← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

العَرَبِ" مُجَلَّدٌ "دُرَّةُ الإِكْلِيْلِ فِي التَّارِيخِ" أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ. ذَكرَهُ سِبْطُهُ: "الأمْثَالُ" مُجَلَّدٌ "المَنْفَعَةُ فِي المَذَاهِبِ الأربَعَةِ" مُجَلَّدَانِ "المُخْتَارُ مِنَ الأشْعَارِ" عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ "رُؤُوسِ القَوَارِيْرِ" مُجَلَّدَانِ "المُرْتَجَلُ فِي الوَعْظِ" مُجَلَّدٌ كَبِيْرٌ "نَسِيْمُ الرِّيَاضِ" مُجَلَّدٌ "ذَخِيْرَةُ الوَاعِظِ" أَجْزَاءٌ "الزَّجْرُ المَخُوْفُ" "الإنْسُ وَالمَحَبَّةُ" "المُطْرِبُ المُلْهِبُ" "الزَّنْدُ الوَرِيِّ فِي الوَعْظِ النَّاصِرِيِّ" جُزْآنِ "الفَاخِرُ فِي أَيَّامِ الإِمَامِ النَّاصِرِ" مُجَلَّدٌ "المَجْدُ الصَّلَاحِيُّ" مُجَلَّدٌ "لُغَةُ الفِقْهِ" جُزْآنِ، وَقِيْلَ: إِنَّ لَهُ غَيْرَهُ، "عَقْدُ الخَنَاصِرِ فِي ذَمِّ الخَلِيْفَةِ النَّاصِرِ" وَكِتَابٌ في "ذَمِّ عَبْدِ القَادِرِ" "غَرِيْبُ الحَدِيْثِ" مُجَلَّدٌ "مُلَحُ الأحَادِيْثِ" جُزْآنِ "الفُصُوْلُ الوَعْظيَّةُ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ" "سَلْوَةُ الأحْزَانِ" عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ "المَعْشُوْقُ فِي الوَعْظِ" "المَجَالِسُ اليُوْسُفِيَّةِ فِي الوَعْظِ" كَتَبَهَا لاِبِنْهِ يُوْسُفَ "الوَعْظُ المَقْبَرِيُّ" جُزْءٌ "قِيَامُ اللَّيْلِ" ثَلَاثَةُ أَجزَاءٍ "المُحَادَثَةُ" جُزْءٌ "المُنَاجَاةُ" جُزْءٌ "زَاهِرُ الجَواهِرِ فِي الوَعْظِ" أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ "كَنْزُ المُذَكِّرِ" "النُّحَاةُ الخَوَاتِيْمُ" جُزْآنِ "المُرْتَقَى لِمَنْ اتَّقَى"، وَتَصَانِيْفُ أُخَرُ غَيْرُ هَذِهِ. وَسَمِعْتُ أَنَّ لَهُ "حَوَاشِيَ علَى صِحَاحِ الجَوْهَرِيِّ"، وَمَا أُخِذَ عَلَيْهَا، وَاخْتَصَرَ فُنُونِ ابنِ عَقِيْلٍ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ العُلَمَاءِ صَنَّفَ مَا صَنَّفَ هَذَا الرَّجُلُ. وَمنْ لَفْظِ كلَامِهِ الحَسَنِ فِي المَجَالِسِ: قَالَ: قَالَ يَوْمًا وَقَدْ طَرِبَ أَهْلُ مَجْلِسِهِ: فَهِمْتُمْ فَهِمْتُمْ، وَقَامَ إِلَيْهِ سَائِلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ أُصَادِقُ مَنْ ذَا وَقْتُهُ؟ فَقَالَ: مَا ذَا وَقْتُهُ.

стр. 1087

وَقَالَ يَوْمًا: شَهَوَاتُ الدُّنْيَا أُنْمُوذَج، وَالأُنْمُوذَجُ يُعْرَضُ وَلَا يُقْبَضُ. وَقَالَ مَرَّهًّ: مَنْ وَقَفَ علَى صِرَاطِ الاِستِقَامَةِ، وَبِيَدِهِ مِيْزَانُ المُرَاقَبَةِ، وَمَحَكُّ الوَرَعِ يَسْتَعْرِضُ أَعْمَالَ النَّفْسِ، وَيَرُدُّ البَهْرَجَ إِلَى كِيْرِ التَّوْبَةِ، سَلِمَ مِنْ رَدِّ النَّاقِدِ يَوْمَ التَّنْقِيْضِ. وَقَالَ يَوْمًا: بَقَايَا الشَّهَوَاتِ، فِي سُوْقِ الهَوَى مُتَبَهْرِجَاتٌ، يُمْسِكْنَ ثِيَابَ الطَّبْعِ، فَإِنْ خَرَجَ الزَّاهِدُ مِنْ بَيْتِ عُزْلَتِهِ خَاطَرَ بِذُنُوْبِهِ. وَسَأَلَهُ رَجُل يَوْمًا: أَيُّمَا أَفْضَلُ، أُسَبِّحُ، أَم أَسْتَغْفِرُ؟ فَقَالَ: الثَّوْبُ الوَسِخُ أَحْوَجُ إِلَى الصَّابُوْنِ مِنَ البُخُوْرِ. وَقَالَ فِي حَدِيْثِ "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِيْنِ إِلَى السَّبْعِيْنِ" إِنَّمَا طَالَتْ أَعْمَارُ الأوَائِلِ لِطُوْلِ البَادِيَةِ، فَلَمَّا شَارَفَ الرَّكْبُ بَلَدَ الإِقَامَةِ قِيْلَ: حُثُّوا المُطِيَّ. وَمنْ كلَامِهِ الحَسَنِ: مَنْ قَنِعَ طَابَ عَيْشُهُ، وَمَنْ طَمِعَ طَالَ طَيْشُهُ. وَقَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ: أَنْتَ فِي أَوْسَعِ العُذْرِ مِنَ المُتَأَخِّرِ عَنِّي لِثِقَتِي بِكَ، وَفِي أَضْيَقِهِ مِنْ شَوْقِي إِلَيْكَ. وَسَأَلَهُ سَائلٌ فَأَجَابَ، فَقَالَ السَّائِلُ: مَا فَهِمتُ، فَأَنْشَدَ: عَلَيَّ نَصْبُ المَعَانِيْ فِي مَنَاصِبِهَا … فَإِنْ كَبَتْ دُوْنَهَا الأفْهَامُ لَمْ أُلَمِ وَسُئِلَ: كَيْفَ ضَرَبَ عُمَرُ بِالدُّرَّةِ الأرْضَ؟ فَقَالَ: الخَائِنُ خَائِفٌ، وَالبَرِئُ جَرِئٌ. وَذَكَرَ الوَفَاءَ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُ الوَفِيَّ وَمَا فِيَّ. وَتَابَ عَلى يَدِهِ يَوْمًا بَعْضُ الخَدَمِ، فَقَالَ: لِمَّا عَدِمَ آلَةُ الشَّهْوَةِ صُلَحَ

стр. 1088

لِصُحْبَةِ المُلُوْكِ، فَخَرَجَ الخَادِمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: مَنْ يُعْطِيْهِ قِصَّةً يُوْصِلُهَا؟ وَقَالَ: الدُّنْيَا دَارُ الإلَهِ، وَالمُتَصَرِّفُ فِي الدَّارِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا لِصُّ. وَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا وَصَّى عنْدَ مَوْتهِ، فَقَالَ: يَا مُفَرِّطِيْنَ مَا تُطَيِّنُوْنَ سُطُوْحَكُمْ إِلَّا فِي كَانُونَ. وَسَأَلهُ سَائل: أَيَجُوْزُ أَنْ أُفْسِحَ لِنَفْسِي فِي مُبَاحِ المَلَاهِي؟ فَقَالَ: عِنْدَ نَفْسِكَ مِنَ الغَفْلَةِ مَا يَكْفِيْهَا، فَلَا تَشْغَلْهَا بِالمَلَاهِي مَلَاهِي. قَالَ يَوْمًا فِي قَوْلِ فِرْعَوْنَ (١): ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾: وَيْحَهُ، افْتَخَرَ بِنَهْرِ مَا أَجْرَاهُ، مَا أَجْرَاهُ!. وَقُرِئَ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٢) فَقَالَ: لَا تَحُلُّو رُزْمَةً رَفِيْعَةً، فَمَا عِنْدَنَا مُشْتَرِي. وَسُئِلَ يَوْمًا: مَا تَقُوْلُ فِي الغِنَاءِ؟ فَقَالَ: أُقْسِمُ بِاللهِ لَهُوَ لَهْوٌ، وَقَالَ: مَا عَزَّ يُوُسُفَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا ذَلَّ بِهِ مَاعِزٌ. وَقَالَ: مَا نَفَشَتْ غَنَمُ العُيُوْنِ النَّوَاظِرِ فِي زُرُوْعِ الوُجُوْهِ النَّوَاضِرِ إِلَّا وَأُغِيْرَ علَى السَّرْحِ. وَقَالَ: المُتَعَرِضُ لِلْنِّبْلَهْ أَبْلَهْ. وَقُرِئَ بينَ يَدَيْهِ يَوْمًا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ (٣) فَقَالَ: وَاللهِ هَذَا تَوْقِيعٌ بِخَرَابِ البُيُوْتِ.

стр. 1089

وَقَالَ يَوْمًا فِي مُنَاجَاتِهِ: إِلهِي لَا تُعَذَبْ لِسَانًا يُخْبِرُ عَنْكَ، وَلَا عَيْنًا تُنْظَرُ إِلَى عُلُوْمٍ تَدُلُّ علَيْكَ، وَلَا قَدَمًا تَمْشِيْ إِلَى خِدْمَتِكَ، وَلَا يَدًا تكتُبُ حَدِيْثَ رَسُوْلِكَ. فَبِعِزَتِكَ لَا تُدْخِلْنِي النَّارَ؛ فَقَدْ عَلِمَ أَهْلُهَا أَنِّي كُنْتُ أَذُبُّ عَنْ دِيْنِكَ. وَمِنْهُ: ارْحَمْ عَبْرَةَ تَرَقْرَقُ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْكَ، وَكَبِدًا تَحْتَرِقُ عَلَى بُعْدِهَا عَنْكَ، إِلهِي، عِلْمِي بِفَضْلِكَ يُطْعِمُنِي فِيْكَ، وَيَقِيْني بِسَطْوتِكَ يُؤَيِّسُنِي مِنْكَ، وَكُلَّمَا رَفَعْتُ سِتْرَ الشَّوْقِ إِلَيْكَ، أَمْسَكَهُ الْحَيَاءُ مِنْكَ، إِلهِي، لَكَ أَذِلُّ، وَبِكَ أُذَلُّ، وَعَلَيْكَ أَدِلُّ، وَأَنْشَدَ: أَحْيَى بِذِكْرِكَ سَاعَةً وَأَمُوْتُ … لَوْلَا التَّعَلُّلُ بِالمُنَى لَفَنِيْتُ وَلِلشَّيْخِ أبِي الفَرَجِ أشْعَارٌ حَسَنَةٌ كثيْرَةٌ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: قِيْلَ: إِنَّهَا عَشْرُ مُجَلَّدَاتٍ (١)، فَمِمَّا أَنْشَدَهُ عَنْهُ القَطِيْعِيُّ (٢): وَلَمَّا رَأَيْتُ دِيَارَ الصَّفَاءِ … أَقْوَتْ مِنِ اخْوَانِ أَهْلِ الصَّفَاءِ سَعَيْتُ إِلَى سَدِّ بَابِ الوِدَادِ … وَأَحْزَنَ قَلْبِي وَفَاةُ الوَفَاءِ فَلَمَّا اصطَحَبْنَا وَعَاشَرْتُكُمْ … عَلِمْتُ أَنَّ رَأْيي وَرَائِي قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: (٣)

стр. 1090

يَا صَاحِبِي هَذِي رِيَاحُ أَرْضِهِمْ … قَدْ اخْبَرَتْ شَمَائِلَ الشَّمَائِلِ نَسِيْمُهُمْ سُحَّيْرِىَ الرِّيْحُ مَا … تُشْبِهُهُ رَوَائِحَ الأصَائِلِ مَا لِلصَّبَا مُوْلَعَةٌ بِذِي الصِّبَا … أَوْ صَبًا فَوْقَ الغَرَامِ القَاتِلِ مَا لِلْهَوَى العُذْرِيِّ فِي دِيَارِنَا … أَيْنَ العُذَيْبُ مِنْ قُصُوْرِ بَابِلِ لَا تَطْلُبُوا ثَارَاتِنَا يَا قَوْمَنَا … دِيَارُنَا فِي أَذْرُعِ الرَّوَاحِلِ للهِ دَرُّ العَيْشِ فِي ظِلَالِهِمْ … وَلَّى وَكَمْ أَسْأَرَ فِي المَفَاصِلِ وَاطَرَبِي إِذَا رَأَيْتُ أَرْضَهُمْ … هَذَا وَفِيْهَا رُمِيَتْ مَقَاتِلِي يَا دُرَّةَ الشَّيْخِ سَقَيْتِ أَدْمُعِي … وَلَا ابْتُلِيْتِ بِالهَوَى تَمَايَلِي (١) مَيْلُكِ عَنْ زَهْوٍ وَمَيْلِي عَنْ أَسًى … مَا طَرَبُ المَخْمُوْرِ مِثْلَ الثَّاكِلِ قَالَ وأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ (٢): سَلَامٌ عَلَى الدَّارِ الَّتِي لَا نَزُوْرُهَا … عَلَى أَنَّ هَذَا القَلْبِ فِيْهَا أَسِيْرُهَا إِذَا مَا ذَكَرْنَا طِيْبَ أَيَّامِنَا بِهَا … تَوَقَّدَ فِي نَفْسِ الذُّكُوْرِ سَعِيْرُهَا رَحَلْنَا وَفِي سِرِّ الفُؤَادِ ضَمَائِرٌ … إِذَا هَبَّ نَجْدِيُّ الصَّبَا يَسْتَثيْرُهَا مَحَتْ (٣) بَعْدَكُم تِلْكَ العُيُوْنُ دُمُوْعَهَا … فَهَلْ مِنْ عُيُوْنٍ بَعْدَهَا تَسْتَعِيْرُهَا أَتَنْسَى رِيَاضَ الرَّوْضِ بَعْدَ فِرَاقِهَا … وَقَدْ أَخَذَ المِيْثَاقُ مِنْكَ غَدِيْرُهَا يُجَعِّدُهُ مَرُّ الشَّمَالِ وَتَارَةً .. يُغَازِلُهُ كَرُّ الصَّبَا وَمُرُوْرُهَا

стр. 1091

أَلَا هَلْ إَلَى شَمِّ الخُزَامَى وَعَرْعَرٍ … وَشَيْحٍ بِوَادِي الأَثْلِ أَرْضٌ يَسِيْرُهَا أَلَا أَيُّهَا الرُّكْبُ العِرَاقِيُّ بَلِّغُوا … رِسَالَةَ مَحْزُوْنٍ حَوَاهُ سُطُوْرُهَا إِذَا كَتَبَتْ أَنْفَاسُهُ بَعْضَ وَجْدِهَا … عَلَى صَفْحَةِ الذِّكْرَى مَحَاهُ زَفِيْرُهَا تَرَفَّقْ رَفِيْقِي هَلْ بَدَتْ نَارُ أَرْضِهِمْ … أَمِ الْوَجْدُ يُذْكِي نَارُهُ وَيُثِيْرُهَا أَعِدْ ذِكْرَهُمْ فِهْوَ الشِّفَاءَ وَرُبَّمَا … شَفَى النَّفْسُ أَمْرٌ ثُمَّ عَادَ يَضِيْرُهَا أَلَا أَيْنَ أَيَّامِ الوِصَالِ الَّتِي خَلَتْ … وَحَيْثُ خَلَتْ حَلَّتْ وَجَاءَ مَرِيْرُهَا سَقَى اللهُ أَيَّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيًا … تَضَوَّعَ رَيَّاهَا وَفَاحَ عَبِيْرُهَا قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: (١) إِذَا جُزْتَ بِالْغَوْرِ (٢) عَرِّجْ يَمِيْنَا … فَقَدْ أَخَذَ الشُّوْقُ مِنَّا يَمِيْنَا وَسَلِّمْ عَلَى بَانَةِ الوَادِيَيْنِ … فَإِنْ سُمِعَتْ أَوْ شَكَتْ أَنْ تَبِيْنَا وَمِلْ نَحْوَ غُصْنٍ بِأَرْضِ النَّقَى … وَمَا يُشْبِهُ الأيْكُ تِلْكَ الغُصُوْنَا وَصِحْ فِي مَغَانِيْهُمُ أَيْنَ هُمْ … وَهَيْهَاتَ أَمُّوا طَرِيْقًا شَطُوْنَا وَرَوِّ (٣) ثَرَى أَرْضَهُمْ بالدُّمُوْعِ … وَخَلِّ الضُّلُوْعَ عَلَى مَا طُوِيْنَا أَرَاكَ يَشُوْقُكَ وَادِي الأَرَاكِ … أَلِلدَّارِ تَبْكِي أَمْ الظَّاعِيْنَا سَقَى اللهُ مَرْتَعَنَا بِالْحِمَى … وَإِنْ كَانَ أَوْرَثَ دَاَءً دَفِيْنَا وَعَاذِلَةٍ فَوْقَ دَاءِ المُحِبِّ … رُوَيْدًا رُوَيْدًا بِنَا قَدْ بَلِيْنَا

стр. 1092

لِمَنْ تَعْذِلِيْنَ أَمَا تَعْذُرِيْنَ … فَلَوْ قَدْ تَبِعْتِ دَفَعْتِ الأنِيْنَا إِذَا غَلَبَ الحُبُّ ضَاعَ العِتَابُ … تَعِبْتِ وأَتْعَبْتِ لَوْ تَعْلَمِيْنَا وَمِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الشِّعْرِ: (١) تَمَلَّكُوا وَاحْتكَمُوا … وَصَارَ قَلْبِي لَهُمُ تَصَرَّفُوا فِي مُلْكِهِمْ … فَلَا يُقَالُ ظَلَمُوا إِنْ وَاصَلُوا مُحِبِّهمْ … أَوْ قَطَعُوا فَهُمْ هُمُ اصْبِرْ لِمَا شَاءُوا وَإِنْ … سَاءَ الَّذِيْ قَدْحَكَّمُوُا يَا أَرْضَ سَلْعٍ خَبِّرِي … وَحَدِّثِيْنِيْ عَنْهُمُ يَالَيْتَ شِعْرِي إِذْ حَدَوا … أَأَنْجَدُوا أَمْ اتْهَمُوا تَشْتَاقُهُمْ أَرْضُ مِنًى … وَتَشْتَكِيْهِمْ زَمْزَمُ أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ بِـ"بِمِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ سَمَاعًا قَالَ: قُرِئُ عَلَى الإِمَامِ أَبِي الفَرَجِ بِنِ الجَوْزِيِّ، وأَنَا أَسْمَعُ لِنَفْسِهِ (٢):

стр. 1093

يَا نَادِبًا أَطْلَالَ كُلِّ نَادِي … وَبَاكِيًا فِي إِثْرِ كُلِّ حَادِي مُسْتَلْبُ القَلْبِ بِحُبِّ غَادَةٍ … غَدَتْ غَدَاةَ (١) البَيْنِ بِالفُؤَادِي مَهْلًا فَمَا الَّلذَّاتُ إِلَّا خِدَعٌ … كَأَنَّهَا طَيْفُ خَيَالٍ غَادِي أَيْنَ المُحِبُّ وَالْحَبِيْبُ بَعُدَا … وَأَنْذَرَا مِنْ بَعْدُ بِالبَعَادِ فَكُلُّ جَمْعِ فِإِلَى تَفَرُّقٍ … وَكُلُّ بَاقٍ فَإِلَى نَفَادِ مَوَاعِظٌ بَليِغَةٌ فَيَا لَهَا … مَوَاعِظٌ وَارِيَةُ الزِّنَادِ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ العِلْمَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ طَلْحَةُ العَلْثِي، وَمِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، خَطِيْبُ "حَرَّانَ" وَذَكَرَ فِي أَوَّلِ "تَفْسِيْرِهِ" أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ "زَادَ المَسِيْرِ" فِي التَّفْسِيْرِ قِرَاءَةَ بَحْثٍ وَمُرَاجَعَةٍ. وَسمعَ الحَدِيْثَ وَغَيْرَهُ مِنْ تَصَانِيْفِهِ مِنْهُ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً مِنَ الأئِمةِ وَالحْفَّاظِ والْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ، مِنْهُمْ وَلَدُهُ الصَّاحِبُ مُحْيِي الدِّينِ، وَسِبْطُهُ

стр. 1094

أَبُو المُظَفَّرِ الوَاعِظِ، والشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وابنُ الدُّبَيْثِي، وَابْنُ القَطِيْعِيِّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَابنُ خَلِيْلٍ، وَابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ، وَالنَّجِيْبُ عَبْدُ الَّلطِيْفِ الحَرَّانِيُّ، وَهُوَ خَاتِمَةُ أَصْحَابِهِ بِالسَّمَاعِ. وَرَوَى عَنْهُ آخَرُوْنَ بِالإِجَازَةِ، آخِرُهُمْ الفَخْرُ عَلِيُّ بنُ البُخَارِيِّ. وَقَدْ نَالَتْهُ مِحْنَةٌ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ﵀ وَحَدِيْثُهَا يَطُوْلُ، وَمُلَخَصُّهَا: قَدْ عُقِدَ مَجْلِسٌ لِلرُّكْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ الْجِيْليِّ، وَأُحْرِقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ فِيْهَا مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَعِبَادَةِ النُّجُوْمِ وَرَأيِ الأوَائِلِ شَيْءٌ كَثيْرٌ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ العُلَمَاءِ، وَانْتَزَعَ الوَزِيْرُ مِنْهُ مَدْرَسَةَ جَدِّهِ، وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِ الجَوْزِيِّ، فَلَمَّا وَليَ الوِزَارَةَ ابنُ القَصَّابِ -وَكَانَ رَافِضِيًّا خَبِيْثًا- سَعَى فِي القَبْضِ عَلَى ابنِ يُوْنُسَ، وَتَتبَّعَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ الرُّكْنُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنِ ابنِ الجَوْزِيِّ فَإنَّهُ نَاصِبِيٌّ، وَمِنْ أَوْلَادِ أَبي بَكْرٍ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ ابْنِ يُوْنُسَ، وَأَعْطَاهُ مَدْرَسَةَ جَدِّي، وَأُحْرِقَتْ كُتُبِي بِمَشُوْرَتهِ؟ فَكَتَبَ ابنُ القَصَّابِ إِلَى الخَلِيْفَةِ النَّاصرِ، وَكَانَ النَّاصرُ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الشِّيْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، بَلْ قَدْ قَيْلَ: إِنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ أَذَاهُ، وَقِيْلَ: إِنَّ الشَّيْخَ رُبَّمَا كَانَ يُعَرِّضُ فِي مَجَالِسِهِ بِذَمِّ النَّاصرِ، فَأَمَرَ بِتَسْلِيْمِهِ إِلَى الرُّكْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَجَاءَ إِلَى دَارِ الشَّيْخِ وَشَتَمَهُ، وَأَغْلَظَ عَلَيْهِ وَخَتَمَ عَلَى كُتُبِهِ وَدَارِهِ، وَشَتَّتَ عِيَالَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ حُمِلَ فِي سَفِيْنَةٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَدُوَّهُ الرُّكْنُ، وَعلَى الشَّيْخِ غِلَالَةٌ بِلَا سَرَاوِيْلَ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَخْفِيْفةٌ، فَأُحْدِرَ إِلَى "وَاسِطَ"، وَكَانَ نَاظِرُهَا

стр. 1095

شِيْعِيًّا، فَقَالَ لَهُ الرُّكْنُ: مَكِّنِي مِنْ عَدُوِّي لأرْمِيَهُ فِي المَطْمُوْرَةِ، فَزَبَرَهُ (١)، فَقَالَ: يَا زِنْدِيْقُ، أَرْمِيْهِ بِقَوْلكَ، هَاتِ خَطِّ الخَلِيْفَةِ، وَاللهِ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِي لَبَذَلْتُ رُوْحِي وَمَالَي فِي خِدْمَتِهِ، فَعَادَ الرُّكْنُ إِلَى "بَغْدَادَ". قَالَ ابنُ القَادِسِيِّ: لَمَّا حَضَرُوا "وَاسطَ" جُمِعَ النَّاسُ، وادَّعَى ابنُ عَبْدِ القَادِرِ عَلَى الشَّيْخِ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي وَقْفِ المَدْرَسَةِ، وَاقْتَطَعَ مِنْ مَالِهَا كَذَا وَكَذَا -وَكَذَبَ فِيْمَا ادَّعَاهُ-، وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ -وَصَدَقَ وَبَرَّ- وَأُفْرِدَ للشَّيْخِ دَارٌ بِـ"دَرْبِ الدِّيْوَانِ"، وَعَلَى بَابِهَا بَوَّابٌ. وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَدْخُلُوْنَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَمِعُوْنَ مِنْهُ، وَيُمْلِي عَلَيْهِمْ. وَكَانَ يُرْسِلُ أَشْعَارًا كَثيْرَةً إِلَى "بَغْدَادَ"، وأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِيْنَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَيَغْسِلُ ثَوْبَهُ وَيَطْبَخُ، وَيَسْتَقِي المَاءَ مِنَ البِئْرِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ خُرُوْجٍ إِلَى حَمَّامٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِيْنَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَقِيَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي السَّفِيْنَةِ حتَّى وَصَلَ إِلَى "وَاسطَ" لَمْ يَأْكُلْ فِيْهَا طَعَامًا. وَذَكَرَ عَنْهُ انَهُ قَالَ: قَرَأْتُ بِـ"وَاسطَ" مُدَّةَ مَقَامِي بِهِا كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةً، مَا قَرَأْتُ فِيْهَا سُوْرَةَ يُوْسُفَ مِنْ حُزْنِي عَلَى وَلَدِي يُوْسُفَ. والَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الفَرَجِ بنُ الحَنْبَلِيِّ عَنْ طَلْحَةَ العَلْثِيِّ: أَنَّ الشَّيْخَ كَانَ يَقْرَأُ فِي تِلْكَ المُدَّةِ مَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ أَوْ أَرْبَعَةً مِنَ القُرْآنِ، وَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ مِنْ سَنَةِ تِسْعِيْنَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، فَأُفْرِجَ عَنْهُ، وَقَدِمَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَخَرَجَ خَلْقٌ كَثيْرٌ يَوْمَ دُخُوْلهِ لِتَلَقِّيْهُ، وَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ "بَغْدَادَ"

стр. 1096

فَرَحًا زَائِدًا، وَنُوْدِيَ لَهُ بِالجُلُوْسِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَصَلَّى النَّاسُ الجُمُعَةَ، وَعَبَرُوا يَأْخُذُوْنَ مَكَانَاتِ مَوْضِعِ المَجْلِسِ عِنْدَ "تُرْبَةِ أُمِّ الخَلِيْفَةِ"، فَوَقَعَ تِلكَ اللَّيْلَةَ مَطَرٌ كَثيْرٌ مَلأَ الطُرُقَاتِ، فَأُحْضِرَ فِي اللَّيْلِ فَرَّاشُونَ وَرَوْزَجَارِيَّةٌ، فَنَظَّفُو مَوْضِعَ الجُلُوْسِ وَفَرَشُوا فِيْهِ دِقَاقَ الحَصْبَى (١) وَالبَوَارِيَ، وَمَضَى النَّاسُ وَقْتَ المَطَرِ إِلَى قَبْرِ مَعْرُوْفِ تَحْتَ السَّابَاطِ، حَتَّى سَكَنَ المَطَرُ، ثُمَّ جَلَسَ الشَّيْخُ بُكْرَةَ السَّبْتِ وَعَبَرَ الخَلْقُ، وَحَضَرَ أَرْبَابُ المَدَارِسِ وَالصُّوْفِيَّةِ وَمَشَايِخِ الرّبُطِ، وَامْتَلأَتِ البَرِّيَّةِ حَتَى مَا كَانَ يَصِلُ صَوْتُ الشَّيْخِ إِلَى آخِرِهِمْ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي الإفْرَاجِ عَنِ الشَّيْخِ، أَنَّ وَلَدَهُ مُحْيِي الدِّينِ يُوْسُفَ تَرَعْرَعَ وَأَنْجَبَ (٢)، وَقَرَأَ الوَعْظَ وَوَعَظَ، وَتَوَصَّلَ، وَسَاعَدَتْهُ أُمُّ الخَلِيْفَةِ، وَكَانَتْ تتَعَصَّبُ لِلْشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، فَشَفَعَتْ فِيْهِ عنْدَ ابْنَهَا النَّاصِرُ، حَتَّى أَمَرَ بِإِعَادَةِ الشَّيْخِ، فَعَادَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ عِنْدَ "تُرْبَةِ أُمِّ الخَلِيْفَةِ" لِلَوَعْظِ، وَأَنْشَدَ: (٣) شَقِيْنَا بِالنَّوَى زَمَنًا فَلَمَّا … تَلَاقَيْنَا كَأَنَّا مَا شَقِيْنَا سَخِطْنَا عِنْدَمَا جَنَتِ اللَّيَالِي … فَمَازَالَتْ بِنَا حَتَّى رَضِيْنَا سَعِدْنَا بِالوِصَالِ وَكَمْ شَقِيْنَا … بِكَاسَاتِ الصُّدُوْدِ وَكَمْ فَنِيْنَا فَمَنْ لَمْ يَحْيَ بَعْدَ المَوْتِ يَوْمًا … فَإِنَّا بَعْدَ مَا مِتْنَا حَيِيْنَا

стр. 1097

وَلَمْ يَزَلِ الشَّيْخُ عَلَى عَادَتِهِ الأُوْلَى فِي الوَعْظِ، وَنَشْرِ العِلْمِ وَكِتَابَتِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ. قَالَ سِبْطُهُ أَبُو المُظَفَّرِ: جَلَسَ جَدِّي يَوْمَ السَّبْتِ سَابِعِ شَهْرِ رَمَضَانَ -يَعْنِي سَنَةَ سَبع وتسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ- تَحْتَ تُرْبَةِ أمِّ الخَلِيْفَةِ المُجَاوِرَةِ لِمَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ، وَكُنْتُ حَاضِرًا، فَأَنْشَدَ أَبْيَاتًا، قَطَعَ عَلَيْهَا المَجْلِسُ، وَهِيَ هَذِهِ (١): اللهَ أَسْأَلُ أَنْ يُطَوِّلَ مُدَّتِي … وَأَنَالُ بِالإنْعَامِ مَا فِي نِيَّتِي لِيْ هِمَّةٌ فِي العِلْمِ مَا مِنْ مِثْلِهَا … وَهِي الَّتِي جَنَتِ النُّحُوْلَ هِيَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنَ القَلَقِ العَظِيْمِ إِلَى المُنَى … دُعيَتْ إِلَى نَيْلِ الكَمَالِ فَلَبَّتِ كَمْ كَانَ لِيْ مِنْ مَجْلِسٍ لَوْ شُبَّهَتْ … حَالَاتُهُ لَتَشَبَّهَتْ بِالجَنَّةِ اشْتَاقَهُ لَمَّا مَضَتْ أَيَّامُهُ … عَلَلًا وَتُعْذَرُ نَاقَةٌ إِنْ حَنَّتِ يَا هَلْ لِلَيْلَاتٍ بِجَمْعٍ عَوْدَةٌ … أَمْ هَلْ إِلَى وَادِي مِنًى مِنْ نَظْرَةِ قَدْ كَانَ أَحْلَى مِنْ تَصَارِيْفِ الصِّبَى … وَمِنَ الحَمَامِ مُغَنِّيًا فِي الأيْكَةِ فيْهِ البَدِيْهَاتِ الَّتِي مَا نَالَهَا … خَلْقٌ بِغَيْرِ مُخَمَّرٍ وَمُبَيَّتِ بِرَجَاحَةٍ وَفَصَاحَةٍ وَمَلَاحَةٍ … تَقْضِيْ لَهَا عَدْنَانُ بِالعَرَبِيَّةِ وَبَلَاغَةٍ وَبَرَاعَة وَيَرَاعَةٍ … ظَنَّ النَبَاتِيْ أَنَّهَا لَمْ تَنْبُتِ وَإِشَارَةٍ تُبْكِي الجُنَيْدَ وَصَحْبَهُ … فِي رِقَّةٍ مَا نَالَهَا ذُو الرُّمَّةِ قَالَ أبُو شَامَةَ: هَذِهِ الأبْيَاتُ أَظُنُّهَا كَانَ نَظَمَهَا في أَيَّامِ مِحْنَتِهِ، إِذْ كَانَ مَحْبُوْسًا بِـ"وَاسِطَ"؛ فَمَعَانِيْهَا دَالَّةٌ عَلى ذلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ أبُو المُظَفَّرِ: ثُمَّ نَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ، فَمَرِضَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَتُوُفِّيَ

стр. 1098

لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بَيْنَ العِشَائَيْنِ، فِي دَارِهِ بِـ"قَطُفْتَا" (١). قَالَ: وَحَكَتْ لِي والِدَتِي أَنَّهَا سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ قَبْلَ مَوْتهِ: أَيْشٍ أَعْمَلُ بِطَوَاوِيْس؟ يُرَدِّدُهَا. قَدْ جِئْتُمْ لِي هَذِهِ الطَّوَاوِيْس، وَحَضَرَ غَسْلَهُ شَيْخُنَا ضِيَاءُ الدِّيْنِ بنُ سُكَيْنَةَ (٢). وَضِيَاءُ الدِّيْنِ بنُ الجُبَيْرِ (٣) وَقْتَ السَّحَرِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ "بَغْدَادَ" وَغُلِّقَتِ الأسْوَاقُ، وَجَاءَ أَهْلُ المَحَالِّ، وَشَدَدْنَا التَّابُوْتَ بِالحِبَالِ، وَسَلَّمْنَاهُ إِلَيْهِمْ، فَذَهَبُوا بهِ إِلَى تَحْتِ التُّرْبَةِ مَكَانَ جُلُوْسِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو القَاسِمِ عَلِيٌّ اتًّفَاقًا؛ لأنَّ الأعْيَانَ لَمْ يَقْدِرُوا علَى الُوُصُوْلِ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبُوا بِه إِلَى جَامِعِ المَنْصُوْرِ، فَصَلَّوا عليْهِ، وَضَاقَ بِالنَّاسِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، لَمْ يَصِلْ إِلَى حُفْرَتِهِ عِنْدَ قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ

стр. 1099

حَنْبَلٍ إِلَى وَقْتِ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، وَكَانَ فِي تَمُّوْزٍ، وَأَفْطَرَ خَلْقٌ كَثيْرٌ مِمَّنْ صَحِبَهُ، رَمَوْا أَنْفُسَهُم فِي خَنْدَقِ "الطَّاِهرِيَّةِ" (١). فِي المَاءِ، وَمَا وَصَلَ إِلَى حُفْرَتهِ مِنَ الكَفَنِ إِلَّا القَلِيْلُ، وَنُزِّلَ فِي الحُفْرَةِ وَالمُؤَذِّنُ يَقُوْلُ: اللهُ أَكْبَرُ، وَحَزِنَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَزْنًا شَدِيْدًا، وَبَكَوْا عَلَيْهِ بُكَاءً كَثيْرًا، وَبَاتُوا عِنْدَ قَبْرِهِ طُوْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ يَخْتِمُوْنَ الخَتَمَاتِ بِالقَنَادِيْلِ وَالشُمُوْعِ وَالجَمَاعَاتِ (٢). قَالَ: ورَآهُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ المُحَدِّثُ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ الحَرْبِيَّ (٣) عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ يَاقُوْتٍ مُرَصَّعٍ بِالجَوْهَرِ، وَالمَلَائِكَةُ جُلُوْسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالحَقُّ تَعَالَى حَاضِرٌ يَسْمَعُ كَلَامَهُ. قُلْتُ: وَأَنْبَأَنِي أَبُو الرَّبِيع عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَبِي الجَيْشِ (٤)

стр. 1100

عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: قَالَ عَفِيْفُ الدِّيْنِ مُعْتُوْقٌ القَيْلَوِيُّ (١): رَأَيْتُ فِيْمَا يَرَى النَّائِمُ قَائِلًا: يَقُوْلُ: لعَمْرُكَ قَدْ أُوْذِي وَعُطِّلَ مِنْبَرٌ … وَأَعْيَى عَلَى المُسْتَفْهِمِيْنَ جَوَابُ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ منْ نَوْمِي، فَقُلْتُ: تُرَى أَيُّ شَيءٍ قَدْ جَرَى؟ فَجَاءَنَا الخَبَرُ وَقْتَ العَصْرِ بِمَوْتِ الشَّيْخِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، فَقُلْتُ:

стр. 1101

وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يُرْجَى لإِيْضاحِ مُشْكِلٍ … وَأَصْبَحَ رَبْعُ العِلْمِ وَهْوَ خَرَابُ ثُمَّ قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ: أَصْبَحْنَا عَمِلْنَا عَزَاهُ، وَتَكَلَّمْتُ فِيْهِ، وَحَضَرَ خَلْقٌ عَظِيْمٌ. وأَنْشَدَ القَادِرِيُّ (١) العَلَوِيُّ: الدَّهْرُ عَنْ طَمَع يَغُرُّ وَيَخْدَعُ … وَزَخَارِفُ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ تُطْمِعُ وَأَعِنَّةُ الآمَالِ يُطْلِقُهَا الرَّجَا … طَمَعًا وَأَسْيَافُ المَنِيَّةِ تَقْطَعُ وَالمَوْتُ آتٍ وَالحَيَاةُ مَرِيْرَةٌ … وَالنَّاسُ بَعْضُهُمُ لِبَعْضٍ يَتْبَعُ وَاعْلَمْ بِأَنكَ عَنْ قَلِيْلٍ صَائِرٌ … خَبَرًا فَكُنْ خَبَرًا بِخَيْرٍ يُسْمَعُ لِعُلَا أَبِي الفَرَجِ الَّذِي بَعْدَ التُّقَى … وَالعِلْمِ يَوْمَ حَوَاهُ هَذَا المَجْمَعُ حَبْرٌ عَلَيْهِ الشَّرْعُ أَصْبَحَ وَالِهًا … ذَا مُقْلَةٍ حَرَّى عَلَيْهِ تَدْمَعُ مَنْ لِلْفَتَاوَى المُشْكِلَاتِ وَحَلِّهَا … مِنْ ذَا لِخَرْقِ الشَّرْعِ يَوْمًا يُرْقَعُ مَنْ لِلْمَنَابِرِ أَنْ يَقُوْمَ خَطِيْبُهَا … وَلِرَدِّ مَسْأَلَةٍ يَقُوْلُ فَيُسْمَعُ مَنْ لِلْجِدَالِ إِذَا الشِّفَاهُ تَقَلَّصَتْ … وَتَأَخَّرَ القَوْمَ الهِزَبْرُ المِصْقَعُ مَنْ لِلْدَّيَاجِي قَائِمًا دَيْجُوْرُهَا … يَتْلُو الكِتَابَ بِمُقْلَةِ لَا تَهْجَعُ أَجْمَالَ دِيْنِ مُحَمَّدٍ مَاتَ التُّقَى … وَالعِلْمُ بَعْدَكَ وَاسْتَحَمَّ المَجْمَعُ يَا قَبْرُهُ جَادَتْكَ كُلُّ غَمَامَةٍ … هَطَّالَةٍ رَكَّانَةٍ لَا تُقْلِعُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ الصَّلَاةِ فَتِهْ بِهِ … وَانْظُرْ بِهِ يَا رَمْلُ مَاذَا يَصْنَعُ يَا أَحْمَدٌ خُذْ أَحْمَدَ الثَّانِي الَّذِي … مَازَالَ عَنْكَ مُدَافِعًا لَا يَرْجِعُ أَقْسَمْتُ لَوْ كُشِفَ الغِطَا لَرَأَيْتُمْ … وَفْدَ المَلَائِكَ حَوْلَهُ تَتَشَرَّعُ

стр. 1102

وَمُحَمَّدٌ يَبْكِي عَلَيْهِ وَآلُهُ … خَيْرُ البَرِيَّةِ وَالبَطِيْنُ الأنْزَعُ وَذَكَرَ تَمَامَ القَصِيْدَةِ: قَالَ: وَمِنَ العَجَائِبِ: أَنَا كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ قَبْرِهِ بَعْدَ انْفِضَاضِ العَزَاءِ، وَإِذَا بِخَالِي مُحْيِي الدِّيْنِ يُوْسُفَ قَدْ صَعَدَ مِنَ الشَطِّ، وَخَلْفَهُ تَابُوْتٌ، فَعَجِبْنَا وَقُلْنَا: تُرَى مَنْ مَاتَ فِي الدَّارِ؟ وإِذَا بِهَا خَاتُوْنُ أُمُّ وَلَدِ جَدِّي، وَالِدَةُ مُحْيِي الدِّيْنِ، وَعَهْدِي بِهَا فِي لَيْلَةِ الجُمُعَةِ الَّتِي مَاتَ فِيْهَا جَدِّي فِي عَافِيَةٍ، قَائِمَةٌ لَيْسَ بِهَا مَرَضٌ، فَكَانَ بَيْنَ مَوْتهَا وَمَوْتهِ يوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَعَدَّ النَّاسُ ذلِكَ مِنْ كَرَامَاتِهِ؛ لأَنَّهُ كَانَ مُغْرًى بِهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ. وَأَوْصَى جَدِّي أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: (١) يَا كَثيْرَ العَفْوِ عَمَّنْ … كَثُرَ الذَّنْبُ لَدَيْهِ جَاءَكَ المُذْنِبُ يَرجُو الصَّـ … ـفْحَ عَنْ جُرْمِ يَدَيْهِ أَنَا ضَيْفٌ وَجَزَاءُ الضَّـ … ـيْفِ إِحْسَانٌ إِلَيْهِ فَرَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَغَفَرَ لَهُ، وَرَحِمَ سَائِرَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ. قَالَ أَبُو المُظَّفَرِ: وَكَانَ لَهُ مِنَ الأوْلَادِ الذُّكُوْرِ ثَلَاثَةٌ، أَوَّلُهُمْ: ٢٢٨ - أَبُو بكْرِ عَبْدُ العَزِيزِ (٢) وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَسَمعَ أَبَا الوَقتِ، وَابْنَ نَاصِرٍ، وَالأُرْمَوِيَّ، وَجَمَاعَةً مِنْ مَشَايِخِ وَالِدِهِ. وَسَافَرَ إِلَى "المَوْصِلِ"، وَوَعَظَ، وَحَصَلَ لَهُ القَبُولُ التَّامُّ، فَيُقَالُ: إِنَّ

стр. 1103

بَنِي الشَّهْرَزُوْرِيِّ حَسَدُوْهُ، فَدَسُّوا إِلَيْهِ مَنْ سَقَاهُ السُّمَّ، فَمَاتَ بِـ"المَوْصِلِ" سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ. ٢٢٩ - وَالثَّانِيْ: أَبُو القَاسِمِ عَلِيٌّ: كَتَبَ الكَثيْرَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ البَطِيِّ وَغَيْرِهِ (١). وَكَانَتْ طَرِيْقتهُ غَيْرُ مُرْضِيَّةٍ، وَهَجَرَهُ أَبُوْهُ سِنِيْنَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَسِتِمَائَةَ، وَلَهُ ثَمَانُوْنَ سَنَةً (٢). وَأَبُوُ مُحَمَّدٍ يُوْسُفُ: أُسْتَاذُ دَارٍ المُسْتَعْصِمِ، وَسنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ. وَممَّا يُذْكَرُ مِنْ مَناقِبِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ: مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي "تَارِيْخِهِ" (٣) فِي تَرْجَمَةِ مُرْجَانَ الخَادِمِ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ وَشَيْئًا مِنَ الفِقْهِ (٤)، وَتزَهَّدَ، وَلَهُ مَكَانَةٌ عِنْدَ الخَلِيْفَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَعَصَّبُ علَى الحَنَابِلَةِ فَوْقَ الحَدِّ، حَتَّى إِنَّ الوَزِيْرَ ابنَ هُبَيْرَةَ عَمِلَ بِـ"مَكَّةَ" حَطِيْمًا يُصَلِّي فِيْهِ إِمَامُ الحَنَابِلَةِ، فَمَضَى مُرْجَانُ وَقَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الخَلِيْفَةِ، قَالَ أَبُو الفَرَجِ: وَنَاصَبَنِيْ دُونَ الكُلِّ، وَبَلغَنِّي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَقْصُوْدِي قَلْعَ المَذْهَبِ، فَلَمَّا

стр. 1104

مَاتَ الوَزِيْرُ ابنُ هُبَيْرَةَ سَعَى إِلَى الخَلِيْفَةِ، فَقَالَ: عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ كُتُبِ الوَزِيْرِ، فَقَالَ الخَلِيْفَةُ: هَذَا مُحَالٌ؛ فَإِنَ فُلَانًا كَانَ عِنْدَهُ أَحَدَ عشَرَ دِيْنَارًا لأبِي حَكِيْمٍ، وَكَانَ حَشَرِيًّا، فَمَا فَعَلَ فِيْهَا شَيْئًا، حَتَّى طَالَعَنَا، قَالَ: فَنَصَرَنِي اللهُ عَلَيْهِ وَدَفْعِ شَرَّهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعْدُ اللهِ البَصْرِيُّ -وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ مُرْجَانُ حِيْنَئِذٍ فِي عَافِيَةٍ- قَالَ: رَأَيْتُ مُرْجَانَ فِي المَنَامِ وَمَعَهُ اثْنَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ أَخَذَ بِيَدِ، فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى النَّارِ، قُلْتُ: لِمَاذَا؟ قَالَا: كَانَ يُبْغِضُ ابنَ الجَوْزِيِّ. قَالَ: وَلَمَّا قَوِيَتْ عُصْبَتُهُ لَجَأتُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِيَكْفِيْنِي شَرُّهُ، فَمَا مَضَتْ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى أَخَذَهُ السَّلَّالُ فَمَاتَ فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سِتِّيْنَ بَعْدَ ابنِ هُبَيْرَةَ بِأَشْهُرٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ المَيْدُوْمِيُّ (١) بِـ"فِسْطَاطِ مِصْرَ" (أَنَا) عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ الحَافِظُ (أَنَا) القَاضيْ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ الأصْبَهَانِيُّ سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ (أَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مُوْسَى بنِ شَمَّةَ سَنَةَ سَبع وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمَائَةَ (أَنَا) أَبُو بكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ المُقْرِئِ (أَنَا) أَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ؛ وَعَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ قَالَا: (ثَنَا) عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ (أَنَا) شُعْبَةُ، وَهُشَيْمٌ، وَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ العَزيْزِ بنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ (٢): "كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذَ بِكَ

стр. 1105

مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ" أَخْرَجَهُ (خ) عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَ (م) عَنْ يَحْيَى، عَنْ هُشَيْمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيْزِ. وَبِهِ قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: (١) وَ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ

стр. 1106

الدِّيْنَوَرِيُّ (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ القَزْوِيْنِيُّ (أَنَا) أَبُو بكْرٍ أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ شَاذَانَ (ثَنَا) أَبُو القَاسِمِ البَغَوِيُّ (ثنا) أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (ثنا) يَحْيَى ابنُ سَعِيْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ (ثَنِي) أَبُو جَمرَةَ (١)، سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَقُوْلُ: "إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، أَمَرَهُمْ بِالإيْمَانِ باللهِ، قَالَ: "أَتدْرُوْنَ مَا الإِيْمَانُ بِاللهِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا

стр. 1107

اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الخُمُسَ مِن المَغْنَم". أَخْرَجَهُ (خَ) عَنْ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ، وَ (مِ) عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدُرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. "ذِكْرُ شَئٍ مِنْ فَتَاوِيْهِ وَفَوَائِدُهُ": ذُكِرَ: أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي زَمَنِ المُسْتَضِئِ فِي إِقَامَةِ الجُمُعَةِ بِـ"جَامِع ابنِ المُطَّلِبِ" بِـ"بَغْدَادَ" قَالَ: فَلَمْ أَرَ جَوَازَهُ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ لِتَكُوْنَ عَلَمًا لِلإِسْلَامِ بِكَثْرَةِ الجُمُوع، وَإِظْهَارِ مَا يَكْبِتَ المُشْرِكِيْنَ، فَإِذَا كَانَ فِي كُلِّ مَحَل جُمْعَةٌ، صَارَتْ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ. قَالَ: وَأَجَازَ ذلِكَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الفِقْهِ، وَعَلَّلَ بأَنَّ كُل مَحَلَّةٍ صَارَتْ مُنْقَطِعَةً عَنْ غَيْرِهَا؛ لِلخَرَابِ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلى الأرْضِ، فَأَشْبَهَتِ القُرَى، قَالَ: وَلَا أَرْتَضِي هَذَا التَّعْلِيْلَ. قُلْتُ: وهَذَا يَقْتَضِيْ اتِّفَاقِهِمْ علَى أَنَّهُ مَعَ اتِّصَالِ العِمَارَةِ لَا يَجُوْزُ ذلِكَ، لكِنَّ هَذَا مَعَ عَدَمِ الحَاجَةِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي رَجُلٍ مِنَ الفُقَهَاءِ، قَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَاتَلَتْ عَلِيًّا ﵄ فَصَارَتْ مِنَ البُغَاةِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ تَوْقِيع المُسْتَضِئِ بِتَعْزِيْزِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ -بَعْدَ مَا قَالَ الفُقَهَاءُ عَلَيْهِ-: هَذَا رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالنَّقْلِ، وَقَدْ سَمِعَ أَنَّهُ قَدْ جَرَى قِتَالٌ، وَلَعَمْرِي أَنَّهُ قَدْ جَرَى قِتَالٌ، وَلكِنَّ مَا قَصَدَتْهُ عَائِشَةُ وَلَا عَلِيٌّ، إِنَّمَا أَثَارَ الحَرْبَ سُفَهَاءُ الفَرِيْقَيْنِ، وَلَوْلَا عِلْمِنَا بِالسِّيَرِ لَقُلْنَا مِثْلَ مَا قَالَ، وَتَقْرِيْرُ مِثْلِ هَذَا أَنْ يَقُرَّ بِالخَطَأِ بَيْنَ الجَمَاعَةِ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى الخَلِيْفَةِ بِذلِكَ، فَوَقَّعَ: إِذَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالخَطَأِ،

стр. 1108

فَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعَاوِدَ، ثُمَّ أُطْلِقَ. وَذَكَرَ فِي كتَابَهِ "تَلْبِيْسُ إِبْلِيْسُ" (١) إِنْكَارَ الذِّكْرِ بِاللَّيْلِ عَلَى المَآذِنِ، وَنَحوِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ مَنْ يَقُوْمُ بِلَيْلٍ كَثِيْرٍ عَلَى المَنَارَةِ، فَيَعِظُ وَيُذَكِّرُ، وَيَقْرَأُ سُوْرَةً مِنَ القُرْآنِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، فَيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ نَوْمِهِمْ، وَيَخْلِطُ عَلَى المُتَهَجِّدِيْنَ قِرَاءَتَهُمْ، وَكُلُّ ذلِكَ مِنَ المُنْكَرَاتِ.

стр. 1109

٢٣٠ - هِبة الله بنِ عَبدِ الله (١) بْنِ هِبَةُ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ السَّامُرِّيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ الحَرِيْمِيُّ، ثُمَّ الأزَجِيُّ، الفَقِيْهُ الوَاعِظُ أَبُو غَالِبِ بنِ أَبي الفَتْحِ. سَمِعَ مِنْ أَبِي البَدْرِ الكَرْخِيِّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَمِنْ سَعْدِ الخَيْرِ الأنْصَارِيِّ، وَيُوْسُفَ بنِ عُمَرَ الحَرْبِيِّ، وَتَفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ، وَأَفْتَى، وَتَكَلَّمَ فِي المَسَائِلِ، وَوعَظَ، وَكَانَ مُقِيْمًا بِمدْرَسَةِ أَبِي حَكِيْمٍ، وَلَازَمَ أَبَا الفَرَجِ بنَ الجَوْزِيِّ. قَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ فَقِيْهًا مُجَوِّدًا، وَاعِظًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَحَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَرَوى عَنْهُ ابنُ خَلِيْلٍ فِي "مُعْجَمِهِ" (٢). وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ ثَانِي عَشَرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ

стр. 1110

مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، قَرِيبًا مِنْ بِشْرٍ الحَافِي، ﵃ أَجْمَعِيْنَ. ٢٣١ - حَمَّادُ بنُ هِبَةِ الله بنِ حَمَّادِ (١) بنِ الفَضْلِ (٢) الفُضَيْلِيُّ الحَرَّانِيُّ، التَّاجِرُ، السَّفَّارُ، المُحَدِّثُ، المُؤَرِّخُ، أَبُو الثَّنَاءِ. وُلِدَ فِي رَبِيْعٍ الأوَّلِ سَنَةَ إِحْدى عَشَرَةَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ"حَرَّانَ". وَسَمِعَ بِـ"بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي القَاسِمِ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَجَمَاعَةٍ. وَبـ"هَرَاةَ" مِنْ مَسْعُوْدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ غَانِمٍ،

стр. 1111

وَعَبْدِ السَّلَامِ بنِ أَحْمَدَ بَكْبَرَةَ (١)، وَبِـ"مِصْرَ" مِنِ ابْنِ رِفَاعَةَ السَّعْدِيِّ، وَبِـ"الإِسْكَنْدَرِيةِ" مِنَ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَجَمَعَ "تَارِيْخًا" لِـ"حَرَّانَ"، وَحَدَّثَ بِهِ فِيْمَا ذَكَرَهُ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ. وَقِيْلَ: إِنَّهُ لَمْ يكْمِلُهُ، وَجَمَعَ "جُزْءًا فِيْمَنَ اسْمُهُ حَمَّادٌ"، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ (٢)، وَحَدَّثَ بِـ"بَغْدَادَ" وَ"مِصْرَ" وَ"الإسْكَندَرِيَّةِ" وَ"حَرَّانَ". رَوَى عَنْهُ الشَّيخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ، وَعَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَالعَلَمُ السَّخَاوِيُّ المُقْرِئُ، وَالحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَابنُ عَبدِ الدَّائِمِ، وَالنَّجِيْبُ الحَرَّانِيُّ (٣)، وَغَيْرُهُمْ.

стр. 1112

وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ، ثَانِي عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ"حَرَّانَ" وَدُفِنَ بِهَا، ﵀. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ المَيْدُوْمِيُّ بـ"مِصْرَ" (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ الحَرَّانِيُّ (١) (أَنَا)

стр. 1113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1115

حَمَّادُ بنُ هِبَةِ اللهِ بِـ"حَرَّانَ" (أَنَا) إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ الحَافِظُ (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ الطَّبَرِيُّ (أَنَا) هِلَالٌ الحَفَّارُ، (أَنَا) عُثْمَانُ بنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، (ثَنَا) مُحَمَّدُ بنُ أَحَمَدَ بنِ البَرَاءِ (حَدَّثَنِي) مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيْمَانَ صَاحِبُ البَصْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو نُوَاسٍ: أَلَا رُبَّ وَجْهٍ فِي التُّرَابِ عَتِيْقِ … أَلَا رُبَّ رَامٍ فِي التُّرَابِ رَفِيْقِ أَرَى كُلَّ حَيٍّ هَالِكًا وَابْنَ هَالِكٍ … وَذُو حَسَبِ فِي الهَالِكِيْنَ عَرِيْقِ فَقُلْ لِمُقِيْم الدَّارِ إِنَّكَ ظَاعِنٌ … إِلَى سفَرٍ نَائِي المَحَلِّ سَحِيْقِ إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لِبَيْبٌ تَكَشَّفَتْ … لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيْقِ ٢٣٢ - مُحَمَّد بنُ عُثْمَانَ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ البَاقِي بنِ العُكْبَرِيِّ

стр. 1116

البَغْدَادِيُّ الظَّفَرِيُّ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، الوَاعِظُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ. ذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ، وَقَالَ: جَارُنَا بـ"الظَّفَرِيَّةِ"، حَفِظَ القُرْآنَ فِي صِبَاهُ، وَقَرَأَهُ بِالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بنِ البَاقِلَّانِي الوَاسِطِيِّ، وَعلَى عَبْدِ اللهِ بنِ بَكْرَانَ الدَّاهِرِيِّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ، وَقَرَأَ العَرَبِيَّةَ عَلَى أَبِي البَرَكَاتِ الأنْبَارِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بنِ الخَشَّابِ، وَصَحِبَ شَيْخَنَا أَبَا الفَرَجِ ابنَ الجَوْزِيِّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ فِي الوَعْظِ وَغَيْرِهِ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ المُرَقَّعَاتِيِّ، وَعَبْدِ الحَقِّ ابنِ عَبْدِ الخَالِقِ بنِ يُوْسُفَ، وَشُهْدَةَ الكَاتِبَةِ، وَمِنْ خَلْقٍ كَثيْرٍ دُوْنَهُمْ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ كَثيْرًا مِنَ الكُتُبِ وَالأجْزَاءِ، وَكَانَ يَعْقِدُ مَجْلِسَ الوَعْظِ بِـ"جَامِعِ ابنِ بَهْلِيْقَا" فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ مُدَّةً طَوِيْلَةً، ثُمَّ انْقَطَعَ فِي بَيْتِهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا إِلَى الجُمُعَةِ وَالجَمَاعَةِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الجُلُوْسَ فِي المَقَابِرِ، سَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ يَسْمَعُ بِقِرَاءَتِي عَلَى مَشَايِخِنَا، وَكَانَ صَدُوْقًا، مُتَدَيِّنًا، عَفِيْفًا، قَلِيْلَ المُخَالَطَةِ للنَّاسِ، مُحِبًّا لِلْخَلْوَةِ وَالانْزِوَاءِ، فَقِيْهًا، فَاضِلًا، كَثِيْرَ المَحْفُوْظِ لِلأحَادِيْثِ وَحِكَايَاتِ السَّلَفِ، وَيَعْرِفُ طَرَفًا صَالِحًا مِنَ

стр. 1117

الحَدِيْثِ، وَقَدْ جَمَعَ "مُعْجَمًا" لِشُيُوْخِهِ الَّذِيْنَ سَمِعَ مِنْهُمْ فِي خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْهُ حَدِيْثًا عَنْ شُهْدَة (١)، ثُمَّ قَالَ: ذَكَرَ أَنَّ مَوْلدَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الأَوْلَى سَنَةَ تِسْعِ وتىسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ، وَدُفِنَ بِـ"الجَدِيْدَةِ" مِنْ "بَابِ أَبْرِزْ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قُرِئَ عَلَى أَبِي الفَتْحِ المَيْدُوْمِيِّ بـ"مِصْرَ" وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو الفَرَجِ (٢) الحَرَّانِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ العُكْبَرِيُّ الوَاعِظُ، مِنْ لَفْظِهِ وَحِفْظِهِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي شَيْخِي ابنُ البَاقِلَّانِيِّ المُقْرِئُ الوَاسِطِيُّ: كُتْبِي لأِهْلِ العِلْمِ مَبْذُوْلَةٌ … أَيْدِيْهُمُ مِثْلُ يَدِي فِيْهَا مَتَى أَرَادُوْهَا بِلَا مِنَّةٍ … عَارِيَةً فَلْيَسْتَعِيْرُوْهَا حَاشَايَ أَنْ أَكْتُمُهَا عَنْهُمُ … بُخْلًا كَمَا غَيْرِيَ يُخْفِيْهَا أَعَارَنَا أَشْيَاخَنَا كُتْبُهُمْ … وَسُنَّةُ الأشْيَاخِ نُحْيِيْهَا وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الأبْيَاتُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ (٣) عَنِ ابنِ البَاقِلَّانِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنِي خَمِيْسٌ الحُوْزِيِّ لِنَفْسِهِ (٤).

стр. 1118

٢٣٣ - عَلِيُّ بنُ إِبراهِيْمَ (١) بنِ نَجَا بنِ غَنَائِمٍ الأنْصَارِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، المُفَسِّرُ، زَيْنُ الدِّيْنِ، أَبُو الحَسَنِ بنِ رَضِيِّ الدِّيْنِ أَبِي طَاهِرٍ، المَعْرُوْفُ بـ"ابنِ نُجَيَّةَ" (٢) نَزِيْلُ "مِصْرَ" سِبْطُ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ الشِّيْرَازِيِّ الحَنْبَلِيِّ (٣). وُلِدَ بِـ"دِمَشْقَ" سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِمَائَةَ فِيْمَا ذَكَرَهُ ابنُ نُقْطَةَ وَالمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَة عَشْرٍ، وَسَمِعَ بـ"دِمَشْقَ" مِنْ

стр. 1119

أَبي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بن قُبَيْسٍ (١)، وَسَمِعَ دَرْسَ خَالِهِ شَرَفَ الإسْلَامِ عَبْدِ الوَهَّابِ (٢)، وَتَفَقَّهَ بِهِ، وَسَمِعَ التَّفْسِيْرَ مِنْهُ، وَأَحَبَّ الوَعْظَ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ، فَاشْتَغَلَ بِهِ. قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: قَالَ لِي: حَفَّظَنِي خَالِي مَجْلِسَ وَعْظٍ، وَعُمْرِي يَوْمَئِذ عَشْرُ سِنِيْنَ ثُمَّ نَصَبَ لِي كُرْسِيًّا فِي دَارِهِ، وَأَحْضَرَ لِي جَمَاعَتَهُ، وَقَالَ: تَكَلَّمْ، فَتَكَلَّمْتُ، فَبَكَى. قَالَ: وَكَانَ ذلِكَ المَجْلِسُ يَذْكُرُ بَعْضَهُ وَهُوَ ابنُ تِسْعِيْنَ، وَكَانَ بَطِيْءَ النِّسْيَانِ، وَكَانَ أَسْمَاءُ الفُصُوْلِ الَّذِي يَحْفَظُ مُجَلَّدَةً، وَكَانَ لَا يَخْطُبُ فِي مَجْلِسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْعُو عَقِيْبَ القِرَاءَةَ (٣)، ثُمَّ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآن فَيُفَسِّرَهَا، وَيُوَسِّعَ فِي ذِكْرِهِ، ثُمَّ يَذْكُرَ فُصُوْلًا، وَعِنْدَهُ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ وَالعَجَمِ، فَيُلَقِّنَ مِنَ الفُصُوْلِ مَا يَخْتَارُ. وَبَعَثَهُ نُوْرُ الدِّيْنِ مُحَمُوْدُ بنُ زِنْكِيُّ رَسُوْلًا إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ هُنَاكَ أُهْبَةٌ سَوْدَاءُ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ يَلْبَسُهَا فِي الأعْيَادِ، وَسَمِعَ هُنَاكَ الحَدِيْثَ مِنْ سَعْدِ الخَيْرِ بنِ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيِّ (٤)

стр. 1120

كَثيْرًا، وَصَاهَرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ (١)، وَنَقَلَهَا مَعَهُ إِلَى "مِصْرَ"، وَانْتَقَلَتْ كُتُبُ سَعْدَ الخَيْرِ إِلَيْهِ، وَمِنْ عَبْدِ الصَّبُوْرِ بنِ عَبْدِ السَّلَامِ الهَرَوِيِّ، وَعَبْدِ الخَالِقِ بنِ يُوْسُفَ وَغَيْرِهِمْ، وَاجْتَمَعَ هُنَاكَ بالشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأكَابِرِ، وَوَعَظَ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ. قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: أَوَّلُ مَجْلِسٍ جَلَسْتُهُ فِي "بَغْدَادَ" فِي جَامِعِ المَنْصُوْرِ، فَنَزَلْتُ سَحَرًا إِلَى الجَامِعِ مُتَنكِّرًا، حَتَّى أَرَى هَيْئَةَ المَجْلِسِ وَأَسْمَعُ مَا يُقَالُ، وإِذَا رَجَلٌ أَعْمَى قَدْ جَلَسَ عَلَى دَرَجِ المِنْبَرِ، فَذَكَرَ مِنَ الفُصُوْلِ مِنْ كَلَامِ التَّمِيْمِيِّ وَابْنِ عَقِيْل وَغَيْرِهِمَا جَمِيع مَا قَدْ حَرَّرْتُهُ لِلْمَجْلِسِ، وَتَعِبْتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَصَابَنِي هَمٌّ، وَمَا بَقِيَ لِي زَمَنٌ أَحْفَظُ غَيْرَ ذلِكَ، فَاسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى، ثُمَّ جَلَسْتُ وَتَكَلَّمْتُ، وَذَكَرْتُ حِكَايَةً طَابَ بِهَا المَجْلِسُ. قَالَ: وَسَمْعُتُهُ يَقُوْلُ: أَوَّلُ مَا دَخَلْتُ "بَغْدَادَ" جَاءَنِي الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ بنُ شَافِع وَتَعَصَّبَ لِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ مُهَنِّئًا بِالسَّلَامَةِ، وَتَحَدَّثنا، فَقَالَ لِي: تَحْفَظُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِ ابنِ الكِيْزَانِيِّ؟ (٢) فَأَنْشَدْتُهُ لَهُ:

стр. 1121

رَأَتْنِي خَاضِبًا شَيْبِي … فَسَمَّتْنِي أَبَا العَيْبِ فَظَهَرَ الغَيْظُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَامَ فَذَهَبَ (١)، فَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: أَيْشٍ عَمَلْتَ؟ هَذَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَكَ مِنَ الحَنَابِلَةِ لَقِيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: هُوَ يَخْضِبُ، فَقُلْتُ: واللهِ مَا عَلِمْتُ، وَلَا حَضَرَنِي مِنْ شِعْرِ ابنِ الكِيْزَانِيِّ إِلَّا هَذَا. ثُمَّ عَادَ ابنُ نُجَيَّةَ وانْتَقَلَ إِلَى "مِصرَ" مِنْ قَبْلِ دَوْلَةِ صَلَاحِ الدِّيْنِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ يَعِظُ بِهَا بـ"جَامِعِ القَرَافَةِ" مُدَّةً طَوِيْلَةً، وَلَهُ فِيْهَا وَجَاهَةٌ عَظِيْمَةٌ عِنْدَ المُلُوْكِ. وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ ذَا رَأْي صَائِب، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ -يَعْنِي يُوْسُفَ بنَ أَيُّوْبٍ- يُسَمِّيْهِ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَيَعْمَلُ بِرَأْيِهِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ يُكَاتِبُهُ، وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ هُوَ وأَوْلَادُهُ: العَزِيْزُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ لَهُ جَاهٌ عَظِيْم، وَحُرْمَةٌ زَائِدَةٌ. وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ بـ"مِصرَ" لَا يَخْرُجُوْنَ عَمَّا يَرَاهُ لَهُمْ زَيْنُ الدِّيْنِ -يَعْنِي ابنَ نُجَيَّةَ- وَكَثيْر مِنْ أَرْبَابِ الدُّوْلَةِ. وَقَالَ لَهُ المَلِكُ العَزِيْزُ عُثْمَانُ بنُ صَلَاحِ الدِّيْنِ (٢): إِذَا رَأَيْتَ مَصْلَحَة فِي شَيْءٍ فاكْتُبْ إِلَيَّ

стр. 1122

بِهَا، فَأَنَا مَا أَعْمَلُ إلَّا بِرَأْيِكَ. وَقَضِيَّتُهُ مَعَ عُمَارَةَ اليَمَنِيُّ (١) وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى السَّعْيِ مِنْ إِعَادَةِ دَوْلَةِ

стр. 1123

العُبَيْدِيِّيْنَ مَعْرُوْفَةٌ، وَهُم (١): عَبْدُ الصَّمَدِ الكَاتِبِ، وَهِبَةُ اللهِ بنُ كَامِلٍ القَاضِي (٢)،

стр. 1124

وَابْنُ عَبْدِ القَوِيِّ دَاعِيَ الدُّعَاةِ، وَعُمَارَةَ الشَّاعِرُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الجُنْدِ وَالأعْيَانِ، وَكَانُوا قَدْ عَيَّنُوا خَلِيْفَةً وَوَزِيْرًا، وَتَقَاسَمُوا الدَّوْرَ، واتَّفَقُوا عَلَى اسْتِدْعَاءِ الفِرِنْجَ إِلَى "مِصْرَ"، لِيَشْتَغِلَ بِهِمْ صَلَاحُ الدِّيْنِ وَيَخْلُوا لَهُمُ الوَقْتُ؛ لِيَتِمَّ أَمْرُهُمْ وَمَكْرُهُمْ، فَأَدْخَلُوا في الشُّوْرَى مَعَهُمُ زَيْنَ الدِّيْنِ ابنَ نَجِيَّةَ، فَأَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ مَعَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى صَلَاحِ الدِّيْنِ فَأَخْبَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ مَا لابْنِ كَامِلٍ مِنَ الحَوَاصِلِ وَالعَقَارِ، فَبَذَلَهُ لَه (١)، وَأَمَرَهُ بِمُخَالَطَتِهِمْ، وَتَعْرِيْفِ شَأْنِهِمْ، فَصَارَ يُعَلِّمُهُ بِكُلِّ مُتَجَدِّدٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ القَاضِي الفَاضِلُ اسْتَرَابَ مِنْ بَعْضِ أُولَئِكَ الجَمَاعَةِ، فَأَحْضَرَ ابنُ نَجَا الوَاعِظُ، وَأَخْبَرَهُ الحَالَ، فَطَلَبَ مِنْهُ كَشْفَ الأمْرِ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِمْ، فَبَعَثَهُ إِلَى صَلَاحِ الدِّيْنِ، فَأَوْضَحَ لَهُ الأمْرَ، فَطَلَبَ صَلَاحُ الدِّيْنِ الجَمَاعَةَ وَقَرَّرَهُمْ، فَأَقَرُّوا، فَصَلَبَهُمْ بَيْنَ القَصْرَيْنِ. وَلَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّيْنِ فِي "الشَّامِ" سَنَةَ ثَمَانِيْنَ كَتَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّيْنِ كِتَابًا يُشَوِّقُهُ إِلَى "مِصْرَ"، وَيَصِفُ مَحَاسِنَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ كِتَابًا بِإِنْشَاءِ العِمَادِ الكَاتِبِ، يَتَضَمَّنُ تَفْضِيْلَ "الشَّامِ" عَلَى "مِصْرَ". وَفِي آخِرِهِ: وَنَحْنُ

стр. 1125

لَا نَجْفُوا الوَطَنَ كَمَا جَفْوتَهُ "وَحُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإيْمَانِ" (١). وَلَمَّا فتحَ صَلَاحُ الدِّيْنِ "القُدْسَ" كَانَ مَعَهُ، وَتَكَلَّمَ أَوَّلَ جُمْعَةٍ أُقِيْمَتْ فِيْهِ عَلَى كُرْسِيِّ الوَعْظِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا. وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ: أَنَّ الشِّهَابَ الطُّوْسِيَّ (٢) لَمَّا دَخَلَ "مِصْرَ" كَانَ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْنِ الدِّيْنِ العَجَائِبَ مِنَ السِّبَابِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الطُّوْسِيَّ كَانَ أَشْعَرِيًّا، وَهَذَا حَنْبَلِيٌّ، وَكِلَاهُمَا وَاعِظٌ. قَالَ: وَجَلَسَ ابنُ نُجِيَّهَ يَوْمًا فِي "القَرَافَةِ" بِالجَامِعِ، فَوَقَع عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ عِنْدَهُ السَّقْفَ، فَعَمِلَ الطُوْسِيُّ خُطْبَةً، وَذَكَرَ فِيْهَا قَوْلَهُ تَعَالَى (٣): ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وَجَاءَ يَوْمًا كَلْبٌ يَشُقُّ الصُّفُوْفَ، فَقَالَ ابنُ نُجَيَّةَ هَذَا: مِنْ هُنَاكَ، وَأَشَارَ إِلَى مَكَانِ الطُّوْسِيِّ. وَذَكَرَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: أَنَّ ابنَ نَجَا نَشَأَ لَهُ وَلَدٌ حَسَنُ الصُّوْرَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَخَذَ فِي سَبِيْلِ اللَّهْوِ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَمَاتَ، فَحَضرَ النَّاسُ وَالدَّوْلَةُ لأجْلِهِ، فَلَمَّا وَضَعُوا سَرِيْرَهُ فِي المُصَلَّى
следующие страницы →