← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

رَأَتْنِي خَاضِبًا شَيْبِي … فَسَمَّتْنِي أَبَا العَيْبِ فَظَهَرَ الغَيْظُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَامَ فَذَهَبَ (١)، فَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: أَيْشٍ عَمَلْتَ؟ هَذَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَكَ مِنَ الحَنَابِلَةِ لَقِيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: هُوَ يَخْضِبُ، فَقُلْتُ: واللهِ مَا عَلِمْتُ، وَلَا حَضَرَنِي مِنْ شِعْرِ ابنِ الكِيْزَانِيِّ إِلَّا هَذَا. ثُمَّ عَادَ ابنُ نُجَيَّةَ وانْتَقَلَ إِلَى "مِصرَ" مِنْ قَبْلِ دَوْلَةِ صَلَاحِ الدِّيْنِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ يَعِظُ بِهَا بـ"جَامِعِ القَرَافَةِ" مُدَّةً طَوِيْلَةً، وَلَهُ فِيْهَا وَجَاهَةٌ عَظِيْمَةٌ عِنْدَ المُلُوْكِ. وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ ذَا رَأْي صَائِب، وَكَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ -يَعْنِي يُوْسُفَ بنَ أَيُّوْبٍ- يُسَمِّيْهِ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَيَعْمَلُ بِرَأْيِهِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ صَلَاحُ الدِّيْنِ يُكَاتِبُهُ، وَيَحْضُرُ مَجْلِسَهُ هُوَ وأَوْلَادُهُ: العَزِيْزُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ لَهُ جَاهٌ عَظِيْم، وَحُرْمَةٌ زَائِدَةٌ. وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ بـ"مِصرَ" لَا يَخْرُجُوْنَ عَمَّا يَرَاهُ لَهُمْ زَيْنُ الدِّيْنِ -يَعْنِي ابنَ نُجَيَّةَ- وَكَثيْر مِنْ أَرْبَابِ الدُّوْلَةِ. وَقَالَ لَهُ المَلِكُ العَزِيْزُ عُثْمَانُ بنُ صَلَاحِ الدِّيْنِ (٢): إِذَا رَأَيْتَ مَصْلَحَة فِي شَيْءٍ فاكْتُبْ إِلَيَّ

стр. 1122

بِهَا، فَأَنَا مَا أَعْمَلُ إلَّا بِرَأْيِكَ. وَقَضِيَّتُهُ مَعَ عُمَارَةَ اليَمَنِيُّ (١) وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى السَّعْيِ مِنْ إِعَادَةِ دَوْلَةِ

стр. 1123

العُبَيْدِيِّيْنَ مَعْرُوْفَةٌ، وَهُم (١): عَبْدُ الصَّمَدِ الكَاتِبِ، وَهِبَةُ اللهِ بنُ كَامِلٍ القَاضِي (٢)،

стр. 1124

وَابْنُ عَبْدِ القَوِيِّ دَاعِيَ الدُّعَاةِ، وَعُمَارَةَ الشَّاعِرُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الجُنْدِ وَالأعْيَانِ، وَكَانُوا قَدْ عَيَّنُوا خَلِيْفَةً وَوَزِيْرًا، وَتَقَاسَمُوا الدَّوْرَ، واتَّفَقُوا عَلَى اسْتِدْعَاءِ الفِرِنْجَ إِلَى "مِصْرَ"، لِيَشْتَغِلَ بِهِمْ صَلَاحُ الدِّيْنِ وَيَخْلُوا لَهُمُ الوَقْتُ؛ لِيَتِمَّ أَمْرُهُمْ وَمَكْرُهُمْ، فَأَدْخَلُوا في الشُّوْرَى مَعَهُمُ زَيْنَ الدِّيْنِ ابنَ نَجِيَّةَ، فَأَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ مَعَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى صَلَاحِ الدِّيْنِ فَأَخْبَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ مَا لابْنِ كَامِلٍ مِنَ الحَوَاصِلِ وَالعَقَارِ، فَبَذَلَهُ لَه (١)، وَأَمَرَهُ بِمُخَالَطَتِهِمْ، وَتَعْرِيْفِ شَأْنِهِمْ، فَصَارَ يُعَلِّمُهُ بِكُلِّ مُتَجَدِّدٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ القَاضِي الفَاضِلُ اسْتَرَابَ مِنْ بَعْضِ أُولَئِكَ الجَمَاعَةِ، فَأَحْضَرَ ابنُ نَجَا الوَاعِظُ، وَأَخْبَرَهُ الحَالَ، فَطَلَبَ مِنْهُ كَشْفَ الأمْرِ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِمْ، فَبَعَثَهُ إِلَى صَلَاحِ الدِّيْنِ، فَأَوْضَحَ لَهُ الأمْرَ، فَطَلَبَ صَلَاحُ الدِّيْنِ الجَمَاعَةَ وَقَرَّرَهُمْ، فَأَقَرُّوا، فَصَلَبَهُمْ بَيْنَ القَصْرَيْنِ. وَلَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ صَلَاحُ الدِّيْنِ فِي "الشَّامِ" سَنَةَ ثَمَانِيْنَ كَتَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّيْنِ كِتَابًا يُشَوِّقُهُ إِلَى "مِصْرَ"، وَيَصِفُ مَحَاسِنَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ كِتَابًا بِإِنْشَاءِ العِمَادِ الكَاتِبِ، يَتَضَمَّنُ تَفْضِيْلَ "الشَّامِ" عَلَى "مِصْرَ". وَفِي آخِرِهِ: وَنَحْنُ

стр. 1125

لَا نَجْفُوا الوَطَنَ كَمَا جَفْوتَهُ "وَحُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإيْمَانِ" (١). وَلَمَّا فتحَ صَلَاحُ الدِّيْنِ "القُدْسَ" كَانَ مَعَهُ، وَتَكَلَّمَ أَوَّلَ جُمْعَةٍ أُقِيْمَتْ فِيْهِ عَلَى كُرْسِيِّ الوَعْظِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا. وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ: أَنَّ الشِّهَابَ الطُّوْسِيَّ (٢) لَمَّا دَخَلَ "مِصْرَ" كَانَ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْنِ الدِّيْنِ العَجَائِبَ مِنَ السِّبَابِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الطُّوْسِيَّ كَانَ أَشْعَرِيًّا، وَهَذَا حَنْبَلِيٌّ، وَكِلَاهُمَا وَاعِظٌ. قَالَ: وَجَلَسَ ابنُ نُجِيَّهَ يَوْمًا فِي "القَرَافَةِ" بِالجَامِعِ، فَوَقَع عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَاعَةٍ مِمَّنْ عِنْدَهُ السَّقْفَ، فَعَمِلَ الطُوْسِيُّ خُطْبَةً، وَذَكَرَ فِيْهَا قَوْلَهُ تَعَالَى (٣): ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وَجَاءَ يَوْمًا كَلْبٌ يَشُقُّ الصُّفُوْفَ، فَقَالَ ابنُ نُجَيَّةَ هَذَا: مِنْ هُنَاكَ، وَأَشَارَ إِلَى مَكَانِ الطُّوْسِيِّ. وَذَكَرَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: أَنَّ ابنَ نَجَا نَشَأَ لَهُ وَلَدٌ حَسَنُ الصُّوْرَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَخَذَ فِي سَبِيْلِ اللَّهْوِ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَمَاتَ، فَحَضرَ النَّاسُ وَالدَّوْلَةُ لأجْلِهِ، فَلَمَّا وَضَعُوا سَرِيْرَهُ فِي المُصَلَّى

стр. 1126

نَصَبُوا لِلشَّيْخِ كُرْسِيًّا إِلَى جَانِبِهِ، فَصَعَدَ عَلَيْهِ، وَحَمَدَ اللهَ تَعَالَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا وَلَدِي بَلَغَ مِنَ العُمُرِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ فِيْهَا قَلَمٌ إلَّا بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، بَقِيَ لَهُ ثَلَاثُ سِنِيْنَ، نِصْفُهَا نَوْمٌ، بَقِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ وَنصْفٌ، قَدْ أَسَاءَ فِيْهَا إِلِيَّ وَإِلَيْكَ، فَأَمَّا جِنَايَتُهُ عَلَيَّ فَقَدْ وَهَبْتُهَا لَهُ، بَقِيَ الَّذِي لَكَ فَهَبْهُ لِي، فَصَاحَ النَّاسُ بِالبُكَاءِ، وَنَزَلَ فَصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ زَيْنُ الدِّيْنِ كَرِيْمًا، وَلَهُ سُمَاطٌ يُؤكَلُ عِنْدَهُ، وَتَوْسِعَةٌ في النَّفَقَةِ. وَقَالَ أَبُو (١) المُظَفَّرِ سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ ابنُ نُجَيَّةَ قَدِ اقْتَنَى أَمْوَالًا عَظِيْمَةً، وَتنعَّمَ تنعُّمًا زَائِدًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ فِي دَارِهِ عِشْرُوْنَ جَارِيَةً لِلْفِرَاشِ، كُلُّ جَارِيَةٍ تُسَاوِي أَلْفَ دِيْنَارٍ، وَأَمَّا الأطْعِمَةُ فَكَانَ يُعْمَلُ فِي دَارِهِ مَا لَا يُعْمَلُ فِي دُوْرِ المُلُوْكِ، وَتُعْطِيْهِ المُلُوْكُ وَالخُلَفَاءُ أَمْوَالًا عَظِيْمَةً كَثيْرَةً. قَالَ: وَمَعَ هَذَا مَاتَ فَقِيْرًا، كَفَّنَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ. والَّذِي ذَكَرَهُ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: أَنَّ ابنَ نَجَا ضَاقَ صَدْرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ، وَأَنَّ المَلِكَ العَزِيْزَ عُثْمَانَ لَمَّا عَرَفَ ذلِكَ أَعْطَاهُ مَا يَزِيْدُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِيْنَارٍ مِصْرِيَّةٍ. قَالَ: وَقَالَ لِي: مَا احْتَجْتُ فِي عُمُرِيْ إلَّا مَرَّتَيْنِ. قَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ: قَالَ لِي وَالِدِي: زَيْنُ الدِّيْنِ سَعِدَ بِدُعَاءِ وَالِدَتِهِ، كَانَتْ صَالِحَةً حَافِظَةً، تَعْرِفُ التَّفْسِيْرَ. قَالَ زَيْنُ الدِّيْنِ: كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ خَالِي التَّفْسِيْرَ، ثُمَّ أَجِيْءُ إِلَيْهَا، فَتَقُوْلُ: أَيْشٍ فَسَّرَ أَخِي اليَوْمَ؟ فَأَقُوْلُ: سُوْرَةُ كَذَا وَكَذَا، فَتَقُوْلُ: ذَكَرَ قَوْلَ فُلَانٍ، وَذَكَرَ الشَّيْءَ الفُلَانِيَّ؟ فَأَقُوْلُ: لَا، فَتَقُوْلُ:

стр. 1127

تَرَكَ هَذَا، وَسَمِعْتُ وَالِدِي يَقُوْلُ: كَانَتْ تَحْفَظُ كِتَابَ "الجَوَاهِرِ" (١) وَهُوَ ثَلَاثُوْنَ مُجَلَّدَةً، تَأْلِيْفَ وَالِدِهَا الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ، وَأُقْعِدَتْ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً فِي مِحْرَابِهَا. حَدَّثَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ بنُ نَجَا بـ"بَغْدَادَ" وَ"دِمَشْقَ"، وَ"مِصْرَ"، و"الإسْكَنْدَرِيَّةِ" وَغَيْرِهَا (٢)، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْق كَثِيْر، وَحَكَى عَنْهُ الحَافِظُ السِّلَفِيُّ فِي "مُعْجَمِ شُيُوْخِ بَغْدَادَ" (٣). وَرَوَى عَنْهُ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِي، وَابنُ خَلِيْلٍ (٤)، وَالضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بنُ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ، وَعَبْدُ الغَنِيِّ بنُ سُلَيْمَانَ، وَخَطِيْبُ "مَرْدَا" وَجَمَاعَة، وَأَجَازَ لِلْمُنْذِرِيِّ (٥)، وَأَحْمَدَ بنِ أَبِي الخَيْرِ سَلَامَةَ، وَمُحَمَّدِ بنِ أَبِي الدِّيْنَةِ (٦). وَتُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ -قَالَ المُنْذِرِيُّ: فِي سَابِعِهِ، وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: فِي ثَامِنِهِ-

стр. 1128

سَنَةَ تِسْع وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ بِـ"الشَّارِعِ"، ظَاهِرَ "القَاهِرَةِ" وَدُفِنَ بِسَفْحِ "المُقَطَّمِ". وَقَالَ نَاصِحُ الدِّيْنِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: مَاتَ بَعْدَ السِّتِّمَائَةِ. وَهُوَ وَهْمٌ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ هَذِهِ التَّوَارِيْخَ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِهَا. قَالَ: وَدُفِنَ بِتُرْبَةِ سَارِيَةَ، بِجِوَارِ عِزِّ الدِّيْنِ ابنِ خَالِهِ (١)، عَنْ وَصِيَّةٍ مِنْهُ، وَكَانَ يَوْمَ دَفْنِهِ مَشْهُوْدًا لِكَثْرَةِ الخَلْقِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ كَثيْرًا. ٢٣٤ - إبرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدِ (٢) بنِ أَحْمَدَ بنِ الصَّقَّالِ الطَّيْبِيِّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ

стр. 1129

الأزَجِيُّ، الفَقِيْهُ، الإمَامُ، أَبُو إسْحَاقَ، مُفْتِي "العِرَاقِ"، وَيُلَقَّبُ "مُوَفَّقَ الدِّيْنِ". وُلِدَ فِي خَامِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ القَطِيْعِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ المُنْذِريُّ: فِي نِصْفِ شَوَّالٍ. وَسَمِعَ مِنِ ابنِ الطَّلَّايَةِ، وَابنِ نَاصِر، وَأَبِي بَكْرِ بنِ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ، وأَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَرْزُوْقٍ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاتِيْلَ، وَأَبِي المُعَمَّرِ الأنْصَارِيِّ، وَسَعِيْدِ بنِ البَنَّاءِ، وَعَبْدِ الخَالِقِ بنِ يُوْسُفَ، وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ العَبَّاسِيِّ النَّقِيْبِ، وَغَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَسَيْنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ الحُسَيْنِ بن جَعَفْرٍ الجَوْزَقَانِيِّ الهَمَذَانِيِّ، قَدِمَ عَلَيْهِمْ "بَغْدَادَ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِيْنَ و (١) خَمْسِمَائَةَ، وَكِتَابًا جَمَعَهُ وَسَمَّاهُ "التَّرْغِيْبَ". وَقَرَأَ الفِقْهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى بنِ أَبِي خَازِمٍ، وَأَبِي حَكِيْم النَّهْرَوَانِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي

стр. 1130

الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ أَيْضًا، وَبَرَعَ فِي الفِقْهِ مَذْهَبًا وَخِلَافًا وَجَدَلًا (١)، وَأَتْقَنَ عِلْمَ الفَرَائِضِ، وَالحِسَابِ، وَشَدَا طَرَفًا مِنَ العَرَبِيَّةِ، وَكَتَبَ خَطًّا حَسَنًا، وَدَرَّسَ، وَأفْتَى وَنَاظَرَ، وَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ العُدُوْلِ، وَشُهُوْدِ الحَضْرَةِ، وَأَعْيَانِ المُفْتِيْنَ (٢) المُعْتَمَدِ عَلَى فَتَاوِيْهِمْ، وَأَقْوَالِهِمْ فِي المَجَالِسِ وَالمَحَافِلِ، مَتِيْنَ الدِّيَانَةِ، حَسَنَ المُعَاشِرَةِ، طَيِّبِ المُفَاكَهَةِ. قَالَ القَادِسِيُّ: كَانَ خَيِّرًا، صَالِحًا، حَسَنَ الطَرِيْقَةِ، جَمِيْلَ السِّيْرَةِ، بَعِيْدَ المِثَالِ، وَإِياهُ عَنَى الصَّرْصَرِيُّ بِقَوْليِ فِي قَصِيْدَتِهِ الَّلامِيَّةِ المَعْرُوْفَةِ، فِي مَدْحِ الإمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ: (٣) وَمَنْ يَتْبَعِ المَنِّى أَوْحَدَ وَقْتِهِ … أَبَا الفَتْحِ وَالصَّقَّالِ فِي الفِقْهِ يَنْبَلُ حَدَّثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابنُ القَطِيْعِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ، وَالحَافِظُ الضِّيَاءُ، وَابنُ النَّجَّارِ. تُوُفِّيَ آخِرَ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، ثَانِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ تِسْع وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ عِنْدَ المَنْظَرَةِ بِـ"بَابِ الأزجَ" وَحُمِلَ عَلَى الرُّؤُوْسِ، وَدُفِنَ بِـ"بَابِ حَرْبٍ" وَشَيَّعَهُ خَلْقٌ عَظِيْمٌ، ﵀، وَقِيْلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُسْتَهَلِّ ذِيْ الحِجَّةِ. وَ"الطِّيْبِيُّ" مَنْسُوْبٌ إِلَى بَلْدَةٍ قَدِيْمَةٍ بَيْنَ "وَاسِطَ"

стр. 1131

وَ"الأهْوَازِ" تُسَمَّى "الطِّيْبَ" (١). ٢٣٥ - مُحَمَّدُ بنُ إِبْراهِيْمَ (٢) بنِ [أَحْمَد بن] (٣) عَبْدِ الرَّحْمَنَ بنِ إِسْمَاعِيْلَ ابنِ مَنْصُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، الزَّاهِدُ، أَبُو بكْرٍ، وَيُلَقَّبُ جَمَالَ الدِّيْنِ، أَخُو (٤) البَهَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الآتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِـ"دِمَشْقَ"، وَدَخَلَ مَعَ أَخِيْهِ "بَغْدَادَ"، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَاشْتَغَلَ وَحَصَّلَ فُنُوْنًا مِنَ العِلْمِ، ثُمَّ عَادَ، وَكَانَ فِقِيْهًا، زِاهِدًا، وَرِعًا، كَثيْرَ الخَشْيَةِ وَالخَوْفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، حَتَّى كَانَ يُعْرَفُ بِـ"الزَّاهِدِ"، وَكَانَ يُبَالِغُ فِي الطَّهَارَةِ، وَأَمَّ بِـ"دِمَشْقَ" بِمَسْجِدِ "دَارِ البَطِّيْخِ" (٥) وَهُوَ مَسْجِدُ السَّلَّالِيْنَ. حَدَّثَ مُدَّةً، وَحَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى "القُدْسِ" فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ

стр. 1132

بِـ"نَابُلُسَ" سَنَةَ سَبع وتسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١). ٢٣٦ - عَبيْدُ اللهِ بنُ عَليِّ (٢) بنِ نَصْرِ بنِ حُمْرَةَ بنِ عَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ التَّيْمِيُّ المَعْرُوْفُ بِـ"ابنِ المَارِسْتَانِيَّةِ" الأدِيْبُ، الفَقهُ، المُحَدِّثُ، المُؤَرِّخُ، أَبُو بكْرٍ، وَيُلَقَّبُ فَخْرَ الدِّيْنِ. كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ ﵁، وَيَذْكُرُ شَيْئًا مُتَّصِلًا إِلَيْهِ، وَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّهِ فِي نَسَبِهِ: "المُحَمَّدِيَّ"، وَلَا أَدْرِي إِلَى مَا هَذِهِ النِّسْبَةِ (٣)؟. ذَكَرَ أَنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ

стр. 1133

وَخَمْسِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي المُظَفَّرِ بنِ الشِّبْلِيِّ، وَابنِ البَطِّيِّ، وَيَحْيَى بنِ ثَابِتٍ بنُ بُنْدَارٍ، وَعَبْدِ الحَقِّ بنِ عَبْدِ الخَالِقِ، وَشُهْدَةَ، وَأَبي الفَتْحِ بنِ شَاتِيْلَ. وَقَرَأَ كَثيْرًا عَلَى المَشَايخِ المُتَأَخِّرِيْنَ بَعْدَهُمْ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَعُنِيَ بِهَذَا الفَنِّ، وَطَلَبَ العِلْمَ فِي صِبَاهُ، فتفَقَّهَ فِي المَذْهَبِ. وَقَرَأَ الأدَبَ، وَكَانَ أَدِيْبًا، فَاضِلًا، فَصِيْحًا، مَلِيْحَ العِبَارَةِ، بَلِيْغًا، حَسَنَ التَّصْنِيْفِ، ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ النَّجَّارِ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر سِبْطُ ابنِ الجَوْزِيِّ: أَحَدُ الفُضَلَاءِ المَعْرُوْفِيْنَ بِجَمْعِ الحَدِيْثِ وَالطِّبِّ، وَالنُّجُوْمِ، وَعُلُوْمِ الأوَائِلِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ "دِيْوَانَ الإسْلَامِ في تَارِيْخِ دَارِ السَّلَامِ" قَسَّمَهُ ثَلَاثِمَائَةٍ وَسِتِّيْنَ كِتَابًا، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ، وَصَنَّفَ "سِيْرَةَ الوَزِيْرِ ابنِ هُبَيْرَةَ" (١). وَقَالَ ابنُ النَّجَّارِ: كَانَ قَدْ قَرَأَ كَثيْرًا مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ، وَالمَنْطِقِ وَالفَلْسَفَةِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يُوْنُسَ (٢) صَدَاقَةٌ وَمُصَاحَبَةٌ، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الوِزَارَةُ اخْتُصَّ بِهِ، وَقَوِيَ جَاهُهُ، وَبَنَى دَارًا بِـ"دَرْبِ الشَّاكِرِيَّةِ" وَسَمَّاهَا: دَارَ العِلْمِ، وَجَعَلَ فِيْهَا خِزَانَةَ كُتُبٍ، وَوَقَفَهَا عَلَى طُلَّابِ العِلْمِ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ، يَقْرَأُ فِيْهَا الحَدِيْثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَحْضُرُ عِنْدَهُ النَّاسُ، فَيَسْمَعُوْنَ مِنْهُ، وَرَتَّبَ نَاظِرًا عَلَى أَوْقَافِ المَارِسْتَانِ العَضُدِيِّ، فَلَمْ تُحْمَدْ

стр. 1134

سِيْرَتُهُ، فَقُبِضَ عَلَيْهِ، وَسُجِنَ فِي المَارِسْتَانِ مُدَّةً مَعَ المَجَانِيْنِ مُسَلْسَلًا، وَبِيْعَتْ دَارُ العِلْمِ بِمَا فِيْهَا مِنَ الكُتُبِ مَعَ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَقُبِضَتْ، وَبَقِيَ مُعْتَقَلًا مُدَّةً، ثُمَّ أُطْلِقَ، فَصَارَ يُطَبِّبُ النَّاسَ، وَيَدُوْرُ عَلَى المَرْضَى فِي مَنَازِلِهِمْ، وَصَادَفَ قَبُوْلًا فِي ذلُكَ، فَأَثْرَى، وَعَادَ إِلَى حَالَةٍ حَسَنَةً، وَحَصَّلَ كُتُبًا كَثيْرَةً، ثُمَّ إِنَّهُ انْتُدِبَ للتَّوَجُّهِ فِي رِسَالَةٍ مِنَ الدِّيْوَانِ، فَخُلِعَ عَلَيْهُ خُلْعَةٌ سَوْدَاءُ؛ قَمِيْصٌ وَعِمَامَةٌ، وَطُرْحَةٌ، وَأُعْطِيَ سَيْفًا وَأُرْكِبَ مَرْكُوْبًا جَمِيْلًا، وَتَوَجَّهُ إِلَى "تِفْلِيْسَ" (١) فِي صَفَرَ سَنَةَ تِسْع وتسْعِيْنَ إِلَى الأمِيْرِ أَبِي بَكْرِ بنِ إِيْلد كزين البَهْلَوَان، زَعِيْمُ تِلْكَ البِلَادِ، فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ هُنَاكَ. قُلْتُ: القَبْضُ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ عَزْلِ ابنِ يُوْنُسَ وَالقَبْضِ عَلَيْهِ، وَتتَبُّعِ أَصْحَابِهِ، وَفِي تِلْكِ الفِتْنَةِ كَانَتْ مِحْنَةُ ابنُ الجَوْزِيِّ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ (٢). وَبَالَغَ ابنُ النَّجَّارِ فِي الحَطِّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ادِّعَائِهِ النَّسَبَ إِلَى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ (٣)، وَبِسَبَبِ أنَّهُ رَوَى عَنْ مَشَايخَ

стр. 1135

لَمْ يُدْرِكْهُمْ، كَأَبِي الفَضْلِ الأُرْمَوِيِّ. قَالَ: وَاخْتَلَقَ (١) طِبَاقًا عَلَى الكُتُبِ بِخُطُوْطٍ مَجْهُوْلَةٍ، تَشْهَدُ بِكَذَبِهِ وَبِزُوْرِهِ (٢)، وَجَمَعَ مَجْمُوْعَاتٍ فِي فُنُوْنٍ مِنَ التَّوَارِيْخِ وَأَخْبَارِ النَّاسِ، مَنْ نَظَرَ فِيْهَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ كَذِبِهِ وَقُبْحِهِ وَتَهَوُّرِهِ، مَا كَانَ مَخْفِيَّا عَنْهُ، وَبَانَ لَهُ تَرْكِيْبُهُ الأسَانِيْدَ عَلَى الحِكَايَاتِ وَالأشْعَارِ وَالأخْبَارِ (٣)، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ حَدَّثَ بِكَثيْرٍ مِمَّا اخْتَلَقَهُ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَلْقَهُمْ. سَمعَ مِنْهُ الغُرَبَاءُ، وَمَنْ لا يَعْرِفُ طَرِيْقَةَ الحَدِيْثِ، وَرَأَيْتُهُ كَثِيْرًا، وَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا. قَالَ: وَقَدْ نَقَلْتُ فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ خَطِّهِ وَقَوْلهِ وَرِوَايَتِهِ أَشْيَاءَ، العُهْدَةُ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهَا؛ فَإِنِّي لَا أَطْمَئِنُّ إِلَى صِحَّتِهَا، وَلَا أَشْهَدُ بِحَقِيْقَةِ بُطْلَانِهَا (٤)، ثُمَّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَنْبِلِي بـ"أَصْبَهَانَ" عَنْ مَعْمَرِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ الفَاخِرِ القُرَشِيِّ، وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي

стр. 1136

أَبُو بكْرٍ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَلِيِّ بنِ عَلِيِّ بنِ نَصْرِ بنِ حُمْرَةَ (١) التَّيْمِيُّ لِنَفْسِهِ (٢): أَفْرَدَتْنِي بِالهُمُوْمِ … ذاكَ دَلٍّ وَنَعِيْم أَوْدَعَتْ قَلْبِي سُقَامًا … وَالحَشَا نَارَ الجَحِيْم لَيْسَ لِي شُغْلٌ سِوَاهَا … مِنْ خَلِيْلٍ وَحَمِيْم هِيَ دَاءٌ لِلْمُعَانِى … وَدَوَاءٌ لِلسَّقِيْم شَغَلَتْ قَلْبِي بِأَمْرٍ … مُقْعَدٍ فِيْهَا مُقِيْم قُلْتُ: العَجَبُ أَنَّهُ تَبَرَّأ وَتنزَّهُ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ نَفْسُهُ، ثُمَّ رَوَى عَنِ اثْنَيْنِ عَنْهُ؟! وَلَقَدْ بَالَغَ فِي الحَطِّ عَلَيْهِ، وَزَادَ فِي ذلِكَ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ فِي هَذَا الكِتَابِ أَشْيَاءَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَبِيْنُ فِي بَعْضِهَا أَوْ كَثيْرٍ مِنْهَا أَنَّهَا مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي "سِيْرَةِ ابنِ هُبَيْرَة" فَلَمْ أَجَدْ فِيْهُ مَا يُنْكَرُ، بَلْ غَالِبُ مَا نَقَلَ فِيْهِ مِنَ الحِكَايَاتِ عَنِ الوَزِيْرِ مِنْ كَلَامِهِ قَدْ نَقَلَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ. وَكَذلِكَ بَالَغَ ابنُ الدُّبَيْثِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" فِي الحَطِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ ادَّعَى الحِفْظَ وَسَعَةَ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ، وَلَمْ يُوْجَدُ بَعْدُ. وَتَابَعَهُ عَلَى ذلِكَ المُنْذِرِيُّ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيْحٌ؛ فَإِنَّ أَقْدَمَ مَنْ ادَّعَى السَّمَاعَ مِنْهُ الأُرْمَوِيُّ. وَهُوَ كَانَ مَوْجُوْدًا فِي حَيَاتِهِ، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ مُمْكِنٌ، ثَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ، أَوْ

стр. 1137

لَمْ يُعْرَفْ، وَنَحْوِ ذلِكَ (١). وَمِنْ مُبَالَغَتِهِ فِي الحَطِّ قَالَ أَبُو شَامَةَ: هَذَا غُلُوٌّ مِنْ قَائِلِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَطْعُوْن فِيْهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: - مِنْ جِهَةِ ادِّعَائِهِ النَّسَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّ هَذَا أَنْكَرَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ، وَاشْتُهِرَ إِنْكَارُهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ (٢):

стр. 1138

دعَ الأنْسَابَ لَا تَعْرِضْ لِتَيْمٍ … فَأَيْنَ الهِجْنُ مِنْ وَلَدِ الصَّمِيْمِ لَقَدْ أَصْبَحْتَ مِنْ تَيْمٍ دَعِيًّا … كدَعْوَى حَيْصَ بَيْصَ إِلَى تَمِيْم - وَمِنْ جِهَةِ ادِّعَائِهِ سَمَاعَ مَا لَمْ يَسْمَعْ؛ فَإِنَّ هَذَا صَحِيْح عَنْهُ. قَالَ ابنُ نُقْطَةَ: سَأَلْتُ أَبَا الفُتُوْحِ الحُصْرِيَّ عَنْهُ بِـ"مَكَّةَ"؟ فَقَالَ: سَامَحَهُ اللهُ، كَانَ صَدِيْقِي، وَكَانَ يُكْرِمُنِي، وَكَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ. حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ الشَّرِيْفُ الزَّيْدِيُّ أَنَّهُ استَعَارَ مِنْهُ "مَغَازِي الأُرْمَوِيِّ" فَرَدَّهَا إِلَيْهِ وَقَدْ طَبَّقَ عَلَيْهَا السَّمَاعَ عَلَى كُلِّ جُزْءِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا. قَالَ ابنُ نُقْطَةَ: وَكَانَ شَيْخُنَا ابنُ الأخْضَرِ الحَافِظُ يَنْهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدٌ عَلَى شَيْخٍ بِطَبَقةٍ تَكُوْنُ بِخَطِّهِ، أَوْ بِخَطِّ أَبِي بَكْرِ بنِ سِوَارٍ، وَذَكَرَ حِكَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ عَبْدِ الحَقِّ بنِ عَبْدِ الخَالِقِ أَنَّهُ كَذَّبَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ سَمعَ لِنَفْسِهِ مِنْهُ أَجْزَاءً لَمْ يَقْرَأَهَا عَلَيْهِ (١). وَأَمَّا مَا نَسَبُوْهُ إِلَيْهِ مِنْ تَرْكِيْبِ الأسَانِيْدِ، وَتَصَرُّفِهِ بالكَذِبِ فِي تَصَانِيْفِهِ،

стр. 1139

حَتَّى إِنَّ ابنَ الدُّبَيْثِيِّ قَالَ: لَوْ تَمَّ كِتاُبهُ "دِيْوَانُ الإسلَامِ" لَظَهَرَتْ فَضَائِحُهُ، فَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ: أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ تَارِيْخِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيْهِ طَعْنًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابنُ القَادِسِيِّ عَنْهُ: كَانَ خَطِيْبًا، بَلِيْغًا، شَاعِرًا، حَافِظًا، مُحَدِّثًا، فَصِيْحًا. سَافَرَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أُمَمٍ لَا تُحْصَى وَاسْتَشْهَدَهُمْ، وَصنَّفَ عِدَّةَ مُصَنَّفَاتٍ فِي التَّوَارِيْخِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُ "تَارِيْخُ مَدِيْنَةِ السَّلَامِ" عَلَى وَضْعِ كِتَابِ الخَطِيْبِ، وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيْسٌ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيْهِ أَقْوَامًا، ذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا يُعْرَفُوْنَ، وَقَدْ عَظَّمَهُمْ هُوَ وَوَصَفَهُمْ. وَقَدْ طَعَنَ أَصْحَابُ الحَدِيْثِ عَلَيْهِ وَجَرَّحُوْهُ، مِنْهُمْ شَيْخُنَا ابنُ الجَوْزِيِّ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ ابنُ الأخْضَرِ. وَحَدَّثَ بِـ"بَغْدَادَ" وَرَوَى عَنْ أَبي الوَقْتِ، وَقَرَأَ عَلَى أَبي مُحَمَّدٍ بنِ الخَشَّابِ. قَالَ أَبُو المُظَفَّرِ السِّبْطُ: كَانَ ابنُ المَارِسْتَانِيَّةَ هُوَ الَّذِي قَرَأَ كُتُبَ عَبْدِ السَّلَامِ ابنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ يَوْمَ أُحْرِقَتْ، كَانَ يَقْرَأُ الكِتَابَ، وَيُقُوْلُ: يَا عَامَّةُ، هَذَا عَبْدُ السَّلَامِ يَقُوْلُ: مَنْ بَخَّرَ زُحَلَ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: يَا إِلهِي يَا عِلَّةَ العِلَلِ، نَالَ مَا أَرَادَ، فَيَلْعَنَهُ النَّاسُ وَيَضُجُّوْنَ بِذلِكَ، فَلَمَّا خُلِعَ عَلَى ابنِ المَارِسْتَانِيَّةِ، وَأُرْسِلَ إِلَى "تِفْلِيْسَ" خَرَجَ مِنْ دَارِ الوَزِيْرِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الحُجَّابُ، وَأَرْبَابُ الدَّوْلَةِ فَوَقَفَ لَهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَتَقَدَّمَ إِلِيْهِ، وَقَالَ لَهُ سِرًّا فِيْمَا بَيْنَهُمَا: السَّاعَةَ مَنْ بَخِّرُ زُحَلَ أَنَا أَوْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا. وَتُوُفِّيَ ابنُ المَارِسْتَانِيَّةَ في رُجُوْعِهِ مِنْ "تَفْلِيْسَ" بِمَوْضِع يُعْرَفُ بـ"خَرَجْ بِنْدَ" لَيْلَةَ الأحَدِ غُرَّةَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ، وَدُفِنَ هُنَاك، سَامَحَهُ اللهُ. وَقَالَ القَادِسِيُّ: تُوُفِّيَ بـ"حرخَتِيْد" فِي سَلْخِ ذِي

стр. 1140

القَعْدَةِ. وَقِيْلَ: تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ. وَ"حُمْرَةُ" في نَسَبِهِ بِضَمِّ الحَاءِ المُهْمَلَةِ (١)، وَسُكُوْنِ المِيْمِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ المُهْمَلَةِ، كَذلِكَ قَيَّدَهُ ابنُ النَّجَّارِ، وَابْنُ نُقْطَةَ، والمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَرَأَيْتُ بِخَطِّهِ "حَمْزَةَ" وَفَوْقَ الزَّاي نُقْطَة، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى ذلِكَ، وَقِيْلَ لَهُ: ابنُ المَارِسْتَانِيَّةَ؛ لأنَّ أبَوَيْهِ كَانَا قَيِّمَيْ المَارِسْتَان التُّتُشِيِّ (٢) بـ"بَغْدَادَ". ٢٣٧ - نَصْرُ الله بنُ عَبْدِ العَزِيز (٣) بنِ صَالحٌ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عمَّارِ بنِ عَبْدُوْسٍ

стр. 1141

الحَرَّانِيُّ، الفَقِهُ، الزَّاهِدُ، شمْسُ الدِّيْنِ، أَبُو الفَتْحِ، أَحَدُ شُيُوْخ "حَرَّانَ" وَفُقَهَائِهَا. أَخَذَ العِلْمَ بهَا عَنْ جَمَاعَةٍ، كَأَبي الحَسَنِ بنِ عَبْدُوْسٍ، وَأَبِي الفَضْلِ حَامِدِ بنِ أَبِي الحَجَرِ، وَأَبِي الكَرَمِ فِتْيَانَ بنِ مَيَّاحٍ. وَرَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" وَسَمِعَ دَرْسَ أَبِي الفَتْحِ بنِ المَنِّيِّ، وَسَمعَ بِهَا الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي الفَتْحِ بنِ البَطَّيِّ، وَأَبي الفَضْلِ بنِ شَافِعٍ، وَفَوَارِسِ بنِ مَوْهُوْبِ بنِ الشَّبَّاكِيَّةِ (١)، والمُبَارَكُ (٢) بنِ الطَّبَّاخِ، وَغَيْرِهمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى "حَرَّانَ". قَالَ أَبُو الفَرَجِ بنُ الحَنْبَلِيِّ: لَقِيْتُهُ بِـ"دِمَشْقَ" وَ"حَرَّانَ"، وَكَانَ فَقِيْهًا، صَالِحًا، يَنْقُلُ المَذْهَبَ جَيِّدًا، وَكَانَ يُنْكِرُ المُنكرَ، ضَرَبَهُ مُظَفَّرُ بنُ زَيْنِ

стр. 1142

الدِّيْنِ عَلَى الإنْكَارِ، ثُمَّ نَدِمَ واسْتَغْفَرَ مِنْهُ، وأَحْسَنَ القَاضِي الفَاضِلُ ظَنَّهُ بِهِ. وَكَانَ أَبْيَضَ قَصِيْرًا جِدًّا، وَشَعْرُ لِحْيَتِهِ أَحْمَرُ، وَحَكَى لِي أَنَّهُ يَأْخُذُ اللَّحْمَةَ مِنَ المِقْلَى، فَيَضعُهَا فِي فِيْهِ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِذلِكَ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَمْدَانَ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، فَقِيْهًا فَاضِلًا، وَهُوَ شَيْخُ شَيْخِنَا نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ القَادِرِ بنِ أَبي الفَهْمِ (١). أَنْكَرَ مَرَّةً عَلَى مُظَفَّرِ الدِّيْنِ (٢) صَاحِب "إِرْبِلَ"

стр. 1143

لَمَّا كَانَتْ لَهُ "حَرَّانَ"، وَأَرَاقَ لَهُ خَمْرًا، فَأَحْضَرَهُ، وَقَالَ: أتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، بالظُّلْمِ وَالفِسْقِ، أَوْ مَعْنَى ذلِكَ، فَهَمَّ بِضَرْبِهِ، فَأُشِيْرَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَفْعَلَ؛ لأجْلِ العَامَّةِ وَمَيْلِهِمْ إِلَيْهِ. وَلَهُ كِتَابُ "تَعْلِيْمِ العَوَامِّ (١) مَا السُّنَّةُ فِي السَّلَامِ"

стр. 1144

وَسَبَبُ تَصْنِيْفِهِ لَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أَبُو المَعَالِي بنُ المَنجَّى قَاضِيًا عَلَى "حَرَّانَ" أَمَرَ المُؤَذِّنِيْنَ بِالجَهْرِ بالتَّسْلِيْمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانُوا إِنَّمَا يَجْهَرُوْنَ بالأُوْلَى خَاصَّةً، وَذَكَرَ نُصُوْصَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ فِي ذلِكَ، وَالأحَادِيْثَ وَالآثَارَ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَبَالَغَ فِي الإنْكَارِ عَلَيْهِ، وَحَدَّثَ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ بِـ"حَرَّانَ"، وَسَمِعَهُ مِنْهُ ابنُ أَبِي الفَهْمِ وَغَيْرُهُ. وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ أَحْمَدُ بنُ سَلَامَةَ النَّجَّارُ، وَغَيْرُهُ.

стр. 1145

قَالَ ابنُ الحَنْبَلِيِّ: مَاتَ ابنُ عَبْدُوْسَ قَبْلَ السِّتِّمَائَةَ بـ"آمِدَ" ﵀. آخِرُ (الجُزْءِ الأوَّلِ)، يَتْلُوْهُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- في (الجُزْءِ الثَّانِي) تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ، الإِمَامِ، العَالِمِ، الحَافِظِ، تَقِيِّ الدِّيْنِ، أَبي مُحَمَّدٍ، حَافِظِ الوَفْتِ، عَبْدِ الغَنيِّ ابنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيِّ ﵀ وَكَانَ الفَرَاغُ مِنْ كِتَابَتِهِ فِي لَيْلَةٍ يُسْفِرُ صَبَاحُهَا عَنْ سَلْخِ شَهْرِ جُمَادَى الآخِرَةِ مِنْ شُهرِ سَنَةِ سَبع وَثَلاثِيْنَ وَثَمَانِمَائَةَ عَلَى يَدِ كَاتِبِهِ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ أَقَلِّ عِبَادِ اللهِ وَأَحْوَجُهُم إِلَى رَحْمَتِهِ محَمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَلِيِّ بنِ صَالِحٍ الشَّهِيْرِ بِـ"ابنِ سُلَاتَةَ" الحَنْبَلِيِّ مَذْهَبًا وَمُعْتَقَدًا، الطَّرَابُلُسِيِّ، الشَّامِيِّ، عَفَا اللهُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدَيْهِ، وَعَنْ مَشَايِخِهِ، وَعَنْ جَمِيع المُسْلِمِيْنَ. وَالحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (١).

стр. 1146

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (١) ٢٣٨ - عَبْدُ الغَنِيِّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ (٢) بنِ عَلِيِّ بنِ سُرُوْرِ بنِ رَافِعِ بنِ حَسَنِ بنِ

стр. 1147

جَعْفَرٍ الجَمَّاعِيْلِيُّ، المَقْدِسِيُّ، الحَافِظُ، الزَّاهِدُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُلَقَّبُ تَقِيُّ الدِّيْنِ، حَافِظُ الوَقْتِ وَمُحَدِّثُهُ. وُلِدَ بـ"جَمَّاعِيْلَ" مِنْ أَرْضِ "نَابُلُسَ" مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: أَظُنُّهُ فِي رَبِيع الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ؛ لِمَا حَدَّثتْنِي

стр. 1148

وَالِدَتِي (١) قَالَتْ: الحَافِظُ أَكْبَرُ مِنْ أَخِي المُوَفَّقِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهَرٍ، وَمُوْلدُ المُوَفَّقِ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ. وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: ذَكَرَ عَنْهُ أَصْحَاُبهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْلدَهُ سَنَةَ أَرْبَع وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّهُ سَأَلَ الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ عَنْ مَوْلدِهِ فَقَالَ: إِمَّا فِي سنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِمَائَةَ. قَالَ الحَافِظُ: وَالأظْهَرُ أَنَّهُ فِي سَنَةَ أَرْبَع (٢). وَقَدِمَ "دِمَشْقَ" صَغِيْرًا بَعْدَ الخَمْسِيْنَ (٣)، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي المَكَارِمِ بنِ هَلَالٍ، وَأِبي المَعَالِي بنِ صَابِرٍ، وَأَبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ حَمْزَةَ بنِ أَبِي جَمِيْلٍ القُرَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ رَحَلَ إِلَى "بَغْدَادَ" سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، هُوَ والشَّيْخُ المُوَفَّقُ، فَأَقَامَا بِـ"بَغْدَادَ" أَرْبَعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ المُوَفَّقُ مِيْلُهُ إِلَى الفِقْهِ، وَالحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ ميْلُهُ إِلَى الحَدِيْثِ، فَنَزَلَا عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ القَادِرِ، وَكَانَ يُرَاعِيْهِمَا، وَيُحْسِنُ

стр. 1149

إِلَيْهِمَا، وَقَرَآ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، وَحَكَى الشَّيْخُ المُوَفَّقُ أَنَّهُمَا أَقَامَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِيْنَ (١) يَوْمًا، ثُمَّ مَاتَ، وَأَنَّهُمَا كَانَا يَقْرآنِ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ دَرْسَيْنِ مِنَ الفِقْهِ، فَيْقَرَأُ هُوَ مِنَ "الخِرَقِيِّ" مِنْ حِفْظِهِ، وَالحَافِظُ مِنْ كِتَابِ "الهِدَايَةِ". قَالَ الضِّيَاءُ: وَبَعْدَ ذلِكَ اشْتَغَلَا بالفِقْهِ وَالخِلَافِ عَلَى ابنِ المَنِّيِّ، وَصارَا يَتَكَلَّمَانِ فِي المَسْألةِ، وَيُنَاظِرَانِ، وَسَمِعَا مِنْ أَبِي الفَتْحِ بنِ البَطِّي، وَأَحْمَدَ بنِ المُقَرَّبِ (٢) الكَرْخِيِّ، وَأَبي بَكْرِ بنِ النَّقُوْرِ، وَهِبَةِ اللهِ بنِ الحَسَنِ بنِ هِلَالٍ الدَّقَّاقِ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ عَادَا إِلَى "دِمَشْقَ". ثُمَّ رَحَلَ الحَافِظُ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ إِلَى "مِصْرَ" وَ"الإسْكَنْدَرِيَّة" وَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى "الإسْكَنْدَرِيَّة" سَنَةَ سَبْعِيْنَ، وَسَمِعَ بِهَا مِنَ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ، وَأَكْثَرَ عَنْهُ، حَتَّى قِيْلَ: لَعَلَّهُ كَتَبَ عَنْهُ أَلْفَ جُزْءٍ، وَسَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا. وَسَمِعَ بـ"مِصْرَ" مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ بَرِّيِّ النَّحْوِيِّ وَجَمَاعَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ السَّبْعِيْنَ إِلَى "أَصْبَهَانَ" وَكَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَيْهَا وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيْلُ فُلُوْسٍ، فَسَهَّلَ اللهُ لَهُ مَنْ حَمَلَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ حَتَّى دَخَلَ "أَصْبَهَانَ"، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَسَمِعَ بِهَا الكَثيْرَ، وَحَصلَ الكُتُبَ الجَيِّدَةَ، ثُمَّ

стр. 1150

رَجَعَ، وَسَمعَ بِـ"هَمَذَانَ" مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ القُوْمِسَانِيِّ (١)، وَالحَافِظِ أَبي العَلَاءِ، وَغَيْرِهِمَا. وَبِـ"أَصْبَهَانَ" مِنَ الحَافِظَيْنِ: أَبِي مُوْسَى المَدِيْنِيِّ، وَأَبِي سَعْدٍ الصَّائِغِ وَطَبَقَتِهِمَا. وَسَمعَ بِـ"المَوْصِلِ" مِنْ خَطِيْبِهَا أَبِي الفَضْلِ الطُّوْسِيِّ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ المُتْقَنِ مَا لَا يُوْصَفُ كَثْرَةً، وَعَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَلَمْ يَزَلْ يَنْسَخُ، وَيُصَنِّفُ، وَيُحَدِّثُ وَيُفِيْدُ المُسْلِمَيْنَ، وَيَعْبُدُ اللهَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى ذلِكَ. وَقَدْ جَمَعَ "فَضَائِلَ الحَافِظِ وَسِيْرَتَه" الحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّيْنِ فِي جُزْأَيْنِ، وَذَكَرَ فِيْهَا: أَنَّ الفَقِيْهِ مَكِّيَّ بنَ عُمَرَ بنِ نِعْمَةَ المِصْرِيِّ (٢) جَمَعَ "فَضَائِلَهُ" أَيْضًا. قَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: كَانَ شَيْخُنَا الحَافِظُ لَا يَكَادُ أَحدُ يَسْألهُ عَنْ حَدِيْثٍ إلَّا ذَكَرَهُ لَهُ وَبَيَّنَهُ، وَذَكَرَ صِحَّتَهُ أَوْ سَقَمَهُ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ رَجُل إلَّا قَالَ: هُوَ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ الفُلَانِيُّ، وَيَذْكُرُ نَسَبَهُ. وَأَنَا أَقُوْلُ: كَانَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ المَقْدِسِيُّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ فِي الحَدِيْثِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ يَقُوْلُ: كُنْتُ يُوْمًا بِـ"أَصْبَهَانَ" عِنْدَ الحَافِظِ أَبِي مُوْسَى (٣)، فَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ الحَاضِرِيْنَ مُنَازَعَةٌ فِي

стр. 1151

حَدِيْثٍ، فَقَالَ: هُوَ فِي "صَحِيْحِ البُخَارِي"، فَقُلْتُ: لَيْسَ هُوَ فِيْهِ، قَالَ: فَكَتَبَ الحَدِيْثَ فِي رِقْعَةٍ وَرَفَعَهَا إِلَى الحَافِظِ أَبِي مُوْسَى يَسْألهُ عَنْهُ، قَالَ: فَنَاوَلَنِي الحَافِظُ أَبُو مُوْسَى الرِّقْعَةَ وَقَالَ: مَا تَقُوْلُ، هَلْ هَذَا الحَدِيْثُ فِي "البُخَارِي"، أَمْ لَا؟ قَالَ: فَخَجِلَ الرَّجُلُ وَسَكَتَ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِيْمَا يَرَى النَّائِمُ -وَأَنَا بِمَدِيْنَةِ "مَرْوَ"- كَأَنَّ الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ جَالِسٌ، وَالإمَامُ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ جُزءٍ، أَوْ كِتَابٍ، وَكَانَ الحَافِظُ يَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْئًا، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الطَّاهِرِ (١) إِسْمَاعِيْلَ بنَ ظَفَرٍ النَّابُلُسِى يَقُوْلُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الحَافِظِ -يَعْنِي عَبْدَ الغَنِي- فَقَالَ: رَجُلٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّكَ تَحْفَظُ مَائَةَ أَلْفِ حَدِيْثٍ، فَقَالَ: لَوْ قَالَ أَكْثَرَ لَصَدَقَ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَشَاهَدْتُ الحَافِظَ غَيْرَ مَرَّةٍ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" يَسْألهُ بَعْضُ الحَاضِرِيْنَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، اقْرَأْ لَنَا أَحَادِيْثَ مِنْ غَيْرِ أَجْزَاءٍ، فَيَقْرَأُ الأحَادِيْثَ بِأَسَانِيْدِهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ. وَسَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ بنَ الحَافِظِ (٢) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِنَا يَقُوْلُ: إِنَّ الحَافِظَ سُئِلَ: لَمِ لَا تَقْرَأُ الأحَادِيْثَ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ؟ فَقَالَ: إِنِّنِي أَخَافُ العُجْبَ. وَسَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ الحَافِظِ (٣)، قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 1152

عَلِيَّ بنَ فَارِسٍ الزَّجَّاجَ العَلْثِيّ (١) الشَّيْخَ الصَّالِحُ، قَالَ: لَمَّا جَاءَ الحَافِظُ مِنْ بِلَادِ العَجَمِ، قُلْتُ: يَا حَافِظُ، مَا حَفِظْتَ بَعْدُ، مَائَةَ أَلْفِ حَدِيْثٍ؟ فَقَالَ: بَلَى، أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ (٢) عَبْدَ العَزِيْزِ بنَ عَبْدِ المَلِكِ الشَّيْبَانِيَّ بِـ"مَرْوَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ التَّاجَ الكِنْدِيَّ -يَعْنِي أَبَا اليُمْنِ- يَقُوْلُ: لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِثْلَ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ. وَسَمِعْتُ أَبَا الثَّنَاءِ مَحْمُوْدُ بنُ هَمَّامٍ الأنْصَارِيَّ (٣) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ التَّاجَ الكِنْدِيَّ يَقُوْلُ: لَمْ يَرَ الحَافِظُ -يَعْنِي عَبْدَ الغَنِيِّ- مِثْلَ نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ عَنْ يُوْسُفَ بنِ خَلِيْلٍ، قَالَ: قَالَ تَاجُ الدِّيْنِ الكِنْدِيُّ: رَأَيْتُ ابنَ نَاصِرٍ، وَالحَافِظَ أَبَا العَلَاءِ الهَمَذَانِيُّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الحُفَّاظِ مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ.

стр. 1153

ثُمَّ قَالَ الضِّيَاءِ: سَمِعْتُ أَبَا العِزِّ مُفَضَّلَ بنَ عَلِيِّ الخَطِيْبَ الشَّافِعِيَّ (١) قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأصْحَابِ يَقُوْلُ: إِنَّ أَبَا نِزَارٍ -وَهُوَ الإمَامُ رَبِيْعَةُ بنُ الحَسَنِ اليَمَنِيُّ الشَّافِعِيُّ (٢) - قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الحَافِظَ السِّلَفِيَّ، وَالحَافِظَ أَبَا مُوْسَى، وَكَانَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ أَحْفَظَ مِنْهُمَا، قَالَ: وَشَاهَدْتُ فِي "فَضَائِلِ" الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ للإِمَامِ الفَقِيْهِ مَكِّيِّ بنِ عُمَرَ المِصْرِيِّ، سَمِعْتُ أَبَا نَزَارٍ رَبِيْعَةَ بنَ الحَسَنِ الصَّنْعَانِيَّ يَقُوْلُ: قَدْ حَضَرْتُ الحَافِظَ أَبَا مُوْسَى، وَهَذَا الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ بنَ عَبْدِ الوَاحِدِ، فَرَأَيْتُ عَبْدَ الغَنِيِّ أَحْفَظَ مِنْهُ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَأَنْشَدَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ ظَفَرٍ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو نزَارٍ رَبِيْعَةُ ابنُ الحَسَنِ فِي الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ (٣): يَا أَصْدَقَ النَّاسِ فِي بَدْوٍ وَفِي حَضَرٍ … وَأَحْفَظَ النَّاسِ فِيْمَا قَالَتِ الرُّسُلُ إِنْ يَحْسِدُوْكَ فَلَا تَعْبَأْ بِقَائِلِهِمْ … هُمُ الغُثَاءُ وَأَنْتَ السَّيِّدُ البَطَلُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا: إِنْ قِيْسَ عِلْمُكَ فِي الوَرَى بِعُلُوْمِهِمْ … وَجَدُوْكَ سَحْبَانًا وَغَيْرُكَ بَاقِلُ

стр. 1154

قَالَ: وَشَاهَدْتُ بِخَطِّ الحَافِظِ أَبِي مُوْسَى المَدِيْنيِّ عَلَى كِتَابِ "تَبْيِيْنِ الإصَابَةِ لأوْهَامٍ حَصَلَتْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ" الَّذِي أَمْلَاهُ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَقَدْ سَمِعَهُ عَلَيْهِ أَبُو مُوْسَى، وَأَبُو سَعْدٍ الصَّائِغُ (١)، وَأَبُو العَبَّاسِ بنُ يَنَال تُرْك (٢)، وَخَلق كَثيْر، يَقُوْلُ أَبُو مُوْسَى -عَفَا اللهُ عَنْهُ-: قَلَّ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الأصْحَابِ يَفْهَمُ هَذَا الشَّأْنَ كَفَهْمِ الشَّيْخِ الإمَامِ ضِيَاءِ الدِّيْنِ (٣) أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الغَنِيِّ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ المَقْدِسِيِّ، زَادَهُ اللهُ تَوْفِيْقًا، وَقَدْ وُفِّقَ لِتَبْيِيْنِ هَذِهِ الغَلَطَاتِ، وَلَوْ كَانَ الدَّارُقْطْنِيُّ وَأَمْثَالُهُ فِي الأحْيَاءِ (٤) لَصوَّبُوا فِعْلَهُ، وَقَلَّ مَنْ يَفْهَمُ فِي زَمَانِنَا لِمَا فَهِمَ، زَادَهُ اللهُ عِلْمًا وَتَوْفِيْقًا. قَالَ الضِّيَاءُ: وَكُلُّ مَنْ رَأَيْنَا فِي زَمَانِنَا مِنَ المُحَدِّثِيْنَ مِمَّنْ رَأَى الحَافِظَ عَبْدَ الغَنِيِّ -وَجَرَى ذِكْرُ حِفْظِهِ وَمُذَاكَرَاتِهِ (٥) - قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَ

стр. 1155

هَذَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَافِظَ -أَوْ مَنْ يَحْكِيْ عَنْهُ- قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى السِّلَفِيِّ سَأَلَنِي عَنْ أَشْيَاءٍ، وَقَالَ: مَنْ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذَّهَبِيُّ؟ فَقُلْتُ: المُخَلِّصُ (١). وَسمِعْتُ الحَافِظَ يَقُوْلُ: كُنْتُ عِنْدَ ابنِ الجَوْزِيِّ يَوْمًا، فَقَالَ وَزِيْرَةُ (٢) بنُ مُحَمَّدٍ الغَسَّانِى، فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ وَرِيْزَةُ، فَقَالَ: أَنْتُمْ أَعْرَفُ بِأَهْلِ بَلَدِكُمْ، وَحَكَى حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ مَنْ سَلَفَ فِي هَذَا المَعْنَى. وَذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: حَدَّثَ بِالكَثيْرِ، وَصَنَّفَ تَصَانِيْفَ حَسَنَةً فِي الحَدِيْثِ، وَكَانَ غَزِيْرَ الحِفْظِ، مِنْ أَهْلِ الإتْقَانِ وَالتَّجْوِيْدِ، قَيِّمًا بِجَمِيع فُنُوْنِ الحَدِيْثِ، عَارِفًا بِقَوَانِيْنِهِ، وَأُصُوْلهِ، وَعِلَلِهِ، وَصَحِيْحِهِ،

стр. 1156

وَسَقِيْمِهِ، وَنَاسِخِهِ، وَمَنْسُوْخِهِ، وَغَرِيْبِهِ، وَمُشْكِلِهِ (١)، وَفِقْهِهِ، وَمَعَانِيْهِ، وَضَبْطِ أَسْمَاءِ رُوَاتِهِ، وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ. وَكَانَ كَثِيْرَ العِبَادَةِ، وَرِعًا، مُتَمَسِّكًا بالسُّنَّةِ، عَلَى قَانُوْنِ السَّلَفِ، وَلَمْ يَزَلْ بِـ"دِمَشْقَ" يُحَدِّثُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، إِلَى أَنْ تَكَلَّمَ فِي الصِّفَاتِ وَالقُرْآنِ بِشَيْءٍ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّأوِيْلِ مِنَ الفُقَهَاءِ، وَشَنَّعُوا بِهِ عَلَيْهِ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ بِدَارِ السُّلْطَانِ، حَضرَهُ القُضَاةُ والفُقَهَاءُ، فَأَصَرَّ عَلَى قَوْلهِ، وَأَبَاحُوا إِرَاقَةَ دَمِهِ، فَشَفَعَ فِيْهِ جَمَاعَةٌ إِلَى السُّلْطَانِ مِنَ الأُمَرَاءِ والأكْرَادِ، وَتَوَسَّطُوا أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ "دِمَشْقَ" إِلَى دِيَارِ "مِصْرَ" فَأُخْرِجَ إِلَى "مِصْرَ" وَأَقَامَ بِهَا خَامِلًا إِلَى حِيْنَ وَفَاتِهِ (٢). وَسَمِعْتُ يُوْسُفَ بنَ خَلِيْل بِـ"حَلَبَ" يَقُوْل عَنْ عَبْدِ الغَنِيِّ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتًا، دَيِّنًا، مَأْمُوْنًا، حَسَنَ التَّصْنِيْفِ، دَائِمَ الصِّيَامِ، كَثِيْرَ الإيْثَارِ، كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثِمَائَةَ رَكْعةٍ، وَيَأْمُرُ بالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، دُعِيَ إلَى أَنْ يَقُوْل: لَفْظِي بالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ فَأَبَى، فَمُنِعَ مِنَ التَّحْدِيْثِ بِـ"دِمَشْقَ" فَسَافَرَ إِلَى "مِصْرَ" فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ السَّيْفِ (٣) بنِ المَجْدِ قَالَ أَبُو الرَّبِيع سُلَيْمَانُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الإسْعِرْدِيُّ (٤):

стр. 1157

سَمِعْتُ عَبْدَ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ الحَافِظُ يَقُوْلُ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ: سَمِعْتُ وَسَمِعْنَا، وَحَفِظْتَ، وَنَسِيْنَا. وَقَالَ أَبُو الثَّنَاءِ مَحْمُودُ بنُ هَمَّامٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بنَ أَمِيْرك الجُوَيْنِيَّ المُحَدِّثَ يَقُوْلُ: مَا سَمِعْتُ السِّلَفِيَّ يَقُوْلُ لأحَدٍ "الحَافِظُ"، إلَّا لِعَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ. وَقَالَ الحَافِظُ الضِّيَاءِ: كَانَ ﵀ مُجْتَهِدًا عَلَى طَلَبِ الحَدِيْثِ، وَسَمَاعِهِ للنَّاسِ مِنْ قَرِيْبٍ وَغَرِيْبٍ، فَكَانَ كُلُّ غَرِيْب يَأْتِي يَسْمَعُ عَلَيْهِ، أَوْ يَعْرَفُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الحَدِيْثَ يُكْرِمُهُ وَيَبَرُّهُ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ إِحْسَانًا كَثِيْرًا، وَإِذَا صَارَ عِنْدَهُ طَالِبٌ يَفْهَمُ شَيْئًا، أَمَرَهُ بِالسَّفَرِ إِلَى المَشَايخَ بِالبِلَادِ، وَأَحْيَى اللهُ بِهِ حَدِيْثَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَمَنْ سَمِعَ حَدِيْثًا مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ يَسُبُّهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا كَانَ طَلَبُهُمْ حَسَدًا لَهُ؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حِرْصِهِ وَكَثْرَةِ طَلَبِهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الإمَامَ الحَافِظَ أَبَا إِسْحَقَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ مُحَمَّدٍ العِرَاقِيَّ (١)، يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ الحَدِيْثَ فِي "الشَّامِ" كُلِّهِ، إلَّا بِبَرَكَةِ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ؛ فَإِنَّنِي كُلّ مَنْ سَأَلْتُهُ يَقُوْلُ: أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي حَرَّضَنِي، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ المُحَدِّثِيْنَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفُضِّلُ الرِّحْلَةَ للسَّمَاعِ عَلَى الغَزْوِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ. قَالَ: وَكَانَ ﵀ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" وَلَيْلَةَ الخَمِيْسِ بالجَامِعِ أَيْضًا، وَيَجْتَمِعُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَكَانَ يَقْرَأُ وَيَبكِي، وَيُبكِى النَّاسَ بُكَاءً كَثيْرًا، حَتَّى إِنَّ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ مَرَّةً، لَا

стр. 1158

يَكَادُ يَتْرُكَهُ، لِكَثْرَةِ مَا يَطِيْبُ قَلْبُهُ، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ فِيْهِ، وَكَانَ يَدْعُو بَعْدَ فَرَاغِهِ دُعَاءً كَثِيْرًا. وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بنِ نَجَا الوَاعِظَ (١) بِـ"القَرَافَةِ" يَقُوْل عَلَى المِنْبَرِ: قَدْ جَاءَ الإمَامُ الحَافِظُ، وَهُوَ يُرِيْدُ أَنْ يَقْرَأَ الحَدِيْثَ، فَأَشْتَهي أَنْ تَحْضُرُوا مَجْلِسَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبَعْدَهَا أَنْتُمْ تَعْرِفُوْنَهُ، وَيَحْصُلُ لَكُمُ الرَّغْبَةُ، فَجَلَسَ أَوَّل يَوْمٍ وَكُنْتُ حَاضِرًا بِجَامِعِ "القَرَافَةِ" فَقَرَأَ أَحَادِيْثَ بِأَسَانِيْدِهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، وَقَرَأَ جُزْءًا، فَفَرِحَ النَّاسُ بِمَجْلِسِهِ فَرَحًا كَثِيْرًا، فَقَال ابنُ نَجَا: قَدْ حَصَلَ الَّذِي كُنْتُ أُرِيْدُهُ فِي أَوَّل مَجْلِسٍ. وَسَمِعْتُ بَعْضَ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ بِـ"مِصْرَ" بِمَسْجِدِ المَصْنَعِ يَقُوْلُ: إِنَّ النَّاسَ بَكَوا حَتَّى غُشِيَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَال: وَقَال بعْضُ المِصْرِيِّيْنَ: مَا كُنَّا إلَّا مِثْلَ الأمْوَاتِ حَتَّى جَاءَ الحَافِظُ، فَأَخْرَجَنَا مِنَ القُبُوْرِ. وَسَّمِعْتُ الإمَامَ أَبَا الثَنَاءِ مُحْمُوْدَ بنَ هَمَّامٍ الأنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الفَقِيْهِ نَجْمًا -هُوَ الإمَامُ العَالِمُ نَجْمُ بنُ الإمَامِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الإمَامِ أَبي الفَرَجِ الحَنْبَلِيُّ (٢) - يَقُوْل -وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَ الحَافِظِ-: يَا تَقَيَّ الدِّيْنِ، وَاللّهِ لَقَدْ جَمَّلْتَ الإسْلَامَ، وَأُقْسِمُ وَاللهِ، لَوْ أَمْكَنَنِي مَا فَارَقْتُ مَجْلِسًا مِنْ مَجَالِسِكَ. قَالَ الضِّيَاءُ: سَأَلْتُ خَالِيَ الإِمَامَ مُوَفَّقَ الدِّيْنِ عَنِ الحَافِظِ، فَكَتَبَ بِخَطِّهِ -وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ-: كَانَ جَامِعًا لِلْعِلْمِ وَالعَمَلِ، وَكَانَ رَفِيْقِي فِي الصِّبَا، وَفِي طَلَبِ العِلْمِ، وَمَا كُنَّا نَسْتَبِقُ إِلَى خَيْرٍ إلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ إلَّا القَلِيْلَ، وَكَمَّلَ

стр. 1159

اللّهُ فَضِيْلَتَهُ بِابْتِلَائِهِ بِأَذَى أَهْلِ البِدْعَةِ، وَعَدَاوَاتِهِمْ إِيَّاهُ، وَقِيَامِهِمْ عَلَيْهِ، وَرُزِقَ العِلْمَ، وَتَحْصِيْلَ الكُتُبِ الكَثِيْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَمَّرْ حَتَّى يَبْلُغَ غَرَضَهُ فِي رِوَايتِهَا، وَنَشْرِهَا، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ الضِّيَاءُ: وَسَمِعْتُ الإمَامَ الزَّاهِدَ إِبْرَاهِيْمَ بنَ مَحْمُوْدِ بنِ جَوْهَرٍ البَعْلِيَّ (١) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ العِمَادَ (٢) -يَعْنِي أَخَا الحَافِظِ- يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى وَقْتِهِ مِنَ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ. قَال الضِّيَاءُ: كَانَ شَيْخُنَا الحَافِظُ ﵀ لَا يَكَادُ يُضَيِّعُ شَيْئًا مِنْ زَمَانِهِ بِلَا فَائِدَةٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُصلِّي الفَجْرَ، وَيُلَقِّنُ النَّاسَ القُرآنَ، وَرُبَّمَا أقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الحَدِيْثِ، فَقَدْ حَفِظْنَا مِنْهُ أَحَادِيْثَ جَمَّةً تَلْقِيْنًا، ثُمَّ يَقُوْمُ يَتَوَضَّأُ، فَيُصَلِّيَ ثَلَاثَمَائَةَ رَكْعَةً بِالفَاتِحَةِ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ (٣) إِلَى قَبْلِ وَقْتِ الظُّهْرِ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً يَسِيْرَةً إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَشْتَغِلُ إِمَّا بالتَّسْمِيع (٤) لِلْحَدِيْثِ، أَوْ بِالنَّسْخِ إِلَى المَغْرِبِ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا أَفْطَرَ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ إِلَى عِشَاءِ الآخِرَةِ، فَإِذَا صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةِ نَامَ إِلَى نِصفِ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ قَامَ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُوْقِظُهُ، فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي لَحْظَةً

стр. 1160

كَذلِكَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى كَذلِكَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى إِلَى قُرْبِ الفَجْرِ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأ فِي اللَّيْلِ سَبع مَرَّاتٍ أَوْ ثَمَانٍ (١)، أَوْ أَكْثَرَ، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: مَا تَطِيْبُ لِي الصَّلَاةُ إلَّا مَا دَامَتْ أَعْضَائِي رَطْبَةً، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً يَسِيْرَةً إِلَى الفَجْرِ، وَهَذَا دَأَبُهُ، وَكَانَ لَا يَكَادُ يُصَلِّي صَلَاتَيْنِ مَفْرُوْضَتَيْنِ بُوِضُوْءِ وَاحِدٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَافِظَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ غَانِمٍ (٢) بِـ"أَصْبَهَانَ" يَقُوْلُ: كَانَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ عِنْدَنَا، وَكَانَ يَقُوْل لِي: تَعَال حَتَّى نُحَافِظَ عَلَى الوُضُوْءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ الضِّيَاءُ: وَكَانَ يَسْتَعْمِلُ السِّوَاكَ كَثِيْرًا حَتَّى كَأَنَّ أَسْنَانَهُ البَرَدُ. وَسَمِعْتُ أَبَا الثَّنَاءِ مَحْمُوْدُ بنُ سَلَامَةَ الحَرَّانِيُّ (٣) التَّاجِرُ بِـ"أَصْبَهَانَ" غَيْرَ مَرَّةٍ يَقُوْلُ: كَانَ الحَافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ نَازِلًا عِنْدِي بـ"أَصْبَهَانَ"، وَمَا كَانَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إلَّا القَلِيْلَ، بَلْ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ، وَيَبْكِي، حَتَّى رُبَّمَا مَنَعَنَا النَّوْمَ إِلَى
следующие страницы →