Полный текст (1 030 стр.). Показаны 1016–1030 · переход к 1021.
стр. 1016
صَغِيرًا فَقِيرًا حِينَ مَاتَ أَبَوَاكَ وَلَمْ يُخَلِّفَا لَكَ مَالًا وَلَا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، وضمك إِلَى عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وَكَفَاكَ الْمُؤْنَةَ.
[٧] ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] يَعْنِي ضَالًّا عَمًّا أَنْتَ عَلَيْهِ فَهَدَاكَ لِلتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ: قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ كَيْسَانَ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) عَنْ مَعَالِمَ النُّبُوَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ غافلا عنها، فهداك إليها، وَقِيلَ: ضَالًّا فِي شِعَابِ مَكَّةَ فَهَدَاكَ إِلَى جَدِّكَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
[٨] ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ بِمَالِ خَدِيجَةَ ثم بالغنائم، وقال مقاتل: فرضاك بِمَا أَعْطَاكَ مِنَ الرِّزْقِ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ وَلَكِنَّ اللَّهَ رضاه بِمَا آتَاهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْغِنَى. ثُمَّ أَوْصَاهُ بِالْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ.
[٩] فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لا تحتقر الْيَتِيمَ فَقَدْ كُنْتَ يَتِيمًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: لَا تَقْهَرْهُ عَلَى مَالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ لِضَعْفِهِ، وَكَذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي أَمْرِ الْيَتَامَى، تَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ وَتَظْلِمُهُمْ حُقُوقَهُمْ.
[١٠] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ السَّائِلَ عَلَى الْبَابِ، يَقُولُ: لَا تَنْهَرْهُ لَا تَزْجُرْهُ إِذَا سَأَلَكَ، فَقَدْ كُنْتَ فَقِيرًا فَإِمَّا أَنْ تُطْعِمَهُ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا، يُقَالُ: نَهَرَهُ وَانْتَهَرَهُ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلَامٍ يزجره. قال قَتَادَةُ: رُدَّ السَّائِلَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: (أَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) ، قَالَ: طَالِبُ الْعِلْمِ.
[١١] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] قال مجاهد: يعني النبوة، وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ مُجَاهِدٍ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، أَمْرَهُ أن يقرأه، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اشْكُرْ لِمَا ذُكِرَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ جَبْرِ الْيَتِيمِ وَالْهُدَى بعض الضَّلَالَةِ وَالْإِغْنَاءِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَالتَّحَدُّثِ بنعمة الله شكرا.
[سورة الشرح]
[قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . . .]
(٩٤) سورة الشرح [١] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] أَلَمْ نَفْتَحْ وَنُوَسِّعْ وَنُلَيِّنْ لَكَ قَلْبَكَ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ؟
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: حططنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنْكَ فِي الجاهلية، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: يَعْنِي الْخَطَأَ وَالسَّهْوَ. وَقِيلَ: ذُنُوبُ أُمَّتِكَ فأضافها إليه لاشتغال قلبه بهم.
[٣] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] أَثْقَلَ ظَهْرَكَ فَأَوْهَنَهُ حَتَّى سُمِعَ له نقيض أي صوت. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي خَفَّفْنَا عَنْكَ أعباء النبوة والقيام بأمرها.
стр. 1017
[٤] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: "إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» (١) وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) إذا ذكرت ذكرت. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالتَّشَهُّدَ وَالْخُطْبَةَ عَلَى الْمَنَابِرِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا عَبَدَ اللَّهَ وَصَدَّقَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ، وكان كافرا. ثُمَّ وَعَدَهُ الْيُسْرَ وَالرَّخَاءَ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ في شدة.
[٥ - ٦] فَقَالَ. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] أَيْ مَعَ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فيها من جهاد المشركين يسرا وَرَخَاءٌ بِأَنْ يُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقَادُوا لِلْحَقِّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كَرَّرَهُ لِتَأْكِيدِ الْوَعْدِ وَتَعْظِيمِ الرَّجَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرُوا قَدْ جَاءَكُمُ الْيُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» .
[٧] ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أَيْ فَاتْعَبْ وَالنَّصَبُ: التَّعَبُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ فِي الدُّعَاءِ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ يُعْطِكَ. وَرَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتَ فَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فَادْعُ لِدُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّكَ فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ رَبِّكَ. وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ رَبِّكَ وَصَلِّ. وَقَالَ حَيَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَانْصَبْ، أَيِ: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
[٨] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] قَالَ عَطَاءٌ: تَضَرَّعْ إِلَيْهِ رَاهِبًا مِنَ النَّارِ رَاغِبًا فِي الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: فَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ.
[سُورَةُ التين]
[قوله تعالى وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ . . .]
(٩٥) سورة التين [١] ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] قال ابن عباس: هو تينكم الَّذِي تَأْكُلُونَهُ وَزَيْتُونُكُمْ هَذَا الَّذِي تعصرون منه الزيت. وقيل: خَصَّ التِّينَ بِالْقَسَمِ لِأَنَّهَا فَاكِهَةٌ مختصة لا عجم فيها، شبيهة بفواكه الجنة. والزيتون شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ جَاءَ بِهَا الْحَدِيثُ وهو تمر وَدُهْنٌ يَصْلُحُ لِلِاصْطِبَاغِ وَالِاصْطِبَاحِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا جَبَلَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: التِّينُ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ والزيتون الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُمَا يُنْبِتَانِ التِّينَ وَالزَّيْتُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمَا مَسْجِدَانِ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزيتون مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ مَسْجِدُ أَصْحَابِ الكهف والزيتون مسجد إيليا.
[٢] ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] يَعْنِي الْجَبَلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ وَذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٠]
[٣] ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] أَيِ الْآمَنِ، يَعْنِي مَكَّةَ يَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، هذه أَقْسَامٌ وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
[٤] ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] أَعْدَلِ قَامَةٍ وَأَحْسَنِ صُورَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ حَيَوَانٍ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا الْإِنْسَانَ خَلَقَهُ مَدِيدَ الْقَامَةِ يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ مُزَيَّنًا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.
[٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] يُرِيدُ إِلَى الْهَرَمِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، فينقص عقله ويضعف بدنه، стр. 1018
وَالسَّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفَاءُ وَالزَّمْنَى وَالْأَطْفَالُ، فالشيخ الكبير مِنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَأَسْفَلَ سَافِلِينَ نكرة تعم الجنس وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أَسْفَلَ السَّافِلِينَ) . وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى النَّارِ، يَعْنِي إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ بَعْضُهَا أَسْفَلَ مِنْ بَعْضٍ.
[٦] ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦] فَإِنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ إِلَى النَّارِ. وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، فَزَالَتْ عُقُولُهُمْ وَانْقَطَعَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَلَا يُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَةٌ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦] فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَالْخَرَفِ، مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ في حال الشباب والصحة ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] غَيْرُ مَقْطُوعٍ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ ثُمَّ قَالَ: إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ.
[٧] ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: ٧] أيها الإنسان ﴿بَعْدُ﴾ [التين: ٧] أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، ﴿بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْمَعْنَى، أَلَا تَتَفَكَّرُ فِي صُورَتِكَ وَشَبَابِكَ وَهَرَمِكَ فَتَعْتَبِرُ وَتَقُولُ إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَنِي وَيُحَاسِبَنِي، فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالْمُجَازَاةِ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ.
[٨] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يَحْكُمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ يا محمد.
[سورة العلق]
[قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . . .]
(٩٦) سورة العلق [١] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَلَى أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وَالْمَعْنَى: اذْكُرِ اسْمَهُ، أُمِرَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقِرَاءَةَ بِاسْمِ اللَّهِ تَأْدِيبًا، ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْخَلَائِقَ ثُمَّ فسره فقال:
[٢] ﴿خَلَقَ - خَلَقَ﴾ [العلق: ١ - ٢] يعني ابن آدم، ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] جمع علقة.
[٣] ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْحَلِيمُ عَنْ جَهْلِ الْعِبَادِ لَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ.
[٤] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] يَعْنِي الْخَطَّ وَالْكِتَابَةَ.
[٥] ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] مِنْ أَنْوَاعِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ. وَقِيلَ: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ هَاهُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، بَيَانُهُ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النِّسَاءَ: ١١٣]
[٦] ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ٦] حقا ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] لَيَتَجَاوَزُ حَدَّهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَلَى رَبِّهِ.
[٧] ﴿أَنْ﴾ [العلق: ٧] لأن، ﴿رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] أَنْ رَأَى نَفْسَهُ غَنِيًّا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَرْتَفِعُ عَنْ مَنْزِلَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِمَا.
стр. 1019
[٨] ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] أي المرجع في الآخرة.
[٩، ١٠] ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن الصلاة، وَمَعْنَى أَرَأَيْتَ هَاهُنَا تَعْجِيبٌ لِلْمُخَاطَبِ، وَكَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلتَّأْكِيدِ.
[١١] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] يَعْنِي الْعَبْدَ الْمَنْهِيَّ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
[١٢] ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] يَعْنِي بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ.
[١٣] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] يعني أبا جهل، ﴿وَتَوَلَّى﴾ [العلق: ١٣] عَنِ الْإِيمَانِ، وَتَقْدِيرُ نَظْمِ الْآيَةِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وهو على الهدى، وأمر بِالتَّقْوَى، وَالنَّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَمَا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا!
[١٤] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ذلك فيجازيه به.
[١٥] ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ١٥] لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [العلق: ١٥] عن إيذاء مُحَمَّدٍ ﷺ وتكذيبه، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] لنأخذن بناصيته فلنجرنه من النَّارِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] يُقَالُ: سَفَعْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَخَذْتُهُ وَجَذَبْتُهُ جَذْبًا شَدِيدًا، والناصية: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ.
[١٦] ثُمَّ قَالَ عَلَى الْبَدَلِ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] أَيْ صَاحِبُهَا كَاذِبٌ خَاطِئٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَهَى أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ انْتَهَرَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال أبو جهل: أتنتهرني؟ فَوَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الْوَادِي إِنْ شِئْتَ خَيْلًا جُرْدًا وَرِجَالًا مردا.
[١٧] قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أَيْ قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ، أَيْ فَلْيَسْتَنْصِرْ بهم.
[١٨] ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] جَمْعُ زِبْنِيٌّ مَأْخُوذٌ مِنَ الزِّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَبَانِيَةَ جَهَنَّمَ سَمُّوا بِهَا لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ أَهْلَ النَّارِ إِلَيْهَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْغِلَاظُ الشِّدَادُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ.
[١٩] ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ١٩] لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أبو جهل، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] في ترك الصلاة، ﴿وَاسْجُدْ﴾ [العلق: ١٩] صل لله، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] من الله.
[سورة القدر]
[قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . . .]
(٩٧) سورة الْقَدْرِ [١] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ١] يَعْنِي الْقُرْآنَ كِنَايَةً عَنْ غير مذكور، أنه أَنْزَلَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ، ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً.
[٢] ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ٢] سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامُ، يُقَدِّرُ اللَّهُ فِيهَا أَمْرَ السَّنَةِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ إِلَى السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رُفِعَتْ، وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ القيامة. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةٌ مِنْ ليالي السنة، وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَالَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَتْ صَبِيحَتُهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ. وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رمضان، أَبْهَمَ اللَّهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ، وَأَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ لِيَرْغَبُوا فِي جَمِيعِهَا، وَسُخْطَهُ فِي الْمَعَاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِهَا، وَأَخْفَى قِيَامَ السَّاعَةِ
стр. 1020
لِيَجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَاتِ حَذَرًا مِنْ قِيَامِهَا.
[٣] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] مَعْنَاهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مَنْ عَمِلِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
[٤] قَوْلُهُ : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇ مَعَهُمْ، ﴿فِيهَا﴾ [القدر: ٤] أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أَيْ بِكُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ.
[٥] ﴿سَلَامٌ﴾ [القدر: ٥] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ سَلَامٌ عَلَى أولياء الله وأهل طاعته. قال الشَّعْبِيُّ: هُوَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ مِنْ حين تَغِيبُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفجر. قال الكلبي: الملائكة ينزلون فيها كُلَّمَا لَقُوا مُؤْمِنًا أَوْ مُؤْمِنَةً سَلَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَلَامٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا، لَيْسَ فِيهَا شَرٌّ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلَا يَقْضِي إِلَّا السَّلَامَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ سَالِمَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا، وَلَا أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا أَذًى، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أي إلى مطلع الفجر.
[سورة البينة]
[قوله تعالى لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. . .
(٩٨) سورة البينة [١] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] وهم اليهود والنصارى، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وهم عبدة الأوثان، ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] زَائِلِينَ مُنْفَصِلِينَ، يُقَالُ: فَكَكْتُ الشَّيْءَ فَانْفَكَّ أَيِ انْفَصَلَ، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ١] لَفْظُهُ مُسْتَقْبَلٌ وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي أي حتى أتتهم الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ أَتَاهُمْ بِالْقُرْآنِ فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإسلام والإيمان، فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ آمَنَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْكُفْرِ حَتَّى أَتَاهُمُ الرَّسُولُ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَآمَنُوا فَأَنْقَذَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالَةِ.
[٢] ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ فَقَالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾ [البينة: ٢] يقرأ، ﴿صُحُفًا﴾ [البينة: ٢] كتابا، يُرِيدُ مَا يَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ الْمَكْتُوبِ فِيهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لا عن كتاب، قوله: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] مِنَ الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ وَالزُّورِ.
[٣] ﴿فِيهَا﴾ [البينة: ٣] أي في الصحف، ﴿كُتُبٌ﴾ [البينة: ٣] يَعْنِي الْآيَاتِ وَالْأَحْكَامِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا، ﴿قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ غَيْرُ ذَاتِ عِوَجٍ.
[٤] ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ٤] أَيِ الْبَيَانُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أَهْلُ
стр. 1021
الْكِتَابِ مُجْتَمِعِينَ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا بُعِثَ تَفَرَّقُوا فِي أَمْرِهِ وَاخْتَلَفُوا، فَآمَنَ بِهِ بعضهم، وكفر آخرون. ثُمَّ ذَكَرَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ فَقَالَ:
[٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥] يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أُمِرُوا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله موحدين ﴿حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] مَائِلِينَ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى دين الإسلام، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥] الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوْقَاتِهَا ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] عند محلها، ﴿وَذَلِكَ﴾ [البينة: ٥] الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أي الملة والشريعة المستقيمة. وَقِيلَ: الْقَيِّمَةُ هِيَ الْكُتُبُ الَّتِي جَرَى ذِكْرُهَا، أَيْ وَذَلِكَ دِينُ الْكُتُبِ الْقَيِّمَةِ فِيمَا تَدْعُو إِلَيْهِ وتأمر به.
[٦] ثُمَّ ذَكَرَ مَا لِلْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦]
[٧ - ٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧ - ٨] وَتَنَاهَى عَنِ الْمَعَاصِي، وَقِيلَ: الرِّضَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ رِضًا بِهِ وَرِضًا عَنْهُ، فَالرِّضَا بِهِ: رَبًّا وَمُدَبِّرًا، وَالرِّضَا عَنْهُ: فِيمَا يَقْضِي ويقدر.
[سورة الزلزلة]
[قوله تعالى إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ] الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا. . .
(٩٩) سورة الزلزلة [١] ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١] حُرِّكَتِ الْأَرْضُ حَرَكَةً شَدِيدَةً لِقِيَامِ الساعة، ﴿زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] تحريكها.
[٢] ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] مَوْتَاهَا وَكُنُوزَهَا فَتُلْقِيهَا عَلَى ظَهْرِهَا.
[٣] ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣] ؟ قِيلَ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تقديره:
[٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] فَيَقُولُ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا، أَيْ تُخْبَرُ الْأَرْضُ بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا.
[٥] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أَيْ أَمَرَهَا بِالْكَلَامِ وَأَذِنَ لَهَا بِأَنْ تُخْبِرَ بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا.
[٦] قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ [الزلزلة: ٦] يَرْجِعُ النَّاسُ عَنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ بعد العرض، ﴿أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] مُتَفَرِّقِينَ فَآخِذُ ذَاتِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ وَآخِذُ ذَاتِ الشِّمَالِ إِلَى النار ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيُرَوْا جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الْمَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
[٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧] وَزْنَ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ أَصْغَرَ مَا يَكُونُ مِنَ النَّمْلِ. ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
[٨] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا أَوْ شرًا
стр. 1022
فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَرَاهُ اللَّهُ له يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَرَى حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فيرد حسناته ويعذب بسيئاته.
[سورة العاديات]
[قوله تعالى وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا . . .]
(١٠٠) سورة العاديات [١] ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] هِيَ الْخَيْلُ الْعَادِيَةُ فِي سَبِيلِ الله تَضْبَحُ، وَالضَّبْحُ صَوْتُ أَجْوَافِهَا إِذَا عدت، "قوله: (ضَبْحًا) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، مَجَازُهُ: وَالْعَادِيَّاتُ تَضْبَحُ ضَبْحًا. وَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ الْإِبِلُ فِي الْحَجِّ تَعْدُو مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَمِنَ المزدلفة إلى منى.
[٢] ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] هِيَ الْخَيْلُ تُورِي النَّارَ بِحَوَافِرِهَا إِذَا سَارَتْ فِي الْحِجَارَةِ، يَعْنِي وَالْقَادِحَاتِ قَدْحًا يَقْدَحْنَ بِحَوَافِرِهِنَّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هِيَ مَكْرُ الرِّجَالِ، يَعْنِي رِجَالَ الْحَرْبِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْكُرَ بِصَاحِبِهِ: أَمَا وَاللَّهِ لِأَقْدَحَنَّ لَكَ ثُمَّ لْأُوَرِّيَنَّ لَكَ.
[٣] ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣] هِيَ الْخَيْلُ تُغِيرُ بِفُرْسَانِهَا عَلَى الْعَدُوِّ عِنْدَ الصَّبَاحِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: هِيَ الْإِبِلُ تَدْفَعُ بِرُكْبَانِهَا يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَالسُّنَّةُ ألا تدفع حَتَّى تُصْبِحَ وَالْإِغَارَةُ سُرْعَةُ السَّيْرِ.
[٤] ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ [العاديات: ٤] أي هيجن بمكان سيرها كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأَنَّ المعنى مفهوم، ﴿نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] غُبَارًا وَالنَّقْعُ الْغُبَارُ.
[٥] ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] أي دخلن به وسط العدو، قال القرظي: يعني جمع منى أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
[٦] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: لَكَنُودٌ لِكَفُورٌ جَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ - تَعَالَى -. قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ بِلِسَانِ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ: الْكَفُورُ، وَبِلِسَانِ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ: الْعَاصِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي يَعُدُّ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الَّذِي لَا يُعْطِي فِي النَّائِبَةِ مَعَ قَوْمِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ قَلِيلُ الْخَيْرِ، وَالْأَرْضُ الْكَنُودُ الَّتِي لَا تنبت شيئا.
[٧] ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى كَوْنِهِ كَنُودًا لَشَاهِدٌ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِنْسَانِ أَيْ إِنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى نفسه بما يصنع.
[٨] ﴿وَإِنَّهُ﴾ [العاديات: ٨] يعني الانسان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] أي لحب المال، ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] أَيْ لَبَخِيلٌ، أَيْ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْمَالِ لَبَخِيلٌ. يُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّدٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَقَوِيٌّ أَيْ شَدِيدٌ الْحُبِّ لِلْخَيْرِ، أَيِ الْمَالِ.
[٩] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ [العاديات: ٩] هذا الإنسان، ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ [العاديات: ٩] أُثِيرَ وَأُخْرِجَ، ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]
[١٠] ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] أَيْ مُيِّزَ وَأُبْرِزَ مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
[١١] ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾ [العاديات: ١١] جَمَعَ الْكِنَايَةَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ اسْمٌ الجنس، ﴿يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] عالم، قال الزجاج: اللَّهَ خَبِيرٌ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي ذلك اليوم.
[سورة القارعة]
[قوله تعالى الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ] . . .
(١٠١) سورة القارعة [١] ﴿الْقَارِعَةُ﴾ [الْقَارِعَةُ: ١] اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهَا تَقْرَعُ الْقُلُوبَ بِالْفَزَعِ.
[٢] ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ [الْقَارِعَةُ: ٢] تَهْوِيلٌ وَتَعْظِيمٌ.
[٣ - ٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ - يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٣ - ٤] الفراش الطير الَّتِي تَرَاهَا تَتَهَافَتُ فِي النَّارِ والمبثوث المفرق. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ شَبَّهَ الناس عند البعث بها يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْهَوْلِ
стр. 1023
كَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [الْقَمَرِ: ٧]
[٥] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] كَالصُّوفِ الْمَنْدُوفِ.
[٦ - ٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] رجحت حسناته، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الْقَارِعَةُ: ٧] مَرْضِيَّةٍ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: ذَاتِ رِضًا يَرْضَاهَا صَاحِبُهَا.
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ.
[٩] ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] مَسْكَنُهُ النَّارُ سُمِّيَ الْمَسْكَنُ أُمًّا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السُّكُونِ إِلَى الْأُمَّهَاتِ، وَالْهَاوِيَةُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جهنم، وهو الهواة لَا يُدْرَكُ قَعْرُهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: وهي كلمة عربية كان الرجل إِذَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ شَدِيدٍ، يقال: هوت أمه. وقيل: أراد أم رأسه يَعْنِي أَنَّهُمْ يَهْوُونَ فِي النَّارِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ذَهَبَ قَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ.
[١٠] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] يَعْنِي الْهَاوِيَةَ وَأَصْلُهَا مَا هِيَ أدخل الهاء فيها للوقف ثُمَّ فَسَّرَهَا.
[١١] فَقَالَ: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١] أَيْ حَارَّةٌ قَدِ انْتَهَى حَرُّهَا.
[سورة التكاثر]
[قوله تعالى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ] . . .
(١٠٢) سورة التكاثر [١] ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] شغلتكم المباهات والمفاخرة بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْعَدَدِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ وَمَا يُنْجِيكُمْ مِنْ سُخْطِهِ.
[٢] ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] حَتَّى مُتُّمْ وَدُفِنْتُمْ فِي الْمَقَابِرِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ:
[٣] ﴿كَلَّا﴾ [التكاثر: ٣] لَيْسَ الْأَمْرُ بِالتَّكَاثُرِ، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] وعيد لهم، ثم تكرره تَأْكِيدًا فَقَالَ:
[٤] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ وَالْمَعْنَى سَوْفَ تَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ تَكَاثُرِكُمْ وَتَفَاخُرِكُمْ إِذَا نَزَلَ بِكُمُ الْمَوْتُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يَعْنِي الْكُفَّارَ، (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ وكان يقرأ الأولى بالتاء والثانية بالياء.
[٥] ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] أَيْ عِلْمًا يَقِينًا فَأَضَافَ الْعِلْمَ إِلَى الْيَقِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ أَيْ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا لَشَغَلَكُمْ مَا تَعْلَمُونَ عَنِ التَّكَاثُرِ وَالتَّفَاخُرِ. قَالَ قَتَادَةُ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
[٦] ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ (لَتَرَوُنَّ) بِضَمِّ التَّاءِ مَنْ أَرَيْتُهُ الشَّيْءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ ترونها بأبصاركم من بعد.
[٧] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ [التكاثر: ٧] مشاهدة ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧]
[٨] ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] عن ابن مسعود رفعه قال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]
стр. 1024
قَالَ: "الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ". وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ كُلَّ ذِي نعمة عما أنعم عليه. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: النَّعِيمُ صِحَّةُ الْأَبْدَانِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ يَسْأَلُ اللَّهُ الْعَبِيدَ فِيمَ اسْتَعْمَلُوهَا، وهو بذلك منهم، قال عكرمة: عن الصحة والفراغ والمال، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يَعْنِي عَمَّا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَنِ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: تَخْفِيفُ الشَّرَائِعِ وتيسير القرآن.
[سورة العصر]
[قوله تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . . .]
(١٠٣) سورة العصر [١] ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالدَّهْرِ. قِيلَ: أَقْسَمَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنَّاظِرِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَرَبِّ الْعَصْرِ، وَكَذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: أَرَادَ بِالْعَصْرِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، يُقَالُ لَهُمَا الْعَصْرَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مِنْ بَعْدِ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَقْسَمَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى.
[٢] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أَيْ خُسْرَانٍ وَنُقْصَانٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْكَافِرَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى المؤمنين، والخسران ذَهَابُ رَأْسِ مَالِ الْإِنْسَانِ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ وَعُمُرِهِ بِالْمَعَاصِي، وَهُمَا أَكْبَرُ رَأْسِ مَالِهِ.
[٣] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] فإنهم ليسوا في خسران، ﴿وَتَوَاصَوْا﴾ [العصر: ٣] أوصى بعضهم بعضا، ﴿بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] بِالْقُرْآنِ قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَإِقَامَةِ أَمْرِ اللَّهِ. وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عُمِّرَ فِي الدُّنْيَا وَهَرِمَ لَفِي نَقْصٍ وَتَرَاجُعٍ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يُكْتَبُ لَهُمْ أُجُورُهُمْ وَمَحَاسِنُ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي شبابهم وصحتهم.
[سورة الهمزة]
[قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده . . .]
(١٠٤) سورة الهمزة [١] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ للبرآء العنت، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْعَيَّابُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْهُمَزَةُ الَّذِي يَعِيبُكَ فِي الغيب، واللمزة الَّذِي يَعِيبُكَ فِي الْوَجْهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: بِضِدِّهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: الْهَمْزَةُ الَّذِي يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ وَيَغْتَابُهُمْ، واللمزة الطَّعَّانُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْهُمَزَةُ الَّذِي يَهْمِزُ النَّاسَ بِيَدِهِ ويضربهم، واللمزة الَّذِي يَلْمِزُهُمْ بِلِسَانِهِ وَيَعِيبُهُمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وَيَهْمِزُ بِلِسَانِهِ وَيَلْمِزُ بعينيه. وَمِثْلُهُ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْهُمَزَةُ الَّذِي يُؤْذِي
стр. 1025
جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الَّذِي يُومِضُ بِعَيْنِهِ وَيُشِيرُ بِرَأْسِهِ، ويرمز بحاجبه. وهما لغتان لِلْفَاعِلِ نَحْوُ سُخَرَةٍ وَضُحَكَةٍ لِلَّذِي يسخر ويضحك من الناس، وَأَصْلُ الْهَمْزِ: الْكَسْرُ وَالْعَضُّ عَلَى الشيء بالعنف.
[٢] ثُمَّ وَصَفَهُ فَقَالَ: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] أَحْصَاهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اسْتَعَدَّهُ وَادَّخَرَهُ وَجَعَلَهُ عَتَادًا لَهُ، يُقَالُ: أَعْدَدْتُ الشَّيْءَ وَعَدَّدْتُهُ إِذَا أَمْسَكْتُهُ.
[٣] ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] فِي الدُّنْيَا يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يموت مع يساره.
[٤] ﴿كَلَّا﴾ [الهمزة: ٤] رد عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَلِّدَهُ مَالُهُ، ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة: ٤] ليطرحن، ﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: ٤] فِي جَهَنَّمَ، وَالْحَطْمَةُ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى سُمِّيَتْ حُطَمَةَ لِأَنَّهَا تَحْطِمُ الْعِظَامَ وَتَكْسِرُهَا.
[٥- ٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ - نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ - الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٥ - ٧] أي التي بلغ أَلَمُهَا وَوَجَعُهَا إِلَى الْقُلُوبِ، وَالِاطِّلَاعُ والبلوغ التطلع بِمَعْنًى وَاحِدٍ، يُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ مَتَى طَلَعْتَ أَرْضَنَا أَيْ بَلَغْتَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهَا تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى فُؤَادِهِ، قَالَهُ الْقُرَظِيُّ وَالْكَلْبِيُّ.
[٨] ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] مُطْبَقَةٌ مُغْلَقَةٌ.
[٩] ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَدْخَلَهُمْ فِي عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل سدت عليهم بها الأبواب، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّهَا عُمُدٌ يُعَذَّبُونَ بِهَا فِي النَّارِ. وَقِيلَ: هِيَ أَوْتَادُ الْأَطْبَاقِ الَّتِي تُطْبِقُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَيْ أَنَّهَا مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَوْتَادٍ مُمَدَّدَةٍ وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (بِعُمُدٍ) بِالْبَاءِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: أَطْبَقَتِ الْأَبْوَابُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سُدَّتْ بِأَوْتَادٍ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَرْجِعَ عليهم غمها وحرها فلا يفتف عَلَيْهِمْ بَابٌ وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ ريح، وَالْمُمَدَّدَةُ مِنْ صِفَةِ الْعَمَدِ، أَيْ مُطَوَّلَةٍ فَتَكُونُ أَرْسَخُ مِنَ الْقَصِيرَةِ.
[سورة الفيل]
[قوله تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ] . . .
(١٠٥) سورة الْفِيلِ [١] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] أبرهة بالعننص بن الصياح وأتباعه الذين قصدوا هدم الكعبة".
[٢] ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ٢] كيدهم يعني مكرهم وسعيم فِي تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ. وَقَوْلُهُ: فِي تضليل عما أرادوإ، ضلل كَيْدَهُمْ حَتَّى لَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَإِلَى مَا أَرَادُوهُ بِكَيْدِهِمْ. وقال مُقَاتِلٌ: فِي خَسَارَةٍ وَقِيلَ: فِي بُطْلَانٍ.
[٣] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] كَثِيرَةً مُتَفَرِّقَةً يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقِيلَ: أَقَاطِيعَ كَالْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَبَابِيلُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ، يُقَالُ. جَاءَتِ الْخَيْلُ أَبَابِيلُ من ههنا وههنا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ طَيْرًا لَهَا خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الطَّيْرِ وَأَكُفٌّ كَأَكُفِّ الْكِلَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَهَا رُؤُوسٌ كَرُؤُوسِ السِّبَاعِ. قَالَ الرَّبِيعُ: لَهَا أَنْيَابٌ كَأَنْيَابِ السِّبَاعِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خُضْرٌ لَهَا مَنَاقِيرُ صُفْرٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: طَيْرٌ سُودٌ جَاءَتْ مِنْ قَبْلِ الْبَحْرِ فَوْجًا فَوْجًا مَعَ كُلِّ طَائِرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ لَا تُصِيبُ شيثا إِلَّا هَشَمَتْهُ.
[٤] ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] قال ابن مَسْعُودٍ صَاحَتِ الطَّيْرُ وَرَمَتْهُمْ بِالْحِجَارَةِ فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا فَضَرَبَتِ الْحِجَارَةَ فَزَادَتْهَا شِدَّةً فَمَا وَقَعَ مِنْهَا حَجَرٌ عَلَى رَجُلٍ إِلَّا خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ.
[٥] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] كزرع وتين أَكَلَتْهُ الدَّوَابُّ فُرَاثَتْهُ فَيَبِسَ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ، شَبَّهَ تَقَطُّعَ أَوْصَالِهِمْ بِتَفَرُّقِ أَجْزَاءِ الرَّوْثِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَصْفُ وَرَقُ الْحِنْطَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ التِّبْنُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَالْحَبِّ إِذَا أُكِلَ فَصَارَ أَجْوَفَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْقِشْرُ الْخَارِجُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى حَبِّ الْحِنْطَةِ كَهَيْئَةِ الغلاف له.
[سورة قريش]
[قوله تعالى لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ] وَالصَّيْفِ. . .
стр. 1026
[١٠٦] سورة قريش [١] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] عد بَعْضُهُمْ سُورَةَ الْفِيلِ. " وَهَذِهِ السُّورَةَ واحدة لا فصل بينهما وقالوا: اللام في ﴿لِإِيلَافِ﴾ [قريش: ١] تَتَعَلَّقُ بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَّرَ أَهْلَ مَكَّةَ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَنَعَ بِالْحَبَشَةِ، وَقَالَ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قُرَيْشٍ: ١] وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى جَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، أَيْ هلك أصحاب الْفِيلِ لِتَبْقَى قُرَيْشٌ، وَمَا أَلِفُوا مِنْ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَالْعَامَّةُ عَلَى أَنَّهُمَا سُورَتَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْجَالِبَةِ لِلَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لِإِيلَافِ) قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْأَخْفَشُ: هِيَ لَامُ التَّعَجُّبِ، يَقُولُ: اعْجَبُوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، وَتَرَكِهِمْ عبادة رب البيت. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ مَرْدُودَةٌ إِلَى مَا بَعْدَهَا تَقْدِيرُهُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لِإِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ هُمْ وَلَدُ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَهُ النَّضْرُ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَلِدْهُ النَّضْرُ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.
[٢] قوله - تعالى -: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: ٢] بَدَلٌ مِنَ الْإِيلَافِ الْأَوَّلِ، ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] ﴿رِحْلَةَ﴾ [قريش: ٢] نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ ارْتِحَالَهُمْ رحلة الشتاء والصيف، كَانَتْ لَهُمْ رِحْلَتَانِ فِي كُلِّ عَامٍ لِلتِّجَارَةِ إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ لِأَنَّهَا أَدْفَأُ، وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ الْحَرَمُ وَادِيًا جَدْبًا لَا زَرْعَ فِيهِ وَلَا ضَرْعَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَعِيشُ بِتِجَارَتِهِمْ وَرِحْلَتِهِمْ، وَكَانَ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ بِسُوءٍ، كَانُوا يَقُولُونَ: قُرَيْشٌ سُكَّانُ حَرَمِ اللَّهِ وَوُلَاةُ بَيْتِهِ، فَلَوْلَا الرِّحْلَتَانِ لَمْ يكن لهم مقام بمكة وأمرهم الله بِعِبَادَةِ رَبِّ الْبَيْتِ فَقَالَ:
[٣] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] أَيِ الْكَعْبَةِ.
[٤] ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤] أَيْ مِنْ بَعْدِ جُوعٍ بِحَمْلِ الْمِيرَةِ إِلَى مَكَّةَ، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] بِالْحَرَمِ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ فِي رحلتهم.
[سورة الماعون]
[قوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذَلِكَ الَّذِي] يَدُعُّ الْيَتِيمَ. . .
(١٠٧) سورة الماعون [١] ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] أَيْ بِالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ.
[٢] ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] يَقْهَرُهُ وَيَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ، وَالدَّعُّ: الدَّفْعُ بِالْعُنْفِ وَالْجَفْوَةِ.
[٣] ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] لَا يَطْعَمُهُ وَلَا يَأْمُرُ بِإِطْعَامِهِ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ بِالْجَزَاءِ.
стр. 1027
[٤ - ٥] ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، قَالَ: "إِضَاعَةُ الْوَقْتِ " (١) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ إِذَا غَابُوا عَنِ النَّاسِ، وَيُصَلُّونَهَا فِي الْعَلَانِيَةِ إِذَا حَضَرُوا.
[٦] لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٦] وَقَالَ فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٢] وَقَالَ قَتَادَةُ: سَاهٍ عَنْهَا لَا يُبَالِي صَلَّى أم لم يصل. قيل: لَا يَرْجُونَ لَهَا ثَوَابًا إِنْ صَلَّوْا وَلَا يَخَافُونَ عِقَابًا إِنْ تَرَكُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَافِلُونَ عَنْهَا يَتَهَاوَنُونَ بِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الَّذِي إِنْ صَلَّاهَا صَلَّاهَا رِيَاءً، وَإِنْ فَاتَتْهُ لَمْ يَنْدَمْ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُصَلُّونَهَا لِمَوَاقِيتِهَا وَلَا يُتِمُّونَ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا.
[٧] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الْمَاعُونَ: ٧] رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الزكاة. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الْمَاعُونُ الْفَأْسُ وَالدَّلْوُ وَالْقِدْرُ وَأَشْبَاهُ ذلك. وقال مُجَاهِدٌ: الْمَاعُونُ الْعَارِيَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَعْلَاهَا الزَّكَاةُ الْمَعْرُوفَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَةُ المتاع. وَقِيلَ: الْمَاعُونُ مَا لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ مِثْلُ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالنَّارِ.
[سورة الكوثر]
[قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . . .]
(١٠٨) سورة الكوثر [١] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ القرآن. قال عكرمة: النبوة والكتاب. وَالْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ أعطاه الله رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.
[٢] قَوْلُهُ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنْ أُنَاسًا كَانُوا يُصَلُّونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَيَنْحَرُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْحَرَ لِلَّهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ صَلَاةَ الْعِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَانْحَرْ نَسُكَكَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: فَصَلِّ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ بِجَمْعٍ، وَانْحَرَ الْبُدْنَ بِمِنًى.
[٣] قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ [الكوثر: ٣] عدوك ومبغضك، ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] هُوَ الْأَقَلُّ الْأَذَلُّ الْمُنْقَطِعُ دَابِرُهُ.
[سورة الكافرون]
[قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ] . . .
(١٠٩) سورة الكافرون [١ - ٢] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] فِي الْحَالِ.
[٣ - ٥] ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فِي الْحَالِ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] فِي الِاسْتِقْبَالِ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥] فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَهَذَا خِطَابٌ لِمَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لا يؤمنون، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ سَرَّكَ أَنْ نَدْخُلَ فِي دِينِكَ عَامًا فَادْخُلْ فِي دِينِنَا عَامًا، فَنَزَلَتْ هذه السورة.
[٦] ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون: ٦] في الشرك, ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] الإسلام.
[سورة النصر]
[قوله تعالى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . . .]
[١١٠] سورة النصر стр. 1028
[١] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَنْ عَادَاكَ وَهُمْ قُرَيْشٌ, وَالْفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ.
[٢] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] زُمَرًا وَأَرْسَالًا الْقَبِيلَةُ بِأَسْرِهَا وَالْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ قالت العرب بعضها البعض: إِذَا ظَفِرَ مُحَمَّدٌ بِأَهْلِ الْحَرَمِ, وَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَجَارَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ, فَلَيْسَ لَكُمْ بِهِ يَدَانِ, فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَدْخُلُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا, وَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
[٣] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فإنك حينئذ لاحق به, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. قَالَ الْحَسَنُ: أُعْلِمَ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَجْلُهُ فَأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّوْبَةِ لِيُخْتَمَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: عَاشَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السورة سبعين يوما.
[سورة المسد]
[قوله تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . . .]
[١١١] سورة المسد [١] ﴿تَبَّتْ﴾ [المسد: ١] أَيْ خَابَتْ وَخَسِرَتْ ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] أَيْ هُوَ, أَخْبَرَ عَنْ يَدَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْسُهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي التَّعْبِيرِ بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ. وَقِيلَ: الْيَدُ صِلَةٌ, كَمَا يُقَالُ: يَدُ الدَّهْرِ وَيَدُ الرزايا والبلايا. وقيل: المراد به مَالُهُ وَمُلْكُهُ, يُقَالُ: فَلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ, يَعْنُونَ بِهِ الْمَالَ والثياب والخسار وَالْهَلَاكُ. وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهُ عَبْدُ العزى وَتَبَّ أَبُو لَهَبٍ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَقَدْ تَبَّ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَوَّلُ دُعَاءٌ, وَالثَّانِي خَبَرٌ, كَمَا يُقَالُ: أَهْلَكَهُ اللَّهُ, وَقَدْ فَعَلَ.
[٢] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد: ٢] أَيْ مَا يُغْنِي, وَقِيلَ: أَيُّ شيء عَنْهُ مَالُهُ, أَيْ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ مَا جَمَعَ مِنَ الْمَالِ؟ وَكَانَ صَاحِبُ مَوَاشٍ ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] قِيلَ: يَعْنِي وَلَدَهُ لِأَنَّ وَلَدَ الْإِنْسَانِ مِنْ كَسْبِهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَطْيَبُ مَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مِنْ كَسْبِهِ, وَإِنَّ وَلَدَهُ من كسبه» (١) .
[٣] ثم وعده بِالنَّارِ فَقَالَ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أَيْ نَارًا تَلْتَهِبُ عَلَيْهِ.
[٤] ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد: ٤] أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أمية стр. 1029
أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] قال زَيْدٍ وَالضَّحَّاكُ: كَانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ وَالْعَضَاةَ فَتَطْرَحُهُ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَصْحَابِهُ لِتَعْقِرَهُمْ، وَهِيَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ. كَانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَتَنْقُلُ الْحَدِيثَ فَتُلْقِي الْعَدَاوَةَ بَيْنَ النَّاسِ، وَتُوقِدُ نَارَهَا كَمَا تُوقَدُ النار الحطب، يُقَالُ: فُلَانٌ يَحْطِبُ عَلَى فُلَانٍ إذا كان يغري به.
[٥] ﴿فِي جِيدِهَا﴾ [المسد: ٥] فِي عُنُقِهَا، وَجَمْعُهُ أَجْيَادٌ، ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: سِلْسِلَةٌ مِنْ حَدِيدٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا تَدْخُلُ فِي فِيهَا وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهَا، وَيَكُونُ سَائِرُهَا فِي عُنُقِهَا وَأَصْلُهُ من المسد وهو الفتل, والمسد مَا فُتِلَ وَأُحْكِمَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، يَعْنِي السِّلْسِلَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا فَفُتِلَتْ مِنَ الْحَدِيدِ فَتْلًا مُحْكَمًا. وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ: مِنْ مَسَدٍ أَيْ مِنْ حديد. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلٌ مِنْ شَجَرٍ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ مَسَدٌ، قَالَ قَتَادَةُ: قِلَادَةٌ مَنْ وَدَعٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتْ خَرَزَاتٌ في عنقها.
[سورة الإخلاص]
[قوله تَعَالَى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ . . .]
[١١٢] سورة الإخلاص [١] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ: ١] رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ الله - تعالى - هَذِهِ السُّورَةَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَيْ وَاحِدٌ، وَلَا فَرْقَ بين الواحد والأحد.
[٢] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ. وَقِيلَ تَفْسِيرُهُ مَا بَعْدَهُ. رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، لِأَنَّ مَنْ يُولَدُ سَيَمُوتُ وَمَنْ يَرِثُ يُورَثُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قد انتهى سؤدده. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ السُّؤْدُدِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا: هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَقِيلَ: هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الصَّمَدُ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الصَّمَدُ الذي ليس فوقه أحد. وَقَالَ الرَّبِيعُ: الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ الْآفَاتُ. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ.
[٣ - ٤] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] قرأ حمزة وإسماعيل (كُفُوًا) سَاكِنَةُ الْفَاءِ مَهْمُوزًا، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الْفَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْفَاءِ مَهْمُوزًا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَمَعْنَاهُ: الْمِثْلُ أَيْ هُوَ أَحَدٌ، وقيل: هو على التقديم والتأخير مجازه: لم يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ كُفُوًا أَيْ مِثْلًا. قَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَتِ اليهود: عزيز ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ وَنَفَى عن ذاته الولادة والمثل.
[سورة الفلق]
[قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ] . . .
(١١٣) سورة الْفَلَقِ [١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الْفَلَقِ: ١] أَرَادَ بِالْفَلَقِ الصُّبْحُ، وَهُوَ قول أكثر المفسرين، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سِجْنٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يعني الخلق، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
[٢ - ٣] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٢ - ٣] الْمُرَادُ بِهِ الْقَمَرُ إِذَا خَسَفَ وَاسْوَدَّ: وَقَبَ أَيْ دَخَلَ فِي الخسوف أو أخذ فِي الْغَيْبُوبَةِ وَأَظْلَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَاسِقُ اللَّيْلُ إِذَا أَقْبَلَ بِظُلْمَتِهِ مِنَ
стр. 1030
الْمَشْرِقِ وَدَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وأظلم، والغسق الظُّلْمَةُ، يُقَالُ غَسَقَ اللَّيْلُ وَأَغْسَقَ إِذَا أَظْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، يَعْنِي: اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ ودخل، والوقوب: الدُّخُولُ، وَهُوَ دُخُولُ اللَّيْلِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي ظُلْمَةَ اللَّيْلِ إِذَا دَخَلَ سَوَادُهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ. وَقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ غَاسِقًا لِأَنَّهُ أَبْرَدُ مِنَ النَّهَارِ، والغسق البرد.
[٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ حِينَ يَرْقَيْنَ عَلَيْهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُنَّ بَنَاتُ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ سَحَرْنَ النَّبِيَّ ﷺ .
[٥] ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] يَعْنِي الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْسُدُونَ النَّبِيُّ ﷺ .
[سورة الناس]
[قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس مَلِكِ النَّاسِ . . .]
(١١٤) سورة الناس [١- ٤] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٤] يَعْنِي الشَّيْطَانَ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمًا، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ ذَا الْوَسْوَاسِ، الْخَنَّاسِ الرَّجَّاعِ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ وَإِذَا غُفِلَ وسوس. قال: الْخَنَّاسُ لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الْكَلْبِ فِي صَدْرِ الْإِنْسَانِ فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ خَنَسَ. وَيُقَالُ: رَأْسُهُ كَرَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى ثَمَرَةِ الْقَلْبِ يُمَنِّيهِ وَيُحَدِّثُهُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ وَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ رَجَعَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ.
[٥] فَذَلِكَ ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [النَّاسِ: ٥] بِالْكَلَامِ الْخَفِيِّ الَّذِي يَصِلُ مَفْهُومُهُ إِلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ سماع.
[٦] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] يَعْنِي يَدْخُلُ فِي الْجِنِّيِّ كَمَا يدخل في الإنسي، ويوسوس الجني كما يوسوس الإنسي، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ، وَقَوْلُهُ: فِي صُدُورِ النَّاسِ أَرَادَ بِالنَّاسِ مَا ذَكَرَ مِنْ بَعْدُ وَهُوَ الْجِنَّةُ وَالنَّاسُ، فَسَمَّى الْجِنَّ نَاسًا كَمَا سَمَّاهُمْ رِجَالًا، فَقَالَ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] والحمد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا الله، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.