← Тафсир

Тафсир · id 31364

مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل

عبد الله الزيد

Полный текст (1 030 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

[٤٠, [٤١] ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ - عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤١] المشركين. [٤٢] ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ [المدثر: ٤٢] أدخلكم، ﴿فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] فَأَجَابُوا. [٤٣] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] لِلَّهِ. [٤٤-٤٧] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - وَكُنَّا نَخُوضُ﴾ [المدثر: ٤٤ - ٤٥] فِي الْبَاطِلِ، ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ - حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٥ - ٤٧] وَهُوَ الْمَوْتُ. [٤٨] قَالَ اللَّهُ : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ تَلَا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] إلى قوله: ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] قَالَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: الشَّفَاعَةُ نَافِعَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ دُونَ هَؤُلَاءِ الذين تسمعون. [٤٩] ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] عن مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ مُعْرِضِينَ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ صَارُوا مُعْرِضِينَ. [٥٠] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ [المدثر: ٥٠] جمع حمار، ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٠] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، فَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ فَمَعْنَاهَا مُنَفَّرَةٌ مَذْعُورَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاهَا نَافِرَةٌ، يُقَالُ: نَفَرَ وَاسْتَنْفَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا يُقَالُ عَجِبَ وَاسْتَعْجَبَ. [٥١] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: الْقَسْوَرَةُ جماعة الرُّمَاةُ لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَهِيَ رِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْقُنَّاصُ وَهِيَ رِوَايَةُ عطيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ زيد بن أسلم: من رِجَالٌ أَقْوِيَاءُ وَكُلُّ ضَخْمٍ شَدِيدٍ عِنْدَ الْعَرَبِ قَسْوَرٌ وَقَسْوَرَةٌ. وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ قَالَ: هِيَ لَغَطُ الْقَوْمِ وَأَصْوَاتُهُمْ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ حِبَالُ الصَّيَّادِينَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ الْأَسَدُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْكَلْبِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ الْحُمُرَ الْوَحْشِيَّةَ إِذَا عَايَنَتِ الْأَسَدَ هَرَبَتْ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ هَرَبُوا مِنْهُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وَيُقَالُ لِسَوَادِ أَوَّلِ اللَّيْلِ قَسْوَرَةٌ. [٥٢] ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لِيُصْبِحَ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا كِتَابٌ مَنْشُورٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّكَ لَرَسُولُهُ نُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّبَاعِكَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ بَلَغَنَا أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُصْبِحُ مَكْتُوبًا عِنْدَ رَأْسِهِ ذَنْبُهُ وَكَفَّارَتُهُ، فَأْتِنَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَالصُّحُفُ الْكُتُبُ وَهِيَ جُمَعُ الصَّحِيفَةِ ومنشرة منشورة. [٥٣] فقال الله - تعالى -: ﴿كَلَّا﴾ [المدثر: ٥٣] لَا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ. وَقِيلَ: حَقًّا وَكُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ مِنْهُ فَهَذَا وَجْهُهُ ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] أَيْ لَا يَخَافُونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَوْ خَافُوا النَّارَ لَمَا اقْتَرَحُوا هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْدَ قيام الأدلة. [٥٤] ﴿كَلَّا﴾ [المدثر: ٥٤] حقا ﴿إِنَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤] يعني القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: ٥٤] موعظة. [٥٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] اتعظ به. [٥٦] ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ [المدثر: ٥٦] قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: تَذْكُرُونَ بِالتَّاءِ وَالْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] قَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لَهُمُ الْهُدَى. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] أي أهل أن تتقى مَحَارِمُهُ وَأَهْلُ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنِ اتقاه. [سورة القيامة] [قوله تعالى لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . . .] (٧٥) سورة القيامة [١] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١] قَرَأَ الْقَوَّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (لَأُقْسِمُ) الْحَرْفُ الْأَوَّلُ بِلَا أَلِفٍ قَبْلَ الْهَمْزَةِ. [٢] ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] بِالْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَقْسَمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَقْسَمَ بِهِمَا جَمِيعًا وَ (لَا) صِلَةَ فِيهِمَا أَيْ أَقْسَمَ بِيَوْمِ

стр. 982

الْقِيَامَةِ وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: هُوَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ لَا وَاللَّهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: (لا) رد لكلام الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوامة ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٢] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَلَا تَصْبِرُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. قال قتادة: اللوامة: الفاجرة. قال مُجَاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ وتقول: لو فعلت ولم أَفْعَلْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا وهي تلوم نفسها، إن صانت عَمِلَتْ خَيْرًا قَالَتْ: هَلَّا ازْدَدْتُ، وإن عملت شرا قالت: لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ. قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ النَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ وَاللَّهِ مَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفْسَهُ: مَا أَرَدْتُ بِكَلَامِي ما أردت بكلامي. وإن الفاجر يمضي قدما، يحاسب نفسه ولا يعاتبها. قال مُقَاتِلٌ: هِيَ النَّفْسُ الْكَافِرَةُ تَلُومُ نَفْسَهَا فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا فَرَّطَتْ فِي أَمْرِ اللَّهِ فِي الدنيا. [٣] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ٣] يَعْنِي الْكَافِرَ ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالْبِلَى فَنُحْيِيهِ، قِيلَ: ذَكَرَ الْعِظَامَ، وَأَرَادَ نَفْسَهُ لِأَنَّ الْعِظَامَ قَالِبُ النَّفْسِ لَا يَسْتَوِي الْخَلْقُ إِلَّا بِاسْتِوَائِهَا. وَقِيلَ: هُوَ خَارِجٌ عَلَى قَوْلِ الْمُنْكِرِ أو يجمع اللَّهُ الْعِظَامَ كَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] [٤] ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: ٤] أي نقدر يُرِيدُ بَلْ قَادِرِينَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَا، مَجَازُ الْآيَةِ: بَلَى نَقْدِرُ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ وَعَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] أَنَامِلَهُ فَنَجْعَلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ شَيْئًا وَاحِدًا كَخُفِّ الْبَعِيرِ وَحَافِرِ الْحِمَارِ، فَلَا يَرْتَفِقُ بِهَا بِالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالْأَعْمَالِ اللَّطِيفَةِ، كَالْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ ظَنَّ الْكَافِرُ أَنَا لَا نَقْدِرُ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ بَلَى نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُعِيدَ السُّلَامَيَاتِ عَلَى صِغَرِهَا فَنُؤَلِّفُ بَيْنَهَا حَتَّى نُسَوِّيَ الْبَنَانَ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ صِغَارِ الْعِظَامِ فَهُوَ عَلَى جَمْعِ كِبَارِهَا أَقْدَرُ. [٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] يقول: لا جهل ابْنُ آدَمَ أَنَّ رَبَّهُ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ لَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ أَمَامَهُ أَيْ يَمْضِي قدما في مَعَاصِي اللَّهِ مَا عَاشَ رَاكِبًا رَأْسَهُ لَا يَنْزِعُ عَنْهَا وَلَا يَتُوبُ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ فَيَقُولُ: سَوْفَ أَتُوبُ سَوْفَ أَعْمَلُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ عَلَى شَرِّ أَحْوَالِهِ وَأَسْوَأِ أَعْمَالِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الْأَمَلُ يَقُولُ: أَعِيشُ فَأُصِيبُ مِنَ الدُّنْيَا كَذَا وَكَذَا وَلَا يَذْكُرُ الْمَوْتَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: يُكَذِّبُ بِمَا أَمَامَهُ مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. وَأَصْلُ الْفُجُورِ الْمَيْلُ وَسُمِّي الْفَاسِقُ وَالْكَافِرُ فَاجِرًا لِمَيْلِهِ عَنِ الْحَقِّ. [٦] ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [الْقِيَامَةِ: ٦] أَيْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ، تَكْذِيبًا بِهِ. [٧] قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: شَخَصَ الْبَصَرُ فَلَا يَطْرِفُ مِمَّا يَرَى مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي كَانَ يُكَذِّبُ بِهَا فِي الدُّنْيَا. قِيلَ: ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عِنْدَ رُؤْيَةِ جهنم تبرق أَبْصَارُ الْكُفَّارِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْخَلِيلُ: بَرِقَ بِالْكَسْرِ أَيْ فَزِعَ وَتَحَيَّرَ لما يرى من العجائب، وبرق بِالْفَتْحِ أَيْ شَقَّ عَيْنَهُ وَفَتَحَهَا مِنَ الْبَرِيقِ وَهُوَ التَّلَأْلُؤُ. [٨] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أَظْلَمَ وَذَهَبَ نُورُهُ وَضَوْءُهُ. [٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] صارا أَسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ. وَقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَهَابِ الضياء. وقال كعطاء بْنُ يَسَارٍ: يُجْمَعَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونَانِ نار الله الكبرى. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في النار. وقيل: يجمعان فيطلعان من المغرب. [١٠] ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ١٠] أَيِ الْكَافِرُ الْمُكَذِّبُ ﴿يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أَيْ الْمَهْرَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْفِرَارُ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ أَيْ أَيْنَ الْفِرَارُ. [١١] قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] لَا حِصْنَ

стр. 983

وَلَا حِرْزَ وَلَا مَلْجَأَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا جَبَلَ وَكَانُوا إِذَا فَزِعُوا لَجَئُوا إِلَى الْجَبَلِ فَتُحَصَّنُوا به. وقال - تَعَالَى -: لَا جَبَلَ يَوْمَئِذٍ يَمْنَعُهُمْ. [١٢] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أَيْ مُسْتَقَرُّ الْخَلْقِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الْمَصِيرُ وَالْمَرْجِعُ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -. ﴿إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [الْعَلَقِ: ٨] ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُنْتَهَى نَظِيرُهُ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النَّجْمِ: ٤٢] [١٣] ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: بما قدم قبل الموت مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ، وَمَا أَخَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُ بِهَا. وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَا قَدَّمَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَأَخَّرَ مِنَ الطَّاعَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَا قَدَّمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَأَخَّرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فَضَيَّعَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِأَوَّلِ عَمَلِهِ وَآخِرِهِ. وَقَالَ عطاء: قَدَّمَ فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ وَمَا أَخَّرَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ بِمَا قَدَّمَ مِنْ أَمْوَالِهِ لِنَفْسِهِ وَمَا أَخَّرَ خَلْفَهُ لِلْوَرَثَةِ. [١٤] ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ رُقَبَاءُ يَرْقُبُونَهُ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وَهِيَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَجَوَارِحُهُ، وَدَخَلَ الْهَاءُ فِي الْبَصِيرَةِ لِأَنَّ المراد بالإنسان هنا جَوَارِحُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، يَعْنِي لِجَوَارِحِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٣] أَيْ لِأَوْلَادِكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِاسْمٍ مُؤَنَّثٍ، أَيْ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ شَاهَدٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْهَاءُ فِي بَصِيرَةٍ لِلْمُبَالِغَةِ، دَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٤] [١٥] ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] يَعْنِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ وَلَوِ اعْتَذَرَ وَجَادَلَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ ينفعه، كما قال ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غَافِرٍ: ٥٢] وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلَوِ اعْتَذَرَ فَعَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ يُكَذِّبُ عُذْرَهُ، وَمَعْنَى الْإِلْقَاءِ: الْقَوْلُ كَمَا قَالَ: ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٦] وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] يَعْنِي وَلَوْ أَرْخَى السُّتُورَ وَأَغْلَقَ الْأَبْوَابَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ السِّتْرَ مِعْذَارًا وَجَمْعُهُ مَعَاذِيرُ، وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: وَإِنْ أَسْبَلَ السِّتْرَ ليخفي ما كان يَعْمَلُ فَإِنَّ نَفْسَهُ شَاهِدَةٌ عَلَيْهِ. [١٦] وقوله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذ نزل جبريل بالوحي كان يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفَ مِنْهُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية (١)

стр. 984

[١٧] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ. [١٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ. [١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] علينا أن نبينه بلسانك، «وكان إذا أتاه جبريل أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وعده اللَّهِ .» [قَوْلُهُ تَعَالَى كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ] . . . [٢٠ - ٢١] ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ - وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١] أَيْ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْعُقْبَى وَيَعْمَلُونَ لَهَا يَعْنِي كَفَّارَ مَكَّةَ. [٢٢ - ٢٣] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [القيامة: ٢٢] يوم القيامة ﴿نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَسَنَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَسْرُورَةٌ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَاعِمَةٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِيضٌ يَعْلُوهَا النُّورُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُضِيئَةٌ. وَقَالَ يَمَانٌ: مُسْفِرَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُشْرِقَةٌ بِالنَّعِيمِ. يُقَالُ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ يُنَضِّرُ نَضْرًا، وَنَضَّرَهُ اللَّهُ، وَأَنْضَرَهُ، وَنَضُرَ وَجْهُهُ، يَنْضُرُ، نَضْرَةً، وَنَضَارَةً. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ٢٤] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ النَّاسِ: تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا عَيَانًا بِلَا حِجَابٍ. قَالَ الْحَسَنُ: تَنْظُرُ إِلَى الْخَالِقِ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَنْضُرَ وهي تنظر إلى الخالق. [٢٤] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] عَابِسَةٌ كَالِحَةٌ مُغْبَرَّةٌ مُسَوَّدَةٌ. [٢٥] ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] تَسْتَيْقِنُ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا عَظِيمَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْفَاقِرَةُ: الدَّاهِيَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْأَمْرُ الشَّدِيدُ يَكْسِرُ فَقَارَ الظَّهْرِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَاصِمَةُ الظَّهْرِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ دُخُولُ النَّارِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ أن يحتجب عَنْ رُؤْيَةِ الرَّبِّ . [٢٦] ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ﴾ [القيامة: ٢٦] يَعْنِي النَّفْسَ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مذكور، ﴿التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] فحشرج بها عند الموت، والتراقي جَمْعُ التَّرْقُوَةِ، وَهِيَ الْعِظَامُ بَيْنَ ثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ وَيُكَنَّى بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّرَاقِيَ عَنِ الْإِشْرَافِ عَلَى الموت. [٢٧] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] أَيْ قَالَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: هَلْ مِنْ طَبِيبٍ يَرْقِيهِ وَيُدَاوِيهِ فَيَشْفِيَهُ بَرُقْيَتِهِ أَوْ دَوَائِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْتَمَسُوا لَهُ الْأَطِبَّاءَ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا. وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ يَرْقَى بِرُوحِهِ فَتَصْعَدُ بِهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ أَوْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. [٢٨] ﴿وَظَنَّ﴾ [القيامة: ٢٨] أيقن الذين بَلَغَتْ رُوحُهُ التَّرَاقِيَ، ﴿أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: ٢٨] مِنَ الدُّنْيَا. [٢٩] ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] قال قتادة: الشدة بالشدة. قال عَطَاءٌ: شِدَّةُ الْمَوْتِ بِشِدَّةِ الْآخِرَةِ. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الشدائد. قال السُّدِّيُّ: لَا يَخْرُجُ مِنْ كَرْبٍ إِلَّا جَاءَهُ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمْرُ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ فَكَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيْامِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ يُجَهِّزُونَ جَسَدَهُ وَالْمَلَائِكَةُ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمَا سَاقَاهُ إذا التفا فِي الْكَفَنِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُمَا ساقاه إذا التفا عِنْدَ الْمَوْتِ. [٣٠] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أي مرجع العباد إِلَى اللَّهِ يُسَاقُونَ إِلَيْهِ. [٣١] ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ لَمْ يُصَدِّقْ بِالْقُرْآنِ وَلَا صَلَّى لِلَّهِ. [٣٢] ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣٢] عَنِ الْإِيمَانِ. [٣٣] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [القيامة: ٣٣] رجع إليهم، ﴿يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: ٣٣] يتبختر ويختال في مشيه، قيل: أَصْلُهُ يَتَمَطَّطُ أَيْ يَتَمَدَّدُ، وَالْمَطُّ هُوَ الْمَدُّ. [٣٤ - ٣٥] ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى - ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٣٥] هَذَا وَعِيدٌ عَلَى وَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ لِأَبِي جَهْلٍ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ أَجْدَرُ بِهَذَا الْعَذَابِ وَأَحَقُّ وَأَوْلَى به، تقال للرجل حيث يُصِيبُهُ مَكْرُوهٌ

стр. 985

يَسْتَوْجِبُهُ. وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِمَنْ قَارَبَهُ الْمَكْرُوهُ. وَأَصْلُهَا من الولي وَهُوَ الْقُرْبُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] [٣٦] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] هَمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى، قال السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ الْمُهْمَلُ وَإِبِلٌ سُدًى إِذَا كَانَتْ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ بِلَا رَاعٍ. [٣٧] ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] تُصَبُّ فِي الرَّحِمِ، قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: (يُمَنَّى) بِالْيَاءِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالتَّاءِ لِأَجْلِ النُّطْفَةِ. [٣٨] ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة: ٣٨] فجعل فيه الروح وسوف خَلْقَهُ. [٣٩] ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] وخلق مِنْ مَائِهِ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. [٤٠] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ [القيامة: ٤٠] الَّذِي فَعَلَ هَذَا، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] [سورة الإنسان] [قوله تعالى هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ] يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا. . . (٧٦) سورة الإنسان [١] ﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] قد أتى، ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الْإِنْسَانَ: ١] يَعْنِي آدَمَ ﵇، ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لَا يُذْكَرُ وَلَا يُعْرَفُ وَلَا يُدْرَى مَا اسْمُهُ وَلَا مَا يُرَادُ بِهِ، يُرِيدُ: كَانَ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أن نفخ فيه الروح. [٢] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الْإِنْسَانَ: ٢] يَعْنِي وَلَدَ آدَمَ، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢] يَعْنِي مَنِيِّ الرَّجُلِ وَمَنِيِّ الْمَرْأَةِ. ﴿أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أَخْلَاطٍ وَاحِدُهَا مَشْجٌ ومَشِيجٌ، مِثْلُ خِدْنٍ وَخَدِينٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: يَعْنِي مَاءَ الرَّجُلِ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ يَخْتَلِطَانِ فِي الرحم فيكون منهما الولد، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِالْأَمْشَاجِ اخْتِلَافُ أَلْوَانِ النُّطْفَةِ فَنُطْفَةُ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ وحمراء وَنُطْفَةُ الْمَرْأَةِ خَضْرَاءُ وَحَمْرَاءُ وَصَفْرَاءُ، وَقَالَ يَمَانٌ: كُلُّ لَوْنَيْنِ اخْتَلَطَا فهو أمشاج، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ أَطْوَارُ الْخَلْقِ: نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يَكْسُوهُ لَحْمًا ثُمَّ يُنْشِئُهُ خَلْقًا آخَرَ. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] نَخْتَبِرُهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] قال بعض أهل العربية: وفيه تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، مَجَازُهُ: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ، لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ. [٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] أَيْ بَيَّنَّا لَهُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ، وَعَرَّفْنَاهُ طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] إِمَّا مُؤْمِنًا سَعِيدًا وَإِمَّا كَافِرًا شَقِيًّا. وَقِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الْجَزَاءُ يَعْنِي بَيَّنَّا لَهُ الطَّرِيقَ إِنْ شَكَرَ أَوْ كَفَرَ. [٤] ثُمَّ بَيَّنَ مَا لِلْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ [الإنسان: ٤] يعني في جهنم، ﴿وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤] يعني في أيديهم تغل في أعناقهم، ﴿وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤] وقودا شديدا.

стр. 986

[٥] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ [الإنسان: ٥] يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمُ المطيعين لربهم، ﴿يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥] في الآخرة، ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] فيه شراب ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] قَالَ قَتَادَةُ: يُمْزَجُ لَهُمْ بِالْكَافُورِ وَيُخْتَمُ بِالْمِسْكِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مِزَاجُهَا طَعْمُهَا، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ كَالْكَافُورِ فِي بَيَاضِهِ وَطِيبِ رِيحِهِ وَبَرْدِهِ، لِأَنَّ الْكَافُورَ لَا يُشْرَبُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الْكَهْفِ: ٩٦] أَيْ كَنَارٍ، وَهَذَا معنى قول مجاهد ومقاتل وَمُجَاهِدٍ: يُمَازِجُهُ رِيحُ الْكَافُورِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: طُيِّبَتْ بِالْكَافُورِ وَالْمِسْكِ والزنجبيل. قال عَطَاءٌ وَالْكَلْبِيُّ: الْكَافُورُ اسْمٌ لِعَيْنِ ماء في الجنة. [قوله تَعَالَى عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا] تَفْجِيرًا. . . [٦] ﴿عَيْنًا﴾ [الإنسان: ٦] نصب تبعا للكافور وقيل: نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ. وَقِيلَ: أَعْنِي عَيْنًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَجْوَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِنْ عَيْنٍ، ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: ٦] قِيلَ: يَشْرَبُهَا وَالْبَاءُ صِلَةٌ. وَقِيلَ: بِهَا أَيْ مِنْهَا، ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] أَيْ يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَقُصُورِهِمْ، كَمَنْ يَكُونُ لَهُ نهر يفجره ههنا إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ. [٧] ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] هَذَا مِنْ صِفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا: أَيْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ يُوفُونَ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ والزكاة والصوم والحج والعمرة، وغيره مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَمَعْنَى النَّذْرِ الْإِيجَابُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: إِذَا نَذَرُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَفَّوْا بِهِ، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فَاشِيًا مُمْتَدًّا، يُقَالُ: اسْتَطَارَ الصُّبْحُ إِذَا امْتَدَّ وَانْتَشَرَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كان شره فاشيا في السموات، فَانْشَقَّتْ وَتَنَاثَرَتِ الْكَوَاكِبُ، وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَفَزِعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَفِي الْأَرْضِ: فَنُسِفَتِ الْجِبَالُ وَغَارَتِ الْمِيَاهُ وَتَكَسَّرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ جَبَلٍ وَبِنَاءٍ. [٨] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] أَيْ عَلَى حُبِّ الطَّعَامِ وَقِلَّتِهِ وَشَهْوَتِهِمْ لَهُ وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَقِيلَ على حب الله، ﴿مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ، ﴿وَيَتِيمًا﴾ [الإنسان: ٨] صَغِيرًا لَا أَبَ لَهُ ﴿وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: هُوَ الْمَسْجُونُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْأُسَرَاءِ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَإِنَّ أَسْرَاهُمْ يَوْمَئِذٍ لَأَهْلُ الشِّرْكِ. وَقِيلَ: الأسير المملوك. وقيل المرأة، يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ «اتَّقَوْا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ» (١) أَيْ أُسَرَاءُ. [٩] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] وَالشُّكُورُ مَصْدَرٌ كَالْعُقُودِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ. [١٠] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] تَعْبَسُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنْ هَوْلِهِ وشدته، ونسب الْعَبُوسُ إِلَى الْيَوْمِ، كَمَا يُقَالُ: يوم صائم وليل نائم. وَقِيلَ: وُصِفَ الْيَوْمُ بِالْعَبُوسِ لِمَا فيه من الشدة، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: الْقَمْطَرِيرُ الَّذِي يَقْبِضُ الْوُجُوهَ وَالْجِبَاهَ بِالتَّعْبِيسِ. وقال الْكَلْبِيُّ: الْعَبُوسُ الَّذِي لَا انْبِسَاطَ فيه، والقمطرير: الشَّدِيدُ، قَالَ الْأَخْفَشُ: الْقَمْطَرِيرُ: أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَيَّامِ وَأَطْوَلُهُ فِي الْبَلَاءِ، يُقَالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَقُمَاطِرٌ إِذَا كَانَ شَدِيدًا كَرِيهًا. [١١] ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] الذي، يخافون، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ [الإنسان: ١١] حسنا في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] فِي قُلُوبِهِمْ. [١٢] ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عَلَى الْفَقْرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَى الْجُوعِ ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] قال

стр. 987

الْحَسَنُ: أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَأَلْبَسَهُمُ الحرير. [١٣] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [الإنسان: ١٣] نصب على الحال، ﴿فِيهَا﴾ [الإنسان: ١٣] في الجنة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ، وَلَا تَكُونُ أَرِيكَةً إِلَّا إِذَا اجْتَمَعَا، ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] أَيْ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي شَمْسًا يُؤْذِيهِمْ حَرُّهَا وَلَا زَمْهَرِيرًا يُؤْذِيهِمْ بِرْدُهُ، لِأَنَّهُمَا يُؤْذِيَانِ فِي الدُّنْيَا. وَالزَّمْهَرِيرُ: الْبَرْدُ الشديد. [١٤] ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] أَيْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ ظِلَالُ أَشْجَارِهَا، وَنُصِبَ (دَانِيَةً) بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: (مُتَّكِئِينَ) ، وَقِيلَ: عَلَى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] وَيَرَوْنَ (دَانِيَةً) ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَدْحِ. ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ [الإنسان: ١٤] سخرت وقربت، ﴿قُطُوفُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] ثمارها ﴿تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَمُضْطَجِعِينَ، وَيَتَنَاوَلُونَهَا كَيْفَ شَاءُوا عَلَى أي حال كانوا. [١٥ - ١٦] ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا - قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَرَادَ بَيَاضَ الْفِضَّةِ فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ، فَهِيَ مِنْ فِضَّةٍ فِي صَفَاءِ الزُّجَاجِ، يَرَى مَا فِي دَاخِلِهَا مِنْ خَارِجِهَا، ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] الْكَأْسَ عَلَى قَدْرِ رِيِّهِمْ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، أَيْ قَدَّرَهَا لَهُمُ السُّقَاةُ وَالْخَدَمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ يُقَدِّرُونَهَا ثُمَّ يُسْقَوْنَ. [١٧] ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧] يُشَوِّقُ وَيُطْرِبُ، وَالزَّنْجَبِيلُ: مِمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَطِيبُهُ جِدًّا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُمْ يُسْقَوْنَ فِي الْجَنَّةِ الْكَأْسَ الْمَمْزُوجَةَ بِزَنْجَبِيلِ الْجَنَّةِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا يُشْبِهُ زَنْجَبِيلَ الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا ذكره اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ وَسَمَّاهُ لَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِثْلٌ. وَقِيلَ: هُوَ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْهَا طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ. قَالَ قَتَادَةُ: يَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وَيُمْزَجُ لِسَائِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [١٨] ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٨] قَالَ قَتَادَةُ: سَلِسَةٌ مُنْقَادَةٌ لَهُمْ يصرفونها حيث شاءوا، قال مجاهد: حديدة الجرية. قال أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: سُمِّيَتْ سَلْسَبِيلًا لِأَنَّهَا تَسِيلُ عَلَيْهِمْ فِي الطُّرُقِ وَفِي مَنَازِلِهِمْ، تَنْبُعُ مِنْ أَصْلِ الْعَرْشِ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ إِلَى أَهْلِ الْجِنَانِ، وَشَرَابُ الْجَنَّةِ عَلَى بَرْدِ الْكَافُورِ وَطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ وَرِيحِ الْمِسْكِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: سُمِّيَتْ سَلْسَبِيلًا لِأَنَّهَا فِي غَايَةِ السَّلَاسَةِ تَتَسَلْسَلُ فِي الْحَلْقِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (تُسَمَّى) أَيْ تُوصَفُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سَلْسَبِيلًا صِفَةٌ لَا اسْمٌ. [١٩] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ فِي بَيَاضِ اللُّؤْلُؤِ وَحُسْنِهِ، وَاللُّؤْلُؤُ إِذَا نُثِرَ مِنَ الْخَيْطِ عَلَى الْبِسَاطِ، كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ مَنْظُومًا. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّمَا شُبِّهُوا بِالْمَنْثُورِ لِانْتِثَارِهِمْ فِي الْخِدْمَةِ، فَلَوْ كَانُوا صَفًّا لَشُبِّهُوا بِالْمَنْظُومِ. [٢٠] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنسان: ٢٠] أَيْ إِذَا رَأَيْتَ بِبَصَرِكَ

стр. 988

وَنَظَرْتَ بِهِ ثَمَّ يَعْنِي فِي الجنة، ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ [الإنسان: ٢٠] لا يوصف، ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] وَهُوَ أَنَّ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَنْظُرُ إِلَى مُلْكِهِ فِي مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أدناه. قال مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنَّ رَسُولَ رَبِّ الْعِزَّةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقِيلَ: مُلْكًا لَا زَوَالَ لَهُ. [٢١] ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَحَمْزَةُ (عَالِيهِمْ) سَاكِنَةَ الْيَاءِ مَكْسُورَةَ الْهَاءِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ ثِيَابُ سُنْدُسٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الصِّفَةِ، أَيْ فَوْقَهُمْ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ، ثِيَابُ سُنْدُسٍ ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] قِيلَ: طَاهِرًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَقْذَاءِ لَمْ تُدَنِّسْهُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ كَخَمْرِ الدُّنْيَا. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَإِبْرَاهِيمُ: إِنَّهُ لَا يَصِيرُ بَوْلًا نَجِسًا وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ رَشْحًا فِي أَبْدَانِهِمْ، كَرِيحِ الْمِسْكِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بالطعام فيأكلون، فَإِذَا كَانَ آخِرُ ذَلِكَ أُتُوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بُطُونَهُمْ وَيَصِيرُ مَا أَكَلُوا رَشْحًا يخرج من جلودهم أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَتَضْمُرُ بُطُونُهُمْ وَتَعُودُ شَهْوَتُهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ عَيْنُ مَاءٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا نَزَعَ اللَّهُ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ غِلٍّ وَغِشٍّ وَحَسَدٍ. [٢٢] ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] أَيْ مَا وُصِفَ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ كَانَ لَكُمْ جَزَاءً بِأَعْمَالِكُمْ، وَكَانَ سَعْيُكُمْ عَمَلُكُمْ فِي الدُّنْيَا بِطَاعَةِ اللَّهِ مَشْكُورًا، قَالَ عَطَاءٌ: شكرتكم عليه وأثبتكم أَفْضَلَ الثَّوَابِ. [٢٣] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَفَرِّقًا آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، وَلَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً وَاحِدَةً. [٢٤] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٤] يَعْنِي مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] يعني وكفورا، والألف صلة. [قوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا] . . . [٢٥ - ٢٦] قوله : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦] يَعْنِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] يَعْنِي التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ. [٢٧] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ [الإنسان: ٢٧] يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧] أَيِ الدَّارَ الْعَاجِلَةَ وَهِيَ الدُّنْيَا. ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٧] يعني أمامهم، ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] شَدِيدًا وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. أَيْ يتركون فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَلَا يَعْمَلُونَ له. [٢٨] ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا﴾ [الإنسان: ٢٨] قوينا وأحكمنا، ﴿أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: أَسْرَهُمْ أَيْ خَلْقَهُمْ، يُقَالُ رَجُلٌ حَسَنُ الْأَسْرِ أَيِ الْخَلْقِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يعني أوصالهم شددنا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ بِالْعُرُوقِ وَالْعَصَبِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ الأسر قال: الفرج يَعْنِي مَوْضِعَ مَصْرَفَيِ الْبَوْلِ

стр. 989

والغائط إذا خرج الأذى انقبضا. ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] أَيْ إِذَا شِئْنَا أَهْلَكْنَاهُمْ وَأَتَيْنَا بِأَشْبَاهِهِمْ فَجَعَلْنَاهُمْ بَدَلًا مِنْهُمْ. [٢٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ [الإنسان: ٢٩] يعني هذه السورة، ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [الإنسان: ٢٩] تَذْكِيرٌ وَعِظَةٌ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩] وسيلة للطاعة. ٣٠، [٣١] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] أَيْ لَسْتُمْ تَشَاءُونَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا - يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ [الإنسان: ٣٠ - ٣١] أَيِ الْمُشْرِكِينَ. ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] [سورة المرسلات] [قوله تعالى وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا . .] . (٧٧) سورة المرسلات [١] ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] يَعْنِي الرِّيَاحَ أُرْسِلَتْ مُتَتَابِعَةً كَعُرْفِ الْفَرَسِ. وَقِيلَ: عُرْفًا أَيْ كَثِيرًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: النَّاسُ إِلَى فُلَانٍ عُرْفٌ وَاحِدٌ، إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَأَكْثَرُوا، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وقتادة، قال مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مسعود. [٢] ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢] يَعْنِي الرِّيَاحَ الشَّدِيدَةَ الْهُبُوبِ. [٣] ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣] يَعْنِي الرِّيَاحَ اللَّيِّنَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هي الرِّيَاحَ اللَّيِّنَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الرِّيَاحُ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. وَقِيلَ: هِيَ الرِّيَاحُ الَّتِي تَنْشُرُ السَّحَابَ وَتَأْتِي بِالْمَطَرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ ينشرون الكتب. [٤] ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: ٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ تَأْتِي بِمَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: هِيَ آيُ الْقُرْآنِ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هِيَ الرِّيَاحُ تُفَرِّقُ السحاب وتبدده. [٥] ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ تُلْقِي الذِّكْرَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، نَظِيرُهَا: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غَافِرٍ: ١٥] [٦] ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] أي للإعذار والإنذار. [٧] ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧] مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ وَالْبَعْثِ، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧] لَكَائِنٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَتَى يَقَعُ. [٨] فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] مُحِيَ نُورُهَا. [٩] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] شقت. [١٠] فقال: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] قُلِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا. [١١] ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] جُمِعَتْ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لِيَشْهَدُوا عَلَى الْأُمَمِ. [١٢] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] أَيْ أُخِّرَتْ، وَضَرَبَ الْأَجَلَ لِجَمْعِهِمْ فَعَجِبَ الْعِبَادُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [١٣] ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بَيْنَ الْخَلَائِقِ. [١٤- ١٦] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ - وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٤ - ١٦] يَعْنِي الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ بِالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا حِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ. [١٧] ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] السَّالِكِينَ سَبِيلَهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ، يَعْنِي كَفَّارَ مَكَّةَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ . [قَوْلُهُ تَعَالَى أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ] فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. . . [١٨- ٢٠] ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ١٩ - ٢٠] يَعْنِي النُّطْفَةَ. [٢١] ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] يَعْنِي الرَّحِمَ. [٢٢] ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] وهو وقت الولادة. [٢٣] ﴿فَقَدَرْنَا﴾ [المرسلات: ٢٣] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيُّ (فَقَدَّرْنَا) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْقُدْرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ: (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) أَيِ الْمُقَدِّرُونَ. ٢٤, [٢٥] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٤ - ٢٥] وِعَاءً، وَمَعْنَى الْكَفْتِ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ: كَفَتَ الشَّيْءَ إِذَا ضَمَّهُ وَجَمَعَهُ. وَقَالَ الفَرَّاءُ:

стр. 990

يُرِيدُ تَكْفِتُهُمْ أَحْيَاءً عَلَى ظَهْرِهَا فِي دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَتَكْفِتُهُمْ أَمْوَاتًا في بطنها، أي تحوزهم. ٢٦, [٢٧] وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا - وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [المرسلات: ٢٦ - ٢٧] جبالا. ﴿شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] عاليات، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] عذبا. [٢٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: وَهَذَا كُلُّهُ أَعْجَبُ من البعث الذي تكذبون به، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: [٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] فِي الدُّنْيَا. [٣٠] ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] يَعْنِي دُخَانَ جَهَنَّمَ إِذَا ارْتَفَعَ انْشَعَبَ وَافْتَرَقَ ثَلَاثَ فِرَقٍ. وَقِيلَ: يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَتَشَعَّبُ ثلاث: نور ودخان ولهب، فأما النُّورُ فَيَقِفُ عَلَى رُءُوسِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالدُّخَانُ يَقِفُ عَلَى رُءُوسِ الْمُنَافِقِينَ، وَاللَّهَبُ الصَّافِي يَقِفُ عَلَى رُءُوسِ الْكَافِرِينَ. [٣١] ثُمَّ وَصَفَ ذَلِكَ الظِّلَّ فقال: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ [المرسلات: ٣١] يُظِلُّ مِنَ الْحَرِّ ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَرُدُّ لَهَبَ جَهَنَّمَ عَنْكُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَظَلُّوا بِذَلِكَ الظِّلِّ لَمْ يَدْفَعْ عنهم حر اللهب. [٣٢] ﴿إِنَّهَا﴾ [المرسلات: ٣٢] يعني جهنم، ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ [المرسلات: ٣٢] وَهُوَ مَا تَطَايَرَ مِنَ النَّارِ، واحدها شررة. ﴿كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] وَهُوَ الْبِنَاءُ الْعَظِيمُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي الْحُصُونَ. وَقَالَ عَبْدُ الرحمن بن عباس عن قوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) قَالَ: هي الخشب العظام المقطعة. [٣٣] ﴿كَأَنَّهُ﴾ [المرسلات: ٣٣] رد الكناية إلى اللفظ، ﴿جِمَالَتٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (جِمَالَةٌ) عَلَى جَمْعِ الْجَمَلِ مِثْلُ حَجَرٍ وَحِجَارَةٍ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِضَمِّ الْجِيمِ بِلَا أَلِفٍ، أَرَادَ الْأَشْيَاءَ الْعِظَامَ الْمَجْمُوعَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (جِمَالَاتٌ) بِالْأَلِفِ وَكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى جَمْعِ الْجِمَالِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ حِبَالُ السُّفُنِ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إِلَى بعض، حتى يكون كأوساط الرجال، ﴿صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] جَمْعُ الْأَصْفَرِ، يَعْنِي لَوْنَ النَّارِ، وَقِيلَ: الصُّفْرُ مَعْنَاهُ السُّودُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ شَرَرَ نَارِ جَهَنَّمَ أَسْوَدُ كَالْقِيرِ» ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّى سُودَ الْإِبِلِ صُفْرًا لِأَنَّهُ يَشُوبُ سَوَادَهَا شَيْءٌ مِنْ صُفْرَةٍ كَمَا يُقَالُ لِبَيْضِ الظِّبَاءِ: أُدْمٌ، لِأَنَّ بَيَاضَهَا يَعْلُوهُ كُدْرَةٌ. ٣٤, [٣٥] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٤ - ٣٥] أي في القيامة لأن فيها مَوَاقِفُ، فَفِي بَعْضِهَا يَخْتَصِمُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ، وَفِي بَعْضِهَا يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَلَا يَنْطِقُونَ. [٣٦] ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قَالَ الْجُنَيْدُ: أَيْ لَا عُذْرَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ مُنْعِمِهِ وَكَفَرَ بِأَيَادِيهِ وَنِعَمِهِ. ٣٧, [٣٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ٣٧ - ٣٨] بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] يَعْنِي مُكَذِّبِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْأَوَّلِينَ الذين كانوا أَنْبِيَاءَهُمْ.

стр. 991

[٣٩] ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنْ كَانَتْ لَكُمْ حيلة فاحتلوا لِأَنْفُسِكُمْ. ٤٠, [٤١] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ﴾ [المرسلات: ٤٠ - ٤١] جَمْعُ ظِلٍّ أَيْ فِي ظِلَالِ الشجر, ﴿وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] الماء. [٤٢] ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] [٤٣] وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] فِي الدُّنْيَا بِطَاعَتِي. ٤٤, [٤٥] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤ - ٤٥] [٤٦] ثُمَّ قَالَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات: ٤٦] في الدنيا، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُسْتَحِقُّونَ للعذاب. ٤٧, [٤٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [المرسلات: ٤٧ - ٤٨] يعني صلوا، ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] لَا يُصَلُّونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا-: إِنَّمَا يُقَالُ لَهُمْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ. ٤٩, [٥٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ [المرسلات: ٤٩ - ٥٠] أي بعد القرآن, ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. [سُورَةُ النبأ] [قوله تعالى عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأ الْعَظِيمِ . . .] (٧٨) سورة النبأ [١] ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] أي عن أي شيء يتساءل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَخْبَرَهُمْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ, وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُونَ: مَاذَا حاء بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . [٢] ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ تَسَاؤُلَهُمْ عَمَّاذَا فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢] قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ الْقُرْآنُ، ودليله قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْبَعْثُ. [٣ - ٤] ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ٣] فمصدق ومكذب, ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤] كلا نفي يقول: هم سَيَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ تَكْذِيبِهِمْ حِينَ تَنْكَشِفُ الأمور. [٥] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٥] وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى إِثْرِ وَعِيدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ صَنَائِعَهُ لِيَعْلَمُوا تَوْحِيدَهُ. [٦] فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] فراشا. [٧] ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧] للأرض حتى تميد. [٨] ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨] أَصْنَافًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا. [٩] ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] أي راحة لأبدانكم. [١٠] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] غِطَاءً وَغِشَاءً يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ بظلمته. [١١] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] الْمَعَاشُ: الْعَيْشُ وَكُلُّ مَا يُعَاشُ فِيهِ فَهُوَ مَعَاشٌ، أَيْ جَعَلْنَا منها سَبَبًا لِلْمَعَاشِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ. [١٢] ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] يريد سبع سموات.

стр. 992

[١٣] ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾ [النبأ: ١٣] يعني الشمس، ﴿وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] مضيئا منيرا. [١٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] يَعْنِي الرِّيَاحَ الَّتِي تَعْصِرُ السَّحَابَ، وقال أبو العالية: المعصرات هي السحاب، ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] أي صبابا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُتَتَابِعًا يَتْلُو بَعْضُهُ بعضا. [١٥] ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ [النبأ: ١٥] أي بذلك الماء، ﴿حَبًّا﴾ [النبأ: ١٥] وَهُوَ مَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، ﴿وَنَبَاتًا﴾ [النبأ: ١٥] مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الأنعام. [١٦] ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٦] ملتفة بالشجر. [١٧] ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [النبأ: ١٧] يَوْمَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ، ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧] لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. [١٨] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨] زُمَرًا زُمَرًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ للحساب. [١٩] ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ [النبأ: ١٩] أَيْ شُقَّتْ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] أَيْ ذَاتَ أَبْوَابٍ. وَقِيلَ: تَنْحَلُّ وتتناثر حتى تصير فيها أبوابا وطرقا. [٢٠] ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠] عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠] أَيْ هَبَاءً مُنْبَثًّا لِعَيْنِ النَّاظِرِ كَالسَّرَابِ. [٢١] : ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١] طَرِيقًا وَمَمَرًّا فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى يَقْطَعَ النَّارَ. وَقِيلَ: كَانَتْ مِرْصَادًا أَيْ مُعَدَّةً لهم، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ رَصَدْتُ الشَّيْءَ أرصده إذا ترقبته، والمرصاد فِيهِ الْعَدُوَّ. وَقَوْلُهُ: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) ، أَيْ تَرْصُدُ الْكُفَّارَ. [٢٢] ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ [النبأ: ٢٢] للكافرين، ﴿مَآبًا﴾ [النبأ: ٢٢] مرجعا يرجعون إليه. [٢٣] ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] جَمْعُ حِقْبٍ، وَالْحِقْبُ الْوَاحِدُ: ثَمَانُونَ سَنَةً، كُلُّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَهْلِ النَّارِ مُدَّةً، بَلْ قَالَ: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا إِذَا مَضَى حِقَبٌ دَخْلَ آخَرُ ثُمَّ آخَرُ إِلَى الْأَبَدِ، فَلَيْسَ لِلْأَحْقَابِ عِدَّةٌ إِلَّا الخلود. [٢٤] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] قال الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بردا أي روحا وراحة. قال مُقَاتِلٌ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا يَنْفَعُهُمْ مِنْ حَرٍّ وَلَا شَرَابًا يَنْفَعُهُمْ مِنْ عَطَشٍ. [٢٥] ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] الْغَسَّاقُ: الزَّمْهَرِيرُ يَحْرِقُهُمْ بِبَرْدِهِ. وَقِيلَ: صديد أهل النار. [٢٦] ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. [٢٧] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧] لَا يَخَافُونَ أَنْ يُحَاسَبُوا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ ولا بأنهم يحاسبون. [٢٨] ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النبأ: ٢٨] أي بما جاء به الأنبياء، ﴿كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] يعني تكذيبا. [٢٩] ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩] أَيْ وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ بيناه في اللوح المحفوظ. [٣٠] ﴿فَذُوقُوا﴾ [النبأ: ٣٠] أَيْ يُقَالُ لَهُمْ فَذُوقُوا، ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] [قوله تعالى إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا] . . . [٣١] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: ٣١] فوز وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: متنزها. [٣٢] ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: ٣٢] يُرِيدُ أَشْجَارَ الْجَنَّةِ وَثِمَارَهَا. [٣٣] ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ [النبأ: ٣٣] جَوَارِيَ نَوَاهِدَ قَدْ تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ، واحدتها كاعب، ﴿أَتْرَابًا﴾ [النبأ: ٣٣] مُسْتَوِيَاتٍ فِي السِّنِّ. [٣٤] ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال ابن عباس والحسن: مُتْرَعَةً مَمْلُوءَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: مُتَتَابِعَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: صَافِيَةً. [٣٥] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] بَاطِلًا مِنَ الْكَلَامِ، ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥] تَكْذِيبًا، لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

стр. 993

[٣٦] ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] أَيْ جَازَاهُمْ جَزَاءً وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءً حِسَابًا أَيْ كَافِيًا وَافِيًا، يُقَالُ: أَحْسَبْتُ فُلَانًا أَيْ أَعْطَيْتُهُ مَا يكفيه حتى قال حسبي. [٣٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧] قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَمْلِكُونَ شَفَاعَةً إِلَّا بِإِذْنِهِ. [٣٨] ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الرُّوحِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ جِبْرِيلُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرُّوحُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مَخْلُوقًا أَعْظَمَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَامَ وَحْدَهُ صَفَّا وَقَامَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ صَفًّا واحدا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ: الرُّوحُ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدم وليسوا بِنَاسٍ يَقُومُونَ صَفًّا وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ بَنُو آدَمَ، ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فِي الدُّنْيَا، أَيْ حَقًّا وَقِيلَ: قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [٣٩] ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] الْكَائِنُ الْوَاقِعُ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩] مَرْجِعًا وَسَبِيلًا بِطَاعَتِهِ، أَيْ فَمَنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ. [٤٠] ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] يحني الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] أَيْ كُلُّ امْرِئٍ يَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَا قَدَّمَ مِنَ الْعَمَلِ مُثْبَتًا فِي صَحِيفَتِهِ، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] يتمنى ذلك. [سورة النازعات] [قوله تعالى وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا . . .] (٧٩) سورة النازعات [١] ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ تَنْزِعُ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ مِنْ أَجْسَادِهِمْ، كَمَا يُغْرِقُ النَّازِعُ فِي الْقَوْسِ فَيَبْلُغُ بِهَا غَايَةَ المد، وَالْمُرَادُ بِالْإِغْرَاقِ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدِّ. [٢] ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ٢] هِيَ الْمَلَائِكَةُ تُنْشِطُ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ، أَيْ تَحِلُّ حَلًّا رَفِيقًا فَتَقْبِضُهَا، كَمَا يُنْشَطُ الْعِقَالُ مِنْ يَدِ البعير، أي يحل برفق. [٣] ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣] هَمُ الْمَلَائِكَةُ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ يُسَلُّونَهَا سُلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَهَا حَتَّى تَسْتَرِيحَ كَالسَّابِحِ بِالشَّيْءِ فِي الماء يرفق به. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ وَالشَّمْسُ والقمر، قال الله - تعالى -: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ السُّفُنُ. [٤] ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤] قال مجاهد: هى الملائكة سبقت ابْنَ آدَمَ بِالْخَيْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِقُ بأرواح المؤمنين إلى الجنة. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي السَّيْرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْخَيْلُ. [٥] ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ

стр. 994

الْمَلَائِكَةُ وُكِّلُوا بِأُمُورٍ عَرَّفَهُمُ اللَّهُ العمل بها. وَجَوَابُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَحْذُوفٌ عَلَى تقديره: لَتُبْعَثُنَّ وَلَتُحَاسَبُنَّ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تقديره: يوم ترتجف الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا. [٦] قَوْلُهُ : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] يَعْنِي النَّفْخَةَ الْأُولَى يَتَزَلْزَلُ وَيَتَحَرَّكُ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ وَيَمُوتُ مِنْهَا جميع الخلق. [٧] ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧] وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ رَدَفَتِ الْأُولَى وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً. قَالَ قَتَادَةُ: هُمَا صَيْحَتَانِ فَالْأُولَى تُمِيتُ كُلَّ شَيْءٍ وَالْأُخْرَى تُحْيِي كُلَّ شَيْءٍ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَقَالَ مجاهد: وأصل الرجفة: الصوت والحركة. [٨] ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨] خائفة قلقة مضطربة. [٩] ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩] ذَلِيلَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] الآية. [١٠] . ﴿يَقُولُونَ﴾ [النازعات: ١٠] يَعْنِي الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] أَيْ إِلَى أَوَّلِ الْحَالِ وَابْتِدَاءِ الْأَمْرِ فَنُصَيَّرُ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ كما كنا. [١١] ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] بالية. [١٢] ﴿قَالُوا﴾ [النازعات: ١٢] يَعْنِي الْمُنْكِرِينَ، ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] رَجْعَةٌ خَائِبَةٌ، يَعْنِي إِنْ رُدِدْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِمَا يُصِيبُنَا بَعْدَ الْمَوْتِ. [١٣] قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [النازعات: ١٣] يعني النفخة الأخيرة، ﴿زَجْرَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] صيحة، ﴿وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] يسمعونها. [١٤] ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] يَعْنِي وَجْهَ الْأَرْضِ أَيْ صَارُوا على وجه الأرض بعد ما كانوا في جوفها. [قوله تعالى هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ] الْمُقَدَّسِ طُوًى. . . [١٥] قَوْلُهُ : ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [النازعات: ١٥] يَقُولُ قَدْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ حَدِيثُ مُوسَى. [١٦] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] [١٧] فَقَالَ يَا مُوسَى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] عَلَا وَتَكَبَّرَ وَكَفَرَ بِاللَّهِ. [١٨] ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَيَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ: أَيْ تَتَزَكَّى وَتَتَطَهَّرَ مِنَ الشرك، وقرأ الآخرون بالتخفيف أَيْ تُسْلِمَ وَتُصْلِحَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [١٩] ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩] أَيْ أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ وَتَوْحِيدِهِ فَتَخْشَى عِقَابَهُ. [٢٠] ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠] وَهِيَ الْعَصَا وَالْيَدَ الْبَيْضَاءُ. [٢١] ﴿فَكَذَّبَ﴾ [النازعات: ٢١] بأنهما من الله ﴿وَعَصَى﴾ [النازعات: ٢١] [٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ [النازعات: ٢٢] تَوَلَّى وَأَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ ﴿يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] يَعْمَلُ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. [٢٣] ﴿فَحَشَرَ﴾ [النازعات: ٢٣] فجمع قومه وجنوده،

стр. 995

﴿فَنَادَى﴾ [النازعات: ٢٣] لَمَّا اجْتَمَعُوا. [٢٤] ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] فَلَا رَبَّ فَوْقِي. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْأَصْنَامَ أَرْبَابٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ وَرَبُّهَا. [٢٥] ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْغَرَقِ وَفِي الآخرة بالنار. [٢٦] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [النازعات: ٢٦] الَّذِي فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ حِينَ كَذَّبَ وعصى، ﴿لَعِبْرَةً﴾ [النازعات: ٢٦] عظة، ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦] اللَّهَ . [٢٧] ثُمَّ خَاطَبَ مُنْكِرِي الْبَعْثِ فَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧] يَعْنِي أَخَلْقُكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَشَدُّ عِنْدَكُمْ وَفِي تَقْدِيرِكُمْ أَمِ السَّمَاءُ؟ وَهُمَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَاحِدٌ، ثم وصف من خلق السماء فقال: ﴿بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] [٢٨] ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات: ٢٨] سقفها ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨] بلا شقوق ولا فطور. [٢٩] ﴿وَأَغْطَشَ﴾ [النازعات: ٢٩] أظلم، ﴿لَيْلَهَا﴾ [النازعات: ٢٩] وَالْغَطْشُ وَالْغَبْشُ الظُّلْمَةُ، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩] أَبْرَزَ وَأَظْهَرَ نَهَارَهَا وَنُورَهَا، وَأَضَافَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ كِلَاهُمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ. [٣٠] ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النازعات: ٣٠] بعد خلق السماء، ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] بسطها، والدحو: البسط. [٣١-٣٤] ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا - وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا - مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ - فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣١ - ٣٤] يَعْنِي النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْبَعْثُ وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ طَامَّةً لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ فَتَعْلُو فَوْقَهَا وتغمر ما سواها، والطامة عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ. [٣٥] ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] مَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. [٣٦] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] قَالَ مُقَاتِلٌ: يُكْشَفُ عَنْهَا الْغِطَاءُ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلْقُ. [٣٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: ٣٧] فِي كُفْرِهِ. [٣٨] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٨] عَلَى الْآخِرَةِ. ٣٩, [٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٣٩ - ٤٠] عن المحارم التي تشتهيها. [٤١-٤٢] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى - يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤١ - ٤٢] مَتَى ظُهُورُهَا وَثُبُوتُهَا. [٤٣] ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] لَسْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهَا وَذِكْرِهَا، أَيْ لَا تَعْلَمُهَا. [٤٤] ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٤] أَيْ مُنْتَهَى عِلْمِهَا عِنْدَ اللَّهِ. [٤٥] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] أَيْ إِنَّمَا يَنْفَعُ إِنْذَارُكَ مَنْ يخافها. [٤٦] ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ [النازعات: ٤٦] يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ، ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات: ٤٦] يُعَايِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ [النازعات: ٤٦] فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ: فِي قُبُورِهِمْ، ﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] مَعْنَاهُ آخِرَ يَوْمٍ أَوْ أَوَّلَهُ. [سورة عبس] [قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى . . .] (٨٠) سورة عبس [١] ﴿عَبَسَ﴾ [عبس: ١] كلح، ﴿وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١] أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ. [٢] ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ٢] وَهُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَاسْمُهُ عبد الله بن شريح الفهري، «وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَأَخَاهُ أُمَيَّةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، يَرْجُو إِسْلَامَهُمْ، فَقَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرِئْنِي وَعَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِ وَيُكَرِّرُ النِّدَاءَ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى ظهرت الكراهة فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَطْعِهِ كَلَامَهُ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يُكَلِّمُهُمْ فأنزل الله هذه الآية، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ، وَإِذَا رَآهُ قَالَ: "مَرْحَبًا بِمَنْ عاتبني فيه ربي» (١)

стр. 996

[٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] يَتَطَهَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وما يتعلمه منك. [٤] ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ [عبس: ٤] يتعظ, ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٤] الموعظة. [٥] ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: ٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الْإِيمَانِ بِمَا لَهُ مِنَ المال. [٦] ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦] تَتَعَرَّضُ لَهُ وَتُقْبِلُ عَلَيْهِ وَتُصْغِي إلى كلامه. [٧] ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٧] ألا يُؤْمِنُ وَلَا يَهْتَدِي, إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ. [٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨] يَمْشِي يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ. [٩] ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٩] اللَّهَ . [١٠] ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] تتشاغل وتعرض عنه. [١١] ﴿كَلَّا﴾ [عبس: ١١] زَجْرٌ أَيْ لَا تَفْعَلْ بَعْدَهَا مثلها, ﴿إِنَّهَا﴾ [عبس: ١١] يعني هذه الموعظة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ. [١٢] ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ [عبس: ١٢] من عباد الله ﴿ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] أي اتعظ به. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ جَلَالَتِهِ عِنْدَهُ فقال: [١٣] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] يَعْنِي اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ. وَقِيلَ: كُتُبُ الأنبياء، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -:: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى) . [١٤] ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ [عبس: ١٤] رَفِيعَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ . وَقِيلَ: مَرْفُوعَةٍ يَعْنِي فِي السماء السابعة. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ, وَهُمُ الملائكة. [١٥] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَتَبَةٌ, وهم الملائكة الكرام الكاتبون , وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُمُ الرُّسُلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاحِدُهُمْ سَفِيرٌ, وَهُوَ الرَّسُولُ, وَسَفِيرُ الْقَوْمِ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمْ بالصلح. [١٦] ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] أَيْ كِرَامٍ عَلَى اللَّهِ بَرَرَةٍ مُطِيعِينَ جَمْعُ بَارٍّ. [١٧] قَوْلُهُ : ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ [عبس: ١٧] أي لعن الكافر ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ما أشد كفره مَعَ كَثْرَةِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَأَيَادِيهِ عنده, على طريق التعجب. ثم تبين مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي مَعَهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ. [١٨] فَقَالَ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ. [١٩] ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] أطوار: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً إِلَى آخِرِ خلقه. [٢٠] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] أَيْ طَرِيقَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أمه, وقال الحسن وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ سهل له العلم به: وَقِيلَ: يَسَّرَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ما خلقه له وقدر عليه. [٢١] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ.

стр. 997

[٢٢] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عَبَسَ: ٢٢] أحياه بعد موته. [٢٣] ﴿كَلَّا﴾ [عبس: ٢٣] رد عَلَيْهِ أَيْ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ ويظن هذا الكافر، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] أَيْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ به ربه وَلَمْ يُؤَدِّ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ ذَكَرَ رِزْقَهُ لِيَعْتَبِرَ. [٢٤] فَقَالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] كَيْفَ قَدَّرَهُ رَبُّهُ وَدَبَّرَهُ لَهُ وجعله سببا لحياته. [٢٥] ثم بين فقال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] يَعْنِي الْمَطَرَ. [٢٦] ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] بالنبات. [٢٧] ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] يَعْنِي الْحُبُوبَ الَّتِي يُتَغَذَّى بِهَا. [٢٨] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] وَهُوَ الْقَتُّ الرَّطْبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْضَبُ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ أي يقطع. [٢٩] ﴿وَزَيْتُونًا﴾ [عبس: ٢٩] وَهُوَ مَا يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ، ﴿وَنَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] جمع نخلة. [٣٠] ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] غلاظا، وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الشجر الملتفة بعضها في بعض. [٣١] ﴿وَفَاكِهَةً﴾ [عبس: ٣١] يريد ألوان الفواكه، ﴿وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] يَعْنِي الْكَلَأَ وَالْمَرْعَى الَّذِي لَمْ يَزْرَعْهُ النَّاسُ، مِمَّا يَأْكُلُهُ الْأَنْعَامُ وَالدَّوَابُّ. قَالَ عِكْرِمَةُ: الْفَاكِهَةُ مَا يأكل الناس، والأب ما يأكله الدواب. [٣٢] ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] مَنْفَعَةً لَكُمْ يَعْنِي الْفَاكِهَةَ، ﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] يَعْنِي الْعُشْبَ. [٣٣] ثُمَّ ذَكَرَ الْقِيَامَةَ فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] يَعْنِي صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَصُخُّ الْأَسْمَاعَ أَيْ تُبَالِغُ في أسماعها حَتَّى تَكَادَ تُصِمُّهَا. [٣٤-٣٦] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] لَا يَلْتَفِتُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لشغله بنفسه. [٣٧] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] يشغله عن شأن غيره. [٣٨] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] مشرقة مضيئة. [٣٩] ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] بالسرور، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] فَرِحَةٌ بِمَا نَالَتْ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ . [٤٠] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] سواد وكآبة مما يشاهدونه من الغم والهم. [٤١] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف. [٤٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ [عبس: ٤٢] الذين يصنع بهم هذا، ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] جَمْعُ الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ. [سُورَةُ التَّكْوِيرِ] [قوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ] . . . (٨١) سورة التكوير [١] ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] أصل التَّكْوِيرِ جَمْعُ بَعْضِ الشَّيْءِ إِلَى بَعْضٍ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ يُجْمَعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تُلَفُّ، فَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ذَهَبَ ضوؤها. [٢] ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] أَيْ تَنَاثَرَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَتَسَاقَطَتْ. [٣] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَصَارَتْ هَبَاءً منبثا. [٤] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] وَهِيَ النُّوقُ الْحَوَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَى حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَاحِدَتُهَا عشراء لِمَا جَاءَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القيامة. [٥] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ﴾ [التكوير: ٥] يعني دواب البر، ﴿حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] جُمِعَتْ بَعْدَ الْبَعْثِ لِيُقْتَصَّ لِبَعْضِهَا من بعض. [٦-٧] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نَارًا تَضْطَرِمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ، فَصَارَتِ الْبُحُورُ كُلُّهَا بحرا واحدا. وَقِيلَ: صَارَتْ مِيَاهُهَا بَحْرًا وَاحِدًا مِنَ الْحَمِيمِ لِأَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ الحسن: يبست. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، وَيُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ السُّوءِ مَعَ الرَّجُلِ السوء في النار،

стр. 998

وهذا قَوْلِ عِكْرِمَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أُلْحِقَ كُلُّ امْرِئٍ بِشِيعَتِهِ، الْيَهُودِيُّ باليهودي والنصراني بالنصراني، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ رُدَّتِ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَجْسَادِ. [٨] ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وهي الجارية المدفونة حية. [٩] ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] وَمَعْنَى سُؤَالِهَا تَوْبِيخُ قَاتِلِهَا لِأَنَّهَا تقول: قتلت بغير ذنب. [١٠] ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] يَعْنِي صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ تُنْتَشَرُ لِلْحِسَابِ. [١١] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قَالَ الْفَرَّاءُ: نُزِعَتْ فَطُوِيَتْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قُلِعَتْ كَمَا يُقْلَعُ السَّقْفُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: تَكْشِفُ عَمَّنْ فِيهَا. وَمَعْنَى الْكَشْطِ رَفْعُكَ شَيْئًا عَنْ شَيْءٍ قَدْ غَطَّاهُ كَمَا يُكْشَطُ الْجِلْدُ عَنِ السَّنَامِ. [١٢] ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (سُعِّرَتْ) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ أُوقِدَتْ لِأَعْدَاءِ الله. [١٣] ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] قربت لأولياء الله. [١٤] ﴿عَلِمَتْ﴾ [التكوير: ١٤] عند ذلك كل ﴿نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَهَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] وَمَا بَعْدَهَا. [١٥ - ١٦] قَوْلُهُ : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ - الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦] معناه أقسم بالخنس، قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ تَبْدُو بِاللَّيْلِ وَتَخْنَسُ بِالنَّهَارِ، فَتُخْفَى فَلَا ترى، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنَى الْخُنَّسِ أَنَّهَا تَخْنَسُ أَيْ تَتَأَخَّرُ عَنْ مطالعها في كل عام تأخيرا تَتَأَخَّرُهُ عَنْ تَعْجِيلِ ذَلِكَ الطُّلُوعِ، تخنس عنه بتأخرها. والكنس أَيْ تَكْنَسُ بِالنَّهَارِ فَلَا تُرَى. [١٧] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] قَالَ الْحَسَنُ: أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَدْبَرَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ وَسَعْسَعَ إِذَا أَدْبَرَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِيرُ. [١٨] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أَقْبَلَ وَبَدَا أَوَّلُهُ وَقِيلَ امْتَدَّ ضوؤه وارتفع. [١٩] ﴿إِنَّهُ﴾ [التكوير: ١٩] يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] يَعْنِي جِبْرِيلَ أَيْ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى -. [٢٠] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] في المنزلة. [٢١] ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] أَيْ فِي السَّمَاوَاتِ تُطِيعُهُ الْمَلَائِكَةُ وَمِنْ طَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ أَنَّهُمْ فَتَحُوا أَبْوَابَ السَّمَاوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِقَوْلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفَتَحَ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ أَبْوَابَهَا بِقَوْلِهِ، (أَمِينٍ) عَلَى وَحْيِ اللَّهِ وَرِسَالَتِهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ. [٢٢] ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] يَقُولُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَا صَاحِبُكُمْ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ بِمَجْنُونٍ. وَهَذَا

стр. 999

أَيْضًا مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ أَقْسَمَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَمَا يَقُولُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. [٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [التكوير: ٢٣] يَعْنِي رَأَى النَّبِيُّ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ على صورته، ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] وَهُوَ الْأُفُقُ الْأَعْلَى مِنْ نَاحِيَةِ المشرق. [٢٤] ﴿وَمَا هُوَ﴾ [التكوير: ٢٤] يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ، ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ [التكوير: ٢٤] أَيِ الْوَحْيِ، وَخَبَرِ السَّمَاءِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَالْقَصَصِ، ﴿بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] إِنَّهُ يَأْتِيهِ عِلْمُ الْغَيْبِ فَلَا يبخل به عليهم بَلْ يُعَلِّمُكُمْ وَيُخْبِرُكُمْ بِهِ، وَلَا يَكْتُمُهُ كَمَا يَكْتُمُ الْكَاهِنُ مَا عِنْدَهُ حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ حُلْوَانًا. [٢٥] ﴿وَمَا هُوَ﴾ [التكوير: ٢٥] يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا كَهَانَةٍ كَمَا قالت قريش. [٢٦] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] أَيْ أَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ، وَفِيهِ الشِّفَاءُ وَالْبَيَانُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنْتُ لَكُمْ. [٢٧] ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ [التكوير: ٢٧] أَيْ مَا الْقُرْآنُ، ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] مَوْعِظَةٌ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ. [٢٨] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] أَيْ يَتْبَعَ الْحَقَّ وَيُقِيمَ عَلَيْهِ. [٢٩] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] أَيْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي التَّوْفِيقِ إِلَيْهِ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَفِيهِ إِعْلَامٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْمَلُ خَيْرًا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَلَا شَرًّا إِلَّا بِخِذْلَانِهِ. [سُورَةُ الانفطار] [قوله تعالى إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ] . . . (٨٢) سورة الانفطار [١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] انشقت. [٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] تساقطت. [٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَاخْتَلَطَ الْعَذْبُ بِالْمِلْحُ فَصَارَتْ بَحْرًا وَاحِدًا. [٤] ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] بحثت وقلب ترابها وبعث من فيها من الموتى أحياء. [٥] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] قِيلَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ عَمَلٍ صالح أو سيئ، وما أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ. وَقِيلَ: مَا قَدَّمَتْ مِنَ الصدقات وأخرت من التركات. [٦] ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] مَا خَدَعَكَ وَسَوَّلَ لَكَ الْبَاطِلَ حَتَّى أَضَعْتَ مَا وَجَبَ عَلَيْكَ، والمعنى: ماذا أمنك من عقابه؟ [٧] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] قرأ أهل الكوفة بالتخفيف فصرفك وَأَمَالَكَ إِلَى أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ حَسَنًا وَقَبِيحًا وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ:

стр. 1000

بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَوَّمَكَ وَجَعَلَكَ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ وَالْأَعْضَاءِ. [٨] ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] قال مجاهد: فِي أَيِّ شَبَهٍ مِنْ أَبٍ أو أم أو عم, وذكر الفراء قولا آخر, إما طويلا أو قصيرا أو حسنا أو غير ذلك. [٩] ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩] بِالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ. [١٠] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] رُقَبَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْكُمْ أعمالكم. [١١] ﴿كِرَامًا﴾ [الانفطار: ١١] على الله، ﴿كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] يَكْتُبُونَ أَقْوَالَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ. [١٢] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. [١٣] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] الْأَبْرَارُ الَّذِينَ بَرُّوا وَصَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ. ١٤, [١٥] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يَصْلَوْنَهَا﴾ [الانفطار: ١٤ - ١٥] يخلونها, ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٥] يوم القيامة. [١٦] ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] [١٧] ثُمَّ عَظَّمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] كرر تفخيما لِشَأْنِهِ. ١٨, [١٩] فَقَالَ: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٨ - ١٩] قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي لِنَفْسٍ كَافِرَةٍ شَيْئًا مِنَ الْمَنْفَعَةِ، ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] أي يوم لا يُمَلِّكِ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدًا شَيْئًا كَمَا مَلَّكَهُمْ فِي الدنيا. [سورة المطففين] [قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى] النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. . . (٨٣) سورة المطففين [١] ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] يَعْنِي الَّذِينَ يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ويبخسون حقوق الناس. [٢] ثم بين الْمُطَفِّفِينَ مَنْ هُمْ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] وَأَرَادَ إِذَا اكْتَالُوا مِنَ النَّاسِ أَيْ أَخَذُوا مِنْهُمُ، وَ (مِنْ) ، و (على) يتعاقبان. [٣] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أَيْ كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لهم أي للناس، وقوله: (يُخْسِرُونَ) أي ينقصون. [٤, ٥] ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ [المطففين: ٤] يستيقن، ﴿أُولَئِكَ﴾ [المطففين: ٤] الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤ - ٥] يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [٦] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] من قبورهم، ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] أي لأمره ولجزائه ولحسابه. [٧] قوله : ﴿كَلَّا﴾ [المطففين: ٧] رَدْعٌ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وَتَمَامُ الْكَلَامِ هَاهُنَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَلَّا ابْتِدَاءٌ يَتَّصِلُ بِمَا بَعْدَهُ عَلَى مَعْنَى حَقًّا، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] الَّذِي كُتِبَتْ فِيهِ أَعْمَالُهُمْ، ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: (سِجِّينٌ) هِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى فيها أرواح الكفار. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: هِيَ الْأَرْضُ السُّفْلَى، وَفِيهَا إِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ، وَقَالَ وَهْبٌ: هِيَ آخِرُ سُلْطَانِ إِبْلِيسَ، وقال عكرمة: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] أَيْ لَفِي خَسَارٍ وَضَلَالٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ. هُوَ فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ، كَمَا يُقَالُ: فِسِّيقٌ وَشِرِّيبٌ، مَعْنَاهُ لَفِي حَبْسٍ وَضِيقٍ شَدِيدٍ. [٨] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَلَا قومك. [٩] ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] لَيْسَ هَذَا تَفْسِيرُ السَّجِينِ بَلْ هُوَ بَيَانُ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] أي هو كتاب الفجار مَرْقُومٌ، أَيْ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَعْمَالُهُمْ مُثْبَتَةٌ عَلَيْهِمْ كَالرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ، لَا يُنْسَى وَلَا يُمْحَى حَتَّى يجازوا به. [١٠ - ١٣] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ - الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١٠ - ١١] ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ - إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٢ - ١٣] [١٤] ﴿كَلَّا﴾ [المطففين: ١٤] قَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]

стр. 1001

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ مِنْهَا وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كتابه» (١) . وَأَصْلُ الرَّيْنِ الْغَلَبَةُ، يُقَالُ: رَانَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَقْلِهِ تَرِينُ رَيْنًا وريونا إذا غلبت عليه حتى سكر، وَمَعْنَى الْآيَةِ: غَلَبَتْ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْمَعَاصِي وَأَحَاطَتْ بِهَا. قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ حَتَّى يَمُوتَ الْقَلْبُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤] طَبَعَ عَلَيْهَا. [١٥] ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ١٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كلَّا: يُرِيدُ لَا يُصَدِّقُونَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ. (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) ، قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ كَرَامَتِهِ وَرَحْمَتِهِ مَمْنُوعُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَلَّا يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيَهُمْ. وَقَالَ أَكْثَرُ المفسرين: عن رؤيته. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْكُفَّارَ مَعَ كَوْنِهِمْ مَحْجُوبِينَ عَنِ اللَّهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَقَالَ: [١٦] ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] لداخلو النار. [١٧] ﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ [المطففين: ١٧] أَيْ تَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ، ﴿هَذَا﴾ [المطففين: ١٧] أَيْ هَذَا الْعَذَابُ، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] [قوله تعالى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ .] . . [١٨] ﴿كَلَّا﴾ [المطففين: ١٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا يُؤْمِنُ بِالْعَذَابِ الَّذِي يَصْلَاهُ. ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] ﴿عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ لَوْحٌ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ مُعَلَّقٌ تَحْتَ الْعَرْشِ أَعْمَالُهُمْ مَكْتُوبَةٌ فِيهِ، وَقَالَ كَعْبٌ وَقَتَادَةُ: هُوَ قَائِمَةُ الْعَرْشِ الْيُمْنَى. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: عُلُوٌّ بَعْدَ عُلُوٍّ وَشَرَفٌ بَعْدَ شَرَفٍ، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ بِالْيَاءِ والنون. ١٩, [٢٠] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ - كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ١٩ - ٢٠] ليس هذا بتفسير عليين بَلْ هُوَ بَيَانُ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] أَيْ مَكْتُوبٌ أَعْمَالُهُمْ كَمَا ذَكَرْنَا في كتاب الفجار. [٢١] ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ فِي عِلِّيِّينَ يَشْهَدُونَ وَيَحْضُرُونَ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ، أَوْ ذَلِكَ الْكِتَابَ إِذَا صُعِدَ بِهِ إِلَى عِلِّيِّينَ. ٢٢, [٢٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٣] إِلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عدوهم كيف يعذبون.

стр. 1002

[٢٤] ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] إِذَا رَأَيْتَهُمْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النِّعْمَةِ مِمَّا تَرَى فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ وَالْحُسْنِ وَالْبَيَاضِ. [٢٥] ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] خمر صافية طيبة، ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] خُتِمَ وَمُنِعَ مِنْ أَنْ تَمَسَّهُ يَدٌ إِلَى أَنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الْأَبْرَارُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (مَخْتُومٍ) أَيْ مطين. [٢٦] ﴿خِتَامُهُ﴾ [المطففين: ٢٦] أي طينه، ﴿مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: خِتَامُهُ عِنْدَ اللَّهِ مِسْكٌ وَخِتَامُ خَمْرِ الدُّنْيَا طين ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] فَلْيَرْغَبِ الرَّاغِبُونَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى طَاعَةِ الله . [٢٧] ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] شراب يَنْصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ عُلْوٍ فِي غرفهم ومنازلهم، وأصل كلمة السنام مِنَ الْعُلُوِّ، يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ: سنام، ومنه سنام البعير. [٢٨] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] (عَيْنًا) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، (يَشْرَبُ بِهَا) أَيْ مِنْهَا، وَقِيلَ: يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا. [٢٩] قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [المطففين: ٢٩] أشركوا يعني كفار قريش، ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المطففين: ٢٩] من فقراء المؤمنين ﴿يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] وَبِهَمْ يَسْتَهْزِءُونَ. [٣٠] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ [المطففين: ٣٠] يعني مر المؤمنون بالكفار، ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] وَالْغَمْزُ الْإِشَارَةُ بِالْجَفْنِ وَالْحَاجِبِ، أَيْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِمْ بِالْأَعْيُنِ اسْتِهْزَاءً. [٣١] ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] يَعْنِي الْكُفَّارَ، ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] مُعْجَبِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ يَتَفَكَّهُونَ بذكرهم. [٣٢] ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ [المطففين: ٣٢] رَأَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] يَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ. [٣٣] ﴿وَمَا أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] يعني المشركين، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] يعني على المؤمنين، ﴿حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أَعْمَالَهُمْ، أَيْ لَمْ يُوَكَّلُوا بِحِفْظِ أعمالهم. [٣٤] ﴿فَالْيَوْمَ﴾ [المطففين: ٣٤] يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] إذا اطَّلَعُوا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ضَحِكُوا. [٣٥] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] من الدر والياقوت، ﴿يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إِلَيْهِمْ فِي النَّارِ. [٣٦] ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦] هَلْ جُوزِيَ، ﴿الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أَيْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ هَاهُنَا: التَّقْرِيرُ. وَثُوِّبَ وَأُثِيبَ وَأَثَابَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. [سُورَةُ الِانْشِقَاقِ] [قوله تعالى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ] . . . (٨٤) سورة الانشقاق [١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] انْشِقَاقُهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْقِيَامَةِ. [٢] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ [الانشقاق: ٢] أَيْ سَمِعَتْ أَمْرَ رَبِّهَا بِالِانْشِقَاقِ وَأَطَاعَتْهُ، مِنَ الْأُذُنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، ﴿وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] أَيْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ ربها. [٣] ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، وَزِيدَ فِي سعتها. [٤] ﴿وَأَلْقَتْ﴾ [الانشقاق: ٤] أخرجت، ﴿مَا فِيهَا﴾ [الانشقاق: ٤] من الموتى والكنوز، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤] خَلَتْ مِنْهَا. [٥] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٥] وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ (إِذَا) قِيلَ: جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ يَرَى الْإِنْسَانُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ. [٦] وَقِيلَ جَوَابُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق: ٦] ومجازه ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] لَقِيَ كُلُّ كَادِحٍ مَا عَمِلَهُ. وَقِيلَ: جَوَابُهُ وَأَذِنَتْ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الواو زائدة وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا) ، أَيْ سَاعٍ إِلَيْهِ فِي عملك، والكدح: سعي الْإِنْسَانِ وَجُهْدُهُ فِي الْأَمْرِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ حَتَّى يَكْدَحَ ذَلِكَ فيه، أي يؤثر ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] أَيْ مُلَاقِي جَزَاءَ عَمَلِكَ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا. [٧، ٨] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ [الانشقاق: ٧] ديوان أعماله،

стр. 1003

﴿بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ " قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ من نوقش في الحساب يهلك» (١) . [٩] ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الانشقاق: ٩] يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ العين والآدميات، ﴿مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩] بِمَا أُوتِيَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ. [١٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] فَتُغَلُّ يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ وَتُجْعَلُ يَدُهُ الشِّمَالُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظهره. [١١] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: ١١] يُنَادِي بِالْوَيْلِ وَالْهَلَاكِ إِذَا قَرَأَ كِتَابَهُ يَقُولُ: يَا وَيْلَاهُ يَا ثبوراه. [١٢، ١٣] ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٢ - ١٣] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ وَرُكُوبِ شَهْوَتِهِ. [١٤] ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] أَنْ لَنْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا وَلَنْ يبعث. [١٥] ثم قال: ﴿بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٥] أَيْ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يَحُورُ إِلَيْنَا وَيُبْعَثُ ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٥] خَلَقَهُ إِلَى أَنْ بَعْثَهُ. [١٦] قَوْلُهُ : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَبْقَى فِي الْأُفُقِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَعْقُبُ تِلْكَ الْحُمْرَةَ. [١٧] ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧] أَيْ جَمَعَ وَضَمَّ يُقَالُ: وَسَقْتُهُ أَسِقُهُ وَسْقَا أَيْ جَمَعْتُهُ، وَاسْتَوْسَقَتِ الْإِبِلُ إِذَا اجْتَمَعَتْ وَانْضَمَّتْ، وَالْمَعْنَى: وَاللَّيْلِ وَمَا جَمَعَ وَضَمَّ مَا كَانَ بِالنَّهَارِ مُنْتَشِرًا مِنَ الدَّوَابِّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّيْلَ إِذَا أَقْبَلَ أَوَى كُلُّ شَيْءٍ إِلَى مَأْوَاهُ. [١٨] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٨] اجْتَمَعَ وَاسْتَوَى وَتَمَّ نُورُهُ وَهُوَ في الأيام البيض. [١٩ - ٢٠] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (لَتَرْكَبُنَّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ، يَعْنِي لَتَرْكَبَنَّ يا محمد. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ: سَمَاءً بَعْدَ سَمَاءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي تُصْعَدُ فِيهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ وَرُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ فِي الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - والرفعة، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) حَالًا بَعْدَ حَالٍ، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ . وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ تَتَغَيَّرُ لَوْنًا بَعْدَ لَوْنٍ، فَتَصِيرُ تَارَةً كَالدِّهَانِ وَتَارَةً كَالْمُهْلِ، فتنشق بِالْغَمَامِ مَرَّةً وَتُطْوَى أُخْرَى. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِضَمِّ الْبَاءِ لِأَنَّ الْمَعْنَى بِالنَّاسِ أَشْبَهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بيمينه، وشماله وذكر من بعده ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] وأراد

стр. 1004

لَتَرْكَبُنَّ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَأَمْرًا بَعْدَ أَمْرٍ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي الْأَحْوَالَ تَنْقَلِبُ بِهِمْ فَيَصِيرُونَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا. وَ (عَنْ) بِمَعْنَى بَعْدَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمَوْتَ ثُمَّ الْحَيَاةَ ثُمَّ الْمَوْتَ ثُمَّ الْحَيَاةَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَرَّةً فَقِيرًا وَمُرَّةً غَنِيًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابن عباس: يعني الشدائد والأهوال والموت، ثُمَّ الْبَعْثَ ثُمَّ الْعَرْضَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَالًا بَعْدَ حَالٍ رَضِيعٌ ثُمَّ فَطِيمٌ ثُمَّ غُلَامٌ ثُمَّ شاب ثم شيخ ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. [٢١] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] لا يصلون. [٢٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] بِالْقُرْآنِ وَالْبَعْثِ. [٢٣] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣] فِي صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَكْتُمُونَ. [٢٤، ٢٥] ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤ - ٢٥] غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَلَا مَنْقُوصٍ. [سُورَةُ البروج] [قوله تعالى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ] . . . (٨٥) سورة البروج [١ - ٢] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ - وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ١ - ٢] هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. [٣] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] الأكثرون: أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يوم عرفة. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الشَّاهِدُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ ﷺ والمشهود يَوْمُ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤١] وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ ﷺ ، والمشهود اللَّهُ ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وعن مجاهد قال: الشاهد آدم والمشهود يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الشَّاهِدُ الإنسان والمشهود يوم القيامة، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ: الشَّاهِدُ هُوَ اللَّهُ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: الشَّاهِدُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَالْمَشْهُودُ سَائِرُ الْأُمَمِ، وَقِيلَ: الشَّاهِدُ أَعْضَاءُ بَنِي آدَمَ، بَيَانُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] [٤] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أي لعن، والأخدود: الشَّقُّ الْمُسْتَطِيلُ فِي الْأَرْضِ كَالنَّهْرِ، وجمعه أخاديد. [٥] ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ الْأُخْدُودِ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: نَجَّى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُلْقُوا فِي

стр. 1005

النَّارِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ وَخَرَجَتِ النَّارُ إِلَى مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْأُخْدُودِ مِنَ الْكُفَّارِ فَأَحْرَقَتْهُمْ. [٦] ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أي عند النار جلوس يعذبون الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا قُعُودًا عَلَى الْكَرَاسِيِّ عِنْدَ الْأُخْدُودِ. [٧] ﴿وَهُمْ﴾ [البروج: ٧] يَعْنِي الْمَلِكَ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ خَدُّوا الْأُخْدُودَ، ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ٧] مِنْ عَرْضِهِمْ عَلَى النَّارِ وَإِرَادَتِهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ، ﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] حضور. [٨] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مَا كَرِهُوا مِنْهُمْ، ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: مَا عَابُوا مِنْهُمْ. وَقِيلَ: مَا عَلِمُوا فِيهِمْ عَيْبًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ذَنْبًا إِلَّا إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] [٩] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [البروج: ٩] من أفعالههم، ﴿شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] [١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ [البروج: ١٠] عذبوا وأحرقوا، ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] يقال: فتنت الشيء إذ أَحْرَقَتَهُ، نَظِيرُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٣] ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] بكفرهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] بِمَا أَحْرَقُوا الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ الَّتِي أحرقوا بها المؤمنين، وارتفعت إِلَيْهِمْ مِنَ الْأُخْدُودِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالْكَلْبِيُّ. [١١] ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١] وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ. جَوَابُهُ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] يَعْنِي لَقَدْ قُتِلَ. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَوَابُهُ: [١٢] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَخْذَهُ بِالْعَذَابِ إِذَا أَخَذَ الظَّلَمَةَ لَشَدِيدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هُودٍ: ١٠٢] [١٣] ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أَيْ يَخْلُقُهُمْ أَوَّلًا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يُعِيدُهُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ. [١٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] لذنوب المؤمنين، ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] المحب لهم. [١٥] ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (الْمَجِيدِ) بِالْجَرِّ عَلَى صِفَةِ الْعَرْشِ أَيِ السَّرِيرِ الْعَظِيمِ. وَقِيلَ: أَرَادَ حُسْنَهُ فَوَصَفَهُ بِالْمَجْدِ كَمَا وَصَفَهُ بِالْكَرَمِ، فَقَالَ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٦] وَمَعْنَاهُ الْكَمَالُ، وَالْعَرْشُ: أَحْسَنُ الْأَشْيَاءِ وَأَكْمَلُهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى صِفَةِ ذُو الْعَرْشِ. [١٦] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] لا يحجزه شيء يريده وللايمتنع مِنْهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ. [١٧] قَوْلُهُ : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] قَدْ أَتَاكَ خَبَرُ الْجُمُوعِ الْكَافِرَةِ الذين تجندوا على الأنبياء، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ هُمْ؟ [١٨، ١٩] فَقَالَ: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البروج: ١٨ - ١٩] مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] لك وللقرآن كدأب مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ. [٢٠] ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] عَالِمٌ بِهِمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، يَقْدِرُ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مَا أَنْزَلَ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ. [٢١] ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] كَرِيمٌ شَرِيفٌ كَثِيرُ الْخَيْرِ، لَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُ شِعْرٌ وكهانة. [٢٢] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قَرَأَ نَافِعٌ مَحْفُوظٌ بِالرَّفْعِ عَلَى نعت الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ عَلَى نَعْتِ اللوح وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، ومنه تنسخ الْكُتُبُ، مَحْفُوظٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَمِنَ الزيادة فيه والنقصان. [سورة الطارق] [قوله تعالى وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ] . . .

стр. 1006

(٨٦) سورة الطارق [١] ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] وهذا قسم، والطارق النَّجْمُ يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. [٢] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطَّارِقُ: ٢] [٣] ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أَيِ الْمُضِيءُ. الْمُنِيرُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: المتوهج. [٤] ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الطارق: ٤] جَوَابُ الْقَسَمِ، ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْهَا حَافِظٌ مِنْ رَبِّهَا يَحْفَظُ عَمَلَهَا وَيُحْصِي عَلَيْهَا مَا تَكْتَسِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْحَفَظَةُ من الملائكة. [٥] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] أي فليتفكر مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ رَبُّهُ، أَيْ فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ الْمُتَفَكِّرِ. [٦] ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مَدْفُوقٍ أَيْ مَصْبُوبٍ فِي الرَّحِمِ، وَهُوَ الْمَنِيُّ، فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] وَالدَّفْقُ الصَّبُّ وَأَرَادَ مَاءَ الرَّجُلِ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا، وَجَعَلَهُ وَاحِدًا لِامْتِزَاجِهِمَا. [٧] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] يَعْنِي صُلْبَ الرَّجُلِ وَتَرَائِبَ الْمَرْأَةِ والترائب جُمَعُ التَّرِيبَةِ وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ والنحر. [٨] ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] قَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى رَدِّ النُّطْفَةِ فِي الْإِحْلِيلِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَلَى رَدِّ الْمَاءِ فِي الصُّلْبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّهُ عَلَى رَدِّ الْإِنْسَانِ مَاءً كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ لِقَادِرٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَى بعث الانسان وإعادته بعد الموت قَادِرٌ. وَهَذَا أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ. [٩] لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تُبْلَى السَّرَائِرُ تظهر الخفايا. قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: السَّرَائِرُ فَرَائِضُ الْأَعْمَالِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهَا سَرَائِرُ بَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَبَيْنَ الْعَبْدِ، فَلَوْ شَاءَ الْعَبْدُ لَقَالَ: صُمْتُ وَلَمْ يَصُمْ، وَصَلَّيْتُ وَلَمْ يصل. [١٠] ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أَيْ مَا لِهَذَا الْإِنْسَانِ الْمُنْكِرِ لِلْبَعْثِ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَا نَاصِرَ يَنْصُرُهُ مِنَ اللَّهِ. [١١] ثُمَّ ذَكَرَ قَسَمًا آخَرَ فَقَالَ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] أَيْ ذَاتِ الْمَطَرِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ كُلَّ عَامٍ وَيَتَكَرَّرُ. وَقَالَ ابْنُ عباس: هو السحاب يرجع المطر. [١٢] ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أي تصدع وَتَنَشَقُّ عَنِ النَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ. [١٣] وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] يعني القرآن، ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] حَقٌّ وَجِدٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ والباطل. [١٤] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] بِاللَّعِبِ وَالْبَاطِلِ. [١٥] ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] يَخَافُونَ النَّبِيَّ ﷺ وَيُظْهِرُونَ مَا هُمْ عَلَى خلافه.

стр. 1007

[١٦] ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] وكيد الله استدراجهم إِيَّاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. [١٧] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] قَلِيلًا وَمَعْنَى مَهِّلْ وَأَمْهِلْ أَنْظِرْ وَلَا تَعْجَلْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَنُسِخَ الْإِمْهَالُ بِآيَةِ السَّيْفِ. [سورة الأعلى] [قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . . .] (٨٧) سورة الْأَعْلَى [١] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الْأَعْلَى: ١] يَعْنِي قُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُ نَزِّهْ رَبَّكَ الْأَعْلَى عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ الملحدون، وَقَالَ آخَرُونَ: نَزِّهْ تَسْمِيَةَ رَبِّكَ بأن تذكره وأنت معظم ولذكره محترم. [٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] قَالَ الْكَلْبِيُّ: خَلَقَ كُلَّ ذِي رُوحٍ فَسَوَّى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ. قال الزَّجَّاجُ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُسْتَوِيًا، وَمَعْنَى سَوَّى: عَدَلَ قَامَتَهُ. [٣] ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] قال مُجَاهِدٌ: هَدَى الْإِنْسَانَ لِسَبِيلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: قَدَّرَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَسْلَكَهُ فَهَدَى، عَرَّفَهَا كَيْفَ يَأْتِي الذَّكَرُ الْأُنْثَى. وَقِيلَ: قدر الأرزاق فهدى لِاكْتِسَابِ الْأَرْزَاقِ وَالْمَعَاشِ. وَقِيلَ: خَلَقَ الْمَنَافِعَ فِي الْأَشْيَاءِ وَهَدَى الْإِنْسَانَ لوجه استخراجها منها. [٤] ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤] أَنْبَتَ الْعُشْبَ وَمَا تَرْعَاهُ النَّعَمُ. مِنْ بَيْنِ أَخْضَرَ وَأَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وأبيض. [٥] ﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] بعد الخضرة، ﴿غُثَاءً﴾ [الأعلى: ٥] هَشِيمًا بَالِيًا، كَالْغُثَاءِ الَّذِي تَرَاهُ فوق السيل. ﴿أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥] أَسْوَدَ بَعْدَ الْخُضْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَأَ إِذَا جَفَّ وَيَبِسَ اسْوَدَّ. [٦، ٧] ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ [الأعلى: ٦] سَنُعَلِّمُكَ بِقِرَاءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ، ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] أَنْ تَنْسَاهُ وَمَا نَسَخَ اللَّهُ تلاوته من القرآن، ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ [الأعلى: ٧] مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٧] مِنْهُمَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ والعلانية. [٨] ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: نُهَوِّنُ عَلَيْكَ عَمَلَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عباس: نيسرك لأن تعمل خيرا، واليسرى عَمَلُ الْخَيْرِ. وَقِيلَ: نُوَفِّقُكَ لِلشَّرِيعَةِ اليسرى وهي الحنيفية السمحة. [٩] ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] عِظْ بِالْقُرْآنِ، ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ، وَالْمَعْنَى: نَفَعَتْ أَوْ لم تنفع. [١٠] ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] سيتعظ، ﴿مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠] الله . [١١] ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ [الأعلى: ١١] أَيْ يَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا، ﴿الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: ١١] الشَّقِيُّ فِي عِلْمِ اللَّهِ. [١٢] ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢] الْعَظِيمَةَ وَالْفَظِيعَةَ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ وَأَشَدُّ حَرًّا مِنْ نَارِ الدُّنْيَا. [١٣] ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ [الأعلى: ١٣] فيستريح، ﴿وَلَا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] حَيَاةً تَنْفَعُهُ. [١٤] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ زَاكِيًا. وَقَالَ آخرون: هو صَدَقَةَ الْفِطْرِ. [١٥] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] قَالَ: خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ فَصَلَّى صلاته، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ. [١٦] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] [١٧] ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] قَالَ عَرْفَجَةُ الْأَشْجَعِيُّ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ لَنَا: أَتَدْرُونَ لِمَ آثَرْنَا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: لِأَنَّ الدُّنْيَا أُحْضِرَتْ وَعُجِّلَ لَنَا طَعَامُهَا وَشَرَابُهَا وَنِسَاؤُهَا وَلَذَّاتُهَا وَبَهْجَتُهَا، وَأَنَّ الْآخِرَةَ نُعِتَتْ لَنَا وَزُوِيَتْ عَنَّا فَأَحْبَبْنَا الْعَاجِلَ وتركنا الآجل. [١٨] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] إلى أَرْبَعِ آيَاتٍ، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] أي الْكُتُبِ الْأُولَى الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ الْقُرْآنِ ذَكَرَ فِيهَا فَلَاحَ الْمُتَزَكِّي وَالْمُصَلِّي وَإِيثَارَ الْخَلْقِ

стр. 1008

الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى. [١٩] ثُمَّ بَيَّنَ الصُّحُفَ فَقَالَ: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٩] قَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ في صحف إبراهيم وموسى. [سورة الغاشية] [قوله تعالى هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ] خَاشِعَةٌ. . . (٨٨) سورة الغاشية [١] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] قَدْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْقِيَامَةِ تَغْشَى كُلَّ شَيْءٍ بِالْأَهْوَالِ. [٢] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: ٢] يعني يوم القيامة، ﴿خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ذليلة. [٣] ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الَّذِينَ عَمِلُوا وَنَصَبُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِثْلَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا فِي ضَلَالَةٍ، يَدْخُلُونَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَى النَّصَبِ الدَّأْبُ فِي الْعَمَلِ بالتعب، وقال عكرمة والسدي: عامدة فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي، نَاصِبَةٌ فِي الآخرة في النار، وقال الْحَسَنُ: لَمْ تَعْمَلْ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا فَأَعْمَلَهَا وَأَنْصَبَهَا فِي النَّارِ. [٤] ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ حَمِيَتْ فَهِيَ تَتَلَظَّى عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ. [٥] ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْحَرَارَةِ قَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهَا جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إِلَيْهَا وِرْدًا عِطَاشًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَوْ وَقَعَتْ مِنْهَا قَطْرَةٌ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ، هَذَا شَرَابُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ طَعَامَهُمْ فَقَالَ: [٦ - ٧] ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قال مجاهد: هُوَ نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لَاطِئٍ بِالْأَرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشَّبْرَقَ فَإِذَا هَاجَ سُمَّوْهَا الضَّرِيعَ، وَهُوَ أَخْبَثُ طعام وأبشعه، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الضَّرِيعَ الشَّوْكُ الْيَابِسُ الذي ليس لَهُ وَرَقٌ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ شوك من نار ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] [٨] ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْجَنَّةِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] قَالَ مُقَاتِلٌ: فِي نِعْمَةٍ وَكَرَامَةٍ. [٩] ﴿لِسَعْيِهَا﴾ [الغاشية: ٩] في الدنيا، ﴿رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] فِي الْآخِرَةِ حِينَ أُعْطِيَتِ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهَا. [١٠ - ١١] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ - لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١٠ - ١١] لغوا وباطلا. [١٢- ١٤] ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ - فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ - وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢ - ١٤] عندهم. [١٥] ﴿وَنَمَارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] وسائد ومرافق، ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] بَعْضُهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ وَاحِدَتُهَا نُمْرُقَةٌ بضم النون. [١٦] ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] يعني البسط العريضة ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] مَبْسُوطَةٌ، وَقِيلَ: مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْمَجَالِسِ. [١٧] ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا فِي الْجَنَّةِ عَجِبَ مِنْ ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكر

стр. 1009

لهم اللَّهُ - تَعَالَى - صُنْعَهُ فَقَالَ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل أعظم عَيْشِ الْعَرَبِ، لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كثيرة فكما صَنَعَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا صَنَعَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِيهَا مَا صنع. [١٨] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَنَالَهَا شيء يغيرها. [١٩] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُرْسَاةً لَا تَزُولُ. [٢٠] ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] بُسِطَتْ، قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ الْإِبِلِ أَوْ يَرْفَعَ مِثْلَ السَّمَاءِ أَوْ يَنْصِبَ مِثْلَ الْجِبَالِ أَوْ يَسْطَحَ مِثْلَ الْأَرْضِ غَيْرِي؟ [٢١ - ٢٢] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ - لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] بِمُسَلَّطٍ فَتَقْتُلَهُمْ وَتُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. [٢٣] ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾ [الغاشية: ٢٣] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ مَعْنَاهُ لكن من تولى، ﴿وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] بَعْدَ التَّذْكِيرِ. [٢٤] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو أن بدخله النار. وإنما قالط الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ. [٢٥] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] رُجُوعَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، يُقَالُ: آبَ يئوت أوبا وإيابا. [٢٦] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغَاشَيَةِ: ٢٦] يَعْنِي جَزَاءَهُمْ بَعْدَ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ . [سُورَةُ الْفَجْرَ] [قوله تعالى وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ] . . . (٨٩) سورة الفجر [١] ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْفَجْرِ، رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ انْفِجَارُ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ. وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وقال عطية عنه: صلاة لصبح، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ فَجْرُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ تَنْفَجِرُ مِنْهُ السَّنَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَجْرُ ذِي الحجة لأنه قرن بِهِ اللَّيَالِي الْعَشْرُ. [٢] ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر الأول من شهر رمضان. وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عباس قال: هِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رمضان. وقال يمن بْنُ رَبَابٍ: هِيَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ الَّتِي عَاشِرُهَا يَوْمُ عاشوراء. [٣] ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] اختلفوا فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، قِيلَ: الشَّفْعُ الْخَلْقُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨] وَالْوَتْرُ: هُوَ اللَّهُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ: الشَّفْعُ الْخَلْقُ كله، والوتر هو الله، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الْإِخْلَاصِ: ١] قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ: الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ الْخَلْقُ كُلُّهُ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وَتْرٌ. وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هُوَ الْعَدَدُ مِنْهُ شَفْعٌ وَمِنْهُ وَتْرٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَمَا الصَّلَوَاتُ منها شفع ومنها وتر. [٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أَيْ إِذَا سَارَ وَذَهَبَ كَمَا قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣٣] وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا جَاءَ وَأَقْبَلَ وَأَرَادَ كل ليلة. [٥] ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾ [الفجر: ٥] أي فيما ذكرت، ﴿قَسَمٌ﴾ [الفجر: ٥] أَيْ مَقْنَعٌ وَمُكْتَفًى فِي الْقَسَمِ، ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] للذي عَقْلٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْجُرُ صَاحِبَهُ عَمًّا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، وَأَصْلُ الْحَجْرِ الْمَنْعُ وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ قَوْلُهُ : [٦ - ٧] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفجر: ٦] قَالَ الفَرَّاءُ: أَلَمْ تُخْبَرْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَلَمْ تَعْلَمْ وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ. ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ - إِرَمَ﴾ [الفجر: ٦ - ٧] يُخَوِّفُ أَهْلَ مَكَّةَ يَعْنِي كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ، وَهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ أَعْمَارًا وَأَشَدَّ قُوَّةً مِنْ هَؤُلَاءِ، وَاخْتَلَفُوا في إرم فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] دِمَشْقُ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: هِيَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هي أمة.

стр. 1010

وقيل: معناه الْقَدِيمَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هُمْ قبيلة من عاد. [٨] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٨] وَسُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِهَذَا لِأَنَّهُمْ كانوا أَهْلَ عُمُدٍ وَخِيَامٍ وَمَاشِيَةٍ سَيَّارَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِطُولِ قَامَتِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يعني طولهم مثل العماد. وَقَوْلُهُ: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) ، أَيْ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ فِي الطُّولِ وَالْقُوَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وَقِيلَ: سُمُّوا ذَاتَ الْعِمَادِ لِبِنَاءٍ بناه بعضهم. [٩] ﴿وَثَمُودَ﴾ [الفجر: ٩] أَيْ وَبِثَمُودَ، ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾ [الفجر: ٩] قطعوا الحجر، ﴿بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] يَعْنِي وَادِي الْقُرَى كَانُوا يَقْطَعُونَ الجبال فيجعلون فيها بيوتا. [١٠] ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: ١٠] سُمِّي بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْأَوْتَادِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سورة ص (١) . [١١] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ١١] يَعْنِي عَادًا وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ عَمِلُوا فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَتَجَبَّرُوا. [١٢ - ١٣] ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ - فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٢ - ١٣] قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لَوْنًا مِنَ الْعَذَابِ صَبَّهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هَذَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ السَّوْطَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ الْعَذَابِ، فَجَرَى ذَلِكَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ. قال الزَّجَّاجُ: جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهُمْ بِهِ الْعَذَابَ. [١٤] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِحَيْثُ يرى ويسمع ويبصر ما تقول وتفعل وتهجس به العباد. قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَلَيْهِ طَرِيقُ الْعِبَادِ لَا يَفُوتُهُ أَحَدٌ. قَالَ مُقَاتِلٌ: مَمَرُّ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَالْمِرْصَادُ وَالْمَرْصَدُ: الطَّرِيقُ. وَقِيلَ: مَرْجِعُ الْخَلْقِ إِلَى حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ وَإِلَيْهِ مَصِيرُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ: يَرْصُدُ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ كَمَا لَا يَفُوتُ مَنْ هُوَ بِالْمِرْصَادِ. [١٥] ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ [الفجر: ١٥] امتحنه، ﴿رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥] بالنعمة، ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] بالمال، ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] بِمَا وَسَّعَ عَلَيْهِ، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] بِمَا أَعْطَانِي. [١٦] ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ [الفجر: ١٦] بالفقر، ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. وَقِيلَ: قَدَّرَ بِمَعْنَى قَتَّرَ وَأَعْطَاهُ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] أَذَلَّنِي بِالْفَقْرِ، وَهَذَا يَعْنِي بِهِ الْكَافِرَ تَكُونُ الْكَرَامَةُ وَالْهَوَانُ عِنْدَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وقلته. [قوله تعالى كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . . .] [١٧] فقال: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: ١٧] لم أبتله بالمغنى لِكَرَامَتِهِ وَلَمْ أَبْتَلِهِ بِالْفَقْرِ لِهَوَانِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِكْرَامَ وَالْإِهَانَةَ لَا تَدُورُ عَلَى الْمَالِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى بِتَقْدِيرِهِ فَيُوَسِّعُ على الكافر لا لكرامته، وبقدر عَلَى الْمُؤْمِنِ لَا لِهَوَانِهِ، إِنَّمَا يكرم المرء

стр. 1011

بطاعته ويهينه بمعصيته، ﴿بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] لا تحسنوا إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا تُعْطُونَهُ حَقَّهُ. [١٨] ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أَيْ لَا تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ (تَحَاضُّونَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا أَيْ لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ. [١٩] ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ [الفجر: ١٩] أي الميراث، ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] شديدا يَأْكُلَ نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ، وَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهُمْ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْأَكْلُ اللَّمُّ الَّذِي يَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ يَجِدُهُ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ، وَيَأْكُلُ الَّذِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ. [٢٠] ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أي كثيرا يعني يحبون جمع المال ويولعون به، يقال: جم المال فِي الْحَوْضِ إِذَا كَثُرَ وَاجْتَمَعَ. [٢١] ﴿كَلَّا﴾ [الفجر: ٢١] مَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَيْ لَا يفعلون ما أمروا به من إكرام الْيَتِيمِ وَإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تَلَهُّفِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكُسِرَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ جَبَلٍ وَبِنَاءٍ وَشَجَرٍ فَلَمْ يَبْقَ عَلَى ظهرها شيء. [٢٢] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ صُفُوفَ الْمَلَائِكَةِ، وَأَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ صَفٌّ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ الضَّحَّاكُ: أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ إِذَا نَزَلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانُوا صَفًا مُخْتَلِطِينَ بِالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا فَيَكُونُ سَبْعَ صُفُوفٍ. [٢٣] ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ﴾ [الفجر: ٢٣] يَعْنِي يَوْمَ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ، ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ [الفجر: ٢٣] يَتَّعِظُ وَيَتُوبُ الْكَافِرُ، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] قَالَ الزَّجَّاجُ: يُظْهِرُ التَّوْبَةَ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ التَّوْبَةُ. [٢٤] ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أَيْ قَدَّمُتُ الْخَيْرَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ لِحَيَاتِي فِي الْآخِرَةِ، أَيْ لِآخِرَتِي الَّتِي لَا مَوْتَ فِيهَا. [٢٥، ٢٦] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ - وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦] بِفَتْحِ الذَّالِ وَالثَّاءِ عَلَى مَعْنَى لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يُوثَقُ كوثاقه يَوْمَئِذٍ، وَقِيلَ: هُوَ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، يَعْنِي لَا يُعَذَّبُ كَعَذَابِ هَذَا الْكَافِرِ أَحَدٌ، وَلَا يُوثَقُ كَوَثَاقِهِ أَحَدٌ، بِكَسْرِ الذَّالِ وَالثَّاءِ، أَيْ لَا يعذب أحد من الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ الْكَافِرَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يُوثَقُ كَوَثَاقِهِ أَحَدٌ، يَعْنِي لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ كَبَلَاغِ اللَّهِ فِي الْعَذَابِ، وَالْوَثَاقِ وهو الْإِسَارُ فِي السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ. [٢٧] قَوْلُهُ : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] إلى ما وعد الله المصدقة بما قال الله. [٢٨] ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] إلى الله، ﴿رَاضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٨] بالثواب، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] عنك. [٢٩] ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَيْ مَعَ عِبَادِي فِي جَنَّتِي. وَقِيلَ: فِي جُمْلَةِ عِبَادِي الصَّالِحِينَ المطيعين المصطفين. [٣٠] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] [سورة البلد] [قوله تعالى لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا] الْبَلَدِ. . . (٩٠) سورة البلد [١] ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١] يعني أقسم، ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [الْبَلَدِ: ١] يَعْنِي مَكَّةَ. [٢] ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ [البلد: ٢] أي حلال، ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [الْبَلَدِ: ٢] تَصْنَعُ فِيهِ مَا تُرِيدُ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإثم، أحل اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، حَتَّى قَاتَلَ وَقَتَلَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، ومِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ وَغَيْرِهِمَا، فَأَحَلَّ دِمَاءَ قَوْمٍ وَحَرَّمَ دِمَاءَ قَوْمٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمَّا أَقْسَمَ بِمَكَّةَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عظيم قدرها من حُرْمَتِهَا فَوَعَدَ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّهُ يَحِلُّهَا لَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ فِيهَا، وَأَنْ يَفْتَحَهَا عَلَى يَدِهِ

стр. 1012

فَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ بأن يحلها له. [٣] ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣] يَعْنِي آدَمَ ﵇ وَذُرِّيَّتَهُ. [٤] ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] رَوَى الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي نَصَبٍ. قَالَ الْحَسَنُ: يُكَابِدُ مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَشَدَائِدَ الْآخِرَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي مَشَقَّةٍ فَلَا تَلْقَاهُ إلا يكابد أمر الدنيا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فِي شِدَّةٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ حَمْلِهِ وَوِلَادَتِهِ وَرَضَاعِهِ، وَفِطَامِهِ وَفِصَالِهِ وَمَعَاشِهِ وحياته وموته. [٥] ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥] أَيْ يَظُنُّ مِنْ شِدَّتِهِ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ اللَّهُ - تَعَالَى -. [٦] ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ﴾ [البلد: ٦] يعني أنفقت، ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] أَيْ كَثِيرًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ مِنَ التَّلْبِيدِ فِي عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . [٧] ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: أَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرَهُ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ مِنْ أين اكتسبه وأين أنفقه؟ [٨، ٩] فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ - وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ٩] قَالَ قَتَادَةُ: نِعَمُ اللَّهِ مُتَظَاهِرَةٌ يقررك بها كيما تشكر. [١٠] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ قَالَ: الثَّدْيَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المسيب والضحاك، والنجد: طريق ارتفاع. [١١] ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] يَقُولُ: فَهَلَّا أَنْفَقَ مَالَهُ فِيمَا يجوز به العقبة مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ وَإِطْعَامِ السَّغْبَانِ، فَيَكُونُ خَيْرًا لَهُ مِنْ إِنْفَاقِهِ عَلَى عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أَيْ لَمْ يَقْتَحِمْهَا وَلَا جَاوَزَهَا. وَالِاقْتِحَامُ: الدُّخُولُ فِي الْأَمْرِ الشَّدِيدِ، وَذِكْرُ الْعَقَبَةِ هَاهُنَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَجَعَلَهُ كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول لَمْ يَحْمِلْ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ بِعِتْقِ الرَّقَبَةِ وَلَا طَعَامٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ شَبَّهَ ثِقَلَ الذُّنُوبِ عَلَى مُرْتَكِبِهَا بِعَقَبَةٍ فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً وَأَطْعَمَ كَانَ كَمَنِ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَجَاوَزَهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ هَذِهِ الْعَقَبَةَ جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: عَقَبَةٌ شَدِيدَةٌ فِي النَّارِ دُونَ الْجِسْرِ، فَاقْتَحَمُوهَا بطاعة الله - تعالى -. وقال ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ فَهَلَّا سَلَكَ الطريق التي فيها النجاة ثُمَّ بَيَّنَ مَا هِيَ فَقَالَ: [١٢- ١٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ - فَكُّ رَقَبَةٍ - أَوْ إِطْعَامٌ﴾ [البلد: ١٢ - ١٤] أراد بِفَكِّ الرَّقَبَةِ إِعْتَاقَهَا وَإِطْلَاقَهَا، وَمَنْ أعتق رقبة كانت الرقبة فداءه من النار، وَقَالَ عِكْرِمَةُ قَوْلُهُ: (فَكُّ رَقَبَةٍ) يَعْنِي فَكَّ رَقَبَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ. ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] مَجَاعَةٍ،

стр. 1013

يُقَالُ: سَغَبَ يَسْغُبُ سَغْبًا إِذَا جاع. [١٥] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] أَيْ ذَا قَرَابَةٍ يُرِيدُ يَتِيمًا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ. [١٦] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ فَقْرِهِ وَضُرِّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَطْرُوحُ فِي التُّرَابِ لا يقيه شيء. والمتربة مَصْدَرُ تَرِبَ يَتْرَبُ تَرَبًا وَمَتْرَبَةً إِذَا افْتَقَرَ. [١٧] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ثم بين أن هذا الْقُرَبَ إِنَّمَا تَنْفَعُ مَعَ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: (ثُمَّ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، ﴿وَتَوَاصَوْا﴾ [البلد: ١٧] أوصى بعضهم بعضا، ﴿بِالصَّبْرِ﴾ [البلد: ١٧] عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] بِرَحْمَةِ النَّاسِ. [١٨- ٢٠] ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ١٨ - ٢٠] مُطْبَقَةٌ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُهَا لَا يَدْخُلُ فِيهَا رَوْحٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا غم، يُقَالُ: آصَدْتُ الْبَابَ وَأَوْصَدْتُهُ إِذَا أغلقته وأطبقته. [سورة الشمس] [قوله تعالى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا . .] . (٩١) سورة الشمس [١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] قال مجاهد والكلبي: ضوؤها، وَالضُّحَى: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَيَصْفُو ضوؤها. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حَرُّهَا، كَقَوْلِهِ فِي طه: ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] يَعْنِي لَا يُؤْذِيكَ الْحَرُّ. [٢] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] تَبِعَهَا وَذَلِكَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، تَلَاهَا الْقَمَرُ فِي الْإِضَاءَةِ وَخَلَفَهَا فِي النُّورِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَذَلِكَ حين استدار يعني كمل ضوؤه فصار تَابِعًا لِلشَّمْسِ فِي الْإِنَارَةِ وَذَلِكَ فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ. [٣] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: ٣] يَعْنِي إِذَا جَلَّى الظُّلْمَةَ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا. [٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤] يَعْنِي يَغْشَى الشَّمْسَ حِينَ تَغِيبُ فَتُظْلِمُ الْآفَاقُ. [٥] ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَمَنْ بَنَاهَا وَخَلَقَهَا، وقال عطاء: يريد وَالَّذِي بَنَاهَا. وَقَالَ الفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: (مَا) بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَبِنَائِهَا كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧] [٦] ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦] بسطها. [٧] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] عَدَلَ خَلْقَهَا وَسَوَّى أَعْضَاءَهَا، قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ جَمِيعَ مَا خَلَقَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. [٨] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: بَيَّنَ لَهَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطِيَّةَ: عَلَّمَهَا الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ. وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عنه: عرفها ما تأتي وما تتقي. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ فِيهَا ذَلِكَ يَعْنِي بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهَا لِلتَّقْوَى، وَخِذْلَانِهِ إِيَّاهَا لِلْفُجُورِ. وَاخْتَارَ الزَّجَّاجُ هَذَا، وَحَمَلَ الْإِلْهَامَ عَلَى التَّوْفِيقِ وَالْخِذْلَانِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِي الْمُؤْمِنِ التَّقْوَى وَفِي الْكَافِرِ الفجور. [٩] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩] وَهَذَا مَوْضِعُ الْقَسَمِ أَيْ فَازَتْ وَسَعِدَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، أَيْ أَصْلَحَهَا وَطَهَّرَهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَوَفَّقَهَا لِلطَّاعَةِ. [١٠] ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي خانت وَخَسِرَتْ نَفْسٌ أَضَلَّهَا اللَّهُ فَأَفْسَدَهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ فَأَصْلَحَهَا وَحَمَلَهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) أَهْلَكَهَا وَأَضَلَّهَا وَحَمَلَهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَجَعَلَ الفعل للنفس، ودساها أَصْلُهُ: دَسَّسَهَا مِنَ التَّدْسِيسِ، وَهُوَ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ الثَّانِيَةُ ياء، وَالْمَعْنَى هَاهُنَا: أَخْمَلَهَا وَأَخْفَى مَحَلَّهَا بالكفر والمعصية. [١١] قَوْلُهُ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١] بِطُغْيَانِهَا وَعُدْوَانِهَا أَيِ الطُّغْيَانُ حَمَلَهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ.

стр. 1014

[١٢] ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] أَيْ قَامَ، وَالِانْبِعَاثُ: هُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الطَّاعَةِ لِلْبَاعِثِ، أَيْ كَذَّبُوا بِالْعَذَابِ وَكَذَّبُوا صَالِحًا لَمَّا انْبَعَثَ أَشْقَاهَا وَهُوَ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ، وكان أشقر أزرق قصيرا قام لعقر الناقة. [١٣] ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣] صالح، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣] أَيِ احْذَرُوا عَقْرَ نَاقَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى ذروا ناقة الله، ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] شُرْبَهَا أَيْ ذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ وَذَرُوا شُرْبَهَا مِنَ الْمَاءِ، فَلَا تَعْرِضُوا لِلْمَاءِ يَوْمَ شُرْبِهَا. [١٤ - ١٥] ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤] يعني صالحا، ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] يَعْنِي النَّاقَةَ. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤] قَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ: فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ ربهم فأهلكهم. قال المدرج: الدمدمة الهلاك باستئصال. ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤] بتكذيبهم الرسول وعقرها الناقة، ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] فَسَوَّى الدَّمْدَمَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَعَمَّهُمْ بِهَا فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: سَوَّى الْأُمَّةَ وَأَنْزَلَ الْعَذَابَ بِصَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، يَعْنِي سَوَّى بينهم، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥] عَاقِبَتَهَا. قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ لَا يَخَافُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ تَبِعَةً في إهلاكهم. وهي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى العاقر فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إذا انْبَعَثَ أَشْقَاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا. [سورة الليل] [قوله تعالى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى] . . . (٩٢) سورة الليل [١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أَيْ يَغْشَى النَّهَارَ بِظُلْمَةٍ فَيَذْهَبُ بضوئه. [٢] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] بَانَ وَظَهَرَ مِنْ بَيْنِ الظُّلْمَةِ. [٣] ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] يعني ومن خلق، وقيل: هي (ما) المصدرية أي خلق الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: يعني آدم وحواء. [٤] قوله ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] إِنْ أَعْمَالَكُمْ لِمُخْتَلِفَةٌ فَسَاعٍ فِي فِكَاكِ نَفْسِهِ وَسَاعٍ فِي عَطَبِهَا. [٥] ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] (أَعْطَى) مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، (واتقى) ربه. [٦] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ: وَصَدَّقَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهِيَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْجَنَّةِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] يعني الجنة. وقيل: صدق بِالْحُسْنَى أَيْ بِالْخَلَفِ، أَيْ أَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَيَخْلُفُهُ. وَهِيَ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَهُ أي يفي به. [٧] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٧] فسنهيئه في الدنيا، ﴿لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] أَيْ لِلْخَلَّةِ الْيُسْرَى وَهِيَ الْعَمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ .

стр. 1015

[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] عَنْ ثَوَابِ اللَّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ فِيهِ. [٩، ١٠] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٩ - ١٠] سنهينه لِلشَّرِّ بِأَنْ نُجْرِيَهُ عَلَى يَدَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَ بِمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، فَيَسْتَوْجِبُ بِهِ النَّارَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: نُعَسِّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ خيرا. [١١] ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ [الليل: ١١] الَّذِي بَخِلَ بِهِ، ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١] قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا مَاتَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو صَالِحٍ: هَوَى فِي جهنم. [١٢] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢] يَعْنِي الْبَيَانَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الْهُدَى مِنْ طَرِيقِ الضَّلَالِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، قَالَ: عَلَى اللَّهِ بَيَانُ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَعْنِي مَنْ سَلَكَ الْهُدَى فَعَلَى اللَّهِ سَبِيلُهُ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النَّحْلِ: ٩] يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَهُوَ عَلَى السَّبِيلِ الْقَاصِدِ. [١٣] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٣] فَمَنْ طَلَبَهُمَا مِنْ غَيْرِ مَالِكِهِمَا فقد أخطأ الطريق. [١٤] ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ [الليل: ١٤] يَا أَهْلَ مَكَّةَ ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أَيْ تَتَلَظَّى يَعْنِي تَتَوَقَّدُ وَتَتَوَهَّجُ. [١٥ - ١٦] ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] الرسول، ﴿وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٦] عن الإيمان. [١٧] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] يُرِيدُ بِالْأَشْقَى الشَّقِيَّ، وَبِالْأَتْقَى التَّقِيَّ. [١٨] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ [الليل: ١٨] يعطي ماله، ﴿يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨] يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زَاكِيًا لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَبْتَاعُ الضَّعْفَةَ فَيُعْتِقُهُمْ، فَقَالَ أَبُوهُ: أَيْ بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ تَبْتَاعُ مَنْ يَمْنَعُ ظَهْرَكَ؟ قَالَ: مَنْعَ ظَهْرِي أُرِيدُ، فنزل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخر السورة. [١٩] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] يد يكافئه عليها. [٢٠] ﴿إِلَّا﴾ [الليل: ٢٠] لَكِنْ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] يَعْنِي لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُجَازَاةً لِأَحَدٍ بِيَدٍ لَهُ عِنْدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى في الدار الآخرة. [٢١] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٢١] بِمَا يُعْطِيهِ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالْكَرَامَةِ جَزَاءً عَلَى مَا فَعَلَ. [سُورَةُ الضحى] [قوله تعالى وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ] وَمَا قَلَى. . . (٩٣) سورة الضحى [١] قوله : ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١] أَقْسَمَ بِالضُّحَى وَأَرَادَ بِهِ النَّهَارَ كُلَّهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِاللَّيْلِ إذا سجى، نظيره قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ [الْأَعْرَافِ: ٩٨] أَيْ نَهَارًا. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي وَقْتَ الضُّحَى، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي فِيهَا ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ، وَاعْتِدَالُ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالصَّيْفِ والشتاء، [٢] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] قَالَ الْحَسَنُ: أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْوَالِبِيُّ عَنْهُ: إِذَا ذَهَبَ، قَالَ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: غَطَّى كُلَّ شَيْءٍ بِالظُّلْمَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اسْتَوَى. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: سَكَنَ وَاسْتَقَرَّ ظَلَامُهُ فَلَا يَزْدَادُ بَعْدَ ذَلِكَ. يُقَالُ: لَيْلٌ سَاجٍ وَبَحْرٌ ساج إذا كان ساكنا. [٣] ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ: أَيْ مَا تَرَكَكَ مُنْذُ اخْتَارَكَ وَلَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ. [٤ - ٥] ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى - وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضَّحَى: ٤ - ٥] قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ الشَّفَاعَةُ فِي أُمَّتِهِ حَتَّى يَرْضَى، وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَالْحَسَنِ، قيل: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) مِنَ الثَّوَابِ. وَقِيلَ: مِنَ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ وَكَثْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، (فَتَرْضَى) . ثُمَّ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْ حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْوَحْيِ، وَذَكَّرَهُ نِعَمَهُ فَقَالَ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: [٦] ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا

стр. 1016

صَغِيرًا فَقِيرًا حِينَ مَاتَ أَبَوَاكَ وَلَمْ يُخَلِّفَا لَكَ مَالًا وَلَا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، وضمك إِلَى عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وَكَفَاكَ الْمُؤْنَةَ. [٧] ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] يَعْنِي ضَالًّا عَمًّا أَنْتَ عَلَيْهِ فَهَدَاكَ لِلتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ: قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ كَيْسَانَ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) عَنْ مَعَالِمَ النُّبُوَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ غافلا عنها، فهداك إليها، وَقِيلَ: ضَالًّا فِي شِعَابِ مَكَّةَ فَهَدَاكَ إِلَى جَدِّكَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. [٨] ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ بِمَالِ خَدِيجَةَ ثم بالغنائم، وقال مقاتل: فرضاك بِمَا أَعْطَاكَ مِنَ الرِّزْقِ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ وَلَكِنَّ اللَّهَ رضاه بِمَا آتَاهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْغِنَى. ثُمَّ أَوْصَاهُ بِالْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ. [٩] فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لا تحتقر الْيَتِيمَ فَقَدْ كُنْتَ يَتِيمًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: لَا تَقْهَرْهُ عَلَى مَالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ لِضَعْفِهِ، وَكَذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي أَمْرِ الْيَتَامَى، تَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ وَتَظْلِمُهُمْ حُقُوقَهُمْ. [١٠] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ السَّائِلَ عَلَى الْبَابِ، يَقُولُ: لَا تَنْهَرْهُ لَا تَزْجُرْهُ إِذَا سَأَلَكَ، فَقَدْ كُنْتَ فَقِيرًا فَإِمَّا أَنْ تُطْعِمَهُ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّهُ رَدًّا لَيِّنًا، يُقَالُ: نَهَرَهُ وَانْتَهَرَهُ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلَامٍ يزجره. قال قَتَادَةُ: رُدَّ السَّائِلَ بِرَحْمَةٍ وَلِينٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: (أَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) ، قَالَ: طَالِبُ الْعِلْمِ. [١١] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] قال مجاهد: يعني النبوة، وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ مُجَاهِدٍ: يَعْنِي الْقُرْآنَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، أَمْرَهُ أن يقرأه، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: اشْكُرْ لِمَا ذُكِرَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ جَبْرِ الْيَتِيمِ وَالْهُدَى بعض الضَّلَالَةِ وَالْإِغْنَاءِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَالتَّحَدُّثِ بنعمة الله شكرا. [سورة الشرح] [قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . . .] (٩٤) سورة الشرح [١] ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] أَلَمْ نَفْتَحْ وَنُوَسِّعْ وَنُلَيِّنْ لَكَ قَلْبَكَ بِالْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ؟ ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: حططنا عَنْكَ الَّذِي سَلَفَ مِنْكَ فِي الجاهلية، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: يَعْنِي الْخَطَأَ وَالسَّهْوَ. وَقِيلَ: ذُنُوبُ أُمَّتِكَ فأضافها إليه لاشتغال قلبه بهم. [٣] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] أَثْقَلَ ظَهْرَكَ فَأَوْهَنَهُ حَتَّى سُمِعَ له نقيض أي صوت. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي خَفَّفْنَا عَنْكَ أعباء النبوة والقيام بأمرها.

стр. 1017

[٤] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: "إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» (١) وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) إذا ذكرت ذكرت. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالتَّشَهُّدَ وَالْخُطْبَةَ عَلَى الْمَنَابِرِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا عَبَدَ اللَّهَ وَصَدَّقَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ، وكان كافرا. ثُمَّ وَعَدَهُ الْيُسْرَ وَالرَّخَاءَ بَعْدَ الشِّدَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ في شدة. [٥ - ٦] فَقَالَ. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] أَيْ مَعَ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فيها من جهاد المشركين يسرا وَرَخَاءٌ بِأَنْ يُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقَادُوا لِلْحَقِّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كَرَّرَهُ لِتَأْكِيدِ الْوَعْدِ وَتَعْظِيمِ الرَّجَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرُوا قَدْ جَاءَكُمُ الْيُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . [٧] ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أَيْ فَاتْعَبْ وَالنَّصَبُ: التَّعَبُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ فِي الدُّعَاءِ، وَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ يُعْطِكَ. وَرَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا صَلَّيْتَ فَاجْتَهِدْ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فَادْعُ لِدُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّكَ فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ رَبِّكَ. وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ رَبِّكَ وَصَلِّ. وَقَالَ حَيَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَانْصَبْ، أَيِ: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. [٨] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] قَالَ عَطَاءٌ: تَضَرَّعْ إِلَيْهِ رَاهِبًا مِنَ النَّارِ رَاغِبًا فِي الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: فَارْغَبْ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيِ اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ. [سُورَةُ التين] [قوله تعالى وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ . . .] (٩٥) سورة التين [١] ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] قال ابن عباس: هو تينكم الَّذِي تَأْكُلُونَهُ وَزَيْتُونُكُمْ هَذَا الَّذِي تعصرون منه الزيت. وقيل: خَصَّ التِّينَ بِالْقَسَمِ لِأَنَّهَا فَاكِهَةٌ مختصة لا عجم فيها، شبيهة بفواكه الجنة. والزيتون شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ جَاءَ بِهَا الْحَدِيثُ وهو تمر وَدُهْنٌ يَصْلُحُ لِلِاصْطِبَاغِ وَالِاصْطِبَاحِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا جَبَلَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: التِّينُ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ والزيتون الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُمَا يُنْبِتَانِ التِّينَ وَالزَّيْتُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمَا مَسْجِدَانِ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: التِّينُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ والزيتون مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: التِّينُ مَسْجِدُ أَصْحَابِ الكهف والزيتون مسجد إيليا. [٢] ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] يَعْنِي الْجَبَلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ وَذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٠] [٣] ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣] أَيِ الْآمَنِ، يَعْنِي مَكَّةَ يَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، هذه أَقْسَامٌ وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: [٤] ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] أَعْدَلِ قَامَةٍ وَأَحْسَنِ صُورَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ حَيَوَانٍ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا الْإِنْسَانَ خَلَقَهُ مَدِيدَ الْقَامَةِ يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ مُزَيَّنًا بِالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ. [٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] يُرِيدُ إِلَى الْهَرَمِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، فينقص عقله ويضعف بدنه،

стр. 1018

وَالسَّافِلُونَ هُمُ الضُّعَفَاءُ وَالزَّمْنَى وَالْأَطْفَالُ، فالشيخ الكبير مِنْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَأَسْفَلَ سَافِلِينَ نكرة تعم الجنس وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (أَسْفَلَ السَّافِلِينَ) . وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: يَعْنِي ثُمَّ رَدَدْنَاهُ إِلَى النَّارِ، يَعْنِي إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، لِأَنَّ جَهَنَّمَ بَعْضُهَا أَسْفَلَ مِنْ بَعْضٍ. [٦] ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦] فَإِنَّهُمْ لَا يُرَدُّونَ إِلَى النَّارِ. وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، فَزَالَتْ عُقُولُهُمْ وَانْقَطَعَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَلَا يُكْتَبُ لَهُمْ حَسَنَةٌ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦] فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَالْخَرَفِ، مِثْلَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ في حال الشباب والصحة ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] غَيْرُ مَقْطُوعٍ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ. قَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْرٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ ثُمَّ قَالَ: إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ. [٧] ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ [التين: ٧] أيها الإنسان ﴿بَعْدُ﴾ [التين: ٧] أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، ﴿بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَالْمَعْنَى، أَلَا تَتَفَكَّرُ فِي صُورَتِكَ وَشَبَابِكَ وَهَرَمِكَ فَتَعْتَبِرُ وَتَقُولُ إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَنِي وَيُحَاسِبَنِي، فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالْمُجَازَاةِ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ. [٨] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يَحْكُمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ يا محمد. [سورة العلق] [قوله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . . .] (٩٦) سورة العلق [١] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَلَى أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وَالْمَعْنَى: اذْكُرِ اسْمَهُ، أُمِرَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقِرَاءَةَ بِاسْمِ اللَّهِ تَأْدِيبًا، ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْخَلَائِقَ ثُمَّ فسره فقال: [٢] ﴿خَلَقَ - خَلَقَ﴾ [العلق: ١ - ٢] يعني ابن آدم، ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] جمع علقة. [٣] ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣] كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْحَلِيمُ عَنْ جَهْلِ الْعِبَادِ لَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ. [٤] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] يَعْنِي الْخَطَّ وَالْكِتَابَةَ. [٥] ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] مِنْ أَنْوَاعِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ. وَقِيلَ: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. وَقِيلَ: الْإِنْسَانُ هَاهُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، بَيَانُهُ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النِّسَاءَ: ١١٣] [٦] ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ٦] حقا ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] لَيَتَجَاوَزُ حَدَّهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَلَى رَبِّهِ. [٧] ﴿أَنْ﴾ [العلق: ٧] لأن، ﴿رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] أَنْ رَأَى نَفْسَهُ غَنِيًّا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَرْتَفِعُ عَنْ مَنْزِلَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِمَا.

стр. 1019

[٨] ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] أي المرجع في الآخرة. [٩، ١٠] ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن الصلاة، وَمَعْنَى أَرَأَيْتَ هَاهُنَا تَعْجِيبٌ لِلْمُخَاطَبِ، وَكَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلتَّأْكِيدِ. [١١] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] يَعْنِي الْعَبْدَ الْمَنْهِيَّ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ . [١٢] ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] يَعْنِي بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ. [١٣] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] يعني أبا جهل، ﴿وَتَوَلَّى﴾ [العلق: ١٣] عَنِ الْإِيمَانِ، وَتَقْدِيرُ نَظْمِ الْآيَةِ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وهو على الهدى، وأمر بِالتَّقْوَى، وَالنَّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَمَا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا! [١٤] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ذلك فيجازيه به. [١٥] ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ١٥] لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [العلق: ١٥] عن إيذاء مُحَمَّدٍ ﷺ وتكذيبه، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] لنأخذن بناصيته فلنجرنه من النَّارِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٤١] يُقَالُ: سَفَعْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَخَذْتُهُ وَجَذَبْتُهُ جَذْبًا شَدِيدًا، والناصية: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ. [١٦] ثُمَّ قَالَ عَلَى الْبَدَلِ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] أَيْ صَاحِبُهَا كَاذِبٌ خَاطِئٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَهَى أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ انْتَهَرَهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال أبو جهل: أتنتهرني؟ فَوَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الْوَادِي إِنْ شِئْتَ خَيْلًا جُرْدًا وَرِجَالًا مردا. [١٧] قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أَيْ قَوْمَهُ وَعَشِيرَتَهُ، أَيْ فَلْيَسْتَنْصِرْ بهم. [١٨] ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] جَمْعُ زِبْنِيٌّ مَأْخُوذٌ مِنَ الزِّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَبَانِيَةَ جَهَنَّمَ سَمُّوا بِهَا لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ أَهْلَ النَّارِ إِلَيْهَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ الْغِلَاظُ الشِّدَادُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ. [١٩] ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [العلق: ١٩] لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أبو جهل، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] في ترك الصلاة، ﴿وَاسْجُدْ﴾ [العلق: ١٩] صل لله، ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] من الله. [سورة القدر] [قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . . .] (٩٧) سورة الْقَدْرِ [١] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ١] يَعْنِي الْقُرْآنَ كِنَايَةً عَنْ غير مذكور، أنه أَنْزَلَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ، ثُمَّ كَانَ يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً. [٢] ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ٢] سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامُ، يُقَدِّرُ اللَّهُ فِيهَا أَمْرَ السَّنَةِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ إِلَى السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رُفِعَتْ، وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ القيامة. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةٌ مِنْ ليالي السنة، وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: عَلَى أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، قَالَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَتْ صَبِيحَتُهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ. وَالصَّحِيحُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رمضان، أَبْهَمَ اللَّهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةَ، وَأَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ لِيَرْغَبُوا فِي جَمِيعِهَا، وَسُخْطَهُ فِي الْمَعَاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِهَا، وَأَخْفَى قِيَامَ السَّاعَةِ

стр. 1020

لِيَجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَاتِ حَذَرًا مِنْ قِيَامِهَا. [٣] ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] مَعْنَاهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مَنْ عَمِلِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. [٤] قَوْلُهُ : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇ مَعَهُمْ، ﴿فِيهَا﴾ [القدر: ٤] أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أَيْ بِكُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ. [٥] ﴿سَلَامٌ﴾ [القدر: ٥] قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ سَلَامٌ عَلَى أولياء الله وأهل طاعته. قال الشَّعْبِيُّ: هُوَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ مِنْ حين تَغِيبُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفجر. قال الكلبي: الملائكة ينزلون فيها كُلَّمَا لَقُوا مُؤْمِنًا أَوْ مُؤْمِنَةً سَلَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَلَامٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا، لَيْسَ فِيهَا شَرٌّ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلَا يَقْضِي إِلَّا السَّلَامَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ سَالِمَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا، وَلَا أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا أَذًى، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أي إلى مطلع الفجر. [سورة البينة] [قوله تعالى لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. . . (٩٨) سورة البينة [١] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] وهم اليهود والنصارى، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] وهم عبدة الأوثان، ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] زَائِلِينَ مُنْفَصِلِينَ، يُقَالُ: فَكَكْتُ الشَّيْءَ فَانْفَكَّ أَيِ انْفَصَلَ، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ١] لَفْظُهُ مُسْتَقْبَلٌ وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي أي حتى أتتهم الْحُجَّةُ الْوَاضِحَةُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ أَتَاهُمْ بِالْقُرْآنِ فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإسلام والإيمان، فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيمَنْ آمَنَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْكُفْرِ حَتَّى أَتَاهُمُ الرَّسُولُ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَآمَنُوا فَأَنْقَذَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالَةِ. [٢] ثُمَّ فَسَّرَ الْبَيِّنَةَ فَقَالَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾ [البينة: ٢] يقرأ، ﴿صُحُفًا﴾ [البينة: ٢] كتابا، يُرِيدُ مَا يَتَضَمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ الْمَكْتُوبِ فِيهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْلُو عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لا عن كتاب، قوله: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] مِنَ الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ وَالزُّورِ. [٣] ﴿فِيهَا﴾ [البينة: ٣] أي في الصحف، ﴿كُتُبٌ﴾ [البينة: ٣] يَعْنِي الْآيَاتِ وَالْأَحْكَامِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا، ﴿قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] عَادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ غَيْرُ ذَاتِ عِوَجٍ. [٤] ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [الْبَيِّنَةُ: ٤] أَيِ الْبَيَانُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمْ يَزَلْ أَهْلُ
следующие страницы →