Полный текст (2 431 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
كَانَ النُّمَيْرِيُّ مِنْ أَوْلَادِ أُمَرَاءِ العَرَبِ، نَشَأَ بِالشَّامِ، وَخَالَطَ أَهْلَ الأَدَبِ، وَقَالَ الشِّعْرَ الفَائِقَ وَهُوَ مُرَاهِقٌ. وَأَصَابَهُ جُدَرِيُّ وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَضَعُفَ بَصَرُهُ (١)، حَتَّى كَانَ لَا يَرَى إِلَّا مَا قَرُبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَدِمَ "بَغْدَادَ" لِمُعَالَجَةِ بَصَرِهِ (٢)، فَآيَسَهُ الأَطِبَّاءُ مِنْهُ، فَعَمِيَ، فَاَقَامَ بِـ "بَغْدَادَ"، وَسَكَنَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" (٣)، فَحَفِظَ القُرْآنَ العَظِيْمَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنِ ابنِ الحُصَيْنِ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ وَأبِي الحَسَنِ بْنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَيَحْيَى بْنِ حُبَيْشٍ الفَارِقِيِّ، وابْنِ نَاصِرٍ وَغَيْرِهِمْ. وَبِـ "الكُوْفَةِ" مِنْ أَبِي الحَسَنِ بْنِ غَبَرَةَ (٤)، وَتَفَقَّهَ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَرَأَ العَرَبِيَّةَ وَالأَدَبَ عَلَى أَبِي مَنْصُوْرٍ بْنِ الجَوَالِيْقِيِّ، وَصَحِبَ العُلمَاءَ وَالصَّالِحِيْنَ. كَالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، стр. 982
وَغَيْرِهِ، وَمَدَحَ الخُلَفَاءِ وَالوُزَرَاءَ، وَلَهُ "دِيْوَانُ شِعْرٍ" حَدَّثَ بِهِ (١)، وَكَانَ فَصِيْحَ القَوْلِ حَسَنَ المَعَانِي، ذَا دِيْنٍ وَصَلَاحٍ، وَتَصَلُّبٍ فِي السُّنَّةِ.
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: مَنَعَ الوَزِيْرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ الشُّعَرَاءَ مِنْ إِنْشَادِ الشِّعْرِ بِمَجْلِسِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ النُّمَيْرِيُّ قَصِيْدَةً سَمِعْتُهَا مِنْ لَفْظِ النُّمَيْرِيِّ، فَكَتَبَ الوَزِيْرُ عَلَى رَأْسِهَا بِخَطِّهِ: لَوْ كَانَ الشُّعَرَاءُ كُلُّهُمْ مِثْلَهُ فِي دِيْنِهِ وَقَوْلِهِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَإِنَّمَا يَقُوْلُوْنَ مَا لَا يَحِلُّ الإِقْرَارُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَالصَّدِيْقُ، وَمَا يَذْكُرُ يُوْقَفُ عَلَيْهِ، وَرُسُوْمُهُ تُزَادُ وَلَا تُنْقَصُ، وَالسَّلَامُ. وَقَدْ حَدَّثَ النُّمَيْرِيُّ بِحَدِيْثِهِ وَشِعْرِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ القَطِيْعِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ مُقْبِلٍ اليَاسِرِيُّ، وَبَهَاءُ الدِّيْنِ عَبدُ الرَّحْمَنِ المَقْدِسِيُّ، стр. 983
وَابْنُ الدُّبَيْثِيُّ، وَيُوْسُفُ بْنُ خَلِيْلٍ (١) وَغَيْرُهُمْ.
وَتُوُفِّيَ يَومَ الثُّلَاثَاءِ عِشْرِيْنَ مِنْ رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِنْدَ الشُّهَدَاءِ، ﵀، وَمِنْ شِعْرِهِ - وَقَدْ سُئِلَ عنْ مَذْهَبِهِ وَاعْتِقَادِهِ؟ فَأَنْشَدَ -:
أُحِبُّ عَلِيًّا وَالبَتُوْلَ وَوُلْدَهَا … وَلَا أَجْحَدُ الشَّيْخَيْنِ حَقَّ التَّقَدُّمِ
وَأَبْرَأُ مِمَّنْ نَالَ عُثْمَانَ بِالأَذَى … كَمَا أَبْرَأُ مِنْ وَلَاءِ ابْنِ مُلْجِمِ
وَيُعْجِبُنِي أَهْلَ الحَدِيْثَ لِصَدْقِهِمْ … فَلَسْتُ إِلَى قَوْمٍ سِوَاهمْ بمُنْتَمِي
وَقَدْ رَوَى البَيْتُ الثَّالِثُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ. وَمِنْ شِعْرِهِ - وَقَرَأْتُهُ بِخَطِّ السَّيْفِ بْنِ المَجْدِ الحَافِظِ -:
سَبَرْتُ شَرَائِعَ العُلَمَاءِ طُرًّا … فَلَمْ أَرَ كَاعْتِقَادِ الحَنْبَلِيِّ
فَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ سِرًّا وَجَهْرًا … تَكُنْ أَبَدًا عَلَى النَّهْجِ السَّوِيِّ
هُمْ أَهْلُ الحَدِيْثِ وَمَا عَرَفْنَا … سِوَى القُرْآنِ وَالنَّصِّ الجَلِيِّ
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ عَنْهُ ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: أَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ:
وَكَفَى مُؤْذِنًا بِاقْتِرَابِ (٢) الأَجَلْ … شَبَابٌ تَوَلَّى وَشَيْبٌ نَزَلْ стр. 984
وَمَوْتُ اللَّدَاتِ (١)، وَهَلْ بَعْدَهُ … بَقَاءٌ يُؤَمِّلُهُ مَنْ عَقَلْ
إِذَا ارْتَحَلَتْ قُرَنَاءُ الفَتَى … عَلَى حُكْمِ رَيْبِ المَنُوْنِ ارْتَحَلْ
هُوَ المَوْتُ لَا مُحْتَمَى (٢) لِلْنُّفُوْ … سِ مِنْ خَطْبِهِ بِالرُّقَى وَالحِيَلْ
إِذَا صَالَ كَانَ سَوَاءً عَلَيْـ … ــهِ مَنْ عَزَّ مِنْ كُلِّ حَيٍّ وَذَلَّ
فَيَا وَيْحَ نَفْسِي أَمَا تَرْعَوِيْ … وَقَدْ ذَهَبَ العُمْرُ إِلَّا الأَقَلَّ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
أَذَاعَتْ بِأَسْرَارِيَ الأَدْمُعُ … غَدَاةَ استَقَلُّوا وَمَا وَدَّعُوا
جَزِعْتُ لِمَا أَعْتَزَّ مِنْ بَيْنِهِمْ … وَمَا كُنْتُ مِنْ مُؤْلِمٍ أَجْزَعُ
تَوَّلَوا فَمَا قَرَّ لِي بَعْدَهُمْ … فُؤَادٌ، وَلَا جَفِّ لِي مَدْمَعُ
وَأُقْسِمُ لَا حِلْتُ عَنْ عَهْدِهِمْ … وَفَوا لِيَ بِالعَهْدِ أَوْ ضَيَّعُوا
أَأَحْبَابَنَا هَلْ لِعَصْرٍ مَضَى … لَنَا وَلَكُمْ باللَّوَى مَرْجِعُ
كَأَنَّ عَلى كَبِدِي بَعْدَكُمْ … مِنَ الشَّوْقِ نَارُ غَضًا تَسْفَعُ
ولِيْ مُقْلَةٌ مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ … إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَا تَهْجَعُ
يُؤَرِّقُنِي كُلُّ بَرْقٍ أَرَاهُ … مِنْ نَحْوِ أَوْطَانِكُمْ يَلْمَعُ стр. 985
وَكَمْ لِيَ مِنْ عَاذِلٍ فِيْكُمُ … يُطِيْلُ المَلَامَ فَلَا أَسْمَعُ
وَقَالَ: وَمِنْ شِعْرِهِ فِي الغَزَلِ:
وَلَمَّا رَأَى وَرْدًا بِخَدَّيْهِ يُجْتَنَى … وَيُقْطَفُ أَحْيَانًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ
أَقَامَ عَلَيْهِ حَارِسًا مِنْ جُفْوْنِهِ … وَسَلَّ عَلَيْهِ مُرْهَفًا مِنْ عِذَارِهِ
وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا:
يُزَهِّدُنِي فِي جَمِيْعِ الأَنَا … مِ قِلَّةُ إِنْصَافِ مَنْ يُصْحَبُ
وَهَلْ عَرَفَ النَّاسُ ذُو نُهْيَةٍ (١) … فَأَمْسَى لَهُ فِيْهُمُ مَرْغَبُ
هُمُ النَّاسُ مَا لَمْ تُجَرِّبْهُمُ … وَطُلْسُ الذِّئَابِ (٢) إِذَا جُرِّبُوا
وَلَيْتَكَ تَسْلَمُ عِنْدَ البِعَا … دِ مِنْهُمْ فَكَيْفَ إِذَا يَقْرُبُوا
٢٠١ - أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ (٣) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، أَبُو العَبَّاسِ، стр. 986
المَعْرُوْفُ بِـ "العِرَاقِيِّ" نَزِيْلُ "دِمَشْقَ".
قَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدِ سِبْطِ الخَيَّاطِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلُوْنَ، وَأَبِي الفَتْحِ الكَرُّوْخِيِّ، وَسَعْدِ الخَيْرِ الأَنْدَلُسِيِّ، وَمَهَرَ فِي عِلْمِ القِرَاءَاتِ. وَلَقِيَ المُهَذَّبَ بْنَ مُنَيِّرٍ (١) الشَّاعِرَ بِـ "حَلَبَ"، وَرَوَى عَنْهُ.
وَقَدِمَ "دِمَشْقَ" سَنَةَ أَرْبَعِيْنَ، فَسَكَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ وَتَصَدَّرَ لِلإقْرَاءِ تَحْتَ النَّسْرِ بِالجَامِعِ، فَخَتَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّ بِمَسْجِدِ الخَشَّابِيْنَ (٢)، وَأَقَامَ بِهِ سِنِيْنَ. قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ: كَانَ إِمَامًا فِي السُّنَّةِ، دَاعِيًا إِلَيْهَا، إِمَامًا فِي القِرَاءَةِ، وَكَانَ دَيِّنًا، يَقُوْلُ: شِعْرًا حَسَنًا، وَشَرَحَ "عِبَادَاتِ الخِرَقِيِّ" بِالشِّعْرِ.
قُلْتُ: وَكَانَ مُتَشَدِّدًا فِي السُّنَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَنَعَ الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ مِن الاجْتِمَاعِ بابْنِ عَسَاكِرٍ الحَافِظِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَنَدِمَ الحَافِظُ عَلَى ذلِكَ، وَكَانَ يَقُوْلُ: كَانَ عِنْدَنَا فِي "الحَرْبِيَّةِ" قَوْمٌ مِنَ المُتَشَدِّدِينَ يُسَمَّوْنَ: السَّبْعَةَ، لَا يُسَلِّمُوْنَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ - إِلَى سَبْعَةٍ - (٣) عَلَى مُبْتَدِعٍ. وَرَأَيْتُ "جُزْءًا" فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُعَيِّرُ الحَنَابِلَةَ بِالفَقْرِ وَقِلَّةِ المَنَاصِبِ.
وَرَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَالبَهَاءُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ خَلِيْلٍ (٤). стр. 987
وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَة ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ" وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِيْنَ. وَقَالَ الضِّيَاءُ: مَاتَ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، وَهُوَ وَهْمٌ؛ فَإِنَّ نَاصِحَ الدِّيْنِ بنَ الحَنْبَلِيِّ ذَكَرَ أَنَّهُ زَارَ مَعَهُ "القُدْسَ" سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، أَوْ سَنَةَ ثَمَانٍ - الشَّكُّ مِنْهُ - وَذَكَرَ: أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ لِي: قَدِمْتُ مِنْ "بَغْدَادَ" لأَجْلِ زِيَارَةِ "القُدْسِ" وَلَمْ يُتَّفِقْ لِي زِيَارَتُهُ إِلَى هذِهِ المُدَّةِ.
٢٠٢ - عُبَيْدُ اللهِ (١) بنُ أَحْمدُ (٢) [بن عَلِي بنِ عليِّ] (٣) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامَةِ السِّيْبِيُّ (٤) البَغْدَادِيُّ، الوَرَّاقُ، المُحَدِّثُ، المُقْرِئُ، الزَّاهِدُ، أَبُو جَعْفَرِ بنِ стр. 988
أَبِي المَعَالِي بنِ السَّمِيْنِ، نَزِيْلُ "المَوْصِلَ" وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ الكَثِيْرَ مِنْ هِبَةِ اللهِ الحَرِيْرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَعَلِيِّ بْنِ هِبَةِ اللهِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ الكَرْخِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ (١) بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وأَخِيْهِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ الطَّلَّايَةِ، وَغَيْرِهِمْ (٢). وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ لِنَفْسِهِ وَلِلنَّاسِ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ، وَحَدَّثَ بِالكَثِيْرِ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"المَوْصِلِ" وَكَانَ صَالِحًا، ثِقَةً، دَيِّنًا، صَدُوْقًا، مِنْ أَهْلِ التَّقَشُّفِ وَالصَّلَاحِ وَالنُّسُكِ، يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ. تُوُفِّيَ فِي العُشْرِ الأَخِيْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "المَوْصِلِ". وَدُفِنَ بِـ "تَلْ تَوْبَةَ" (٣) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٤).
٢٠٣ - عَلِيُّ بنُ مَكِّيِّ (٥) بنِ جَرَّاحِ بنِ عَلِيِّ بنِ وَرْخِزٍ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ، стр. 989
الزَّاهِدُ، أَبُو الحَسَنِ. تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، وَأَبِي يَعْلَى بنِ أَبِي خَازِمٍ (١)، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى وَنَاظَرَ، وَكَانَ زَاهِدًا، عَابِدًا.
تُوُفِّيَ يَوْمَ حَادِي عِشْرِينَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
٢٠٤ - عَلِيُّ بنُ أَبِي العِزِّ (٢) بنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَاجِسْرَائِيُّ، الفَقِيهُ، الزَّاهِدُ، стр. 990
أَبُو الحَسَنِ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِمَدْرَسَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَسَمِعَ الكَثِيرَ مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ، وَكَانَ صَالِحًا، وَرِعًا، مُتَدَيِّنًا، ذَا عِبَادَةٍ وَزُهْدٍ، جَمَعَ كِتَابًا فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ.
تُوُفِّيَ لَيْلَةَ (١) الخَمِيسِ حَادِيْ عَشَرَ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالمُصَلَّى بِـ "بَابِ الحَلْبَةِ" وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" ﵀ (٢). стр. 991
٢٠٥ - طُغْدِيُّ بنُ خُتْلغِ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ الأَمِيْرِيُّ المُسْتَرْشِدِيُّ - نِسْبَةً إِلَى стр. 992
وَلَاءِ بَعْضِ الأُمَرَاءِ مِنْ وَلَدِ المُسْتَرْشِدِ - البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، الفَرَضِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، المُحَدِّثُ، وَيُسَمَّى (عَبْدَ المُحْسِنِ) أَيْضًا، نَزِيلُ "دِمَشْقَ".
وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ العَشَرَةِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ البَطَائِحِيِّ، وَكَانَ رَبِيْبُهُ فَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، وَأَسْمَعَهُ مِنَ الأُرْمَوِيِّ، وَابْنِ نَاصِرٍ الحَافِظِ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المَكِّيِّ، وَسَعِيدِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَأَبِي القَاسِمِ هِبَةِ اللهِ بنِ الحَاسِبِ، وَغَيْرِهِمْ، وَصَحِبَ أَبَا الفَضْلِ بنَ نَاصِرٍ الحَافِظَ، وَأخَذَ عَنْهُ عِلْمَ الحَدِيْثِ، وَأُصُوْلَ السُّنَّةِ، وَقَرَأَ الفَرَائِضَ عَلَى أَبِي النَّجْمِ بنِ القَابِلَةِ، وَبَرَعَ فِيْهَا حَتَّى صَارَ فِيْهَا إِمَامًا مُتَوَحِّدًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَسَكَنَهَا إِلَى حِيْنِ وَفَاتِهِ، وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"حَرَّانَ" وَ"دِمَشْقَ" وَقَرَأَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ "صَحِيحَ البُخَارِيِّ". رَوَى عَنْهُ ابنُ خَلِيْلٍ الحَافِظِ (١). стр. 993
قَرَأْتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ فِي حَقِّهِ: المُحَدِّثُ، الحَافِظُ، الفَرَضِيُّ، الزَّاهِدُ، كَانَ قَيِّمًا بِمَعْرِفَةِ البُخَارِيِّ، بِرِجَالِهِ وَأَلْفَاظِ غَرِيْبِهِ، وَشَرْحِ مَعَانِيْهِ، قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ بِقَرَاءَتِي جَمَاعَةٌ كَثِيْرَةٌ، وَكَانَ قَيِّمًا بِأُصُوْلِ السُّنَّةِ، وَمَقَالَةِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا، مُعْتَزِلًا لِلنَّاسِ، حَضَرَ مَعِي فَتْحَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلَادِ الدِّمَشْقِيِّيْنَ الحِسَابَ، وَالفَرَائِضَ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُنِي إِلَى أَنْ حَجَجْتُ سَنَةَ تِسْع وَثَمَانِينَ، وَرَجعْتُ منَ الحَجِّ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ ﵀، وَدُفِنَ فِي تُرْبَةِ عَمِّي عَبْدِ الحَقِّ بِالجَبَلِ.
قُلْتُ: وَذَكَرَ المُنْذِرِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الدُّبَيْثِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُمْ وَفَاتُهُ، وَذَكَرَ القَطِيْعِيُّ: أَنَّهُ بَلَغَهُمْ بِـ "بَغْدَادَ" حِيْنَ مَوْتِهِ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ فَيَكُونُ قَوْلُ ابنِ الحَنْبَلِيِّ: حَجَجْتُ سَنَةَ تِسْعٍ فِيْهِ تَسَامُحٌ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الحَجِّ إِلَى "دِمَشْقَ" سَنَةَ تِسْعٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، لكِنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ أَنَّ أَوَّلَ سَنَةٍ حَجَّ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ.
٢٠٦ - بَدَلُ بنُ أَبِي طَاهِرِ (١) بنِ شِيْردَشَهْرَ بنِ حَاكَاهُ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الجِيْلِيُّ، الفَقِيهُ، المُقْرِئُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَزِيْلُ "بَغْدَادَ". стр. 994
قَرَأَ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبي العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَطِيْبِ الكُشْمَيْهَنِيِّ المَرْوَزِيِّ وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدادَ" عَلَى ابنِ بَكْرُوْسٍ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ، وَحَدَّثَ، قَرَأَ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَاتِ الكَثِيْرَةِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ الدُّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ القَاضِي أَبُو العَبَّاسِ ابنُ الفَرَّاءِ، وَغَيْرُهُ. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيْسِ رَابِعَ عَشَرَ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، ﵀ (١).
٢٠٧ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ علِيِّ (٢) بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ الأَصْبَهَانِيُّ стр. 995
الجُوْرْتَانِيُّ الحَمَّامِيُّ (١)، العَابِدُ، الأَدِيبُ، مُصْلِحُ الدِّينِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، مِنْ أَهْلِ "أَصْبَهَانَ" وَ"جُوْرْتَانَ" مِنْ قُرَاهَا.
وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِمَائَةَ فِي رَجَبٍ، وَقِيْلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَدَّادِ، وَأَبِي نَهْشَلٍ عَبْدِ الصَّمَدِ العَنْبَرِيِّ، وَسَعِيدِ بنِ أَبِي الرَّجَاءِ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَكَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا، كَامِلَ المَعْرِفَةِ بِالأَدَبِ، وَأَكْثَرُ أُدَبَاءِ "أَصْبَهَانَ" مِنْ تَلَامِذَتِهِ، وَكَانَ مُتَدَيِّنًا، حسَنَ الطَّرِيْقَةِ، صَدُوْقًا.
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ الحَنْبَلِيُّ (٢) بِـ "أَصْبَهَانَ" يَقُوْلُ: كَانَ جَدِّي لأُمِّي مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الحَنْبَلِيُّ المَعْرُوفُ بِـ "المُصْلِحِ" قَبْلَ عَقْدِ الثَّمَانِيْنَ مِنْ عُمُرِهِ يَخْتِمُ القُرآنَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَمَّا جَاوَزَ الثَّمَانِيْنَ كَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ القُرْآنَ، وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ بِاللَّيْلِ قِرَاءَةَ تَذَكُّرٍ وَتَفَكُّرٍ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدٍ الخَبَّازِيَّ المَدِيْنِيَّ جَارُنَا - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ، مُلَازِمًا لِلْمَسْجِدِ فِي أَكْثَرِ стр. 996
أَوْقَاتِهِ، لَمْ تَكُنْ تَفُوْتُهُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ إِلَّا نَادِرًا - يَقُوْلُ: لَمَّا بَلَغَ مُصْلِحُ الدِّيْنِ عَقْدَ الثَّمَانِيْنَ قَالَ: أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُمْهِلَنِي إِلَى التِّسْعِيْنَ، وَأَنْ يوَفِّقَنِي كُلَّ يَوْمٍ لِخَتْمَةٍ، فَاسْتُجِيْبَتْ دَعْوَتُهُ، فَكَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ الحَمَّامِيَّ الحَنْبَلِيَّ يَقُوْلُ: قَامَ عَمِّي (١) - يَعْنِي: مُحَمَّدُ بنَ أَحْمَدَ المُصْلِحَ - لَيْلَةً لِوُرْدِهِ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَقُوْمُ فِيْهِ لِوُرْدِهِ فِي سَائِرِ لَيَالِيْهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ - وَأَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ - أَيُّهَا المُصْلِحُ، مَا أَسْرَعَ ما قُمْتَ اللَّيْلَةَ.
حَدَّثَ المُصْلحُ بِـ "أَصْبَهَانَ" وَ"بَغْدَادَ" حِيْنَ قَدِمَهَا حَاجًّا (٢)، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبُو المَحَاسِنِ القُرَشِيُّ، وَمَاتَ قَبْلَهُ لِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَالشَّرِيْفُ الزَّيْدِيُّ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ. وَرَوَى عنْهُ مِنْ أَهْلِ "بَغْدَادَ" أَحْمَدُ البَنْدَنِيْجِيُّ، وَيُوْسُفُ بنُ سَعِيْدٍ المُقْرِئُ (٣) وَغَيْرُهُمَا. стр. 997
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: سَمِعْتُ أَبَا البَرَكَاتِ بنَ الرُّوَيْدَشْتِيِّ (١) بِـ "أَصْبَهَانَ" يَقُولُ: تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَنْبَلِيِّ - يُعْرَفُ بِـ "الحَمَّامِيِّ" - أُسْتَاذُ الأَئِمَّةِ فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، قَالَ: وَذَكَرَ لَنا سِبْطَهُ: أَنَّهُ دُفِنَ بِدَارِهِ، ثُمَّ نُقِل إِلَى "بَابِ دَرْيَةَ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: لَيْلَةَ الحَادِيْ عَشَرَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ، وَقَالَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ حَادِي عَشَرَ. قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ وَلَدُهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ (٢)، стр. 998
وَكَانَ سَمِعَ سَعِيدَ بنَ أَبِي رَجَاءٍ وَغَيْرَهُ. قُلْتُ: وَكَانَ يُلَقَّبُ أَمِيْنَ الدِّينِ.
٢٠٨ - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ (١) بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَلْحَةَ نَصْرِ بنِ أَحْمَدَ стр. 999
ابنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ البَرْمَكِيُّ الهَرَوِيُّ الإِشْكِيْذَابَانِيُّ، المُحَدِّثُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَيُقَالُ: أَبُو الفَتْحِ، نَزِيْلُ "مَكَّةَ"، وَإِمَامُ حَطِيْمِ الحَنَابِلَةِ بِهَا.
وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ بِـ "هَمَذَانَ" مِنْ أَبِي الوَقْتِ، وَأَبِي الفَضْلِ أَحْمَدَ بنِ سَعْدِ بنِ حِمَّانَ، وَأَبِي المَحَاسِنِ هِبَةِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السَّمَّاكِ، وَبِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي المَعَالِي بنِ النَّحَّاسِ، وَأَبِي المُعَمَّرِ بنِ الهَاطِرِ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وخَلْقٍ كَثِيْرٍ وَبِـ "مِصْرَ" مِنْ أَبي الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ قَاسِمٍ الزَّيَّاتِ. وَبِـ "الاِسْكَنْدَرِيَّةِ" مِنَ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ، وَحَدَّثَ بِـ "مَكَّةَ" وَ"مِصْرَ" وَ"الاسْكَنْدَرِيَّةِ"، وَأَقَامَ بِـ "مَكَّةَ" فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَأَمَّ بِهَا فِي مَوْضِعِ الحَنَابِلَةِ سِنِيْنَ، وَحَدَّثَ عنْهُ أَبُو الثَّنَاءِ (١) حَامِدُ بنُ أَحْمَدَ الأَرْتَاحِيُّ.
قَالَ نَاصحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيُّ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، سَمِعْتُ مِنْهُ بِقِرَاءَتِهِ "جُزْءًا" بِـ "مَكَّةَ" وَكَانَ فِي عَزْمِي أَنَّنِي أَدْخُلُ "اليَمَنَ" وَقَدْ هيَّأْتُ هَدِيَّةً لِصَاحِبِهَا مِنْ طَرَفِ "دِمَشْقَ" فَاسْتَشَرْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ: قَرَأْنَا هَهُنَا جُزْءًا مِنْ أَيَّامٍ، فَجَاءَ فِيْهِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ عَلَامَةُ قَبُوْلِ الحَجِّ: أَنَّ الإِنْسَانَ يَنْصَرِفُ стр. 1000
عَنْ "مَكَّةَ" غَيْرَ طَالِبٍ لِلْدُّنْيَا، فَزَهِدْتُ فِي "اليَمَنِ"، وَرَجَعْتُ عَنْ ذلِكَ العَزْمِ، قَالَ: وَذلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ.
قَالَ المُنْذِرِيُّ: سَمِعَ مِنْهُ وَالِدِي سَنَةَ تِسْعِيْنَ. فَإِمَّا أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيْرٍ. قَالَ: وَ"الإِشْكِيْذَابَانِيُّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وَسُكُوْنِ الشِّيْنِ المُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الكَافِ، وَسُكُوْنِ اليَاءِ آخِرِ الحُرُوْفِ، وَفَتْحِ الذَّالِ المُعْجَمَةِ، وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَفْتُوْحَةٌ، وَبَعْدَ الأَلِفِ نُوْنٌ. وَذَكَرَهُ الفَاسِيُّ (١) فِي "تَارِيْخِهِ"، وَقَالَ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ بِـ "مَكَّةَ".
٢٠٩ - وذَكَرَ المُنْذِرِيُّ مِمَّنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ: الشَّيْخُ الأَجَلُّ أَبُو الحَرَم (٢) مَكِّيُّ بنُ نَابِتٍ - بالنُّونِ - بنِ زَهْرَةَ الحَنْبَلِيُّ الفَزَارِيُّ (٣) بِـ "مِصْرَ" لَيْلَةَ السَّابِعُ (٤) стр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1002
مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذلِكَ.
٢١٠ - إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي سَعْدِ (١) بنِ عَلِيٍّ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ شَاه شَاه البَنَّاءُ الأَصْبَهَانِيُّ، المُحَدِّثُ أَبُو الحَسَنِ، يُعْرَفُ بِـ "طَاهِرِيتِه". سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَحَصَّلَ الأُصُولَ، حَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ" - قَدِمَهَا حَاجًّا - عَنْ فَاطِمَةَ الجُوْزْدَانِيَّةَ (٢)، стр. 1003
وَفَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ البَغْدَادِيِّ (١) سَمِعَ مِنْهُ أَبُو الفُتُوْحِ بنُ الحُصْرِيِّ، وَأَحْمَدُ بنُ طَارِقٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الغَزَّالِ، وَكَانَ شَيْخًا، صَالِحًا، صَدُوْقًا، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢١١ - عَبْدُ المُؤْمِنِ بنُ عَبْدِ الغَالِبِ (٢) بنِ مُحَمَّدِ بنِ طَاهِرِ بنِ خَلِيْفَةَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَمْدَانَ الشَّيْبَانِيُّ البَغْدَادِيُّ الوَرَّاقُ، الفَقِيْهُ، أَبُو مُحَمَّدٍ.
وُلِدَ فِي رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ، ذَكَرَهُ القَطِيْعِيُّ عَنْهُ. وَسَمِعَ بِـ "بَغْدَادَ" مِنَ القَاضِي أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ البَاقِي، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ السَمَرْقَنْدِيِّ وَابْنِ الطَّلَّايَةِ، وَأَبِي الحَسَنِ، وَأَبي بَكْرِ ابْنَيِ (٣) الزَّاغُونِيِّ، وَالأُرْمَوِيِّ، وَسَمِعَ بِـ "هَمَذَانَ" مِنْ أَبِي الخَيْرِ البَاغْبَانَ، وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَقَالَ: كَانَ لَهُ صَلَاحٌ، وَدِيْنٌ وَافِرٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ، стр. 1004
وَابْنُ خَلِيْلٍ الحَافِظُ (١)، فَقَالَ: (أَثَنَا) الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المُؤْمِنِ الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ، وَأَجَازَ لِمُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ بنِ أَبِي الدِّيْنَةِ (٢).
قَالَ ابْنُ القَطِيْعِيِّ: تُوُفِّيَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيَّ ابنُ شَرِيْكٍ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ العِيْدِ، سنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ.
قُلْتُ: وَكَذَا ذَكَرَ المُنْذِرِيُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ.
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ عَنِ ابْنِ الدَّبِيْثِيِّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ، وَعَنْ غَيْرِهِ: أَنَّهُ دُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ".
٢١٢ - عَلِيُّ بنُ هِلَالِ (٣) بنِ خَمِيْسٍ الواسِطِيُّ الفَاخَرَانِيُّ الضَّرِيْرُ، الفَقِيْهُ، стр. 1005
أَبُو الحَسَنِ، وَيُلَقَّبُ بِـ "مُعِيْنِ الدِّينِ" (١). ذَكَرَهُ المُنْذِرِيُّ، فَقَالَ: تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ عَبْدِ الحَقِّ بْنِ عَبْدِ الخَالِقِ، وَأَبِي الفَتْحِ صَدَقَةِ بنِ الحُسَيْنِ النَّاسِخِ، وَخَدِيْجَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ النَّهْرَوَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ. وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى "الفَاخَرَانِيَّةِ": قَرْيَةٌ مِنْ سَوَادِ "وَاسِطٍ" (٢).
تُوُفِّيَ فِي حَادِي عَشَرَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٣).
٢١٣ - حَامِدُ بنُ مُحَمَّدِ (٤) بنِ حَامِدٍ الصَّفَّارُ الأَصْبَهَانِيُّ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، стр. 1006
الإِمَامُ، نَجِيْبُ الدِّينِ (١)، أَبُو عبْدِ الله. سَمِعَ أَبَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ (٢)، وَأَبَا طَاهِرٍ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي نَصْرٍ الهَرَوِيَّ بِـ "هَاجِرٍ" (٣)، وَأَبَا الخَيْرِ البَاغْبَانِ، وَمَسْعُوْدًا الثَّقَفِيَّ стр. 1007
وَالرُّسْتُمِيِّ، وَعَبْدَ الجَلِيْلِ كُوْتَاهَ، وَجَمَاعَةً بِـ "أَصْبَهَانِ"، وَبِـ "هَمَذَانَ" أَبَا زُرْعَةَ المَقْدِسِيَّ، وَأَبَا العَلَاءِ العَطَّارَ، وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" حَاجًّا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ جَمَاعَةٍ. وَقَرَأَ عَلَى ابْنِ الجَوْزِيِّ "مَنَاقِبَ الإِمَامِ أَحْمَدَ" لَهُ، وَحَدَّثَ بِاليَسِيْرِ، كَتَبَ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ النَّفِيْسِ الرَّزَّازُ. ذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ وَقَالَ: كَانَ فَقِيْهًا، حَنْبَلِيًّا، فَاضِلًا، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيْثِ وَالأَدَبِ. وَذَكَرَ أَبُو الفَرجِ بنُ الحَنْبَلِيِّ أَنَّهُ لَقِيَهُ بِـ "أَصْبَهَانَ"، وَقَالَ: كَانَ فَقِيْهًا عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، عَارِفًا بِالمَذْهَبِ وَالخِلافِ، مُحَدِّثًا، وَوَصَفَهُ بِالمُرُوْءَةِ التَّامَّةِ.
٢١٤ - سَعْدُ بنُ عُثْمَانَ (١) بنِ مَرْزُوْقِ بنِ حُمَيْدِ بنِ سَلَامَةَ (٢) القُرَشِيُّ، المِصْرِيُّ стр. 1008
المَوْلِدِ، البَغْدَادِيُّ الدَّارِ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الخَيْرِ (١)، ابنِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ (٢). خَرَجَ مِنْ "مِصْرَ" قَدِيْمًا، وَاسْتَوْطَنَ "بَغْدَادَ" وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِيْهِ سَبَبُ قُدُوْمِهِ إِلَى "بَغْدَادَ"، وَتَفَقَّهَ بِهَا فِي المَذْهَبِ عَلَى أَبِي الفَتْحِ بْنِ المَنِّيِّ، وَلَازَمَ دَرْسَهُ، وسَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ الخَشَّابِ وَغَيْرِهِ، وَحَصَلَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامِّ مِنَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَكَانَ وَرِعًا، زَاهِدًا، عَابِدًا.
قَرَأْتُ بِخَطِّ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيُّ فِي حَقِّهِ: كَانَ مُشْتَغِلًا بِحِفْظِ كِتَابِ "الوَجْهَيْنِ وَالرِّوَايَتَيْنِ" تَصْنِيْفُ القَاضِي أَبِي يعْلَى (٣)، وَكَانَ مِنَ الزُّهْدِ، وَالصَّلَاحِ، وَالتَّطْهِيْرِ، وَالتَّوَرُّعِ فِي المَأْكُوْلِ، عَلَى صِفَةٍ تُعْجِزُ كَثِيْرًا مِنَ المُجْتَهِدِيْنَ فِي العِبَادَةِ. وَكَانَ يَمْشِي مُطْرِقَ الرَّأْسِ، يَلْتَقِطُ الأَوْرَاقَ المَكْتُوْبَةِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ كَثِيْرٌ، فَيَحْمِلُهُ بِحَمَّالٍ إِلَى الشَّاطِيءِ فَيَتَوَلَّى غَسْلَهُ، وَيُرْسِلُهُ مَعَ المَاءِ، وَكَانَ لَا يَسْتَقْضِي أَحَدًا حَاجَةً إِلَّا أَعْطَاهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ أَشْعَلَ لَهُ سِرَاجًا. وَذَاكَرْتُهُ - فِي خَلْوَةٍ - فِي القَوْلِ بِخَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ، فَأَقَرَّ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَذْهَبِ وَالِدِهِ فِي ذلِكَ، فَسُرِرْتُ بِذلِكَ.
وَرَأى رَجُلٌ فِي "بَغْدَادَ" النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ يَقُوْلُ: لَوْلَا الشَّيْخُ سَعْدٌ стр. 1009
نَزَلَ بِكُمْ بَلَاءٌ، أَوْ كَمَا قَالَ، ثُمَّ سَعَى الشَّيْخُ سَعْدٌ إِلَى الجُمُعَةِ وَمَا عِنْدَهُ خَبَرٌ بِهَذَا المَنَامِ، فَانْعَكَفَ النَّاسُ بِهِ يَتَبَرَّكُوْنَ بِهِ، وَازْدَحَمُوا، فَرَمَوْهُ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي قُلُوْبِ النَّاسِ؟ وَهُوَ يَقُوْلُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الفِتْنَةِ أَيْشٍ بِي؟ أَيْشٍ بِالنَّاسِ؟ حَتَّى ضُرِبَ النَّاسُ عَنْهُ وَخَلُصَ مِنْهُمْ.
وَقَالَ القَادِسِيُّ: هُوَ أَحَدُ الزُّهَّادِ، الأَبْدَالُ الأَوْتَادُ، وَمَنْ تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ، وَمَنْ كَانَ للهِ عَلَيْهِ إِقْبَالٌ، الصَّائِمُ فِي النَّهَارِ، القَائِمُ فِي الظَّلَامِ. قَدِمَ "بَغْدَادَ" وَسَكَنَ بِرِبَاطِ الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَمَا كَانَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَلَا يَغْشَى بَابَ أَحَدٍ مِنَ السَّلَاطِينِ، كَانَ يُنْفَذُ لَه فِي كُلِّ عَامٍ شَيْءٌ مِنْ مُلْكٍ لَهُ بِـ "مِصْرَ" يَكْفِيْهِ طُوْلَ سَنَتِهِ. حَكَى لِي وَالِدِي، قَالَ: كُنْتُ أَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ كَثِيْرًا، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا، فَهَجَسَ فِي نَفْسِي أنَّ لِي مُدَّة أَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ، وَمَا حَلَفَ عَلَيَّ قَطُّ، وَلَا قَدَّمَ لِي شَيْئًا، فَمَا اسْتَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ لِي: أَيْ أَحْمَدُ، وَاللهِ مَا أَرْضَى لَكَ طَعَامِي، لأَنَّهُ طَعَامُ شَقًى، قَالَ: وَأَخَذَنِي مِنَ الوَجْدِ شَيءٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ دَخَلَ لِيُخْرِجَ لِي مِنَ الزَّادِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَخْرَجَ إِلَيَّ رَغِيْفَ فَضْلَةٍ، لأَنْتَغِضَ (١) بِهِ لأَقُوْمَ، فَقَالَ عَجِلًا مِنْ دَاخِلِ البَيْتِ: أَيْ شَيْخُ أَحْمَدُ، بَلْ رَغِيْفَانِ، قَالَ: فَزَادَ تَحَيُّرِي وَدَهْشَتِي، وَكَانَ الشَّيْخُ سَعْدٌ كَثِيْرَ البُكَاءِ وَالخُشُوْعِ.
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: كَانَ عَبْدًا، صَالِحًا، مَشْهُوْرًا بِالعِبَادَةِ، وَالمُجَاهَدَةِ стр. 1010
وَالوَرَعِ، وَالتَّقَشُّفِ، وَالقَنَاعَةِ، وَالتَّعَفُّفِ، وَكَانَ خَشِنَ العَيْشِ، مُخْشَوْشِنًا، كَثِيرَ الانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ، وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وَالمُبَالَغَةِ فِي الطَّهَارَةِ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: (ثَنِي) يُوْسُفُ بْنُ سَعِيْدٍ (١) المُقْرِئُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا المِصْرِيَّ (٢) الزَّاهِدَ يَقُولُ: تَجَشَّأْتُ مَرَّةً، فَصَعَدَ إِلَى حَلْقِي شَيءٌ مِنَ الجَشَإِ، فَغَسَلْتُ حَلْقِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَابْتَلَعْتُهُ، ثُمَّ غَسَلْتُ فَمِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أُخَرَ وَأَبْصُقُهُ.
قُلْتُ: سَامَحَهُ اللهُ تَعَالَى، هَذِهِ زَلَّةٌ فَاحِشَةٌ.
قَالَ المُنْذِرِيُّ: كَانَ يُحْمَلُ إِلَيْهِ مَا يَقْتَاتُ بِهِ مِنْ "مِصْرَ" مِنْ جِهَّةٍ كَانتْ لَهُ بِهَا. وَقِيلَ: إِنَّ شَيْخَهُ ابْنَ المَنِّيِّ لَمَّا احْتُضِرَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ سَعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ، وَأَنَّ النَّاسَ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ للْتَبَرُّكِ بِهِ حَتَّى كَادَ يَهْلَكُ (٣).
قَالَ المُنْذِرِيُّ: تُوُفِيَ فِي سَادِسِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، سَاجِدًا في صَلَاتِهِ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ.
وَذَكَرَ القَطِيعِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ الدَّيرِ" стр. 1011
بِالقُرْبِ مِنْ مَعْرُوْفٍ الكَرْخِيِّ، رَحمَةُ اللهِ عَلَيْهِ (١)، وَكَذَا القَادِسِيُّ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ سَاجِدًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِمَدْرَسَةِ عَبْدِ القَادِرِ، ثُمَّ مِرَارًا عِدَّةً بِظَاهِرِ "الحَلْبَةِ" ثُمَّ حَمَلَ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ" لِيُدْفَنَ بِهِ، وَكَانَ قَدْ حُفِرَ لَهُ بِهِ قَبْرٌ، فَأَقْبَلَ خُدَّامُ أُمِّ الخَلِيْفَةِ، وَاسْتَخْلَصُوْهُ مِنَ العَامَّةِ، وَرَدُّوْهُ إِلَى مَقَابِرِ مَعْرُوْفٍ، إِلَى التَّلِّ المُقَابِلِ لِبَابِ تُرْبَةِ أُمِّ الخَلِيْفَةِ، وَكَانَ يَوْمُ مَوْتِهِ مَشْهُوْدًا، وَتَابُوْتُهُ بِالحِبَالِ مَشْدُوْدًا، ﵀. وَذَكَر ابْنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ كَانَ قَدْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيْهَا: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ (٢).
٢١٥ - إِلْيَاسُ بنُ حَامِدِ (٣) بْنِ مَحْمُوْدِ بنِ حَامِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الحَجَرِ الحَرَّانِيُّ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبُو الفَضْلِ ابْنِ الإِمَامِ أَبِي الفَضْلِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَبيْهِ. سَمِعَ إِلْيَاسُ بِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي هَاشِمٍ عِيْسَى بْنِ أَحْمَدَ стр. 1012
الدُّوْشَابِيُّ (١)، وشُهْدَةَ، وَغَيْرِهِمَا. стр. 1013
قالَ نَاصِحُ الدِّينِ بنُ الحَنْبَلِيُّ: وَكَانَ رَفِيْقِي فِي دَرْسِ شَيْخِنَا ابْنِ المَنِّيِّ، وَسَكَنَ "المَوْصِلَ" إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ دَارِ الحَدِيْثِ بِهَا، وَكَانَ حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، وَحَدَّثَ، سَمِع مِنْهُ بَدَلٌ التِّبْرِيْزِيُّ.
توُفِّيَ فِي سَلْخِ شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ "المَوْصِلِ" كَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ المُنْذِرِيُّ: وَقِيلَ: بَلْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ.
٢١٦ - مَكِّيُّ بنُ أَبِي القَاسِمِ (١) عَبْدُ اللهِ بنِ مَعَالِي بنِ عَبْدِ البَاقِي بْنِ الغَرَّادِ (٢) стр. 1014
البَغْدَادِيُّ، المَأْمُوْنِيُّ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، أَبُو إِسْحَقَ، وَيُقَالُ: أَبُو الحَرَم أَيْضًا.
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَالأُرمَوِيِّ، وَالكَرُّوْخِيِّ، وَابْنِ البَطِّيِّ، وَهِبَةِ اللهِ الشِّبْلِيِّ، وَسعْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ.
стр. 1015
وَاعْتَنَى بِهَذَا الشَّأْنِ (١)، قَرَأَ عَلَى الشُّيُوْخِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، ولَمْ يَزَلْ يَقْرَأُ وَيَسْمَعُ إِلى آخِرِ عُمُرِهِ، وَهُو ثِقَةٌ، وَكَانَ لَهُ مَسْجِدٌ كَبِيْرٌ بِـ "المَأْمُونِيَّةِ" يَؤُمُّ فِيْهِ، وَيَقْرَأُ الحَدِيْثَ علَى المَشَايِخِ، وَكَانَ يَقْرَأُ أَيْضًا بِجَامِعِ القَصْرِ (٢)، وَهُوَ ثِقَةٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، وَقَدْ نَسَبَهُ القَطِيْعِيُّ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالتَّسَامُحِ، وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّهِ طَبَقَةٌ أَنْكَرَهَا، وَوَثَقَهُ ابْنُ نُقْطَةَ، وَقَالَ: إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِيْهِ شَيْخُنَا ابْنُ الحُصْرِيِّ (٣)؛ لأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يَكْتُبُ سَمَاعَ أَقْوَامٍ كَانُوا يَتَحَدَّثُوْنَ إِلَى جَانِبِ حَلْقَتِهِ، فَأَمَّا سَمَاعُهُ فَصَحِيْحٌ. وَقَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ صَالِحًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَصْحَابُ الحَدِيْثِ (٤). وَقَدْ رَوَى عَنْهُ стр. 1016
ابْنُ خَلِيلٍ، وَقَالَ (١): أَنْبَأْنَا أبُو الحَرَمِ مَكِّي بنُ أَبِي القَاسمِ الفَقِيْهِ الحَنْبَلِيِّ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الزَّيْدِيِّ الحَافِظِ الزَّاهِدُ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ "جُزْءَا" الشَّيْخُ الإِمَامُ العالِمُ الحَافِظُ، أَبُو إِسْحَقَ مَكِّيُّ. وَرَوى عَنْهُ اليَلْدَانِيُّ (٢)، وَأَجَازَ لابنِ أَبِي الدِّيْنَةِ (٣).
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الجُمَعَةِ سَادِسَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، стр. 1017
وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" مُجَاوِرًا قَبْرَ بِشْرٍ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢١٧ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَبْدِ القَادِرِ (١) بْنِ أَبِي صَالِحٍ الجِيْلِيُّ، ثُمَّ البَغْدادِيُّ الأَزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، سَيْفُ الدِّينِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، ابنِ القُدْوَةِ الزَّاهِدِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَوُلِدَ فِي ثَانِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ.
وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وابْنِ السَّمرْقَنْدِيِّ، وَسِنُّهُ يَحْتَمِلُ السَّمَاعَ مِنِ ابْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالحُضُوْرَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، لكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ ذَكَرُوا ذلِكَ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَلَوْ كَانَ ذلِكَ صَحِيْحًا لَقَدَّمُوا هَذَيْنِ عَلَى بَقِيَّةِ شُيُوخِهِ (٢) وَلكِنْ ذَكَرَ ابْنُ القَادِسِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنِ ابْنِ الحُصَيْنِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ، وَأَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَغَيْرِهِمْ، стр. 1018
وَأَسْمَعَهُ وَالِدُهُ فِي صِبَاهُ مِنْ أَبِي غَالِبِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ القَزَّازِ، وَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ صِرْمَا، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَأَبِي الوَقْتِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَرَأَ الفِقْهَ علَى وَالِدِهِ حَتَّى بَرَعَ فِيْهِ، وَدَرَّسَ نِيَابَةً عَنْ وَالِدِهِ بِمَدْرَسَتِهِ، وَهُوَ حَيٌّ، وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى العِشْرِيْنَ مِنْ عُمُرِهِ، ثُمَّ استَقَلَّ بِالتَّدْرِيسِ بِهَا بَعْدَهُ، ثُمَّ نُزِعَتْ مِنْهُ لابْنِ الجَوْزِيِّ؛ لأَجْلِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (١) ثُمَّ رُدَّتْ إِلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِ ابْنِ يُونُسَ.
قَالَ ابنُ القَادِسِيِّ: كَانَ فَقِيْهًا مُجَوِّدًا، زَاهِدًا وَاعِظًا، وَلَهُ قَبُوْلٌ حَسَنٌ، وَتوَلَّى المَظَالِمَ للنَّاصِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وثَمَانِينَ، وَكَانَ كَيِّسًا، ظَرِيْفًا مِنْ ظُرَفَاءِ أَهْلِ "بَغْدَادَ" مُتَمَاجِنًا (٢) وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ أَبِيْهِ أَفْقَهَ مِنْه، كَانَ فَقِيْهًا فَاضِلًا، حَسَنَ الكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، لَهُ لِسَانٌ فَصِيْحٌ فِي الوَعْظِ، وَإِيْرَادٌ مَلِيْحٌ، مَعَ عُذُوْبَةِ أَلْفَاظٍ، وَحِدَّةِ خَاطِرِ، وَكَانَ ظَرِيْفًا، لَطِيفًا، مَلِيْحَ النَّادِرَةِ، ذَا مَزْحٍ، وَدُعَابَةٍ، وَكَيَاسَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ مُرُوْءَةٌ، وَسَخَاوَةٌ، وَجَعَلَهُ الخَلِيْفَةُ النَّاصِرُ عَلَى المَظَالِمِ، وَكَانَ يُوْصِلُ إِلَيْهِ حَوَائِجَ النَّاسِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابْنُ النَّجَّارِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ يُرْسَلُ بِهِ مِنَ الدِّيْوَانِ إِلَى "الشَّامِ"، وَأَنَّ الخَلِيْفَةَ النَّاصِرُ بَنَى "رِبَاطَ الخِلَاطِيَّةِ" لَهُ، وَكَانَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ عِنْدَ العَامَّةِ أَيْضًا. قَالَ نَاصِحُ الدِّينِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: قَالَ الشَّيْخُ طَلْحَةُ - يَعْنِي العَلْثِيَّ - قَلَمُهُ стр. 1019
سَدِيْدٌ فِي الفَتْوَى. قَالَ أَبُو شَامَةَ: قِيْلَ لَهُ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ: مَا تَقُولُ فِي أَهْلِ البَيْتِ؟ قَالَ: قَدْ أَعْمَوْنِي، وَكَانَ أَعْمَشَ، أَجَابَ عَنْ بَيْتِ نَفْسِهِ، وَقِيْلَ لَهُ يَوْمًا: بِأَيِّ شَيءٍ تَعْرِفُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ؟ قَالَ: بِلَيْمُوْنَةٍ، أَرَادَ: مَنْ تَخَضَّبَ يَزُوْلُ خِضَابُهُ بِلَيْمُوْنَةٍ.
وَقَالَ ابنُ البُزُوْرِيِّ: وَعَظَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: مَا سَمِعْنَا بِمِثْلِ هَذَا، فَقَالَ: لَا شَكَّ يَكُوْنُ هَذَيَانَ، وَكَانَ لَهُ نَوَادِرُ كَثيرَةٌ، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: ابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الغَزَّالِ الوَاعِظِ، وَابْنُ خَلِيْلٍ (١)، وَأَجَازَ لِمُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ بْنِ أَبِي الدِّيْنَةِ.
وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ خَامِسِ عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ بِمَدْرَسَةِ وَالِدِهِ، وَحَضَرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الحَلْبَةِ (٢) عِنْدَ عَبْدِ الدَّائِمِ الوَاعِظِ الَّذِي تُنْسَبُ المَقْبَرَةُ إِلَيْهِ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
٢١٨ - طَلْحَةُ بنُ مُظَفِّرِ (٣) بنِ غَانِمِ بنِ مُحَمَّدٍ العَلْثِيُّ، الفَقِيْهُ، الخَطِيْبُ، стр. 1020
المُحَدِّثُ الفَرَضِيُّ، النَّضَّارُ، المُفَسِّرُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، العَارِفُ، تَقِيُّ الدِّينِ، أَبُو مُحَمَّدٍ، نَقَلْتُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لَهُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ نَاصِحِ الدِّيْنِ بنِ الحَنْبَلِيِّ، قَالَ: نَشَأَ فِي "العَلْثِ" وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى "بَغْدَادَ" (١) وَحَفِظَ الكِتَابَ العَزِيزَ؛ وَقَرَأَ عَلَى عَلِيٍّ البَطَائِحِيِّ، وَالبُرْهَانِ بنِ الحُصْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى نَاصِحِ الإِسْلَامِ أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، فَصَارَ مُعِيْدًا عَلَيَّ وَعَلَى غَيْرِي، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يُعِيْدُ لَهُمْ دُرُوسَ الشَّيْخِ، قَالَ: وَانْتَفَعْنَا بِهِ كَثِيرًا، وَسَمِعَ الحَدِيثَ الكَثِيرُ، وَقَرَأَ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ، وَكَانَ يَقْرَأُ كِتَابَ "الجَمْهَرَةِ" عَلَى ابْن القَصَّارِ (٢) فَمِنْ سُرْعَةِ قِرَاءَتِهِ وَفَصَاحَتِهَا، قَالَ ابْنُ القَصَّارِ: هَذَا طَلْحَةُ يَحْفَظُ هَذَا الكِتَابِ؟ قَالُوا: لَا، وَكَانَ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ فَيَبْكِي، وَيَتْلُو القُرآنَ فِي الصَّلَاةِ وَيَبْكِي، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا، لَطِيفًا، أَدِيبًا فِي مُنَاظَرَتِهِ، لَا следующие страницы →