Полный текст (364 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والفراش ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فالعبد لا يملك نفسه فعذره الله، وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته وزهد فيها ولم يقم بحقوقها الواجبة، وهي في حباله أسيرة عنده صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها، وإن تصلحوا فيما بينكم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح كما تقدم، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا أيضا فيما بينكم وبين الناس فيما تنازعتم به من الحقوق، وتتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]
يعني: إذا تعذر الاتفاق والالتئام فلا بأس بالفراق، فقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: بفسخ أو طلاق أو خلع أو غير ذلك ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ [النساء: ١٣٠] من الزوجين ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أي: من فضله وإحسانه العام الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله برزق من غير طريقه، فإنها وإن توهمت أنه إذا فارقها زوجها المنفق عليها القائم بمؤنتها ينقطع عنها الرزق، فسوف يغنيها الله من فضله، فإن رزقها ليس على الزوج ولا على غيره، بل على المتكفل القائم بأرزاق الخليقة كلها، وخصوصا من تعلق قلبه به ورجاه رجاء قلبيا طامعا في فضله كل وقت، فإن الله عند ظن عبده به، ولعل الله يرزقها زوجا خيرا لها منه وأنفع ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: واسع الرحمة كثير الإحسان ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] في وضعه الأمور مواضعها.
стр. 142
وفي الآية تنبيه على أنه ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدر له سببا من أسباب الرزق والراحة أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب فلا يتشوش قلبه، فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تحصى ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره نصب عينيه وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء؛ فإن الله يقول على لسان نبيه: «أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله»، وقال: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
فصل
قال الله تعالى في أحكام الطلاق والعدد:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]
وقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيات [الطلاق: ١ وما بعدها].
ذكر الله أحكام الفراق كما ذكر أحكام النكاح والدخول فيه، تقدم أنه تعالى حث الزوج على الصبر على زوجته ما دام متمكنا من الصبر، وفي هذا ذكر الله أنه إذا كان لا بد له من الطلاق، فعليه أن يطلق زوجته لعدتها، أي: لتستقبل عدتها، وذلك أن يطلقها مرة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل قد تبين حملها، أو وهي آيسة أو صغيرة؛ لأنها في هذه الأحوال كلها تبتدئ بالعدة البينة الواضحة، فمن طلقها أكثر من
стр. 143
واحدة، أو وهي حائض أو نفساء، أو في طهر قد وطئ فيه ولم يتبين حملها فإنه آثم متعد لحدود الله، وإذا طلقها هذا الطلاق المشروع فله أن يراجعها ما دامت في العدة كما قال تعالى:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وسواء رضيت أو كرهت.
وهذا الطلاق الذي يتمكن فيه العبد من الرجعة هو الطلاق بواحدة إلى ثنتين بلا عوض، فإن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له حتى تنقضي عدتها، وتنكح زوجا غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل، ويطأها ويطلقها رغبة في طلاقها، وتنقضي عدتها منه فله أن ينكحها برضاها، وببقية شروط النكاح من الولي ومن الصداق وغيره، فإن طلقها بعوض بلفظ الطلاق أو الخلع أو الفداء، أو غيرها من الألفاظ، فقد أباح الله هذا الفداء عند الحاجة، وهي التي نص عليها بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] سواء كان العوض بقليل أو كثير لعموم الآية، فإذا فارقها على هذا الوجه حصل لها الفكاك منه، ولم يكن له عليها رجعة إلا إذا شاءت بنكاح جديد، وعند التراجع بين الزوجين إذا رغب كل منهما في الآخر، فليس لولي الأنثى أن يعضلها ويمنعها أن تراجع بعلها الأول أو الذي فارقها، بغضا له أو نكاية له وغضبا عليه، أو طمعا في بذلها أو بذله له شيئا من المال، فكل هذا لا يحل للولي أن يفعله، بل عليه أن يسعى في التأليف بينها وبين زوجها، وأقل ما عليه أن لا يعارض في ذلك، وإذا كان منهيا عن ذلك بعد الطلاق أو الفداء ونحوهما، فكيف في ابتداء الأمر؟ ولكن بشرط أن يكون الزوج كفئا وترضى المرأة فيه.
стр. 144
وأما إذا منعها من تزوج من ليس كفئا لها في دينه أو غيره من الصفات المعتبرة شرعا فهو محسن، لأن منعها عما فيه ضررها إحسان عليها، وهذا أحد الأسباب في اعتبار الولي للمرأة في النكاح، وفي قوله في الرجعة: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وفي التراجع ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] اعتبار هذا الشرط في الرجعة والتراجع، وإلا فلا يراجع، ولا يتراجعا للضرار وللبقاء على غير ما يحبه الله، وفي هذا أن الأفعال مبنية على مقاصدها، وأن الأمر الذي يقصد فيه الخير والصلاح لا بد أن يجعل الله فيه بركة، كما أن الذي يقصد به غير ذلك ولو مكن منه العبد فإنه ضرر حاضر، ويخشى أن تكون عواقبه ذميمة.
ويستفاد من هذا معنى كلي نافع، وهو أنه ينبغي للعبد إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور مثل الأمور التي يترتب عليها حقوق كثيرة، ومثل الولايات الكبار والصغار والأمور المهمة أن يتأنى وينظر في نفسه وعاقبة أمره، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بقيامه بما فيها من الحقوق تقدم إليها متوكلا على الله، وإلا أحجم واغتنم السلامة عن الدخول في الأمور الخطرة، وأمر تعالى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بمعروف أو يسرحوهن بمعروف، فإن أمسكها أمسكها بعشرة حسنة، وإن فارقها فليكن على وجه الشرع بطمأنينة من غير مغاضبة ولا مشاتمة ولا عداوات تقع بينه وبينها، أو بينه وبين أهلها.
ومن التسريح بالمعروف أن يعطيها شيئا من المال تتمتع به وينجبر به خاطرها، وتذهب عن زوجها شاكرة، ولا يكون لهذا الفراق على هذا الوجه إلا العواقب الطيبة للطرفين.
стр. 145
ولما بين الباري هذه الأحكام الجليلة غاية التبيين، وكان القصد بها أن يعلمها العباد ويعملوا بها، ويقفوا عندها ولا يتجاوزوها، فإنه لم ينزلها عبثا بل أنزلها بالعلم والصدق والحق النافع والجد، نهى عن اتخاذها هزوا أي: لعبا بها، وهو التجري عليها وعدم الامتثال لواجبها مثل المضارة في الإمساك والإرسال، أو كثرة الطلاق وجمع الثلاث، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣١] عموما باللسان حمدا وثناء، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بأن يستعان بنعمه على طاعته، وخصوصا ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، فإن في الكتاب والسنة من بيان الحق والهدى من الضلال، والحلال من الحرام، وجميع ما يحتاجه العباد في أمور دينهم ودنياهم ما يوجب للعباد أن يشكروه شكرا كثيرا، ويقوموا بحقه ويخضعوا لأحكامه، وختم الآيات بعموم علمه تنبيه على أن أحكامه قد شرعها العليم الحكيم صالحة للعباد في كل زمان ومكان.
وقد ذكر عدة المفارقة بحسب أحوالها في كتابه، فذكر أن المفارقة بطلاق إن كانت تحيض باستكمال ثلاثة قروء من بعد وقوع الطلاق عليها، وأن الآيسة والتي لم تحض لصغر ونحوه عدتها ثلاثة أشهر، وأن المفارقة بموت زوجها تربص أربعة أشهر وعشرا، وأن الحامل من المفارقات في الحياة وبعد الممات عدتها بوضع الحمل.
وفي هذه العدد وتقديرها من الأسرار والحكم والمنافع للزوجين وغيرهما ما هو من آيات الله للمتأملين المستبصرين، وقال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]
стр. 146
ففي هذه الآية أن المفارقة في الحياة بطلاق ونحوه ليس لزوجها عليها عدة إذا لم يدخل أو يخل بها، بل بمجرد ما يطلقها لها التزوج في الحال.
وفي هذا أن العدة تثبت بالدخول، وكذلك الخلوة، كما ثبت عن الخلفاء الراشدين، ومفهوم الآية أن الفراق بالموت تعتد له الزوجة المعقود عليها ولو قبل الدخول، وكما يؤخذ من مفهوم هذه فإنه يؤخذ من عموم قوله:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية [البقرة: ٢٣٤].
وفيها أن العدة من حقوق الزوج؛ لتمكنه من الرجعة ولحفظ فراشه ومائه من الاختلاط، وحق لها أيضا؛ فإن المعتدة نوعان: نوع حامل لها النفقة بكل حال. قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
ونوع غير حامل، وهي أيضا نوعان: مفارقة بائنة بموت أو فسخ أو خلع أو ثلاث أو عوض، فهؤلاء كلهن لا نفقة لهن ولا كسوة ولا مسكن إلا على وجه المعروف والإحسان، ومفارقة رجعية فما دامت في العدة فلها النفقة والكسوة والمسكن وتوابعها على الزوج، وحكمها حكم الزوجة التي في حباله في كل حال إلا في القسم فلا قسم له؛ لأن الله سماه بعلا لها في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولأن له أن يرجعها إلى الزوجية التامة رضيت أو كرهت ما دامت في العدة.
وفي قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] دليل على أمانتها على نفسها، وقبول قولها في وجود الحيض وانقطاعه؛ لأنه توعدها بكتمان ذلك، وهذا دليل على أن قولها معتبر، وفي قوله:
стр. 147
﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] دليل على أنه لا يقع الطلاق إلا بعد النكاح، وأن من علق طلاقا بنكاح امرأة لم ينعقد هذا التعليق، ولم يقع عليها شيء إذا نكحها؛ لأن النكاح لا يراد به خلاف مقصوده، وهذا بخلاف تعليق عتق المملوك للغير بملكه إياه، فإنه صحيح ويعتق إذا ملكه؛ لأن تملك الرقيق يقصد به العتق، وهو مقصود شرعي صحيح.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فيه الأمر بتمتيع المفارقة بالطلاق قبل المسيس مطلقا، وفي آية البقرة الأمر بالتمتيع إذا لم يسم لها مهرا، فإن سمى لها مهرا فإنه يتنصف إذا طلقها قبل الدخول، ويكون نصف الصداق هو المتعة كما قال تعالى:
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ - وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٦ - ٢٣٧]
فحث على العفو في هذا الموضع الخاص لنفعه وعظم موقعه، وقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا إرشاد عظيم نافع في جميع المعاملات أنه ينبغي للعبد فيها أن لا يستقصي في كل شيء، بل يجعل للفضل محلا من عفو ومحاباة وإعطاء أزيد مما في الذمة قدرا أو وصفا، وقبول أدنى من الحق كمية وكيفية، فكم حصل بهذا الفضل - وإن كان طفيفا - خير كثير وأجر كبير، ومعروف وبركة، وراحة فكر وطمأنينة قلب.
وفي قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]
стр. 148
وهذا العموم يقتضي أن كل مطلقة لها على زوجها متعة، لكن إن كانت غير مدخول بها ولم يسم لها مهر، فالمتعة واجبة كما تقدم بحسب يسار الزوج وإعساره، وإن كان قد سمي لها مهر تنصف المهر وكان النصف الحاصل لها هو المتعة، فإن لم يكن الأمر كذلك كانت المتعة حقا معروفا وإحسانا جميلا؛ لما فيها من جبر خاطرها وقضاء نوائبها التي هي مظنة الحاجة إليها في تلك الحال، وكون ذلك عنوانا على التسريح بالمعروف، ودفعا للمشاغبات والعداوات التي تحدث لكثير من الناس عند الطلاق، واحتياطا لبراءة ذمته مما لعله لحقه لها من الحقوق، وتسهيلا للرجعة أو المراجعة إذا تغيرت الحال، وأحدث الله بعد ذلك أمرا، ولها من الفوائد شيء كثير، ومدح الله هذه الأحكام الجليلة بقوله:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]
فسمى هذه الأحكام آيات؛ لأنها تدل أكبر دلالة على عنايته ولطفه بعباده، وأنه شرع لهم من الأحكام، الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، ولا يصلح العباد غيرها.
فصل في آيات في الإيلاء والظهار واللعان
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]
وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] الآيات. [المجادلة: ١].
وقال في اللعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات. [النور: ٦].
стр. 149
من جملة الأحكام المنتشرة المتعلقة بالزوجة أنه قد يؤلي منها أو يظاهر منها، والفرق بين الإيلاء والظهار أن الإيلاء هو الحلف بالله على ترك وطء زوجته أبدا، أو مدة طويلة تزيد على أربعة أشهر إذا كان قادرا على الوطء، فإذا فعل ذلك وحلف هذا الحلف فلا يخلو: إما أن تطالبه الزوجة بحقها من الوطء أو لا تطالبه، فإن لم تطالبه ترك وشأنه، فإن وطئ في هذه المدة فقد حنث، وعليه كفارة يمين، وإلا فلا كفارة عليه، وإن طالبته بالوطء أمر بذلك وجعل له أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء فذلك هو المطلوب منه، وهو أحب الأمرين إلى الله، وإن أبى وامتنع ومضت الأربعة الأشهر وهو مصر على عدم وطئها وهي مقيمة على طلب حقها، أجبر على أحد أمرين: إما أن يفيء ويكفر كفارة يمين، وإما أن يطلق، فإن امتنع من كل منهما طلق الحاكم عليه.
وأما الظهار فأن يحرم زوجته ويقول لها: أنت علي كظهر أمي، أو نحوه من ألفاظ التحريم الصريحة، فهذا قد أتى منكرا من القول وزورا، وكذب أعظم كذب إذ شبه من هي حلال بمن هي أعظم المحرمات، وهي الأم، ولهذا قال:
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]
ثم عرض التوبة فقال:
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]- تتمة الآية -[المجادلة: ٢].
ثم ذكر طريقها بالكفارة، فأمر المظاهر أن يعتق رقبة من قبل أن يمسها فإن لم يجد صام شهرين متتابعين من قبل المسيس أيضا، فإن لم يستطع
стр. 150
أطعم ستين مسكينا، فبعد هذه الكفارة تحل له الزوجة وتنحل يمينه.
وأما اللعان فإن الزوج إذا رمى زوجته بالزنا، ولم يكن له على ذلك أربعة شهود، ولم تعترف بل أقامت على الإنكار، فعليه ما على من قذف المحصنات من جلد ثمانين جلدة إلا أن يلاعنها، وذلك بأن يشهد أربع مرات أنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، ويقول في الخامسة داعيا على نفسه، وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فحينئذ يترتب عليها الحد أو الحبس حتى تقر، إلا أن تقابله بلعان يدرأ عنها العذاب، بأن تقول أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتزيد في الخامسة وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فعند ذلك يحصل الفراق الأبدي بينه وبينها.
والحكمة في تخصيص الزوج بسقوط حد القذف عنه إذا لاعن أن الزوج محتاج، وربما كان مضطرا إلى رميها لنفي ما يلحقه من أولاد غيره ولحقه وإفساد فراشه، وأما القاذف: إذا كان غير زوج، إذا قذف غيره بالزنا، فإن الله قال في حده:
فصل في آيات الحدود
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]
فصل في آيات الحدود قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]- إلى آخرها والتي بعدها -[البقرة: ١٧٨ - ١٧٩].
يمتن الله على عباده بأنه فرض عليهم القصاص في القتلى، أي: المساواة
стр. 151
فيه، وأن يقتل القاتل عمدا على الصفة التي قتل عليها المقتول؛ إقامة للعدل بين العباد، وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم حتى أولياء القاتل، حتى القاتل بنفسه، إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يحل لهم أن يحولوا بينه وبين القاتل إذا تمت الشروط كما يفعله أهل الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين.
ثم فصل ذلك بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] يدخل في منطوقها وفي منطوق قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] أن الذكر يقتل بالأنثى، كما تقتل الأنثى بالذكر، فيكون هذا المنطوق مقدما على مفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] مع دلالة صريح السنة الصحيحة قتل النبي ﷺ اليهودي بالجارية، وخرج من هذا العموم الأبوان وإن علوا فلا يقتلان بالولد لورود السنة بذلك، مع أن في لفظ القصاص ما يدل على أنه ليس من العدل أن يقتل الوالد بولده، ولأن ما في قلب الوالدين من الرحمة المانعة من صدور هذه الجريمة منهما على ولدهما ما يحدث الشبهة، إما أنه لا بد أن في عقلهما اختلالا أو أذية شديدة أحوجته إلى قتل ولده، أو لم يحرر أن القتل عمد محض.
وخرج من هذا العموم أن المسلم لا يقتل بالكافر لثبوت السنة بذلك، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة، وليس أيضا من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ذكرا كان أو أنثى تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل مفهومها على أن الحر لا يقتل بالعبد لكونه غير مساو له.
وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في العمد العدوان، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: عفا ولي
стр. 152
المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء فإنه يسقط القصاص وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي، فإذا عفا عنه وجب على ولي المقتول أن يتبع القاتل بالمعروف من غير أن يشق عليه ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب ولا يحرجه، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو إلا الإحسان بحسن القضاء؟ وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان: مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق بالأداء بإحسان كما قال ﷺ : «رحم الله عبدا سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى».
وفي قوله: ﴿عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأكمل من ذلك العفو مجانا، وفي قوله: ﴿أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨] دليل على أن القاتل عمدا لا يكفر؛ لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإسلام، فلم يخرج بالقتل عنها، ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون القتل، فإن صاحبها لا يكفر، ولكنه يستحق العقاب، وينقص بذلك إيمانه إن لم يتب، وإذا عفا أولياء المقتول أو بعضهم احتقن دم القاتل، وصار معصوما منهم ومن غيرهم، فلهذا قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: بعد العفو ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: في الآخرة، وأما قتله وعدمه فيؤخذ مما تقدم؛ لأنه قتل مكافئا له فيجب قتله بذلك.
ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء؛ لأن من عرف أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ لا يكاد يصدر منه قَتْلٌ؛ وإذا رئي القاتل مقتولا انزجر غيره بذلك؛ فلو كان عقوبة القاتل غير القتل لم يحصل من
стр. 153
انكفاف الشر ما يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية: فيها من النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكر الحياة لإفادة التعظيم.
ولما كان هذا الحكم لا يعرفه حقيقة المعرفة إلا أهل العقول الكاملة قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وهذا يدل على أنه يحب من عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم في تدبير ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذا الوصف فقد استحق الثناء والمدح بأنه من ذوي الألباب، الذين وجه إليهم الخطاب، وكفى بذلك فضلا وشرفا، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وذلك أن من عرف ربه، وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة أوجب له أن ينقاد لأمر الله، ويخضع لشرعه طاعة لله ولرسوله.
قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]
هذا حد الزاني غير المحصن من ذكر أو أنثى يجلد مائة جلدة، جلدات تؤلمه وتزجره ولا تهلكه، ويتعين أن يكون ذلك علنا لا سرا بحيث يشهده طائفة من المؤمنين؛ لأن إقامة الحدود من الضروريات لقمع أهل الجرائم، واشتهارها هو الذي يحصل به الردع والانزجار وإظهار شعائر الدين، والاستتار به أو على أحد دون أحد فيه مفاسد كثيرة، ووردت السنة بتغريب عام كامل عن وطنه مع الجلد، كما تواترت السنة وأجمع المسلمون على رجم الزاني المحصن، يرجم بالحجارة حتى يموت.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]
стр. 154
السارق هو من أخذ مال غيره المحترم بغير رضاه، وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب هذه العقوبة، وهو أنه يجب قطع يده اليمنى كما هي قراءة بعض الصحابة، واليد إذا أطلقت فهي الكف إلى الكوع فقط، فإذا قطعت حسمت وجوبا في زيت أو ودك مغلي لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم الآية الكريمة بأمور كلها ترجع إلى تحقيق السرقة للأموال.
فمنها: لا بد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ذلك.
ومنها: لا بد أن يكون المأخوذ منه حرزا، وحرز كل مال ما يحفظ به عادة، فلو سرق من مال غير محرز فلا قطع عليه، ويؤخذ هذا من لفظ السارق؛ فإنه الذي يأخذ المال على وجه لا يمكن التحرز منه، فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد فقيل تقطع يده اليسرى، ثم إن عاد قطعت رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت، وورد في ذلك آثار عن السلف مختلفة.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] من التجري على أموال الناس ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] أي: ترهيبا منه للسراق ليرتدعوا إذا علموا أنهم يقطعون، وهذا نظير قوله في القتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] أي: عز وحكم، فقطع بحكمته يد السارق؛ تنكيلا للمجرمين، وحفظا للأموال.
وقد ذكر الله قبل هذا حد قطاع الطريق المحاربين في قوله:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣]
فقيل: إن الإمام مخير فيهم بين هذه الأمور، وعليه أن يفعل ما تقتضيه المصلحة، ويحصل به النكاية، وقيل: إن هذه العقوبة مرتبة بحسب الجريمة؛
стр. 155
فإن جمعوا بين القتل وأخذ المال جمع لهم بين القتل والصلب، وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلوا ولم يصلبوا، وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ولا أخذوا مالا نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون إلى بلد، أو يحبسون كما قاله بعضهم.
فصل في الأيمان ونحوها
قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ - وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ - لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٩]
يقول الباري: يا أيها الذين آمنوا اعملوا بمقتضى أيمانكم في تحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، فلا تحرموا ما أحل الله لكم من المطاعم والمشارب وغيرها، فإنها نعم تفضل الله بها عليكم فاقبلوها، واشكروا الله عليها إذ أحلها شرعا ويسرها قدرا، ولا تردوا نعمة الله بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، أو الحلف على عدم تناولها، فإن ذلك كله من الاعتداء، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] بل يبغضهم ويمقتهم على ذلك ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨] أي: كلوا
стр. 156
من رزقه الذي ساقه إليكم، ويسره لكم بأسبابه المتنوعة، إذا كان حلالا، لا سرقة ولا غصبا، ولا حصل في معاملة خبيثة، وكان أيضا طيبا نافعا لا خبث فيه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨٨] في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] فإن الإيمان لا يتم إلا بذلك، وهو يدعو إلى ذلك.
ودلت الآية الكريمة أن العبد إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وكسوة واستعمال وسرية ونحو ذلك، فإن هذا التحريم منه لا يحرم ذلك الحلال، لكن إذا فعله فعليه كفارة يمين، لأن التحريم يمين كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢]
وهذا عام في تحريم كل طيب، إلا أن تحريم الزوجة يكون ظهارا فيه كفارة الظهار السابقة.
وكما أنه ليس له أن يحلف على ترك الطيبات فليس له أن يمتنع من أكلها، ولو بلا حلف تنسكا وغلوا في الدين؛ بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ويشمل هذا الأيمان التي حلف بها من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلاف ذلك، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: بما عقدت عليه قلوبكم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]
فإذا عقد العبد اليمين وحنث - بأن فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله - خير في الكفارة بين إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، وذلك يختلف باختلاف الناس والأوقات والأمكنة، أو كسوتهم بما يعد كسوة، وقيد ذلك بكسوة تجزي في الصلاة، أو تحرير
стр. 157
رقبة صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، بشرط أن تكون الرقبة مؤمنة، كما في الآية المقيدة بالأيمان، وأن تكون تلك الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل، فمتى كفر بواحد من هذه الثلاثة انحلت يمينه.
وهذا من نعمة الله على هذه الأمة أنه فرض لهم تحلة أيمانهم، ورفع عنهم الإلزام والجناح، فمن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة فعليه صيام ثلاثة أيام، أي: متتابعة مع الإمكان، كما قيدت في قراءة بعض الصحابة، ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] عن أن تحلفوا بالله وأنتم كاذبون، وعن كثرة الأيمان لا سيما عند البيع والشراء، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا من المضي فيها، كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
أي: لا تقولوا: إننا قد حلفنا على ترك البر، وترك التقوى، وترك الإصلاح بين الناس، فتجعلوا أيمانكم مانعة لكم من هذه الأمور التي يحبها الله ورسوله، بل احنثوا وكفروا وافعلوا ما هو خير وبر وتقوى، واحفظوا أيضا أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم بالكفارة، فإن الكفارة بها حفظ اليمين الذي معناه تعظيم المحلوف به، فمن كان يحلف ويحنث ولا يكفر فما حفظ يمينه، ولا قام بتعظيم ربه ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [المائدة: ٨٩] المبينة للحلال من الحرام، الموضحة للأحكام ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] فعلى العباد أن يشكروا ربهم على بيانه وتعليمه لهم ما لم يكونوا يعلمون، فإن العلم أصل النعم وبه تتم.
стр. 158
فصل في آيات في الأطعمة ونحوها والصيود وتوابعها
قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]
وبعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
دلت هذه الآيات الكريمات على أن الأصل في الأشياء الحل من طعام وشراب وغيرها؛ ولأن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا ننتفع به بكل وجوه الانتفاعات، من أكل وشرب واستعمال، وفصل لنا ما حرم علينا، فما لم يذكر في الكتاب والسنة تحريمه فهو حلال، وأباح لنا كل طيب،
стр. 159
وحرم علينا كل خبيث.
فمن الخبائث المحرمة الميتة - سوى ميتة الجراد والسمك - وهي ما مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة غير شرعية، والدم المسفوح كما قيدته الآية الأخرى، وأما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح فإنه طيب حلال ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] بأن ذبح لغير الله من أصنام وملائكة أو إنس أو جن أو غيرها من المخلوقات.
ومن الخبائث كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ .
ومن الميتة ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: التي تخنق بالحبال أو غيرها، أو تختنق فتموت، ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهي التي تضرب بالحصى أو بالعصا حتى تموت، ومن هذا إذا رمى صيدا فأصاب الصيد بعرضه فقتله، ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣] وهي التي تسقط من موضع عال كسطح وجبل فتموت، ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣] التي تنطحها غيرها فتموت بذلك، وما أكله ذئب أو غيره من السباع، وكل هذه المذكورات إذا لم تدرك ذكاتها، فإن أدركها حية فذكاها حلت؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وسواء غلب على الظن بقاؤه أو تلفه إذا لم يُذَكّ أم لا.
ومن المحرمات الحشرات وخشاش الأرض من فأرة وحية ووزغ، ونحوها من المستخبثة شرعا وطبا.
ومن المحرمات ما ذكي ذكاة غير شرعية، إما أن الذابح غير مسلم ولا كتابي، وإما أن يذبحها في غير محل الذبح وهي مقدور عليها، وإما أن لا يقطع حلقومها ومريها، وإما أن يذبحها بغير ما ينهر الدم أو بعظم أو ظفر، وما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله دل على تحريمه وخبثه.
стр. 160
وكل هذه الأشياء تحريمها في حال السعة، وأما إذا اضطر إليها غير باغ لأكلها قبل أن يضطر، ولا متعد إلى الحرام، وهو يقدر على الحلال، فإنه إذا اضطر إليها غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم، من رحمته أباح المحرمات في حال الضرورة.
ومن رحمته وسع لعباده طرق الحلال، فأباح الصيد إذا جرح في أي موضع من بدنه، وأباح صيد السهام إذا سمى الرامي عند رميها، وأباح أيضا صيد الكلاب المعلمة والطيور المعلمة، والتعليم يختلف باختلاف الحيوانات، قال العلماء: تعليم الكلب أن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل من صيده لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] أي: عند إرسالها لقصد الصيد.
فصل في جوامع الحكم والقضايا في الأصول والفروع
قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]
﴿يا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]
стр. 161
الحكم بين الناس بالحق والقسط، هو الحكم بما أنزل الله، وهو الرد إلى الله ورسوله؛ فإن هذه الآيات يصدق بعضها بعضا؛ وتدل على أن الحق والعدل لا يخرج عما جاء به الرسول، وأن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام على الإطلاق، أي: أعدلها وأقومها وأصلحها وأحسمها للشرور، وأعظم أحكام توسل بها إلى تحصيل درء المفاسد، وأن رد مسائل النزاع والاختلافات الدينية والدنيوية إلى الله والرسول خير في الحال وأحسن عاقبة، وأن كلمات الله تمت وكملت من كل وجه صدقا في إخبارها، عدلا في أحكامها وأوامرها ونواهيها، فكل مسألة خارجة عن العدل إلى الظلم، وعن الصلاح إلى الفساد، فليست من الشرع، وقد جاء شرع الله محكم الأصول والفروع، موافقا للمعقول الصحيح والاعتبار والميزان العادل.
وقد حكم الله ورسوله بأحكام متنوعة متفرعة عن هذا الأصل العظيم، وتفصيل لمجمله، فحكم الله بأن إقرار من عليه الحق معتبر في القليل والكثير كما تقدم التنبيه عليه في آية الدَّيْن.
وحكم بأن البينة على المدعي لإثبات حق، أو المدعي براءة الذمة من الحقوق الثابتة، وأن اليمين على من أنكر، وهاتان القاعدتان عليهما مدار جمهور القضايا، اعتبار إقرار من عليه الحق إذا كان جايز التصرف، وتكليف المدعين كلهم بالبينات.
والبيعة شرعا اسم جامع لكل ما بين الحق، والبيان مراتب، بعضها يصل إلى درجة اليقين، وبعضها كالقرائن، وشواهد الأحوال توصل إلى غلبة الظن، والترجيحات كثيرة جدا.
وعند تساوي الترجيحات ومقادير الأشياء وكمياتها بالتوسط بينها، إما بقسمتها متساوية وجعل الزيادة والنقص بحسب ذلك، وإلا بالقرعة
стр. 162
إذا تعذرت القسمة، ومن أحكام الشارع العادلة إلغاؤه المعاملات الظالمة الجائرة: كأنواع الغرر والظلم والميل على أحد المتعاملين بغير حق.
ومن أحكامه الكلية اعتباره التراضي بين المتعاملين في عقود المعاوضات، وفي عقود التبرعات، وأنه لا يحل مال امرئ مسلم أو معاهد إلا بطيب نفسه.
ومن أحكامه الكلية منع الضرر والإضرار بغير حق في كل معاملة وخلطة وجوار واتصال.
ومن أحكامه الكلية أن على العمال تكميل أعمالهم بغير نقص، وعلى من عمل لهم تكميل أجورهم.
ومن أحكامه الكلية إيجابه الوفاء بالعقود والشروط التي يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر في أبواب العقود كلها، مما لكل منهما أو لأحدهما فيه مصلحة، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، فهذا قد أهدره الشارع وألغاه وقال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
ومن أحكامه الكلية اعتبار المقاصد والنيات في أبواب المعاملات والأعمال، كما تعتبر في باب العبادات، وبهذا الأصل أبطل جميع الحيل التي يتوسل بها إلى فعل محرم، أو إسقاط حق مسلم ونحوها.
ومن أحكامه الكلية أن جميع العقود اللازمة والجائزة: عقود المعاوضة وعقود التبرع، وكذلك الفسوخ تنعقد بما دل عليها من الألفاظ التي يتعارفها المتعاقدان، ومن الأفعال الدالة على ذلك.
ومن أحكامه الكلية أن تلف الشيء بيد الظالم كالغاصب ونحوه فيه الضمان، فرط أو لم يفرط، فإن ثبوت يده على وجه الظلم والعدوان، وأن
стр. 163
تلف الشيء تحت يد الأمين لا ضمان فيه إن لم يفرط أو يتعد.
ومن أحكامه الكلية أن الشيء المشكوك فيه يرجع فيه إلى اليقين في العبادات والمعاملات، فمن ادعى الأصل فقوله مقبول، ومن ادعى خلاف الأصل لم يقبل إلا ببينة، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل براءة الذمة حتى يتيقن اشتغالها، كما أن الأصل بقاء ما كان ثابتا في الذمة حتى يتيقن البراءة بوفاء أو إسقاط أو سقوط، وأن الأصل في عقود المسلمين الصحة والسلامة حتى نعرف أنه جرى ما يفسدها.
ومن أحكامه الكلية أن جميع الأحكام من أصول وفروع لا تتم وتكمل ويحصل مقتضاها إلا باجتماع شروطها وأركانها ومقوماتها، وانتفاء موانعها ومفسداتها.
ومن أحكامه الكلية وجوب المماثلة في المتلفات والمضمونات بمثلها إن أمكن المثل، وبالقيمة إن تعذر المثل.
وكذلك الأعمال، فمن عمل لغيره عملا بعوض لم يسم، أو سمي تسمية فاسدة، أو جهلت التسمية، أو عاوضه معاوضة تعذر معرفة العوض فيها، فإنه يرجع في ذلك إلى أجرة المثل وعوض المثل.
ومن أحكامه الكلية وجوب العدل بين الأولاد والزوجات، ووجوب العدل بين ذوي الحقوق الذي لا مزية لواحد منهم على الآخر، كالعول الداخل على أهل الفروض بالسوية، وكقسمة المال بين الغرماء إذا لم يف بحقوقهم يعطون على قدر حقوقهم إذا لم يكن لأحدهم مزية رهن ونحوه، وكاشتراك الملاك في الزيادة المترتبة عليها على قدر أملاكهم، والنقص على قدر أملاكهم إذا اعتراها نقص، وسواء كان النقص بحق تعلق بها أو
стр. 164
بتلف أو خسارة أو وقع ظلما فإنهم يشتركون في الزيادة والنقص على قدر أملاكهم.
ومن أحكامه الكلية إثبات الخيار في كل عقد ظهر في العوض المعين أو المعوض عيب ينقصه؛ وأنه إذا لم يمكن الرد تعين الأرش وإسقاط النقص، وعلى الصحيح لا فرق بين البيوع وغيرها، فإن هذا من قاعدة العدل.
ومن أحكامه الكلية جعل المجهول كالمعدوم، ويندرج تحت هذا الأصل الأموال التي جُهِلَ مُلَّاكُهَا أنه يتصدق بها عنهم، أو تبذل في المصالح نيابة عنهم، وتملك اللقطة، ومن مات لا وارث له بفرض ولا تعصيب ولا رحم، تركته في بيت المال للمصالح العامة جعلًا للمجهول في ذلك كالمعدوم.
ومن أحكامه الكلية الرجوع إلى العرف إذا تعذر التعيين شرعا ولفظا، كالرجوع للعرف في نفقة الزوجات والأقارب والأجراء، وكالشروط العرفية في المعاملات إذا اطردت بين الناس، وكالقبض والحرز ونحوها مما لا يعد ولا يحصى.
ومن أحكامه الكلية أن الأصل في العبادات الحظر؛ فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في المعاملات والاستعمالات كلها الإباحة؛ فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، وعلى هذا جميع أحكام العبادات والمعاملات وغيرها مما لا يمكن إحصاؤه، ولهذا من شرع في عبادة لم تنقل عن الشارع فهو مبتدع، ومن حرم من العادات شيئا لم يرد عن الشارع فهو مبتدع.
ومن أحكامه الكلية حثه على الصلح والإصلاح بين من بينهم حقوق، وخصوصا عند اشتباهها أو عند تناكرهما، وإذا تعذر استيفاء الحق كله أو تعسر، فقد شرع في ذلك كله الصلح بالعدل، وسلوك الحالة المناسبة لتلك
стр. 165
القضية بما تقتضيه الحال، وفيه من الفوائد والثمرات الطيبة ما لا يعد ولا يحصى.
ومن أحكامه الكلية اعتبار العدالة في الشهود، وأن يكونوا ممن يرضى من الشهداء، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فالشارع اعتبر شهادة العدل المرضي من الشهداء، وأسقط شهادة الكاذب والقاذف قبل التوبة، وأمر بالتثبت في خبر الفاسق، وكذلك المجهول؛ لأنه اعتبر المرضي العدل عند الناس، فلا بد من تحقيق هذا الوصف، وأما عدد الشهود ونصابها فذلك يختلف باختلاف المشهود به كما فصله أهل العلم.
ومن أحكامه الكلية أن من سبق إلى مباح فهو أحق به، فيدخل في هذا السبق إلى الجلوس في المساجد والأسواق والأفنية، ويدخل فيه السبق إلى النزول في المساكن والأوقاف التي لا تتوقف على نظر ناظر، ويدخل في ذلك السبق إلى المباحات من الصيود البرية والبحرية، وإلى ما يستخرج من البحار والمعادن، وإلى الاحتشاش والاحتطاب وغير ذلك، وإلى إحياء الموات وغيرها من المسائل المتنوعة الداخلة في هذا الأصل.
ومن أحكامه الكلية قبول قول الأمناء على ما في أيديهم مما هم عليه أولياء من قبل الشارع، أو قبل المالك بالوكالة أو الوصاية أو النظارة للأوقاف، فكل هؤلاء مقبول قولهم فيما يدعونه من داخل وخارج ومصرف ونحوه إذا كان ذلك ممكنا، وهذا معنى تأمينهم وتوليهم وولايتهم، واعلم أن قبول قول هؤلاء في هذه الأمور لا يمنع محاسبتهم، وطلب الوقوف على كيفية تلك المصارف الداخلية والخارجية، وتبيين وجه النقص والتلف ونحو ذلك، ليستظهر بذلك على صدقهم وكذبهم، وأما تمكينهم من إطلاق سراحهم بحجة أنهم أمناء مقبول قولهم، فهذا
стр. 166
غلط على الشريعة وعلى الحقيقة، فالشارع حاسب عماله واستدرك عليهم، والحقيقة والوقوف عليها مطلوب باتفاق أهل الاعتبار؛ فكم من أمين ظهرت خيانته يقينا حين استدرك عليه.
ومن أحكامه الكلية أن الواجب يسقط بالعجز عنه بالكلية، وأنه إذا قدر على بعض الواجب وجب عليه ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه، وهذا مطرد في العبادات والحقوق الواجبة وغيرها، كما أن الضرورة تبيح المحظور وتقدر بقدرها.
ومن أحكامه الكلية أنه أقام البدل مقام مبدله في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق وغيرها، فمتى كان للشيء بدل وتعذر الأصل قام هذا مقامه، وحكم له بأحكامه، وأن النماء تابع للأصل.
ومن أحكامه الكلية أن من وجب عليه أمر من الأمور فإنه يجبر عليه بحق، وأن من أتلف شيئا لدفع أذاه له دفعا عن نفسه، فلا ضمان عليه، فإن أتلفه للانتفاع به ضمنه.
وأن ما ترتب على المأذون فيه من تلف فغير مضمون، وما ترتب على غير المأذون فإنه مضمون.
ومن أحكامه الكلية أن الاستثناءات والقيود والأوصاف الملحقة بالألفاظ تعتبر وتقيد الكلام، ويرتبط بها بشرط الاتصال لفظا أو حكما، ويدخل في هذا ألفاظ العقود والفسوخ والوقف والوصايا والعتق والطلاق والأيمان والإقرارات وغيرها.
ومن أحكامه الكلية أن الشركاء في الأملاك والمنافع يلزمون بكل ما يعود إلى حصول المنافع الضرورية ودفع المضار، ويجبر الممتنع منهما من
стр. 167
ذلك من المصارف والنفقات والضرائب التي تلحق الأملاك هم فيها شركاء على كل منهم بقدر ملكه.
ومن أحكامه الكلية أن المباشر لإتلاف الأموال أو المتسبب لذلك ضامن لها متعمدا كان أو ناسيا أو جاهلا، وأنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب كان الضمان على المباشر إلا إن تعذر تضمينه لفقد أو امتناع أو عسر أو نحوه، فيحال الضمان على المتسبب بغير حق.
ومنها: أن من أدى عن غيره دينا واجبا بنية الرجوع، فإنه يرجع ولو لم يأذن له في ذلك.
ومنها: أن الوصف في الشيء الذي بيد الغير، وذلك الغير لا يدعيه لنفسه بينة.
ومنها: أن من تعجل شيئا قبل أوانه على وجه محرم عوقب بحرمانه.
ومن أحكامه الكلية أنه إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، وإن تزاحمت المفاسد وكان لا بد من فعل إحداها ارتكب الأخف منها لدفع الأشد مفسدة، وعلى هذا من مسائل الفقه ما لا يعد ولا يحصى، لأن الشارع شرع الشريعة لتحصيل المصالح أو تكميلها، ولتقليل المفاسد وتعطيلها بحسب الإمكان.
ومنها: أن إطلاق التشريك في الوصايا والهبات والإقرارات، وإيقاع العقود والفسوخ على الأعيان وغير ذلك: كل ذلك يقتضي المساواة بين من شرك بينهم في شيء من ذلك، إلا إن دل دليل على المفاضلة بينهم، وكذلك في الأشياء المشتبهة التي يعلم أنها لهؤلاء الأشخاص، ولا يعلم مقدار ما لِكُلٍّ، فإنهم يتساوون فيها، وأدلة هذه الأصول من الكتاب والسنة ظاهرة، وهي أصول جامعة عظيمة النفع، ينتفع بها الحاكم والمفتي وطالب العلم، وهي من محاسن الشريعة، ومن أكبر البراهين على أن ما جاء به الرسول حق
стр. 168
من عند الله محكم الأصول، متناسب الفروع، عدل في معانيه، تابع للحكم والصلاح في مبانيه، فلنقتصر على هذه القواعد إذ غيرها تبع لها، وهي تغني عن غيرها، ولا يغني عنها سواها. . والله أعلم.
فصول في ذكر ما قص الله علينا في كتابه من أخبار الأنبياء مع أقوامهم
قد قص الله علينا في كتابه قصصا طيبة من أخبار أنبيائه، ووصفها بأنها أحسن القصص، وهذا الوصف من الله العظيم يدل على أنها أصدقها وأبلغها وأنفعها للعباد؛ فمن أهم منافع هذه القصص أن بها يتم ويكمل الإيمان بالأنبياء، صلى الله عليهم وسلم، فإننا وإن كنا مؤمنين بجميع الأنبياء على وجه العموم والإجمال، فالإيمان التفصيلي المستفاد من قصصهم، وما وصفهم الله به من الصدق الكامل والأوصاف الكاملة التي هي أعلى الأوصاف، وما لهم من الفضل والفواضل والإحسان على جميع نوع الإنسان، بل وصل إحسانهم إلى جميع الحيوانات بما أبدوه للمكلفين في الاعتناء بها والقيام بحقها، فهذا الإيمان التفصيلي بالأنبياء يصل به العبد إلى الإيمان الكامل، وهو من مواد زيادة الإيمان.
فمن ذلك أن في قصصهم تقرير الإيمان بالله، وتوحيده، وإخلاص العمل له، والإيمان باليوم الآخر، وبيان حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك، وأنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة.
وفي قصصهم أيضا عبرة للمؤمنين يقتدون بهم في جميع مقامات الدين: في مقام التوحيد والقيام بالعبودية، وفي مقامات الدعوة والصبر والثبات
стр. 169
عند جميع النوائب المقلقة، ومقابلة ذلك بالطمأنينة والسكون والثبات التام، وفي مقام الصدق والإخلاص لله في جميع الحركات والسكنات واحتساب الأجر والثواب من الله تعالى، لا يطلبون من الخلق أجرا ولا جزاء ولا شكورا إلا الأمور النافعة للخلق.
وفيها أيضا عبرة لاتفاقهم على دين واحد وأصول واحدة، ودعوة إلى كل خلق جميل وعمل صالح وإصلاح، وزجرهم عن كل ما يضاد ذلك.
وفيها أيضا من الفوائد الفقهية والأحكام الشرعية والأسرار الحكمية شيء عظيم لا غنى لكل طالب علم عنها.
وفيها أيضا من الوعظ والتذكير والترغيب والترهيب، والفرج بعد الشدة، وتيسير الأمور بعد تعسرها، وحسن العواقب المشاهدة في هذه الدار، وحسن الثناء والمحبة في قلوب الخلق - ما فيه زاد للمتقين، وسرور للعابدين، وسلوة للمحزونين، ومواعظ للمؤمنين - فليس المقصود من قصصهم أن تكون فقط سمرا، وإنما الغرض الأعظم منها أن تكون تذكيرا وعبرا.
واعلم قبل الشروع فيها أن كثيرا من قصصهم صلوات الله وسلامه عليهم أعادها الله في كتابه مرات عديدة بأساليب مناسبة لمقاماتها، وربما يكون في موضع منها ما ليس في المواضع الأخر من الزيادات والفوائد، أو يأتي بها بألفاظ غير ألفاظ القصة الأخرى، والمعاني متفقة أو متقاربة، فعلى حساب أن هذا التعليق مختصر سوف آتي بهذه القصص، وأجمع القصة في موضع واحد، وأحرص على ما دلت عليه ألفاظ الكتاب من سياقها من أولها إلى آخرها، وأتبع كل قصة بما يفتح الله به من الفوائد الأصولية والفروعية والأخلاق والآداب والمواضيع المتنوعة، راجيا من الله أن يوفقني بذلك للصواب اللفظي، والإخلاص الباطني، وموافقة رضاه، وأن يجعل بذلك النفع العام، إنه جواد كريم.
стр. 170
فصل
في قصة آدم، أبي البشر، ﵊
لم يزل الله أولا ليس قبله شيء، ولم يزل فعالا لما يريد، ولا خلا وقت من الأوقات من أفعال وأقوال تصدر عن مشيئته وإرادته بحسب ما تقتضيه حكمة الله الذي هو حكيم في كل ما قدره وقضاه، كما هو حكيم في كل ما شرعه لعباده، فلما اقتضت الحكمة الشاملة والعلم المحيط من الله والرحمة السابغة خلق آدم أبي البشر الذين فضلهم الله على كثير ممن خلق تفضيلا، أعلم الملائكة وقال:
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
يخلف من كان قبلهم من المخلوقات التي لا يعلمها إلا هو.
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]
وهذا منهم تعظيم لربهم وإجلال له عن أنه ربما يخلق مخلوقا يشبه أخلاق المخلوقات الأول، أو أن الله تعالى أخبرهم بخلق آدم، وبما يكون من مجرمي ذريته، قال الله لملائكته:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]
فإنه محيط علمه بكل شيء، وبما يترتب على هذا المخلوق من المصالح والمنافع التي لا تعد ولا تحصى.
فعرفهم تعالى بنفسه بكمال علمه، وأنه يجب الاعتراف لله بسعة العلم، والحكمة التي من جملتها أنه لا يخلق شيئا عبثا، ولا لغير حكمة، ثم بين لهم على وجه التفصيل، فخلقه بيده تشريفا له على جميع المخلوقات، وقبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها، وطيبها وخبيثها، ليكون النسل
стр. 171
على هذه الطبائع، فكان ترابا أولا، ثم ألقى عليه الماء فصار طينا، ثم لما طالت مدة بقاء الماء على الطين تغير ذلك الطين فصار حمأ مسنونا، طينا أسود، ثم أيبسه بعدما صوره فصار كالفخار الذي له صلصلة. . وفي هذه الأطوار هو جسد بلا روح، فلما تكامل خلق جسده، نفخ فيه الروح فانقلب ذلك الجسد الذي كان جمادا حيوانا له عظام ولحم وأعصاب وعروق وروح هي حقيقة الإنسان، وأعده الله لكل علم وخير، ثم أتم عليه النعمة، فعلمه أسماء الأشياء كلها.
والعلم التام يستدعي الكمال التام، وكمال الأخلاق، فأراد الله أن يري الملائكة كمال هذا المخلوق، فعرض هذه المسميات على الملائكة وقال لهم:
﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]
في مضمون كلامكم الأول الذي مقتضاه أن ترك خلقه أَوْلَى، هذا بحسب ما بدا لهم في تلك الحال، فعجزت الملائكة ﵈ عن معرفة أسماء هذه المسميات، وقالوا:
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]
قال الله:
﴿يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]
شاهد الملائكة من كمال هذا المخلوق وعلمه ما لم يكن لهم في حساب، وعرفوا بذلك على وجه التفصيل والمشاهدة كمال حكمة الله، وعظموا آدم غاية التعظيم؛ فأراد الله أن يظهر هذا التعظيم والاحترام لآدم من الملائكة ظاهرا وباطنا، فقال للملائكة:
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]
стр. 172
احتراما له وتوقيرا وتبجيلا، وعبادة منكم لربكم، وطاعة ومحبة وذلا؛ فبادروا كلهم أجمعون، فسجدوا وكان إبليس بينهم، وقد وجه إليه الأمر بالسجود معهم، وكان من غير عنصر الملائكة؛ كان من الجن المخلوقين من نار السموم، وكان مبطنا للكفر بالله، والحسد لهذا الإنسان الذي فضله الله هذا التفضيل؛ فحمله كبره وكفره على الامتناع عن السجود لآدم كفرا بالله واستكبارا، ولم يكفه الامتناع حتى باح بالاعتراض على ربه، والقدح في حكمته، فقال:
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]
فقال الله له: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]
فكان هذا الكفر والاستكبار والإباء منه وشدة النفار هو السبب الوحيد أن يكون مطرودا ملعونا، فقال الله له:
﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]
فلم يخضع الخبيث لربه، ولم يتب إليه، بل بارزه بالعداوة، وصمم التصميم التام على عداوة آدم وذريته، ووطن نفسه لما علم أنه حتم عليه الشقاء الأبدي أن يدعو الذرية بقوله وفعله وجنوده إلى أن يكونوا من حزبه الذين كتبت لهم دار البوار، فقال:
﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]
فيتفرغ لإعطاء العداوات حقها في آدم وذريته.
ولما كانت حكمة الله اقتضت أن يكون الآدمي مركبا من طبائع متباينة،
стр. 173
وأخلاق طيبة أو خبيثة، وكان لا بد من تمييز هذه الأخلاق وتصفيتها بتقدير أسبابها من الابتلاء والامتحان الذي من أعظمه تمكين هذا العدو من دعوتهم إلى كل شر، أجابه:
﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨]
فقال لربه معلنا معصيته، وعداوته آدم وذريته:
﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]
قال إبليس هذه المقالة ظنا منه؛ لأنه عرف ما جبل عليه الآدمي.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]
فمكنه الله من الأمر الذي يريده إبليس في آدم وذريته، فقال الله له:
﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا - وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٤]
أي: إن قدرت فاجعلهم منحرفين في تربية أولادهم إلى التربية الضارة، في صرف أموالهم المصارف الضارة، وفي الكسب الضار، وأيضا شارك منهم من إذ تناول طعاما أو شرابا أو نكاحا، ولم يذكر اسم الله على ذلك في الأموال الأولاد، وعدهم أي: مرهم أن يكذبوا بالبعث والجزاء، وأن لا يقدموا على خير، وخوفهم من أوليائك، وخوفهم عند الإنفاق النافع بالفحشاء والبخل، وهذا من الله لحكم عظيمة وأسرار، وإنك أيها العدو المبين لا تبقي من مقدورك في إغوائهم شيئا، فالخبيث منهم يظهر خبثه، ويتضح شره، والله لا يعبأ به، ولا يبالي به.
стр. 174
وأما خواص الذرية من الأنبياء، وأتباعهم من الصديقين والأصفياء، وطبقات الأولياء والمؤمنين فإن الله تعالى لم يجعل لهذا العدو عليهم تسلطا، بل أقام عليهم سورا منيعا، وهو حمايته وكفايته، وزودهم بسلاح لا يمكن لعدوهم مقاومتهم بكمال الإيمان بالله، وقوة توكُّلهم عليه:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]
ومع ذلك فأعانهم على مقاومة هذا العدو المبين بأمور كثيرة: أنزل عليهم كتبه المحتوية على العلوم النافعة، والمواعظ المؤثرة، والترغيب إلى فعل الخيرات، والترهيب من فعل الشرور، وأرسل إليهم الرسل مبشرين من آمن بالله وأطاعه بالثواب العاجل، ومنذرين من كفر وكذب وتولى بالعقوبات المتنوعة، وضمن لمن اتبع هداه الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنه لا خوف عليه، ولا حزن يعتريه؛ وأرشدهم قي كتبه، وعلى ألسنة رسله إلى الأمور التي بها يحتمون من هذا العدو المبين، وبين لهم ما يدعو إليه هذا الشيطان، وطرقه التي يصطاد بها الخليقة.
وكما بينها لهم ووضحها فقد أرشدهم إلى الطرق التي ينجون بها من شره وفتنته، وأعانهم على ذلك إعانة قدرية خارجة عن قدرتهم؛ لأنهم لما بذلوا المجهود، واستعانوا بالمعبود، سهل لهم كل طريق يوصل إلى المقصود.
ثم إن الله تعالى أتم نعمته على آدم، فخلق منه زوجته حواء من جنسه وعلى شكله؛ ليسكن إليها، وتتم المقاصد المتعددة من الزواج والالتئام، وتنبث الذرية بذلك، وقال له ولزوجته: إن الشيطان عدو لكما، فاحذراه غاية الحذر، فلا يخرجنكما من الجنة التي أسكنكما الله إياها، وأباحكما أن تأكلا من جميع ثمارها، وأن تتمتعا بجميع لذاتها إلا شجرة معينة في هذه
стр. 175
الجنة، فحرمها عليهما، فقال: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]
وقال الله لآدم في تمتيعه بهذه الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]
فمكثا في الجنة ما شاء الله على هذا الوصف الذي ذكره الله، وعدوهما يراقبهما ويراصدهما، وينظر الفرصة فيهما، فلما رأى سرور آدم بهذه الجنة، ورغبته العظيمة في دوامها، جاءه بطريق لطيف في صورة الصديق الناصح، فقال: يا آدم، هل أدلك على شجرة إذا أكلت منها خلدت في هذه الجنة ودام لك الملك الذي لا يبلى؟ فلم يزل يوسوس ويزين ويسول ويعد ويمني ويلقي عليهما من النصائح الظاهرة، وهي أكبر الغش حتى غرهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها وحرمها عليهما، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما بعدما كانا مستورين، وطفقا يخصفان على أنفسهما من أوراق تلك الجنة، أي: يلزقان على أبدانهما العارية؛ ليكون بدل اللباس، وسقط في أيديهما، وظهرت في الحال عقوبة معصيتهما، وناداهما ربهما:
﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]
فأوقع الله في قلبيهما التوبة التامة، والإنابة الصادقة.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]
وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]
فتاب الله عليهما، ومحا الذنب الذي أصابا، ولكن الأمر الذي حذرهما
стр. 176
الله منه، وهو الخروج من هذه الجنة إن تناولا منها تحتم ومضى، فخرجا منها إلى الأرض التي حشي خيرها بشرها، وسرورها بكدرها.
وأخبرهما الله أنه لا بد أن يبتليهما وذريتهما، وأن من آمن وعمل صالحا كانت عاقبته خيرا من حالته الأولى، ومن كذب وتولى فآخر أمره الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، وحذر الله الذرية منه فقال:
﴿يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]
وأبدلهم الله بذلك اللباس الذي نزعه الشيطان من الأبوين بلباس يواري السوآت، ويحصل به الجمال الظاهر في الحياة، ولباس أعلى من ذلك، وهو لباس التقوى، الذي هو لباس القلب والروح بالإيمان والإخلاص والإنابة، والتحلي بكل خلق جميل، والتخلي عن كل خلق رذيل؛ ثم بث الله من آدم وزوجه رجالا كثيرا ونساء، ونشرهم في الأرض، واستخلفهم فيها؛ لينظر كيف يعملون.
* فوائد مستنبطة من هذه القصة أصولية وفروعية وأخلاق وآداب: فمنها أن هذه القصة العظيمة ذكرها الله في كتابه في مواضع كثيرة صريحة لا ريب فيها ولا شك، وهي من أعظم القصص التي اتفقت عليها الرسل، ونزلت بها الكتب السماوية، واعتقدها جميع أتباع الأنبياء من الأولين والآخرين، حتى نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، وأنكروا وجود الباري، ولم يثبتوا من العلوم إلا العلوم الطبيعية التي وصلت إليها معارفهم القاصرة.
стр. 177
فبناء على هذا المذهب الذي هو أبعد المذاهب عن الحقيقة شرعا وعقلا أنكروا آدم وحواء، وما ذكره الله ورسوله عنهما، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيوانا قردا، أو شبيها بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، وهؤلاء اغتروا بنظرياتهم الخاطئة المبنية على ظنون عقول من أصلها فاسدة، وتركوا لأجلها جميع العلوم الصحيحة، خصوصا ما جاءتهم به الرسل، وصدق عليهم قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]
وهؤلاء أمرهم ظاهر لجميع المسلمين، ولجميع المثبتين وجود الباري، يعلمون أنهم أضل الطوائف، ولكن تسرب على بعض المسلمين من هذا المذهب الدهري بعض الآثار والفروع المبنية على هذا القول، إذ فسر طائفة من العصريين سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين، وأن المواد الأرضية والمعدنية ونحوها قد سخرها الله للآدمي، وأن هذا هو معنى سجود الملائكة، ولا يستريب مؤمن بالله واليوم الآخر أن هذا مستمد من ذلك الرأي الأفن، وأنه تحريف لكتاب الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة، وأنه إذا أولت هذه القصة إلى هذا التأويل توجه نظير هذا التحريف لغيرها من قصص القرآن، وانقلب القرآن - بعدما كان تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة - رموزا يمكن كل عدو للإسلام أن يفعل بها هذا الفعل، فيبطل بذلك القرآن، وتعود هدايته إضلالا، ورحمته نقمة، سبحانك، هذا بهتان عظيم.
والمؤمن في هذا الموضع يكفيه لإبطال هذا القول الخبيث أن يتلو ما قصه الله علينا من قصة آدم وسجود الملائكة؛ فيعلم أن هذا مناف لما قصد الله ورسوله غاية المنافاة، وإن زخرفه أصحابه، ولووا له العبارات، ونسبوه إلى
стр. 178
بعض من يحسن بهم الظن، فالمؤمن لا يترك إيمانه، ولا كتاب ربه لمثل هذه الترويجات المغررة، أو المغرور أصحابها.
ومنها فضيلة العلم، وأن الملائكة لما تبين لهم فضل آدم بعلمه عرفوا بذلك كماله، وأنه يستحق الإجلال والتوقير.
ومنها أن مَنْ مَنَّ الله عليه بالعلم عليه أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن يقول كما قالت الملائكة والرسل: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، وأن يتوقى التكلم بما لا يعلم، فإن العلم أعظم المنن، وشكر هذه النعمة الاعتراف لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجهال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه.
ومنها أن الله جعل هذه القصة لنا معتبرا، وأن الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكبر إبليس وحسده لآدم صيره إلى ما ترى، وحرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة، ولولا تدارك رحمة الله لهما لأودت بهما إلى الهلاك، ولكن رحمة الله تكمل الناقص، وتجبر الكسير، وتنجي الهالك، وترفع الساقط.
ومنها أنه ينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يبادر إلى التوبة والاعتراف، ويقول ما قاله الأبوان من قلب خالص، وإنابة صادقة؛ فما قص الله علينا صفة توبتهما إلا لنقتدي بهما، فنفوز بالسعادة، وننجو من الهلكة؛ وكذلك ما أخبرنا بما قاله الشيطان من توعدنا وعزمه الأكيد على إغوائنا بكل طريق إلا لنستعد لهذا العدو الذي تظاهر بهذه العداوة البليغة المتأصلة، والله يحب منا أن نقاومه بكل ما نقدر عليه من تجنب طرقه وخطواته، وفعل الأسباب التي يخشى منها الوقوع في شباكه، ومن عمل الحصون من الأوراد الصحيحة، والأذكار القلبية، والتعوذات المتنوعة، ومن السلاح المهلك له
стр. 179
من صدق الإيمان، وقوة التوكل على الله، ومراغمته في أعمال الخير، ومقاومة وساوسه والأفكار الرديئة التي يدفع بها إلى القلب كل وقت بما يضادها، ويبطلها من العلوم النافعة والحقائق الصادقة.
ومنها أن فيها دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات، ولا بين صفات الأفعال.
ومنها إثبات اليدين لله كما هو في قصة آدم صريحا: لما خلقت بيدي، فله يدان حقيقة، كما أن ذاته لا تشبهها الذوات، فصفاته تعالى لا تشبهها الصفات.
قصة نوح ﷺ
مكث البشر بعد آدم قرونا طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا وأدخلت عليهم الشياطين الشرور المتنوعة بطرق كثيرة، فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون فحزنوا عليهم، فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوروا تماثيلهم؛ ليتسلوا بها وليتذكروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر؛ فلما هلك الذين صوروهم لهذا المعنى جاء من بعدهم وقد اضمحل العلم، فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء وَدًّا وسُواعا ويَغُوث ويَعُوق ونَسرا؛ قد كان أوَّلوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يسقون الغيث وتزول الأمراض، فلم يزل بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نصح الناصحين، ثم بعث الله فيهم نوحا ﷺ يعرفونه ويعرفون صدقه وأمانته وكمال أخلاقه، فقال:
﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]
стр. 180
[الأعراف: ٥٩] ورغبهم في خير الدنيا والآخرة فقال:
﴿يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ - يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤]
فلما بادأهم بالأمر بالإخلاص لله، وتسفيه آرائهم، وتخويفهم بعقوبات الدنيا والآخرة قالوا:
﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧]
وطلبوا منه أن يطرد من كان معه من المؤمنين استكبارا منهم، واستنكافا على الحق وعلى الخلق، فبين لهم أنه ليس به ضلال، وإنما به تزول الضلالة عن الخلق، وأنه رسول أمين على بينة من ربه وبراهين واضحة، وأن المؤمنين لا يحل طردهم، بل حقهم الإكرام والاحترام، وأنه لا يدعي لهم طورا يزاحم فيه الرب فقال:
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود: ٣١]
فلم يزل يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهرا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ونفورا وإعراضا وتواصيا منهم على الإقامة على ما هم عليه من عبادة غير الله والتمسك بها، فقال نوح:
﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا - وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا - وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٣]
فلما رأى أن التذكير لا ينفع فيهم بوجه من الوجوه؛ وأنه كلما جاء
следующие страницы →