Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
ابْنُ خَلِيلٍ، وَقَالَ (١): أَنْبَأْنَا أبُو الحَرَمِ مَكِّي بنُ أَبِي القَاسمِ الفَقِيْهِ الحَنْبَلِيِّ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الزَّيْدِيِّ الحَافِظِ الزَّاهِدُ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ "جُزْءَا" الشَّيْخُ الإِمَامُ العالِمُ الحَافِظُ، أَبُو إِسْحَقَ مَكِّيُّ. وَرَوى عَنْهُ اليَلْدَانِيُّ (٢)، وَأَجَازَ لابنِ أَبِي الدِّيْنَةِ (٣).
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمَعَةِ سَادِسَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، стр. 1017
وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" مُجَاوِرًا قَبْرَ بِشْرٍ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢١٧ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ القَادِرِ (١) بْنِ أَبِي صَالِحٍ الجِيْلِيُّ، ثُمَّ البَغْدادِيُّ الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، سَيْفُ الدِّينِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، ابنِ القُدْوَةِ الزَّاهِدِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَوُلِدَ فِي ثَانِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وابْنِ السَّمرْقَنْدِيِّ، وَسِنُّهُ يَحْتَمِلُ السَّمَاعَ مِنِ ابْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالحُضُوْرَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، لكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ ذَكَرُوا ذلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَلَوْ كَانَ ذلِكَ صَحِيْحًا لَقَدَّمُوا هَذَيْنِ عَلَى بَقِيَّةِ شُيُوخِهِ (٢) وَلكِنْ ذَكَرَ ابْنُ القَادِسِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، стр. 1018
وَأَسْمَعَهُ وَالِدُهُ فِي صِبَاهُ مِنْ أَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ صِرْمَا، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الوَقْتِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَرَأَ الفِقْهَ علَى وَالِدِهِ حَتَّى بَرَعَ فِيْهِ، وَدَرَّسَ نِيَابَةً عَنْ وَالِدِهِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَهُوَ حَيٌّ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى العِشْرِيْنَ مِنْ عُمُرِهِ، ثُمَّ استَقَلَّ بِالتَّدْرِيسِ بِهَا بَعْدَهُ، ثُمَّ نُزِعَتْ مِنْهُ لابْنِ الجَوْزِيِّ؛ لأَجْلِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) ثُمَّ رُدَّتْ إِلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِ ابْنِ يُونُسَ.
قَالَ ابنُ القَادِسِيِّ: كَانَ فَقِيْهًا مُجَوِّدًا، زَاهِدًا وَاعِظًا، وَلَهُ قَبُوْلٌ حَسَنٌ، وَتوَلَّى المَظَالِمَ للنَّاصِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثَمَانِينَ، وَكَانَ كَيِّسًا، ظَرِيْفًا مِنْ ظُرَفَاءِ أَهْلِ "بَغْدَادَ" مُتَمَاجِنًا (٢) وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ أَبِيْهِ أَفْقَهَ مِنْه، كَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا، حَسَنَ الكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، لَهُ لِسَانٌ فَصِيْحٌ فِي الوَعْظِ، وَإِيْرَادٌ مَلِيْحٌ، مَعَ عُذُوْبَةِ أَلْفَاظٍ، وَحِدَّةِ خَاطِرِ، وَكَانَ ظَرِيْفًا، لَطِيفًا، مَلِيْحَ النَّادِرَةِ، ذَا مَزْحٍ، وَدُعَابَةٍ، وَكَيَاسَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ مُرُوْءَةٌ، وَسَخَاوَةٌ، وَجَعَلَهُ الخَلِيْفَةُ النَّاصِرُ عَلَى المَظَالِمِ، وَكَانَ يُوْصِلُ إِلَيْهِ حَوَائِجَ النَّاسِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ يُرْسَلُ بِهِ مِنَ الدِّيْوَانِ إِلَى "الشَّامِ"، وَأَنَّ الخَلِيْفَةَ النَّاصِرُ بَنَى "رِبَاطَ الخِلَاطِيَّةِ" لَهُ، وَكَانَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ عِنْدَ العَامَّةِ أَيْضًا. قَالَ نَاصِحُ الدِّينِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: قَالَ الشَّيْخُ طَلْحَةُ - يَعْنِي العَلْثِيَّ - قَلَمُهُ стр. 1019
سَدِيْدٌ فِي الفَتْوَى. قَالَ أَبُو شَامَةَ: قِيْلَ لَهُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ: مَا تَقُولُ فِي أَهْلِ البَيْتِ؟ قَالَ: قَدْ أَعْمَوْنِي، وَكَانَ أَعْمَشَ، أَجَابَ عَنْ بَيْتِ نَفْسِهِ، وَقِيْلَ لَهُ يَوْمًا: بِأَيِّ شَيءٍ تَعْرِفُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ؟ قَالَ: بِلَيْمُوْنَةٍ، أَرَادَ: مَنْ تَخَضَّبَ يَزُوْلُ خِضَابُهُ بِلَيْمُوْنَةٍ.
وَقَالَ ابنُ البُزُوْرِيِّ: وَعَظَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: لَا شَكَّ يَكُوْنُ هَذَيَانَ، وَكَانَ لَهُ نَوَادِرُ كَثيرَةٌ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الغَزَّالِ الوَاعِظِ، وَابْنُ خَلِيْلٍ (١)، وَأَجَازَ لِمُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ بْنِ أَبِي الدِّيْنَةِ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ خَامِسِ عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِمَدْرَسَةِ وَالِدِهِ، وَحَضَرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الحَلْبَةِ (٢) عِنْدَ عَبْدِ الدَّائِمِ الوَاعِظِ الَّذِي تُنْسَبُ المَقْبَرَةُ إِلَيْهِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢١٨ - طَلْحَةُ بنُ مُظَفِّرِ (٣) بنِ غَانِمِ بنِ مُحَمَّدٍ العَلْثِيُّ، الفَقِيْهُ، الخَطِيْبُ، стр. 1020
المُحَدِّثُ الفَرَضِيُّ، النَّضَّارُ، المُفَسِّرُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، العَارِفُ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَقَلْتُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لَهُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ، قَالَ: نَشَأَ فِي "العَلْثِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" (١) وَحَفِظَ الكِتَابَ العَزِيزَ؛ وَقَرَأَ عَلَى عَلِيٍّ البَطَائِحِيِّ، وَالبُرْهَانِ بنِ الحُصْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى نَاصِحِ الإِسْلَامِ أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، فَصَارَ مُعِيْدًا عَلَيَّ وَعَلَى غَيْرِي، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يُعِيْدُ لَهُمْ دُرُوسَ الشَّيْخِ، قَالَ: وَانْتَفَعْنَا بِهِ كَثِيرًا، وَسَمِعَ الحَدِيثَ الكَثِيرُ، وَقَرَأَ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ، وَكَانَ يَقْرَأُ كِتَابَ "الجَمْهَرَةِ" عَلَى ابْن القَصَّارِ (٢) فَمِنْ سُرْعَةِ قِرَاءَتِهِ وَفَصَاحَتِهَا، قَالَ ابْنُ القَصَّارِ: هَذَا طَلْحَةُ يَحْفَظُ هَذَا الكِتَابِ؟ قَالُوا: لَا، وَكَانَ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ فَيَبْكِي، وَيَتْلُو القُرآنَ فِي الصَّلَاةِ وَيَبْكِي، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا، لَطِيفًا، أَدِيبًا فِي مُنَاظَرَتِهِ، لَا стр. 1021
المُحَدِّثُ الفَرَضِيُّ، النَّضَّارُ، المُفَسِّرُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، العَارِفُ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَقَلْتُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لَهُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ، قَالَ: نَشَأَ فِي "العَلْثِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" (١) وَحَفِظَ الكِتَابَ العَزِيزَ؛ وَقَرَأَ عَلَى عَلِيٍّ البَطَائِحِيِّ، وَالبُرْهَانِ بنِ الحُصْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى نَاصِحِ الإِسْلَامِ أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، فَصَارَ مُعِيْدًا عَلَيَّ وَعَلَى غَيْرِي، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يُعِيْدُ لَهُمْ دُرُوسَ الشَّيْخِ، قَالَ: وَانْتَفَعْنَا بِهِ كَثِيرًا، وَسَمِعَ الحَدِيثَ الكَثِيرُ، وَقَرَأَ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ، وَكَانَ يَقْرَأُ كِتَابَ "الجَمْهَرَةِ" عَلَى ابْن القَصَّارِ (٢) فَمِنْ سُرْعَةِ قِرَاءَتِهِ وَفَصَاحَتِهَا، قَالَ ابْنُ القَصَّارِ: هَذَا طَلْحَةُ يَحْفَظُ هَذَا الكِتَابِ؟ قَالُوا: لَا، وَكَانَ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ فَيَبْكِي، وَيَتْلُو القُرآنَ فِي الصَّلَاةِ وَيَبْكِي، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا، لَطِيفًا، أَدِيبًا فِي مُنَاظَرَتِهِ، لَا стр. 1022
فِي "تَارِيْخِهِ" (١) حِكَايَةً، وَقَالَ: (ثَنِي) طَلْحَةُ بنُ مُظَفَّرٍ الفَقِيْهُ: أَنَّهُ وُلِدَ عِنْدَهُمْ بـ "العَلْثِ" مَوْلُوْدٌ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَخَرَجَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَضْرَاسٍ.
قَالَ المُنْذِرِيُّ: تُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ بِزَاوِيَتِهِ بِـ "العَلْثِ" وَدُفِنَ هُنَاكَ، ﵀.
"وَالعَلْثُ" نَاحِيَةٌ قَرِيْبَةٌ مِنَ "الحَضِيْرَةِ" مِنْ نَوَاحِي "دُجَيْل" (٢) وَهِيَ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ اللَّامِ، وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مثَلَّثَةٌ.
وَخَلَّفَ الشَّيْخُ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، وَهُمْ: أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ قُدْوَةً، صَالِحًا، عَالِمًا. وَمُكَارِمٌ، وَمُظَفَّرٌ، وَكُلُّهُمْ سَمِعُوا الحَدِيْثَ وَحَدَّثُوا (٣). стр. 1023
٢١٩ - مَحْمُودُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ نَاصِرٍ البَغْدَادِيُّ الحَرْبِيُّ (٢)، الحَذَّاءُ، أَبُو البَرَكَاتِ، وَيُقَالُ: أَبُو الثَّنَاءِ، سَمِعَ مِنِ ابْنِ الطَّلَّايَةِ، وَعبْدِ الخَالِقِ بنِ يُوسُفَ، وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَأَقْرَأَ الفِقْهَ، وَحَدَّثَ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "بَغْدَادَ" ﵀.
٢٢٠ - عُبَيْدُ اللهِ (٣) بْنُ يُونُسَ (٤) بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ هِبَةِ اللهِ البَغْدَادِيُّ стр. 1024
الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، الفَرضِيُّ، الأُصُوْلِيُّ المُتَكَلِّمُ، الوَزِيْرُ، وَزِيْرُ الخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، جَلَالُ الدِّينِ، أَبُو المُظَفَّرِ بنُ أَبِي مَنْصُورِ بنِ أَبِي المَعَالِي.
٢٢١ - كَانَ وَالِدُهُ وَكِيْلًا لأُمِّ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ، وَكَانَ ذَا صَدَقَاتٍ، وَإِفْضَالٍ علَى العُلَمَاءِ، سَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَحَدَّثَ، وَحَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَتَمَتَّعَ عَمَلًا بِالمَذْهَبِ، وَعَادَ، وَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَنَابَهُ وَلَدُهُ هَذَا وَتُوُفِّيَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَشَيَّعَهُ الأَعْيَانُ، وَدُفِنَ بِـ "المَدَائِنِ" إِلَى جَانِبِ قَبْرِ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ، ﵁.
وَأَمَّا وَلَدُهُ هَذَا أَبُو المُظَفَّرِ: فَإِنَّهُ اشْتَغَلَ بِالعِلْمِ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِهِ إِلَى "هَمَذَانَ" وَقَرَأَ بِهَا بِبعْضِ الرِّوَايَاتِ علَى الحَافِظِ أَبِي العَلَاءِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ المُتَأَخِّرِيْنَ، مِثْلَ أَبِي الوَقْتِ، وَأَبي بَكْرِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَنَصْرٍ العُكْبُرِيِّ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ عَلَى أَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، ثُمَّ عَلَى صَدَقَةَ بنِ الحُسَيْنِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمَا القُرْآنَ، وَعَلَى صَدَقَةَ الأُصُوْلَ وَالكَلَامَ، وَاخْتَلَفَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ فِي طَلَبِ فُنُوْنٍ جَمَّةٍ مِنَ العُلُوْمِ، وَبَرَعَ فِي
стр. 1025
عِلْمِ الفَرَائِضِ وَالحِسَابِ وَالأَصْلَيْنِ وَالهَنْدَسَةِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي أَوْهَامِ أَبِي الخَطَّابِ الكَلْوَذَانِيِّ فِي الفَرَائِضِ وَالوَصَايَا، وَكِتَابًا فِي أُصُوْلِ الدِّينِ وَالمَقَالَاتِ، وَحَدَّثَ بِهِ فِي وِلَايَتِهِ الأَخِيْرَةِ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الفُضَلَاءُ، وَلَمْ يَتِمَّ سَمَاعَهُ، وَسَمِعَ مِنهُ الحَدِيْثَ عبْدُ العَزِيْزِ بنُ دُلَفٍ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ القَطِيْعِيِّ، وَبَالَغَ فِي مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَقَالَ: جُمِعَ فِيهِ خِصالٌ، الخَصْلَةُ مِنْهُنَّ تَكُوْنُ فِي الرَّجُلِ فَيَكُوْنُ مِنَ الكَامِلِينَ؛ إِذْ كَانَ اللهُ رَزَقَهُ حِفْظَ القُرْآنِ، وَالعِلْمَ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَالفَرَائِضَ، وَالكِتَابَ وَالحِسَابَ، وَالعِلْمَ بِالنَّحْوِ، وَالسُّنَّةِ، وَالأَخْبَارِ، وَأعْطَاهُ مِنْ شَرَفِ الأَخْلَاقِ، وَكَرَمِ الأَعْرَاقِ، وَالمَجْدِ المُؤَثَّلِ، وَالرَّأْيِ المُحَصَّلِ، وَالفَضْلِ وَالنَّجَابَةِ، وَالفَهْمِ وَالإِصَابَةِ، وَالقَرِيحَةِ الصَّافِيَةِ، وَالمَعْرِفَةِ بِكُلِّ فَضْلٍ وَفَضِيْلَةٍ، وَالسُّمُوِّ إِلَى كُلِّ دَرَجَةٍ رَفِيْعَةٍ نَبِيْلَةٍ مِنْ مَحْمُوْدِ الخِصَالِ، وَالفَضْلِ وَالكَمَالِ مَا يَطُوْلُ شَرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَنَقُّلَهُ فِي الوِلَايَاتِ حَتَّى وَلَّاهُ الخَلِيْفَةُ الوَزَارَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثِ وَثَمَانِيْنَ، وَجَلَسَ الخَلِيْفَةُ لَهُ وَخَوَاصُّ الدَّوْلَةِ لِخِلْعَتِهِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الدِّيْوَانِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيْعُ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ: قَاضِي القُضَاةِ أَبُو الحَسَنِ بنُ الدَّامَغَانِيِّ، وَالنَّقِيْبَانِ، وَجَمِيعُ الأُمَرَاءِ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا وَعْثًا ذَا وَحْلٍ (١)، وَهُمْ مُشَاةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ قَاضِي القُضَاةِ قَدْ تَوَقَّفَ فِي قَبُوْلِ شَهَادَةِ ابْنِ يُونُسَ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا إِلَّا بِكُرْهٍ، حَتَّى صَارَ مِنْ شُهُوْدِهِ، فَكَانَ يَمْشِي فِي ذلِكَ اليَوْمِ وَيَعْثُرُ، وَيَقُوْلُ: لَعَنَ اللهُ طُوْلَ العُمُرِ، وَمَاتَ القَاضِي ﵀ فِي آخِرِ تِلْكَ السَّنَةِ. стр. 1026
وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ أَرْسَلَ الخَلِيْفَةُ النَّاصِرُ الوَزِيْرَ ابْنَ يُونُسَ مَعَ عَسْكَرٍ عَظِيْمٍ لِمُحَارَبَةِ السُّلْطَانِ طُغْرُلَ بنِ أَرْسَلَانَ (١) فَلَقِيَهُمْ طُغْرُلَ بِقُرْبِ "هَمَذَانَ" فَتَفَرَّقَ عَسْكَرُ الوَزِيْرُ، وَثَبَتَ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مَشْهُوْرٌ وَمُصْحَفٌ، فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ، حَتَّى أَخَذَ بَعْضُ خَوَاصِّ السُّلْطَانِ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ وَقَادَهَا إِلَى خَيْمَتِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَهُ وَأَجلَسَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي خَوَاصِّهِ وَوَزِيْرِهِ، فَلَزِمَ مَعَهُمْ قَانُوْنَ الوِزَارَةِ، وَلَمْ يَقُمْ لَهُمْ فَعَجِبُوا مِنْ فِعْلِهِ، وَكَلَّمَهُمْ بِكَلَامِ خَشِنٍ، وَقَالَ لَهُمْ: أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ لَمَّا بَلَغَهُ عَيْثَكُمْ (٢) فِي البِلَادِ، وَخُرُوْجَكُمْ عَنِ الأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ أَمَرَ بِمُجَاهَدَتِكُمْ، فَاحْتَرَمُوْهُ وَأَكْرَمُوْهُ، وَبَقِيَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً، وَكَانَ فِي تِلْكَ المُدَّةِ يَسْرِدُ الصِّيَامَ، وَيُدِيْمُ التَّهَجُّدَ وَالتِّلَاوَةَ، وَيُحَافِظُ عَلى الجَمَاعَاتِ فِي الفَرَائِضِ، ثُمَّ نَقَلُوْهُ مَعَهُمْ إِلَى بَعْضِ بِلَادِ "أَذْرَبِيْجَانَ" стр. 1027
فَتَلَطَّفَ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ حَتَّى خَلُصَ، فَسَارَ إِلَى "المَوْصِلِ" وَكَانَ الخَلِيْفَةُ قَدْ اسْتَوْزَرَ فِي هَذِهِ المُدَّةِ غَيْرَهُ (١)، وَكَانَ هَذَا الوَزِيْرُ الجَدِيْدُ قدْ بَعَثَ إِلَى أَقْطَارِ البِلَادِ فِي إِهْلَاكِ ابْنِ يُونُسَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى "المَوْصِلِ" خَرَجَ أَمِيْرُهَا وَسَأَلَهُ المَقَامَ؛ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ، فَانْفَلَتَ مِنْهُ، وَنَزَلَ فِي سَفِيْنَةٍ وَبَعْضُ حَوَاشِيْهِ، وَانْحَدَرُوا لَيْلًا إِلَى "تَكْرِيْتَ"، فَفَعَلَ بِهِ مَنْ فِي قَلْعَتِهَا كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ "المَوْصِلِ" فَتَفَلَتْ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَوَصَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" فَانْتَقَلَ إِلَى بَعْضِ سُفُنِهَا، وَتَنَكَّرَ، وَوَصَلَ إِلَى بَيْتِهِ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" ثُمَّ شَاعَ خَبَرُهُ، فَطَلَبَهُ الخَلِيْفَةُ إِلَى دَارِهِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي هَذِهِ المُدَّةِ يُدَرِّسُ القُرْآنَ، وَيُدَارِسُ الفِقْهَ وَيَتَحَفَّظُ مَا كَانَ نَسِيَهُ مِنْ أَنْوَاعِ العُلُوْمِ، ثُمَّ وَلَّاهُ الخَلِيْفَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ أَمْرَ المَخْزَنِ وَالدِّيْوَانِ، ثُمَّ جَعَلَهُ أُسْتَاذَ الدَّارِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ، وَفِي وِلَايَتِهِ هَذِهِ عُقِدَ المَجْلِسُ لِقَاضِي القُضَاةِ العَبَّاسِيِّ، وَأَحْضَرَ القُضَاةَ وَالعُلَمَاءَ، أَفْتُوا وَأَثْبَتُوا فِسْقَهُ لِقَضِيَّةٍ كَانَ قَدْ حَكَمَ فِيْهَا، وَعَزَلَهُ، وَبَقِيَ عَلَى وِلَايَتِهِ إِلَى رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِينَ، فَعُزِلَ وَقُبِضَ عَلَيْهِ، وَذلِكَ فِي وِلَايَةِ ابْنِ القَصَّابِ الوِزَارَةِ (٢). стр. 1028
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1029
وَكَانَ ابنُ القَصَّابِ رَافِضِيًّا خَبِيْثًا، وَكَانَ النَّاصِرُ يَمِيْلُ إِلَى الشِّيْعَةِ، فَسعَى فِي القَبْضِ عَلَى ابْنِ يُونُسَ، وَنَفَى الشَّيْخَ أَبَا الفَرَجِ (١) إِلَى "وَاسِطَ" وَبَقِيَ ابْنُ يُونُسَ مُعْتَقِلًا إِلَى سَنةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، فَأُخْرِجَ فِي سَابِعَ عَشَرَ стр. 1030
صَفَرَ مَيْتًا، وَدُفِنَ بِـ "السِّرْدَابِ" ﵀ وَسَامَحَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ مَحْمُوْدًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَجْتَمِعُوْنَ عَلَى حَمْدِ شَخْصٍ وَلَا ذَمِّهِ، وَأَمَّا أَبُو شَامَةَ فَبَالَغَ فِي ذَمِّهِ وَالحَطِّ عَلَيْهِ بِأُمُوْرٍ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا حُجَّةً، وَإِنَّمَا قَالَ: وَيُقَالُ إنَّهُ فَعَلَ كَذَا، وَمِثْلُ هَذَا القَدْحِ لَا يَكْفِي فِي مُسْتَنَدِهِ وَيُقَالُ كَذَا، وَكَذلِكَ ابنُ القَادِسِيِّ فِي "تَارِيخِهِ" يَذُمُّهُ كَثِيْرًا، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ آذَى أَبَاهُ فَصَارَ ذَا غَرَضٍ مَعَهُ، وَأَمَّا ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ فَقَالَ: كَانَ فِيْهِ فَضْلٌ، وَحُسْنُ سَمْتٍ وَوَقَارٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا عُزِلَ فِي المَرَّةِ الأَخِيْرَةِ أَقَامَ بِمَنْزِلِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ القَادِسِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ عَلَيْهِ اسْتُفْتِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ تَسَبَّبَ إِلَى كَسْرِ عَسْكَرِ الخَلِيْفَةِ، وَقَتْلِهِمْ وَنَهْبِهِمْ، وَأَظْهَرَ مَوْتَ الخَلِيْفَةِ وَهُوَ حَيٌّ، فَكَتَبَ ابْنُ فَضْلَانَ (١) كَلَامًا مَضْمُوْنَةً: إِبَاحَةُ دَمِ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَكَتَبَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ غَرَامَةُ مَا خَانَ فِيْهِ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ السِّيَاسَةُ الرَّادِعَةُ، وَذَكَرَ أنَّهُ بَعْدَ القَبْضِ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ، نُقِلَ إِلَى مَحْبَسٍ ضَنْكٍ وَعْرٍ بِـ "التَّاجِ" وَقِيْلَ: إنَّهُ ضُيِّقَ عَلَيْه وَقُيِّدَ. قَالَ: وَكَانَ فَقِيْهًا، أُصُولِيًّا، جَدَلِيًّا، عَالِمًا بِالحِسَابِ، وَالفَرَائِضِ، وَالهَنْدَسَةِ، وَالجَبْرِ، وَالمُقَابَلَةِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي الأُصُوْلِ، وَكَانَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ كُلَّ أُسْبُوْعٍ، وَيَحْضُرُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ شَانَ أَفْعَالَهُ بِسُوْءِ أَعْمَالِهِ؛ بِأَغْرَاضِهِ الفَاسِدَةِ، وَالحَسَدِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، وَالطَّرَائِقِ الَّتِي كَانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ، فَأَبْغَضَهُ النَّاسُ، وَسَبُّوْهُ، وَكَانَ فِيْهِ سَوْدَنَةٌ وَجُنُوْنٌ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الثُلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ стр. 1031
ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ، وَدُفِنَ بِـ "السِّرْدَابِ" بِدَارِ الخِلَافَةِ.
٢٢٢ - الحَسَنُ بنُ مُسْلِمِ (١) بنِ الحسَنِ، وَيُقَالُ: أَبِي الحَسَنِ بنِ أَبِي الجُوْدَ الفَارِسيُّ، ثُمَّ الحَوْرِيُّ، الزَّاهِدُ أَبُو عَلِيٍّ، زَاهِدٌ وَقْتِهِ، أَصْلهُ مِنْ "حَوْرَى" (٢) стр. 1032
قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "دُجَيْلٍ" مِنْ سَوَادِ "بَغْدَادَ" ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهَا إِلَى قَرْيةٍ يُقَالُ لَهَا: "الفَارِسِيَّةِ" مِنْ "نَهْرِ عِيْسَى" وَكَانَ يَكْتُبُ فِي الإِجَازَةِ "الفَارِسِيُّ"، ثُمَّ الحَوْرِيُّ.
وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ وَصَحِبَ الشَّيْخَ عَبْدَ القَادِرِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالعِبَادَةِ وَالاِنْقِطَاعِ إِلَى اللهِ ، وَكَانَ كَثِيْرَ البُكَاءِ، دَائِمَ العِبَادَةِ، عَلَى مِنْهَاجِ السَّلَفِ، ذَا كَرَامَاتٍ، وَيُقَالُ: إنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتمَةً (١).
ذَكَرَهُ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ فَقَالَ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، كَثِيْرَ العِبَادَةِ، مُنْقَطِعًا إِلَى الاِشْتِغَالِ بِالخَيْرِ، قَدْ قَرَأَ القُرآنَ، وَتَفَقَّهَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى طَرِيْقَةٍ حَمِيْدَةٍ، رَوَى عَنِ الكَرْخِيِّ، وَنِعْمَ الرَّجُلُ كَانَ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبي الفَرَجِ بنِ الحَنْبَلِيِّ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ طَلْحَةَ - يَعْنِي العَلْثِيَّ - يَقُوْلُ: للشَّيْخِ حَسَنٌ هَذَا عُشْرُوْنَ سَنَةً مَا رُئِيَ نَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعًا (٢). قَالَ: وَكَانَ مَشْهُوْرًا، تَزُوْرُهُ العَامَّةُ وَالخَاصَّةُ، وَزُرْنَاهُ فِي قَرْيَتِهِ "الفَارِسِيَّةِ" (٣)، وَبِتْنَا عِنْدَهُ، وَتَحَدَّثَ مَعنَا، وَفَرِحَ بِنَا وَقَالَ - وَقَدْ خِضْنَا فِي أَخْبَارِ الصِّفَاتِ -: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: أَخْبَارُ الصِّفَاتِ صَنَادِيقُ стр. 1033
مُقْفَلَةٌ، مَفَاتِيحُهَا بِيَدِ الرَّحْمَنِ.
وَذَكَرَهُ أَبُو شَامَةَ، فَقَالَ: كَانَ مِنَ الأَبْدَالِ، لَازِمًا لِطَرِيْقِ السَّلَفِ، أَقَامَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا (١)، كَذَا قَالَ، وَهُوَ بَعِيْدٌ جِدًّا مِنْ حَالِهِ. وَذَكَرَ مِنْ بَعْضِ كَرَامَاتِهِ مِنْ تَسْخِيْرِ السِّبَاعِ لَهُ، وَلَيْسَ تَحْتَهُ كَبِيْرُ أَمْرٍ. قَالَ: وَسَمِعَ قَاضِي المَارِسْتَانِ، وَابْنَ الحُصَيْنِ، وَابْنَ الطُّيُوْرِيِّ، وَغَيْرَهُمْ، كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا ابْنُ نُقْطَةَ، وَلَا الدُّبَيْثِيُّ، وَلَا القَطِيْعِيُّ، وَلَا المُنْذِرِيُّ، فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا؟! نَعَمْ كَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الحَسَنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَسنِ الفَارِسِيُّ الصُّوْفِيُّ، منْ صُوفِيَّةِ رِبَاطِ الزَّوْزَنِيِّ، رَوى عَنِ القَاضِيْ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ، فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا تُوُفِّيَ بَعْدَ الحَسَنِ بنِ مُسلَّمٍ بِسَنَتَيْنِ، سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ (٢)، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ القَادِسِيِّ ذَكَر: أَنَّ الحَسَنَ هَذَا سَمِعَ مِنْ قَاضِي المَارِسْتَانِ. قَالَ: وَكَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ الأَوْتَادِ، والأَبْدَالِ العُبَّادِ، المَوْصُوْفِيْنَ بِالتُّقَى وَالسَّدَادِ، يَصُوْمُ النَّهَارِ، وَيَقُوْمُ اللَّيْلَ، بَقِيَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً لَمْ يُكَلِّمْ فِيْهَا أَحَدًا، كَثِيْرَ الاِجْتِهَادِ فِي العِبَادَةِ، كَثِيْرَ البُكَاءِ، غَزِيْرَ الدَّمْعَةِ، رَقِيْقَ القَلْبِ، لَهُ الفِرَاسَةُ الصَّائِبَةُ. стр. 1034
حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: كُنْتُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ شَخْصٌ وَهُمَا يَتَحَادَثَانِ فِي الزِّرَاعَةِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا زَاهِدٌ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ فِي حَدِيْثِ الدُّنْيَا؟! فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عَاجِلًا، وَقَالَ: أَيْ أَحْمَدُ، مَا نَصِلُ إِلَى الآخِرَةِ إِلَّا بِالدُّنْيَا. وَهَذِهِ الحِكَايَةُ تَرُدُّ قَوْلَهُ: إنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ (١) أَرْبَعِيْنَ سَنَةً.
وَحَدَّثَ الحَسَنُ بنُ مُسلَّمٍ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابنُ خَلِيل (٢) وَغَيْرُهُ. وَتُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الأَحَدِ حَادِي عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَة أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "الفَارِسِيَّةِ" (٣) وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِرِبَاطٍ لَهُ بِهَا، وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ يَومَ عَاشُوْرَاءَ، وَقِيْلَ: يَوْمَ ثَانِي عَشَرَ المُحَرَّمِ، وَالأَوَّلُ الأَصَحُّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ نُقْطَةَ، وَالدُّبَيْثِيُّ، وَالقَادِسِيُّ، وَالمُنْذِرِيُّ.
٢٢٣ - سَلَامَةُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ (٤) بْنِ سَلَامَةَ الحَدَّادُ القَبَّانِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، المُحَدِّثُ، стр. 1035
أَبُو الخَيْرِ، وَيُلَقَّبُ تَقِيَّ الدِّيْنِ، سَمِعَ مِنْ أَبِي المَكارِمِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ هِلَالٍ، وَابْنِ المَوَازِيْنِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ مَشَايِخِ "دِمَشْقَ" وَعَنِيَ بِالحَدِيْثِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وقَرَأَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ للْشُّيُوْخِ، وَأَمَّ بِحَلْقَةِ الحَنَابِلَةِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَانَ ثِقَةً، صَالِحًا، فَاضِلًا، وَابْنُ نُقْطَةَ الحَافِظُ يَعْتَمِدُ عَلَى خَطِّهِ، وَيَنْقُلُ عَنْهُ فِي "اسْتِدْرَاكِهِ".
قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الفَرَجِ بْنِ الحَنْبَلِيِّ عَنْهُ: كَانَ حَسَنَ السَّمْتِ، يُحِفَ شَارِبَهُ، وَيُقَصِّرُ ثَوْبَهُ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، يَعْمَلُ القَبَّانِيْنَ (١)، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي تَصْحِيْحِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، قَالَ: قَالَ لِي القَاضِيْ ابْنُ الزَّكِّيِّ: تُعْجِبُنِي стр. 1036
طَرِيْقَةُ أَبِي الخَيْرِ، يَعْنِي: سَلَامَةَ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ خَلِيْلٍ فِي "مُعْجَمِهِ" (١) فَقَالَ: стр. 1037
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو الخَيْرِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ مِنْ لَفْظِهِ.
وَتُوُفِّيَ فِي سَابِعِ عِشْرِيْنَ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ أَرْبعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "سَفْحِ قَاسِيُوْنَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
стр. 1038
٢٢٤ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ (١) بْنِ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَبْدِ المَلِكَ بنِ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَلِيٍّ الأَصْبَهَانِيُّ، الوَاعِظُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ.
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى - أَوْ اثْنَتَيْنِ - وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ منْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَلِيِّ الحَمَّامِيِّ، وَالحَسَنِ الرُّسْتُمِيِّ، وَعَبْدِ الجَلِيْلِ بنِ مُحَمَّدٍ الحَافِظِ، وَأَبِي (٢) الخَيْرِ البَاغْبَانِ، وَمَسْعُوْدٍ الثَّقَفِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ العَبَّاسِيِّ، وَهِبَةِ اللهِ بنِ الشِّبْلِيِّ (٣)، وَكَانَ لَهُ قَبُوْلٌ كَثِيْرٌ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمْلَى بِجَامِعِ القَصْرِ عَشْرَ مَجَالِسَ، كَتَبْتُ عَنْهُ (٤). стр. 1039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1040
سَمِعَ مِنْهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَابْنِ النَّجَّارِ، وَقَالَ: كَانَ شَيْخًا فَاضِلًا، مُتَدَيِّنًا، صَدُوْقًا، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي وَلَدُهُ عَبْدُ المُعِزِّ (١) الوَاعِظُ بِـ "أَصْبَهَانَ" أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الرَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "أَصْبَهَانَ" ﵀.
٢٢٥ - عَبْدُ العزِيزِ بنُ ثَابِتِ (٢) بنِ طَاهِرٍ البَغْدَادِيُّ، المَأْمُونِيُّ، الشَّمْعِيُّ، الخَيَّاطُ، المُقْرِئُ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو مَنصُوْرٍ، وَيُلَقَّبُ "تَاجَ الدِّيْنِ". قرَأَ القُرْآنَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي المَكَارِمِ البَادَارَائِيُّ، وَأَبِي الحَسَنِ стр. 1041
ابْنِ يُوسُفَ، وَابْنِ الخَشَّابِ، وَشُهْدَةَ، وَأَكْثَرَ عَنِ المُتَأَخِّرِيْنَ بَعْدَهُمْ، وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى الشَّيْخِ أبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ مِنَ الحَدِيْثِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ القُرْآنَ، وَيَؤُمُّ بِمَسْجِدِهِ بِـ "الشَّمْعِيَّةِ" (١): مَحِلَّةٌ بِـ "بَغْدَادَ" стр. 1042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1043
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1044
قَرَأَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَحَدَّثَ بِاليَسيْرِ مِنْ رِوَايَاتِهِ؛ لأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّلِ سِنِّ الكُهُوْلَةِ. قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ صَالِحًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، كَثِيْرَ العِبَادَةِ، آثَارُ الصَّلَاحِ لَائِحَةٌ عَلَى وَجْهِهِ.
وَقَالَ أَبُو الفَرَجِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: كَانَ رَفِيْقُنَا فِي سَمَاعِ دَرْسِ ابْنِ المَنِّيِّ، وَبَلَغَ مِنَ الزُّهْدِ وَالعِبَادَةِ إِلَى حَدٍّ يُقَالُ بِهِ تُمْسَكُ "بَغْدَادُ" وَكَانَ لَطِيْفًا فِي صُحْبَتهِ، خَرَجْنَا نَزُوْرُ قَبْرَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، ثُمَّ عَدَلْنَا إِلَى الشَّطِّ، فَنَزلَ الفُقَهَاءُ
стр. 1045
يَسْبَحُوْنَ فِي الشَّطِّ، فَقَالُوا للْشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ: انْزِلْ مَعَنَا، فَنَزَعَ ثَوْبَهُ، وَنَزَلَ يَسْبَحُ مَعَهُمْ، وَلَعِبُوا فِي المَاءِ، فَعَمِلَ مِثْلَهُمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ؛ أَيْنَ الشَّيْخُ مَحْمُوْدٌ النَّعَّالُ (١) يُبْصِرُكَ؟ فَقَالَ: يَا مَسْكِيْنُ، الحَقُّ تَعَالَى يُبْصِرُنَا. فَطَابَ بَعْضُ الجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ التَّاسِعَ وَالعِشْرِيْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَخمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀.
٢٢٦ - تَمِيْمُ بنُ أَحْمَدَ (٢) بنِ أَحْمَدَ بنِ كَرَمِ بنِ غَالِبِ بنِ قَتِيْلٍ البَنْدَنِيْجِيُّ، ثمَّ стр. 1046
البَغْدَادِيُّ الأَزَجِيُّ، المُفِيْدُ، أَبُو القَاسِمِ بنُ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي السَّعَادَاتِ (١). стр. 1047
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ تَقْرِيْبًا، قَالَهُ ابنُ القَطِيعِيِّ وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ. وقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: قَرَأْتُ بِخَطِّهِ قَالَ: وُلِدْتُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَسَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَأَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَالوَزِيْرِ ابنِ هُبَيْرَةَ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى بنِ أَبِي خَازِمِ بنِ الفَرَّاءِ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بنِ المَادِحِ، وَالمُبَارَكِ بنِ خُضَيْرٍ، وَأَحْمَدَ بنِ المُقَرَّبِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَالكَرُّوْخِيِّ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ (١)، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثِيْرًا لِنَفْسِهِ وَلِلْنَّاسِ، وَأَفَادَ أَهْلَ البَلَدِ، وَالغُرَبَاءِ كَثِيْرًا، وَكَانَ يَعْتَنِي بِحِفْظِ أَسْمَاءِ الشُّيُوْخِ، وَمَعْرِفَةِ مَرْوِيَاتِهِمْ، وَمَوَالِيْدِهِمْ وَوَفَيَاتِهِمْ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ؛ لأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الشَّيْخُوْخَةِ. سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ النَّجَّارِ، وَتَكَلَّمَ فِيْهِ هُوَ وَشَيْخُهُ ابنُ الأَخْضَرِ (٢) وَأَجَازَ لِلْحَافِظِ стр. 1048
المُنْذِرِيِّ (١).
تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَالِثَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀.
٢٢٧ - عْبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ (٢) بنِ عَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ стр. 1049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1051
ابنِ حُمَّادِي (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ القَاسِمِ بنِ النَّضِرِ بنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - القُرَشِيُّ، التَّمِيْمِيُّ، البَكْرِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الحَافِظُ، المُفَسِّرُ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، الأَدِيْبُ، جَمَالُ الدِّيْنِ، أَبُو الفَرَجِ، المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ الجَوْزِيِّ" شَيْخُ وَقْتِهِ، وَإمَامُ عَصْرِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ، فَقِيْلَ: إِنَّ جَدَّهُ "جَعْفَرًا" (٢) نُسِبَ إِلَى فُرْضَةِ مِنْ فُرَضِ "البَصْرَةِ" يُقَالُ لَهَا: "جَوْزَةُ"، وَفَرُضَةُ النَّهْرِ: ثُلْمَتُهُ الَّتِي يُسْتَقَى стр. 1052
مِنْهَا (١)، وَفُرْضَةُ البَحْرِ: مَحَطُّ السُّفُنِ، ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ المُنْذِرِيُّ: هُوَ نِسْبَةٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: "فُرْضَةُ الجَوْزِ"، وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الصَّمَدِ بنِ أَبِي الجَيْشِ: (٢) أَنَّهُ مَنْسُوْبٌ إِلَى مَحِلَّةٍ بِالبَصْرَةِ تُسَمَّى "مَحِلَّةَ الجَوْزِ". وَقِيْلَ: بَلْ كَانَتْ بِدَارِهِ فِي "وَاسِطَ" جَوْزَةٌ، لَمْ يَكُنْ بِـ "وَاسِطَ" جَوْزَةٌ سِوَاهَا.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَوْلِدِهِ، فَقِيْلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ، وَقَالَ القَادِسِيُّ: ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَخِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذلِكَ، وَقِيْل: سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِيْلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، وَوُجِدَ بِخَطِّهِ: لَا أُحَقِّقُ مَوْلِدِيْ، غَيْرَ أَنَّهُ مَاتَ وَالِدِي فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقَالَتِ الوَالِدَةُ: كَانَ لَكَ مِنَ العُمُرِ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِيْنَ. فَعَلى هَذَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، أَوِ اثْنَيْ عَشْرَةَ، وقَالَ ابنُ القَطِيعِيِّ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ؟ فَقَالَ: مَا أُحِقُّ الوَقْتَ، إِلَّا أَنَّنِي أَعْلَمُ أَنِّي احْتَلَمْتُ فِي سَنَةِ وَفَاةِ شَيْخِنَا ابنِ الزَّاغُوْنِي، وَكَانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. قُلْتُ: هَذَا يُؤْذِنُ أَنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ العَشْرِ. وَوُجِدَ بِخَطِّهِ تَصْنِيْفٌ لَهُ فِي الوَعْظِ، ذَكَرَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَقَالَ: وَلِيْ مِنَ العُمُرِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ ابنُ القَطِيْعِيِّ: وَحَكَى لِي أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى "المُبَارَكَ" إِلَى سَنَةِ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ وَقَالَ: سَمَّانِي وأَخَوَيَّ (٣) شَيْخُنَا ابنُ نَاصِرٍ: عَبْدَ اللهِ، стр. 1053
وَعبْدَ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدَ الرَّزَّاقِ. وإِنَّمَا كُنَّا نُعْرَفُ بِالكُنَى.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِـ "بَغْدَادَ" بِـ "دَرْبِ حَبِيْبٍ" (١) فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَالِدُهُ - وَهُوَ صَغِيْرٌ - كَفَلَتْهُ أُمُّهُ وَعَمَّتُهُ، وَكَانَ أَهْلُهُ تُجَّارًا فِي النُّحَاسِ، فَلِهَذَا يُوْجَدُ فِي بَعْضِ سَمَاعَاتِهِ القَدِيْمَةِ: ابنُ الجَوْزِيِّ الصَّفَّارُ، وَلَمَّا تَرَعْرَعَ حَمَلَتْهُ عَمَّتُهُ إِلَى مَسْجِدِ أَبِي الفَضْلِ بنِ نَاصِرٍ، فَاعْتَنَى بِهِ، وَأَسْمَعَهُ الحَدِيْثَ، وَقَدْ قِيْلَ: إِنَّ أَوَّلَ سَمَاعَاتِهِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَحَفِظَ القُرْآنَ، وَقَرَأَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ القُرَّاءِ، وَقَدْ قَرَأَ بِالرِّوَايَاتِ فِي كِبَرِهِ بِـ "وَاسِطَ" عَلَى ابْنِ البَاقِلَّانِيِّ، وَسَمِعَ بِنَفْسِهِ الكَثِيْرَ، وَقَرَأَ، وَعُنِيَ بِالطَّلَبِ، قَالَ فِي أَوَّلِ مَشْيَخَتِهِ (٢): حَمَلَنِي شَيْخُنَا ابنُ نَاصِرٍ إِلَى الأَشْيَاخِ فِي الصِّغَرِ، وَأَسْمَعَنِي العَوَالِيَ، وَأَثْبَتَ سَمَاعَاتِي كُلَّهَا بِخَطِّهِ، وَأخَذَ لِي إِجَازَاتٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا فَهِمْتُ الطَّلَبَ كُنْتُ أُلَازِمُ مِنَ الشُّيُوخِ أَعْلَمَهُمْ، وَأُوْثِرُ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ أَفْهَمَهُمْ، فَكَانَتْ هِمَّتِي تَجْوِيْدَ العُدَدِ، لَا تَكْثِيْرَ العَدَدِ، وَلَمَّا رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ يُؤَثِّرُ الاطِّلَاعَ عَلَى كِبَارِ مَشَايِخِي ذَكَرْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيْثًا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي هَذِهِ "المَشْيَخَةِ" لَهُ سَبْعَةً وَثَمَانِيْنَ شَيْخًا.
وَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمْ، لكِنَّهُ اقْتَصَرَ علَى أَكَابِرِ الشُّيُوْخِ وَعَوَالِيْهِمْ (٣)، стр. 1054
فَمِنْهُمْ ابنُ الحُصَيْنِ، وَالقَاضِيْ أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ المَزْرَفِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ الحَرِيْرِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّيْنَوَرِيُّ، وَأَبُو السَّعَادَاتِ المُتَوَكِّلِيُّ، وَأَبُو غَالِبِ بنُ البَنَّاءِ، وَأَخُوْهُ يَحْيَى، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ (١) البَارِعُ، وَأَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ المُوَحِّدُ، وَأَبُو غَالِبٍ المَاوَرْدِيُّ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبُو مَنْصُوْرِ بنُ خَيْرُوْنَ، وَأَبُو القَاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَعَبْدُ المَلِكِ الكَرُّوْخِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ خَطِيْبُهَا، وَأَبُو سَعْدٍ الزَّوْزَنِيُّ، وَأَبُو سَعْدٍ البَغْدَادِيُّ، وَيَحْيَى بنُ الطَّرَّاحِ، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي صَالِحِ المُؤَذِّنُ، وَأَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ مُعَلَّى العَلَوِيُّ الهَرَوِيُّ الوَاعِظُ، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّازُ، وَعَبْدُ الجَبَّارِ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَنْدَهْ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، كَالمُتَوَكِّلِيِّ (٢) وَالدَّيْنَوَرِيِّ. وَسَمِعَ الكُتُبَ الكِبَارَ، كـ "المُسْنَدِ" وَ"جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ" وَ"تَارِيْخِ الخَطِيْبِ". وَلَهُ فِيْهِ فَوَاتُ جُزْءٍ وَاحِدٍ. وَسَمِعَ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ" عَلَى أَبِي الوَقْتِ، وَ"صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" بِنُزُوْلٍ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنَ الأَجْزَاءِ مِنْ تَصَانِيْفِ (٣) ابنِ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا، وَوَعَظَ وَهُوَ صَغِيْرٌ جِدًّا. قَالَ: حَمَلَنِي ابنُ نَاصِرٍ إِلَى أَبِي القَاسِمِ العَلَوِيِّ الهَرَوِيِّ فِي سَنَةَ عِشْرِيْنَ، فَلَقَّنَنِي كَلِمَاتٍ مِنَ الوَعْظِ، وَجَلَسَ لِوَدَاعِ أَهْلِ "بَغْدَادَ" مُسْتَنِدًا إِلَى الرِّبَاطِ الَّذِي عِندَ السُّوْرِ فِي "الحَلْبَةِ" وَرَقَّانِي стр. 1055
يَوْمَئِذٍ المِنْبَرَ، فَقُلْتُ الكَلِمَاتِ، وَحُرِزَ الجَمْعُ بِخَمْسِيْنَ أَلْفًا.
ثُمَّ صَحِبَ أَبَا الحَسَنِ بنَ الزَّاغُوْنِيِّ، وَلَازَمَهُ، وَعَلَّقَ عَنْهُ الفِقْهَ وَالوَعْظَ.
وَذَكَرَ القَادِسِيُّ: أَنَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَكِيْمٍ، وَأَبِي يَعْلَى بْنِ الفَرَّاءِ.
وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ ابنِ الزَّاغُوْنِيِّ قَرَأَ الفِقْهَ، وَالخِلَافَ وَالجَدَلَ، وَالأُصُوْلَ، عَلَى أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ، وَالقَاضِيْ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيْرِ، وَأَبِي حَكِيْمٍ النَّهْرَوَانِيِّ، وَصَارَ مُعِيْدَ (١) المَدْرَسَةِ، وَقَرَأَ الأَدَبَ عَلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ الجَوَالِيْقِيِّ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّاغُوْنِيِّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ طَلَبَ حَلْقَتَهُ، فَلَمْ يُعْطَهَا لِصِغَرِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي ذلِكَ العَامِ قَدِ احْتَلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ فَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْ الوَزِيْرُ، وَأَوْرَدَ فَصْلًا فِي المَوَاعِظِ، فَأُذِنَ لَهُ فِي الجُلُوْسِ فِي جَامِعِ المَنْصُوْرِ، قَالَ: فَتَكَلَّمْتُ فِيْهِ، فَحَضَرَ مَجْلِسِي أَوَّلَ يَوْمٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الكِبَارِ مِنَ الفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ شُنَيْفٍ (٢)، وَأَبُو عَلِيِّ بنُ القَاضِي، وَأَبُو بَكْرِ بنُ عِيسَى، وَابنُ قُشَامِي (٣) وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ تَكَلَّمْتُ فِي "مَسْجِدِ مَعْرُوْفٍ"، وَفِي "بَابِ البَصْرَةِ" وَبِـ "نَهْرِ المُعَلَى"، فَاتَّصَلَتِ المَجَالِسُ، وَقَوِيَ الزِّحَامُ، وَقَوِيَ اشْتِغَالِيِّ بِفُنُوْنِ العُلُوْمِ، وَسَمِعْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الدِّيْنَوَرِيِّ الفِقْهَ، وَعَلَى أَبِي مَنْصُوْرِ بنِ الجَوَالِيْقِيِّ اللُّغَةَ، وَتَتَبَّعْتُ مَشَايِخَ الحَدِيْثِ، وَانْقَطَعَتْ مَجَالِسُ أَبِي عَلِيٍّ الرَّاذَانِيِّ - يَعْنِي الَّذِي أَخَذَ следующие страницы →