستوي فيه علم المتعاوضين، فإذا جهل الثمن أو المثمن، أو كان الأجل في الديون غير مسمى ولا معلوم دخل هذا في بيع الغرر والميسر الذي زجر الله عنه.
ومن المحاذير المنهي عنها في المعاملات: الظلم والغش والتدليس
стр. 118
وبخس المكاييل والموازين وبخس الحقوق أخذا وإعطاء، بأن يأخذ أكثر مما له، أو يعطي أقل مما عليه، فهذا من أعظم المحرمات، وقد توعد الله عليه بالعقوبات في الدنيا والآخرة، وأهلك أمة عظيمة بسبب هذه المعاملة الخبيثة، وهذه المعاملات المحرمة تدخل في قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] كما يدخل فيه الغضب والسرقة ونحوهما.
وفي آية الدين من الفوائد سوى ما تقدم: الأمر بكتابة المعاملات، والإشهاد عليها، وأن يكون الكاتب عدلا عارفا بالكتابة وبما ينبغي أن يكتب؛ وهذا الأمر للندب والاستحباب عند جمهور العلماء، إلا إذا وجب حفظ المال، وكان على دين مؤجل أو غير مقبوض، فإنه لا يتم حفظه إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وفيها أن الكاتب لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق إن كان رشيدا، ووليه إن كان عاجزا ضعيفا كالمجنون والصغير والسفيه، وأن على صاحب الحق أن يقر بالحق كله من غير بخس، أي: نقص لعدده أو صفته.
وتدل الآية أن الإقرار من أعظم الطرق التي تثبت بها الحقوق في الذمم، كما يثبت فيها براءة الذمم المشتغلة بالحقوق إذا أقر من له الحق بالإقباض أو الإبراء المعتبر، وأنه لا يعذر من أقر لو ادعى الغلط أو الكذب ونحوه.
وفيها الإرشاد إلى حفظ الحقوق بالإشهاد والكتابة والرهن إذا احتيج إليه في سفر أو غيره، وأن نصاب الشهادة في المعاملات كلها من عقود وفسوخ وثبوت وشروط وابراء ونحوها رجلان مرضيان إن أمكن، وإلا فرجل واحد وامرأتان، وثبت في السنة قبول شهادة الواحد مع يمين صاحب الحق.
стр. 119
وفيها أن شهادة الفساق والمجهولين غير مقبولة، وأن الاعتبار بمن يرضاه الناس ويعتبرونه.
وفيها أن شهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل لكمال حفظ الرجل وقوة ذاكرته، كما نبه عليه بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وفيها دلالة أن من نسي شهادة فتذكرها، أو ذكرها فذكرها أن شهادته صحيحة.
وفيها أنه لا يحل أن يشهد إلا بما علمه وتيقنه، فإن شك فيه لم يحل له أن يشهد.
وفيها بيان الحكمة العظيمة في هذه الإرشادات من الرب في حفظ المعاملات، وأن ذلك صلاح للعباد في معاملاتهم، وأن تكون جارية على القسط، وأنها تقطع الخصومات والمنازعات، وتبرئ الذمم، وتمنع الظالم من ظلمه، فلهذا قال:
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]
فكم حصل بهذه الوثائق التي أرشد الله إليها من مصالح عظيمة، وكم اندفع بها من مفاسد وشرور كثيرة، فسبحان من جعل شرعه صلاحا لدين العباد ودنياهم.
وفيها أن التجارة الحاضرة لا بأس بترك كتابتها لكون التقابض يغني غالبا عن ذلك، ولمشقة كثرة ذلك، وأما الشهادة فلا ينبغي تركها خصوصا في الأمور المهمة وقوله:
﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
стр. 120
يحتمل أنه مبني للفاعل أو للمفعول، والمعنى يشمل الأمرين؛ فالكاتب والشهيد يجب عليه أن يعدل في كتابته وشهادته، ولا يحل له أن يميل مع أحدهما لغرض من أغراضه، ولا يضارهما بأخذ أجرة لا تحل له على شهادته، أو يماطل في شهادته وكتابته مماطلة تضرهما أو أحدهما، وكذلك المعاملان لا يحل أن يضارا الكاتب والشهيد بأن يكلفاه ما لا يطيقه، أو يتضرر به، لأن الشاهد والكاتب محسنان، حقهما أن يشكرا على ذلك، فمضارتهما تنافي ذلك.
وفيها أن تعلُّم الكتابة من الأمور المحبوبة لله، وأنه نعمة من الله على من علمه الله الكتابة، فمن شكر هذه النعمة - أن لا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله.
ويستفاد من المعنى المقصود أن الله شرع هذه الأمور حفظا للحقوق، وأنه ينبغي تعلم كتابة الوثائق والاصطلاحات الجارية بين الناس في المعاملات؛ حتى يكون الكاتب بهذه الصفة التي يحرر فيها المعاملات، فينتفع الناس بحفظ حقوقهم، فلا يكفي مجرد الكتابة من غير معرفة بهذه الأمور، كما أنه لا بد أن يكون الكاتب معتبرا ثقة؛ ليحصل الاعتماد على كتابته والطمأنينة إليها.
ويستفاد من هذا أن الخط المعروف صاحبه وثقته أنه معتبر معمول به؛ ليتم المقصود من الكتابة في حياة الكاتب وبعد موته.
وفيها وجوب أداء الشهادة وتعينها على من تحملها، وأن كتمان الشهادة من كبائر الذنوب، وكما أن شهادة الزور بأن يشهد بثبوت ما ليس بثابت، أو بالبراءة من الحق الثابت وهو كاذب من أكبر الكبائر،
стр. 121
فكذلك السكوت عن أداء الشهادة، وكلا الأمرين ظلم لصاحب الحق بتفويت حقه، وظلم أيضا للنفس بوقوع الإثم، وظلم للظالم لإعانته على الإثم والعدوان.
وفيها مشروعية الوثائق بالحقوق، وهي أربعة: الشهادة والرهن - كما هو مذكور في هذا الموضع - والضمان والكفالة، يؤخذ من الاعتبار على هذا المعنى، ومن قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]
أي: كفيل وضامن، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وتقييد الرهن بالسفر لا يدل على أنه لا يكون رهن في الحضر، بل قيد لأجل الحاجة إليه لعدم الكاتب غالبا.
وفيها ثبوت الولاية على القاصرين - لجنون أو صغر أو سفه - لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
فأقامه في التصرفات في ماله مقام المالك الرشيد، وعليه أن يفعل في أموالهم ما هو الأصلح، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]
ولا يدفع إليهم حتى يرشدوا، ويعرف ذلك بالاختبار والتجربة كما قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]
وفيها في قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الفوائد: التنبيه على أن كل من فعل إحسانا ومعروفا أن عليه أن يتممه ويكمله بالتسهيل والتيسير وعدم المضارة، وأن للمحسنين على الناس أن يشكروا لهم معروفهم، وأن
стр. 122
لا يكلفوهم الضرر والمشقة جزاء لهم على إحسانهم، وترغيبا في الإحسان.
واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، كما أن العلم سبب للتقوى، وأوضح من هذا قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: علما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الحقائق المحتاج إليها.
وفيها أنه كما أنه من العلوم النافعة تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، فمنه أيضا تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء.
وفيها أنه يجوز التعامل بغير وثيقة، بل بمجرد الاستئمان لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
ولكن في هذه الحال تتوقف الثقة على التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر، فلهذا وعظ الله من عليه الحق أن يؤدي أمانته، ويؤخذ من هذا أن من عاملك ورضي بأمانتك ووثق فيك أنه قد فعل معك معروفا، ورآك موضع الثقة والأمانة؛ فيتأكد عليك أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله، ووفاء بحق من وثق فيك ومكافأة له.
فصل
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وقال يوسف:
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
يؤخذ من هاتين الآيتين أنه ينبغي أن يتخير في الإجارات والجعالات
стр. 123
والأمانات والولايات كلها - كبيرة كانت أو صغيرة - من جمع الوصفين: القوة على ذلك العمل، والكفاءة والحفظ وتوابع ذلك من جميع ما تقوم به الأعمال، والأمر الثاني: الأمانة، فبالأمانة تتم به الثقة، ويعلم نصحه وبذله الواجب، وبالكفاءة والقوة يحصل العمل ويتم ويتقن، فإن وجد الجامع للوصفين على وجه الكمال فليستمسك بغرزه، وإلا اكتفى بالأمثل فالأمثل، ونقص الأعمال كلها من الإخلال بالوصفين أو أحدهما.
فصل في آيات المواريث
قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ١٣]
والتي في آخر السورة:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخرها [النساء: ١٧٦].
تضمنت هذه الآيات الكريمة أحكام المواريث في غاية البيان والتفصيل والإيضاح، وفي غاية الحكمة، فتوصيته للعباد بأولادهم من كمال رحمته وعنايته، وأنه أرحم بهم من والديهم، ولذلك وصى الوالدين بالأولاد، فالأولاد عند والديهم وصايا من الله وأمانات عندهم؛ على الوالدين أن يربوهم تربية نافعة لدينهم ودنياهم، فإن فعلوا فقد قاموا بهذه الأمانة، وإلا فقد ضيعوها، وباءوا بإثمها وخسرانها، فذكر الله ميراث الأولاد، وأن لهم ثلاث حالات:
стр. 124
الحالة الأولى: إما أن يجتمع الذكور والإناث، فحينئذ يتقاسمون المال، أو ما أبقت الفروض على عدد رؤوسهم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] سواء كانوا أولاد صلب أو أولاد ابن، ويؤخذ من هذا:
الحالة الثانية: أن يكون الأولاد ذكورا فقط، فإنهم يتقاسمونه متساوين، ومن ارتفعت درجته حجب من دونه من الأولاد إذا كان الرفيع من الذكور.
الحالة الثالثة: إذا كن إناثا، فإن كانت واحدة فلها النصف، سواء كانت بنت صلب أو بنت ابن، وإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان، ومن الحكمة في الإتيان بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] التنبيه على أنه لا يزيد الفرض وهو الثلثان بزيادتهن على الثنتين، كما زاد فرض النصف لما صرن أكثر من واحدة، وقد نص الله على أن الأختين فرضهما الثلثان، فالبنتان من باب أولى وأحرى، فإن كان البنتان بنات صلب لم يبق لبنات الابن شيء، وصار البقية بعد فرض البنات للعاصب، وإن كانت العالية واحدة أخذت النصف، وباقي الثلثين وهو السدس لبنت أو بنات الابن.
هذا ميراث الأولاد قد استوعبته الآية استيعابا، وقد علمنا من ذلك أن لفظ الولد يشمل الذكر والأنثى من أولاد الصلب وأولاد الابن وإن نزل، وأما أولاد البنات فلا يدخلون في إطلاق اسم الأولاد في المواريث.
ثم ذكر الله ميراث الأبوين: الأم والأب، فجعل الله للأم سدسا وثلثا، جعل لها السدس مع وجود أحد من الأولاد مطلقا، منفردين أو متعددين، أولاد صلب أو أولاد ابن، وكذلك جعل لها السدس بوجود جمع من الإخوة والأخوات اثنين فأكثر، وجعل لها الثلث إذا فقد الشرطان المذكوران.
стр. 125
وأما ثلث الباقي في زوج أو زوجة وأبوين فقيل إنه يؤخذ من قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فإذا كان معهما أحد الزوجين خرجت عن هذا فلم يكن لها ثلث كامل، أو يقال: إن الله أضاف الميراث للأبوين - وهو الأب والأم - فيكون لها ثلث ما ورثه الأبوان، ويكون ما يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغريم. . فالله أعلم.
وأما الأب فقد فرض الله له السدس مع وجود أحد من الأولاد، فإن كان الأولاد ذكورا لم يزد الأب على السدس، وصار الأبناء أحق بالتقديم من الأب بالتعصيب بالإجماع.
وإن كان الأولاد إناثا واحدة أو متعددات فرض له السدس ولهن أو لها الفرض، فإن بقي شيء فهو لأولى رجل، وهو الأب هنا؛ لأنه أقرب من الإخوة وبنيهم ومن الأعمام وبنيهم، فجمع له في هذه الحال بين الفرض والتعصيب، وإن استغرقت الفروض التركة لم يبق للأب زيادة عن السدس، كما لو خلف أبوين وابنتين؛ فلكل واحد من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان.
ومفهوم الآية الكريمة أنه إذا لم يكن أولاد ذكور ولا إناث، أن الأب يرث بغير تقدير، بل بالعصب، بأن يأخذ المال كله إذا انفرد، أو ما أبقت الفروض إن كان معه أصحاب فروض، وهو إجماع، وحكم الجد حكم الأب في هذه الأحكام إلا في العمريتين؛ فإن الأم ترث ثلثا كاملا مع الجد؛ وأما ميراث الجدة السدس عند عدم الأم فهو في السنة.
ثم ذكر الله ميراث الزوجين، وأن الزوج له نصف ما تركت زوجته إن لم يكن لها ولد، فإن كان لها ولد فله الربع، وأن الزوجة واحدة أو متعددات
стр. 126
لها الربع مما ترك الزوج إن لم يكن له ولد، فإن كان للزوج ولد منها أو من غيرها ذكر أو أنثى، ولد صلب أو ولد ابن فلها أو لهن الثمن.
ثم ذكر الله ميراث الإخوة من الأم، وأنهم لا يرثون إلا إذا كانت الورثة كلالة ليس فيهم أحد من الفروع ولا الأب والجد، فللواحد من الإخوة من الأم أو الأخوات السدس، وللأنثيين فأكثر الثلث، يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم، وهذه الفروض كلها ذكر الله أنها من بعد الوصية إذا حصل الإيصاء بها، ومن بعد الدين، وقد قضى النبي ﷺ : أن الدين قبل الوصية، وقد اتفق العلماء على ذلك، وشرط الله في الوصية أن لا تكون على وجه المضارة بالورثة، فإن كانت كذلك فإنها وصية إثم وجنف يجب تعديلها ورد الظلم الواقع فيها.
وأخبر تعالى أن هذه التقديرات والفرائض حدود الله قدرها وحددها، فلا يحل مجاوزتها، ولا الزيادة فيها والنقصان، بأن يعطى وارث فوق حقه، أو يحرم وارث، أو ينقص عن حقه.
ثم ذكر في آخر السورة ميراث الإخوة لغير أم وأخواتهم بأن الأنثى الواحدة لها النصف، وللثنتين فأكثر الثلثان، وإن اجتمع رجال ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، ويقال فيهم كما يقال في الأولاد إذا كانوا ذكورا تساووا إذا كانوا أشقاء أو لأب، فإن وجد هؤلاء وهؤلاء حجب الأشقاء الإخوة للأب، وإن كن نساء شقيقات وأخوات لأب، واستغرق الشقيقات الثلثين لم يبق للأخوات للأب شيء؛ فإن كانت الشقيقة واحدة أخذت نصفها، وأعطيت الأخت للأب أو الأخوات السدس تكملة الثلثين.
وما سوى هذه الفروض فإن الورثة من إخوة لغير أم وبنيهم وأعمام
стр. 127
وبنيهم وولاء يدخلون في قوله ﷺ في حديث ابن عباس الصحيح: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». رواه مسلم، فيقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم ثم الولاء؛ ويقدم منهم الأقرب منزلة، فإن استوت منزلتهم قدم الأقوى وهو الشقيق على الذي لأب. والله أعلم.
فصول تتعلق بالنكاح وتوابعه من الأحكام
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا - وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٣ - ٤]
لما من الباري على عباده بالنكاح قدرا وأباحه شرعا، بل أحبه ورضيه وحث عليه؛ لما يترتب عليه من المصالح الكثيرة، رتب عليه أحكاما كثيرة وحقوقا متنوعة تدور كلها على الصلاح وإصلاح أحوال الزوجين، ودفع الضرر والفساد، وهي من محاسن الشريعة، والشريعة كلها محاسن، وجلب للمصالح، ودرء للمفاسد، يقول تعالى هنا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] أي: تقوموا بحق النساء اليتامى اللاتي تحت حجوركم وولايتكم لعدم محبتكم إياهن فاعدلوا إلى غيرهن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] أي: ينبغي أن تختاروا منهن الطيبات في أنفسهن اللاتي تطيب لكم الحياة بالاتصال بهن، الجامعات للدين والحسب والعقل والآداب الحسنة وغير ذلك من الأوصاف الداعية لنكاحهن.
стр. 128
وفي هذه الآية الحث على الاختيار قبل الخطبة، وأنه ينبغي أن لا يتزوج إلا الجامعة للصفات المقصودة بالنكاح، فإن النكاح يقصد لأمور كثيرة من أهمها كفاءة البيت والعائلة وحسن التدبير وحسن التربية، وأهم صفة هذا النوع الدين والعقل.
ويقصد به إحصان الفرج، والسرور في الحياة، وعمدة هذا حسن الأخلاق الظاهرة، وحسن الخلائق الباطنة.
ويقصد به نجابة الأولاد وشرفهم، وأساسه الحسب والنسب الرفيع، ولهذا أباح الشارع بل أمر بالنظر لمن يخطبها؛ ليكون على بصيرة من أمره.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: من أحب أن يتزوج اثنتين فليفعل، أو ثلاثا أو أربعا فليفعل، ولا يزيد على الأربع؛ لأن الآية سيقت للامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله إجماعا، وذلك أن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، أو لا يحصل مقصوده أو مقاصده بها، كما تقدم أن النكاح له عدة مقاصد، فلهذا أباح الله له هذا العدد؛ لأن في الأربع غنية لكل أحد إلا ما ندر، ومع هذا فإذا خاف من نفسه الجور والظلم بالزيادة على الواحدة فليقتصر على الواحدة، أو على ملك يمينه التي لا يجب عليه لها قسم كالزوجات، ذَلِكَ أي: الاقتصار على واحدة من الزوجات، أو ما ملكت اليمين، أدنى أن لا تعولوا أي: تظلموا وتجوروا.
ويستفاد من هذا المعنى أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحا - لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد، ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، وخصوصا الصداق
стр. 129
الذي يكون شيئا كثيرا دفعة واحدة يشق عليهم، حثهم على إيتاء النساء صدقاتهن أي: مهورهن ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: عن حال طمأنينة وطيب نفس من غير مطل ولا بخس منه شيئا.
وفيه أن المهر للمرأة، وأنه يدفع إليها أو إلى وكيلها إن كانت رشيدة، أو إلى وليها إن لم تكن رشيدة، وأنها تملكه بالعقد لأنه أضافه إليها وأمر بإعطائه لها، وذلك يقتضي الملك، ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٤] أي: من الصداق، ﴿نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المحاباة في التعوض عنه ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] لا تبعة عليكم فيه ولا حرج؛ وهذا دليل على أن للمرأة الرشيدة التصرف في مالها، ولو بالتبرع، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء إلا ما طابت نفسها به إذا كانت رشيدة، ويؤخذ من الأمر بنكاح ما طاب من النساء تحريم نكاح الخبيثة التي لا يحل للمسلم نكاحها، وهي الكافرة غير الكتابية، وكذلك الزانية حتى تتوب كما نص الله على الثنتين.
وفي هذه الآية دليل على أنه لا بد في النكاح من صداق، وأنه يجوز في الكثير واليسير للعموم، وأنه لا يباح لأحد أن يتزوج بدون صداق، وإن لم يسم فمهر المثل، إلا النبي ﷺ فإن له ذلك خاصة، كما قال تعالى:
﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]
وفي قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] دليل على اعتبار الولي في النكاح، وهو العاصب، ويقدم منهم الأقرب فالأقرب، فإن تعذر الولي القريب والبعيد لعدم أو جهل أو غيبة طويلة قام الحاكم مقام الولي، فالسلطان والحاكم ولي من لا ولي لها من النساء.
стр. 130
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] إلى قوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]
كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم ورثت زوجته عنه كما يورث ماله، فرأى قريبه كأخيه وابن عمه أنه أحق بها من نفسها، ويحجرها عن غيره، فإن رضي بها تزوجها على غير صداق، أو على صداق يحبه هو دونها، وإن لم يرض بزواجها عضلها ومنعها من الأزواج إلا بعوض من الزوج أو منها، وكان منهم أيضا من يعضل زوجته التي هي في حباله، فيمنعها من حقوقها، ومن التوسعة لها لتفتدي منه، فنهى الله المؤمنين عن هذه الأحوال القبيحة الجائرة ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها ومن يتصل به، فيجوز في هذه الحال أن يعضلها مقابلة لها على فعلها لتفتدي منه؛ فإن هذا الافتداء بحق لا بظلم، ثم قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته ببذل النفقة والكسوة والمسكن اللائق بحاله، ويصاحبها صحبة جميلة بكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة والخلق، وأن لا يمطلها بحقها، وهي كذلك عليها ما عليه من العشرة، وكل ذلك يتبع العرف في كل زمان ومكان وحال ما يليق به، قال تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]
وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] أي: ينبغي لكم يا معشر الأزواج أن تمسكوا زوجاتكم ولو
стр. 131
كرهتموهن، فإن في ذلك خيرا كثيرا:
منها: امتثال أمر الله ورسوله الذي فيه سعادة الدنيا والآخرة.
ومنها: أن إجباره نفسه، ومجاهدته إياها مع عدم محبة زوجته تمرين على التخلق بالأخلاق الجميلة، وربما زالت الكراهة وخلفتها المحبة، وربما زالت الأسباب التي كرهها لأجلها، وربما رزق منها ولدا صالحا نفع الله به والديه في الدنيا والآخرة، ولا بد لهذه الكراهة من أسباب من الزوجة، فينبغي إذا كره منها خلقا لحظ بقية أخلاقها، وما فيها من المقاصد الأخر، ويجعل هذا في مقابلة هذا، وهذا عنوان الإنصاف والرأي الأصيل، فإن النزق الطائش الذي ليس عنده إنصاف يلاحظ بعض أغراضه النفسية، فإذا لم يأت على ما يريد أهدر المحاسن والمناقب الأخر، وهذا لا يكاد يصفو له خل في حياته، لا زوجة ولا صاحب ولا حبيب، بل هو سريع التقلب.
أما الرجل الحازم الوفي الذكي فإنه يوازن بين الأمور، ويقدم الحق السابق، ويفي بالسوابق، ويكون نظره للمحاسن أرجح من نظره للمساوئ.
فإن وصل إلى الدرجة العالية التي لا يصل إليها إلا أفراد من كمل الرجال جعل المحاسن نصب عينيه، وأغضى عن المساوئ بالكلية، وعفا عنها لله ولحق صاحب الحق، فهذا قد كسب الأجر والراحة والخلق الذي لا يلحق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا الصبر المأمور به إنما هو مع الإمكان، فإن كان لا بد من الفراق، ولم يبق للصبر والإمساك موضع، فالله قد أباح الفراق، فلهذا قال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] أي: فلا حرج عليكم، ولكن إذا آتيتم إحداهن أي: الزوجة
стр. 132
السابقة أو اللاحقة (قِنْطَارًا) وهو المال الكثير، ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] بل وفروه لهن ولا تمطلوهن، وهذا يدل على جواز إعطاء النساء من المهور وغيرها المال الكثير، وأنها بذلك تملكه، ولكن الأكمل والأفضل التساهل في المهور اقتداء بالنبي ﷺ ، وتسهيلا للنكاح ولطرقه وبراءة للذمم.
ثم ذكر الحكمة في تحريم أخذ الزوج ما أعطاه لزوجته، فقال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] وبيان ذلك أن الأنثى قبل عقد النكاح محرمة على الزوج، وهي لم ترض بهذا الحل إلا بالعقد والميثاق الغليظ الذي عقد على ذلك العوض المشروط، فإذا دخل عليها وباشرها، وأفضى إليها وأفضت إليه، وباشرها المباشرة التي كانت قبل هذه الأمور حراما فقد استوفى المعوض، فثبت عليه العوض تاما، فكيف يستوفي المعوض ثم يرجع على العوض؟ لا ريب أن هذا من المنكرات القبيحة شرعا وعقلا وفطرة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]
ثم عدد المحرمات إلى أن قال:
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
قد استوفى الباري المحرمات في النكاح في هذه الآيات في النسب والرضاع والمصاهرة، أما المحرمات بالمصاهرة فإن تزوج الرجل امرأة ترتب على هذا الزواج أربعة أحكام: تحريم هذه الزوجة على أولاده وإن نزلوا نسبا ورضاعا، وتحريمها على آبائه وإن علوا نسبا ورضاعا، وحرمت عليه أمها في الحال، وأما بنتها فإن كان قد دخل بزوجته حرمت أيضا، وصارت ربيبة، لا فرق بين بنتها من زوج سابق له، أو من زوج خلفه عليها.
стр. 133
وأما المحرمات بالنسب فتحرم الأمهات، وهن كل أنثى لها عليك ولادة، وهي التي تخاطبها بالأم والجدة وإن علت من كل جهة، وتحرم البنات، وهن كل أنثى تخاطبك بالأبوة أو بالجدودة من بنات الابن وبنات البنات وإن نزلن، وتحرم الأخوات شقيقات كن أو لأب أو لأم، وبنات الإخوة وبنات الأخوات مطلقا، وتحرم العمات والخالات، وهن كل أخت لأحد آبائك وإن علا، أو أحد أمهاتك وإن علون، وما سوى ذلك من الأقارب حلال كبنات الأعمام، وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات، ولهذا ذكر الله هذا الحل والتحريم المهم في موضعين: في هذا الموضع صرح بالمحرمات السبع وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وفي سورة الأحزاب أتى بها بأسلوب آخر، فقال في الحل: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي: فهن حلال، ومن عداهن من الأقارب حرام.
وأما المحرمات بالرضاع فإنهن نظير المحرمات بالنسب من جهة المرضعة وصاحب اللبن، فالمرضعة أم للرضيع، وأمهاتها جداته، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته، وأولادها إخوته وأخواته، وهو عم لأولادهم أو خال، وكذلك صاحب اللبن.
وأما الانتشار من جهة الطفل الراضع فلا ينتشر التحريم لأحد من أقاربه إلا لذريته فقط، وتقييد الآية في الربيبة بقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] بيان لأغلب أحوالها، ولبيان أعلى حكمة تناسب حكمة التحريم، وأنها إذا كانت في حجرك بمنزلة بناتك لا يليق إلا أن تكون من محارمك.
стр. 134
وتقييدها الآخر بقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يخرج ابن التبني لا يخرج ابن الرضاع في قول جمهور العلماء، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ذوات الأزواج، فكل أنثى في عصمة زوج أو في بقية عدته لا تحل لغيره؛ لأن الأبضاع ليست محل اشتراك، بل قصد تمييزها التام، ولهذا شرعت العدة والاستبراء، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] المراد بهذا الملك ملك السبي، إذا سبيت المرأة ذات الزوج من الكفار في القتال الشرعي حلت للمسلمين، ولكن بعد الاستبراء أو العدة، فزوجها الحربي الذي في دار الحرب لم يبق له فيها حق، ولا له حرمة، فلهذا حلت للمسلمين كما حل لهم ماله ودمه، لأنه ليس له عهد ولا مهادنة.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما سوى ما نص الله على تحريمه: سبع بالنسب، وسبع بالرضاع، وأربع بالصهر، فما عداهن فإنه حلال، إلا أنه حرم تعالى الجمع بين الأختين، وحرم النبي ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها، وحرم على الأحرار نكاح المملوكات لما فيه من إرقاق الولد، ولما فيه من الدناءة والضرر العائد للأولاد؛ لتنازع الملاك، وتنقلات الأرقاء، لكن إذا رجحت مصلحة الإباحة فقد أباحه الله بشرط المشقة لحاجة متعة أو خدمة، وأن لا يقدر على الطول للحرة، وأن تكون الأمة مؤمنة بإذن أهلها، فعند اجتماع هذه الشروط كلها يحل للحر نكاح الإماء.
وقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]
стр. 135
[النساء: ٣٤].
هذا خبر وأمر، أي: الرجال قوامون على النساء في أمور الدين والدنيا، يلزمونهن بحقوق الله، والمحافظة على فرائضه، ويكفونهن عن جميع المعاصي والمفاسد، وبتقويمهن بالأخلاق الجميلة والآداب الطيبة، وقوامون أيضا عليهن بواجباتهن من النفقة والكسوة والمسكن وتوابع ذلك، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] أي: ذلك بسبب فضل الرجال عليهن وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات كلها مختصة بالرجال والنبوة والرسالة، وباختصاصهم بالجهاد البدني، ووجوب الجماعة والجمعة ونحو ذلك، وبما تميزوا به عن النساء من العقل والرزانة والحفظ والصبر والجلد والقوة التي ليست للنساء، وكذلك يده هي العليا عليها بالنفقات المتنوعة، بل وكثير من النفقات الأخر والمشاريع الخيرية، فإن الرجال يفضلون النساء بذلك كما هو مشاهد، ولهذا حذف المتعلق في قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] ليدل على هذا التعميم، فعلم من ذلك أن الرجل كالوالي والسيد على امرأته، وهي عنده أسيرة عانية تحت أمره وطاعته، فليتق الله في أمرها، وليقومها تقويما ينفعه في دينه ودنياه، وفي بيته وعائلته يجد ثمرات ذلك عاجلا وآجلا، وإلا يفعل فلا يلومن إلا نفسه؛ وهن قسمان:
القسم الأول: قسم هن أعلى طبقات النساء، وخير ما حازه الرجال، وهن المذكورات في قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي: مطيعات لله ولأزواجهن، قد أدت الحقين، وفازت بكفلين من الثواب، حافظات أنفسهن من جميع الريب، وحافظات لأمانتهن ورعاية
стр. 136
بيوتهن، وحافظات للعائلة بالتربية الحسنة، والأدب النافع في الدين والدنيا، وعليهن بذل الجهد والاستعانة بالله على ذلك؛ فلهذا قال: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أي: إذا وفقن لهذا الأمر الجليل فليحمدن الله على ذلك، ويعلمن أن هذا من حفظه وتوفيقه وتيسيره لها، فإن من وكل إلى نفسه فالنفس أمارة بالسوء، ومن شاهد منة الله، وتوكل على الله، وبذل مقدوره في الأعمال النافعة، كفاه الله ما أهمه، وأصلح له أموره، ويسر له الخير، وأجراه على عوائده الجميلة.
والقسم الثاني: هن الطبقة النازلة من النساء، وهن بضد السابقات في كل خصلة، اللاتي من سوء أخلاقهن وقبح تربيتهن تترفع على زوجها، وتعصيه في الأمور الواجبة والمستحبة، فأمر الله بتقويمهن بالأسهل فالأسهل، فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أي: بينوا لهن حكم الله ورسوله في وجوب طاعة الأزواج، ورغبوهن في ذلك بما يترتب عليه من الثواب، وخوفوهن معصية الأزواج، وذكروهن ما في ذلك من العقاب، وما يترتب عليه من قطع حقوقها، وإباحة هجرها وضربها، فإن تقومن بالوعظ والتذكير فذلك المطلوب، وحصل الاتفاق الذي لا يشوبه مكدر، فإن لم يفد التذكير فاهجروهن في المضاجع، بأن لا ينام عندها، ولا يباشرها بجماع ولا غيره؛ لعل الهجر ينجع فيها، ذلك بمقدار ما يحصل به المقصود فقط، فإن القصد بالهجر نفع المهجور وأدبه، ليس الغرض منه شفاء النفس كما يفعله من لا رأي له إذا خالفته زوجته أو غيرها، ولم يحصل مقصوده، هجر هجرا مستمرا، أي: بقي متأثرا بذلك، عاتبا على من لم يواته على ما يحب، ووصلت به الحال إلى الحقد الذي هو من الخصال الذميمة، فهذا ليس من الهجر الجميل النافع،
стр. 137
وإنما هو من الحقد الضار بصاحبه، الذي لا يحصل به تقويم ولا مصلحة، فإن نفع الهجر للزوجة وإلا انتقل إلى ضربها ضربا خفيفا غير مبرح، فإن حصل المقصود، ورجعت إلى الطاعة، وتركت المعصية، عاد الزوج إلى عشرتها الجميلة، ولا سبيل له إلى غير ذلك من أذيتها؛ لأنها رجعت إلى الحق.
وهذا الدواء لكل عاص ومجرم، إن الشارع رغبه إذا ترك إجرامه عاد حقه الخاص والعام كما في حق التائب من الظلم وقطع الطريق وغيرها، فكيف الزوج مع زوجته.
وفي هذه الآية ونحوها فائدة نافعة، وهي أنه ينبغي لمن عاد إلى الحق أن لا يذكر الأمور السالفة، فإن ذلك أحرى للثبات على المطلوب، فإن تذكير الأمور الماضية ربما أثار الشر، فانتكس المرض، وعادت الحال إلى أشد من الأولى.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]
هذه حالة أخرى غير الحالة السابقة التي يمكن للزوج معالجتها، وهذه إذا استطار الشر بين الزوجين، وبلغت الحال إلى الخصام وعدم الالتئام، ولم ينفع في ذلك وعظ ولا كلام ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] عدلين عاقلين يعرفان الجمع والتفريق، ويفهمان الأمور كما ينبغي، فإن الحكم لا بد أن يتصف بهذه الأوصاف، فيبحثان في الأسباب التي أدت بهما إلى هذه الحال، ويسألان كلا منهما ما ينقم على صاحبه، ويزيلان ما يقدران عليه من المعتبة بترغيب الناقم على الآخر بالإغضاء
стр. 138
عن الهفوات واحتمال الزلات، وإرشاد الآخر إلى الوعد بالرجوع، وإرشاد كل منهما إلى الرضى والنزول عن بعض حقه، فكم حصل بهذا الطريق من المصالح شيء كثير، وإن أمكنهما إلزام المتعصب على الباطل منهما بالحق فَعَلَا، ومهما وجدا طريقا إلى الإصلاح والاتفاق والملاءمة بينهما لم يعدلا عنها، إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال، أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الملاءمة فرقا بينهما بما تقتضيه الحال بعوض أو بغير عوض، ولا يشترط في هذا رضى الزوج؛ لأن الله سماهما حكمين لا وكيلين، ومن قال إنهما وكيلان اشترط في التفريق رضى الزوج، ولكن هذا القول ضعيف، ولمحبة الباري للاتفاق بينهما وترجيحه على الآخر قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: بسبب الرأي الميمون، والكلام اللطيف، والوعد الجميل الذي يجذب القلوب، ويؤثر فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥] بالسرائر والظواهر مطلعا على الخفايا، فمن كمال علمه وحكمته شرع لكم هذه الأحكام الجليلة التي هي الطريق الوحيد إلى القيام بالحقوق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]
هذه حالة من أحوال الزوجين غير الأحوال السابقة؛ لأن الحالتين السابقتين: حالة نشوز الزوجة، وحالة وقوع الخصام واستطارة الشر بينهما، وهذه إذا كان الزوج هو الراغب عن زوجته، إما عدم محبة وإما طمعا، فأرشد الله في هذه الحال إلى الطريق الذي تستقيم به الأمور، وهو طريق
стр. 139
الصلح من المرأة أو وليها ليعود الزوج إلى الاستقامة، بأن تسمح المرأة عن بعض حقها اللازم لزوجها على شرط البقاء معه، وأن يعود إلى مقاصد النكاح أو بعضها، كأن ترضى ببعض النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو تسقط حقها من القسم، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها بإذنه، فمتى اتفقا على شيء من ذلك فلا حرج ولا بأس، وهو أحسن من المقاضاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو إلى الفراق، ولهذا قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
وهذا أصل عظيم في جميع الأشياء، وخصوصا في الحقوق المتنازع فيها أن المصالحة فيها خير من استقصاء كل منهما على حقه كله؛ لما في الصلح من بقاء الألفة، والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز بين المسلمين في كل الأبواب - إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا -.
واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضى لذلك، فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] أي: جبلت النفوس على الشح، وهو الاستئثار والتفرد في الحقوق، وعدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتقليله وتلطيفه وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة ببذل جميع الحقوق التي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك، والإغضاء
стр. 140
عن التقصير، فمتى وفق العبد لهذا الخلق الطيب سهل عليه الصلح بينه وبين كل من بينه وبينه منازعة ومعاملة، وتسهلت الطريق الموصلة إلى المطلوب، ومن لم يكن بهذا الوصف تعسر الصلح أو تعذر؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ما له كاملا مكملا، ولا يهون عليه أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر.
ثم قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] أي: تحسنوا في عبادة الخالق، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتحسنوا إلى المخلوقين بكل إحسان قولي أو فعلي، وتتقوا الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات، أو تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] فيجازيكم على قيامكم بالإحسان والتقوى، أو على عدم ذلك بالجزاء بالفضل والعدل.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]
يخبر تعالى أنه ليس في قدرة الأزواج العدل التام بين زوجاتهم، فإن العدل التام يقتضي أن يكون الداعي والحب على السواء، والميل القلبي على السواء، ويقتضي مع ذلك الإيمان الصادق، والرغبة في مكارم الأخلاق للعمل بمقتضى ذلك، وهذا متعذر غير ممكن، فلذلك عذر الله الأزواج، وعفا عنهم عما لا يقدرون عليه، ولكنه أمرهم بالعدل الممكن فقال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] أي: لا تميلوا إلى إحداهن عن الأخرى ميلا كثيرا، بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا مستطاعكم من العدل، فالنفقة والكسوة والقسم في المبيت
стр. 141
والفراش ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فالعبد لا يملك نفسه فعذره الله، وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته وزهد فيها ولم يقم بحقوقها الواجبة، وهي في حباله أسيرة عنده صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها، وإن تصلحوا فيما بينكم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح كما تقدم، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا أيضا فيما بينكم وبين الناس فيما تنازعتم به من الحقوق، وتتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]
يعني: إذا تعذر الاتفاق والالتئام فلا بأس بالفراق، فقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: بفسخ أو طلاق أو خلع أو غير ذلك ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ [النساء: ١٣٠] من الزوجين ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أي: من فضله وإحسانه العام الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله برزق من غير طريقه، فإنها وإن توهمت أنه إذا فارقها زوجها المنفق عليها القائم بمؤنتها ينقطع عنها الرزق، فسوف يغنيها الله من فضله، فإن رزقها ليس على الزوج ولا على غيره، بل على المتكفل القائم بأرزاق الخليقة كلها، وخصوصا من تعلق قلبه به ورجاه رجاء قلبيا طامعا في فضله كل وقت، فإن الله عند ظن عبده به، ولعل الله يرزقها زوجا خيرا لها منه وأنفع ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: واسع الرحمة كثير الإحسان ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] في وضعه الأمور مواضعها.
стр. 142
وفي الآية تنبيه على أنه ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدر له سببا من أسباب الرزق والراحة أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب فلا يتشوش قلبه، فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تحصى ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره نصب عينيه وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء؛ فإن الله يقول على لسان نبيه: «أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله»، وقال: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
فصل
قال الله تعالى في أحكام الطلاق والعدد:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]
وقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيات [الطلاق: ١ وما بعدها].
ذكر الله أحكام الفراق كما ذكر أحكام النكاح والدخول فيه، تقدم أنه تعالى حث الزوج على الصبر على زوجته ما دام متمكنا من الصبر، وفي هذا ذكر الله أنه إذا كان لا بد له من الطلاق، فعليه أن يطلق زوجته لعدتها، أي: لتستقبل عدتها، وذلك أن يطلقها مرة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل قد تبين حملها، أو وهي آيسة أو صغيرة؛ لأنها في هذه الأحوال كلها تبتدئ بالعدة البينة الواضحة، فمن طلقها أكثر من
стр. 143
واحدة، أو وهي حائض أو نفساء، أو في طهر قد وطئ فيه ولم يتبين حملها فإنه آثم متعد لحدود الله، وإذا طلقها هذا الطلاق المشروع فله أن يراجعها ما دامت في العدة كما قال تعالى:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وسواء رضيت أو كرهت.
وهذا الطلاق الذي يتمكن فيه العبد من الرجعة هو الطلاق بواحدة إلى ثنتين بلا عوض، فإن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنقضي عدتها، وتنكح زوجا غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل، ويطأها ويطلقها رغبة في طلاقها، وتنقضي عدتها منه فله أن ينكحها برضاها، وببقية شروط النكاح من الولي ومن الصداق وغيره، فإن طلقها بعوض بلفظ الطلاق أو الخلع أو الفداء، أو غيرها من الألفاظ، فقد أباح الله هذا الفداء عند الحاجة، وهي التي نص عليها بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] سواء كان العوض بقليل أو كثير لعموم الآية، فإذا فارقها على هذا الوجه حصل لها الفكاك منه، ولم يكن له عليها رجعة إلا إذا شاءت بنكاح جديد، وعند التراجع بين الزوجين إذا رغب كل منهما في الآخر، فليس لولي الأنثى أن يعضلها ويمنعها أن تراجع بعلها الأول أو الذي فارقها، بغضا له أو نكاية له وغضبا عليه، أو طمعا في بذلها أو بذله له شيئا من المال، فكل هذا لا يحل للولي أن يفعله، بل عليه أن يسعى في التأليف بينها وبين زوجها، وأقل ما عليه أن لا يعارض في ذلك، وإذا كان منهيا عن ذلك بعد الطلاق أو الفداء ونحوهما، فكيف في ابتداء الأمر؟ ولكن بشرط أن يكون الزوج كفئا وترضى المرأة فيه.
стр. 144
وأما إذا منعها من تزوج من ليس كفئا لها في دينه أو غيره من الصفات المعتبرة شرعا فهو محسن، لأن منعها عما فيه ضررها إحسان عليها، وهذا أحد الأسباب في اعتبار الولي للمرأة في النكاح، وفي قوله في الرجعة: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وفي التراجع ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] اعتبار هذا الشرط في الرجعة والتراجع، وإلا فلا يراجع، ولا يتراجعا للضرار وللبقاء على غير ما يحبه الله، وفي هذا أن الأفعال مبنية على مقاصدها، وأن الأمر الذي يقصد فيه الخير والصلاح لا بد أن يجعل الله فيه بركة، كما أن الذي يقصد به غير ذلك ولو مكن منه العبد فإنه ضرر حاضر، ويخشى أن تكون عواقبه ذميمة.
ويستفاد من هذا معنى كلي نافع، وهو أنه ينبغي للعبد إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور مثل الأمور التي يترتب عليها حقوق كثيرة، ومثل الولايات الكبار والصغار والأمور المهمة أن يتأنى وينظر في نفسه وعاقبة أمره، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بقيامه بما فيها من الحقوق تقدم إليها متوكلا على الله، وإلا أحجم واغتنم السلامة عن الدخول في الأمور الخطرة، وأمر تعالى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بمعروف أو يسرحوهن بمعروف، فإن أمسكها أمسكها بعشرة حسنة، وإن فارقها فليكن على وجه الشرع بطمأنينة من غير مغاضبة ولا مشاتمة ولا عداوات تقع بينه وبينها، أو بينه وبين أهلها.
ومن التسريح بالمعروف أن يعطيها شيئا من المال تتمتع به وينجبر به خاطرها، وتذهب عن زوجها شاكرة، ولا يكون لهذا الفراق على هذا الوجه إلا العواقب الطيبة للطرفين.
стр. 145
ولما بين الباري هذه الأحكام الجليلة غاية التبيين، وكان القصد بها أن يعلمها العباد ويعملوا بها، ويقفوا عندها ولا يتجاوزوها، فإنه لم ينزلها عبثا بل أنزلها بالعلم والصدق والحق النافع والجد، نهى عن اتخاذها هزوا أي: لعبا بها، وهو التجري عليها وعدم الامتثال لواجبها مثل المضارة في الإمساك والإرسال، أو كثرة الطلاق وجمع الثلاث، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣١] عموما باللسان حمدا وثناء، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بأن يستعان بنعمه على طاعته، وخصوصا ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، فإن في الكتاب والسنة من بيان الحق والهدى من الضلال، والحلال من الحرام، وجميع ما يحتاجه العباد في أمور دينهم ودنياهم ما يوجب للعباد أن يشكروه شكرا كثيرا، ويقوموا بحقه ويخضعوا لأحكامه، وختم الآيات بعموم علمه تنبيه على أن أحكامه قد شرعها العليم الحكيم صالحة للعباد في كل زمان ومكان.
وقد ذكر عدة المفارقة بحسب أحوالها في كتابه، فذكر أن المفارقة بطلاق إن كانت تحيض باستكمال ثلاثة قروء من بعد وقوع الطلاق عليها، وأن الآيسة والتي لم تحض لصغر ونحوه عدتها ثلاثة أشهر، وأن المفارقة بموت زوجها تربص أربعة أشهر وعشرا، وأن الحامل من المفارقات في الحياة وبعد الممات عدتها بوضع الحمل.
وفي هذه العدد وتقديرها من الأسرار والحكم والمنافع للزوجين وغيرهما ما هو من آيات الله للمتأملين المستبصرين، وقال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]
следующие страницы →