← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ نَحْوَ ذلِكَ، وَقَالَ: كَانَ فَقِيْهَ الحَنَابِلَةِ بـ "عُكْبَرَا"، وَالمُفْتِي بِهَا، وَكَانَ خَيِّرًا، وَرِعًا، مُتَزَهِّدًا، نَاسِكًا، كَثِيْرَ العِبَادَةِ، وَكَانَ لَهُ ذِكْرٌ شَائِعٌ فِي الخَيْرِ، وَمَحَلٌّ رَفِيْعٌ عِنْدَ أَهْلِ بَلْدَتِهِ. وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ، وَأَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ بِـ "عُكْبَرَا". رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأَخُوْهُ عَبْدُ اللهِ (١) وَغَيْرُهُمَا، وَسَمِعَ مِنْهُ مَكِّيٌّ الرُّمَيْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ: اِعْجَبْ لِمُحْتَكِرِ الدُّنْيَا وَبَانِيْهَا (٢) … وعَنْ قَلِيْلٍ عَلَى كُرْهٍ يُخَلِّيْهَا دَارٌ عَوَاقِبُ مَفْرُوْحَاتِهَا حَزَنٌ … إِذَا أَعَارَتْ أَسَاءَتْ فِي تَقَاضِيْهَا يَا مَنْ يُسَرُّ بِأَيَّامٍ تَسِيْرُ بِهِ … إِلَى الفَنَاءِ وَأَيَّامٍ يُقَضِّيْهَا قِفْ فِي مَنَازِلِ أَهْلِ العِزِّ مُعْتَبِرًا … وَانْظُرْ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ صَارَ أَهْلُوْهَا صَارُوا إِلَى جَدَثٍ قَفْرٍ مَحَاسِنُهُمْ … عَلَى الثَّرَى وَدَوِيُّ (٣) الدُوْدِ يَعْلُوْهَا

стр. 212

١٩ - طَاهِرُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ القَوَّاسِ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ

стр. 213

الزَّاهِدُ الوَرِعُ، أَبُو الوَفَاءِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي نَصْرِ بنِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَضْلِ القَطَّانِ، وَأَبِي سَهْلٍ العُكْبَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَهَ أَوَّلًا عَلَى القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ" للفَتْوَى وَالمُنَاظَرَةِ (١)، وَكَانَ يُلْقِي المُخْتَصَرَاتِ مِنْ تَصَانِيْفِ شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى دَرْسًا، وَيُلْقِي مَسَائِلَ الخِلَافِ دَرْسًا، وَكَانَ إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي العِبَادَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالوَرَعِ. ذَكَرَ ابنُ نَاصِرٍ أَنَّهُ كَانَ زَاهِدَ وَقْتِهِ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (٢). وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: مِنْ أَعْيَانِ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ وَزُهَّادِهِمْ، كَانَ قَدِ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ، وَاعْتَكَفَ فِي بَيْتِ اللهِ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ يُوَاصِلُ الطَّاعَةَ لَيْلَهُ بِنَهَارِهِ، وَكَانَ قَارِئًا للقُرْآنِ، فَقِيْهًا، وَرِعًا، خَشِنَ العَيْشِ - انْتَهَى كَلَامُهُ - وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ (٣). ذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ فِي تَرْجَمَةِ صَاحِبِهِ أَبِي الفَضْلِ

стр. 214

ابنِ العَالِمَةِ الإِسْكَافِيِّ المُقْرِئِ (١): أَنَّهُ كَانَ يَحْكِي مِنْ كَرَامَاتِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ أَشْيَاءَ عَجِيْبَةً. مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ مَعِي رَغِيْفَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَعْبُرُ - يَعْنِي فِي السَّفِيْنَةِ - بِرَغِيْفٍ، وَأَمْشِي إِلَى مَسْجِدِ الشَّيْخِ فَأَقْرَأُ، ثُمَّ أَعُوْدُ مَاشِيًا إِلَى ذلِكَ المَوْضِعِ، فَأَنْزِلُ بِالرَّغِيْفِ الآخَرِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ (٢) يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَعْطَيْتُ المُلَّاحَ الرَّغِيْفَ فَرَمَى بِهِ وَاسْتَقَلَّهُ، فَأَلْقَيْتُ إِلَيْهِ الرَّغِيْفَ الآخَرَ، وَتَشَوَّشَ قَلْبِي لِمَا جَرَى، وَجِئْتُ الشَّيْخَ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ عَادَتِي، وَقُمْتُ عَلَى العَادَةِ، فَقَالَ لِي: قِفْ - وَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ قَطُّ بِذلِكَ - ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ وَطَائِهِ قُرْصًا فَقَالَ لِي: أُعْبُرْ بِهَذَا، فَلَحِقَنِي مِنْ ذلِكَ أَمْرٌ بَانَ عَلَيَّ. وَمَضَيْتُ فَعَبَرْتُ بِهِ، وَكَانَ ابنُ العَالِمَةِ - هَذَا - قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ. وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ": كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ يُفْتِي وَيَعِظُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ الفِقْهَ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَكَانَ زَاهِدًا، أَمَّارًا بِالمَعْرُوْفِ، نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، أَقَامَ فِي مَسْجِدِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي العِبَادَةِ وَخُشُوْنَةِ العَيْشِ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ بنَ المُبَارَكِ الحَافِظَ يَقُوْلُ: سَأَلَ وَاحِدٌ أَبَا الوَفَاءِ بنَ القَوَّاسِ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي حَلْقَتِهِ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ"،

стр. 215

وَكَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ قَدْ رَأَى السَّائِلَ فِي الحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ، مَكْشُوْفَ العَوْرَةِ، فَقَال لَهُ: لَا أُجِيْبُكَ عَنْ مَسْأَلَتَكَ حَتَّى تَقُوْمَ هَهُنَا فِي وَسَطِ الحَلْقَةِ، وَتَخْلَعَ قَمِيْصُكَ وَسَرَاوِيْلُكَ، وَتَقِفُ عُرْيَانًا، فَقَالَ السَّائِلُ: يَا سَيِّدِنَا، أَنَا أَسْتَحْيِيْ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، فَهَؤُلَاءِ الحُضُوْرُ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الَّذِيْنَ كَانُوا فِي الحَمَّامِ، وَدَخَلْتَ مُكَشَفًا بلَا مِئْزَرٍ، أَيْشٍ الفَرْقُ بَيْنَ جَامِعِ المَنْصُوْرِ وَالحَمَّامِ؟ فَاسْتَحْيَى الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًا طَوِيْلًا فِي النَّهْيِ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَأَجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ. وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ حَسَنَ الفَتْوَى، مُتَوَسِّطًا فِي المُنَاظَرَة فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، إِمَامًا فِي الإِقْرَاءِ، زَاهِدًا، شُجَاعًا، مِقْدَامًا، مُلَازِمًا لِمَسْجِدِهِ، يَهَابُهُ المُخَالِفُوْنَ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ (١)، وَحَضَرَهُ أَصحَابُ الشَّافِعِيِّ - عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَجُمُوْعِهِمْ - فِي فَوْرَةِ أَيَّامِ القُشَيْرِيِّ (٢) وَقُوَّتِهِمْ بِنِظَامِ المُلْكِ حَضَرَ، فَلَمَّا بَلَغَ الأَمْرُ إِلَى تَلْقِيْنِ الحَفَّارِ قَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُلَقِّنَهُ أَنَا، فَهَذَا كَانَ عَلَى مَذْهَبَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ وَابنَ أَمَتِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْكَ

стр. 216

مَلَكَانَ فَظَّانِ غَلِيْظَانِ فَلَا تَجْزَعْ وَلَا تُرَعْ، فَإِذَا سَأَلَاكَ فَقُلْ: رَضِيْتُ باللهِ رَبًّا، وَبالإِسْلَامِ دِيْنًا، لَا أَشْعَرِيٌّ، وَلَا مُعْتَزِليٌّ، بَلْ حَنْبَلِيٌّ سُنِّيٌّ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، وَلَوْ تَكَلَّمَ أَحَدٌ لَفَضَخَ رَأْسَهُ أَهْلُ "بَابِ البَصْرَةِ" (١)، فَإنَّهُمْ كَانُوا حَوْلَهُ قَدْ لَقَّنَ أَوْلَادَهُم القُرْآنَ وَالفِقْهَ، وَكَانَ فِي شَوْكَةٍ وَمَنَعَةٍ، غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِمْ؛ لأَنَّهُ أُمَّةٌ فِي نَفْسِهِ. حَدَّثَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُم عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَعَلِيُّ بنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَالقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ (٢)، وَغَيْرُهُمْ.

стр. 217

وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ بِدَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَيْرُ قَبْرِ الشَّرِيْفِ (١). قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَيُّوْبِيُّ بِـ "القَاهِرَةِ" وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَ أَبُو العَزِّ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي القَاسِمِ بنِ الخُرَيْفِ (٢) (أَنَا) القَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي، أَخْبَرَنَا

стр. 218

أَبُو الوَفَاءِ بنُ القَوَّاسِ (أَنَا) أَبُو سَهْلٍ العُكْبَرِيُّ (ثَنَا) إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ الخِرَقِيُّ (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَابُوْرَ (ثَنَا) إِسْحَقُ بنُ إِسْرَائِيْلَ (ثَنَا) الفَضْلُ بنُ حَرْبٍ البَجَلِيُّ (ثَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ بديلٍ، عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ، وَإِنَّ حِلْيَةَ القُرْآنِ الصَّوْتُ الحَسَنُ". ذَكَرَ أَبُو الحَسَنِ بنُ البَنَّاءِ فِي كِتَابِ "أَدَبِ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ": أَنَّهُ حَدَثَ فِي زَمَانِهِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ: هَلْ يَجُوْزُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى المُحَدِّثِ الثِّقَةِ كِتَابٌ، ذَكَرَ أنَّهُ سَمَاعُهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ خَطُّ يَشْهَدُ بِهِ مِنْ شَيْخٍ وَلَا غَيْرِهِ؟ وَأَنَّ فُقَهَاءَ عَصْرِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذلِكَ وَكَتَبُوا بِهِ خُطُوْطَهُمْ، وَذَكَرَ خَلْقًا مِمَّنْ أَفْتَى بِذلِكَ، أَوَّلُهُم أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: الخَطُّ عَادَةٌ مُحْدَثَةٌ، اسْتَظْهَرَهَا المُحَدِّثُوْنَ مِنْ غَيْرِ إيْجابٍ لَهَا. وَكَتَبَ أَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ تَحْتَ خَطِّهِ جَوَابِي مِثْلُهُ. قَالَ ابنُ البَنَّاءِ: وَكَتَبْتُ أَنَا: المُحَدِّثُ الثِّقَةُ القَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذلِكَ، وَلَوْ رَأَوا سَمَاعَهُ فِي كِتَابٍ، حَتَّى يَقُوْلَ المُحَدِّثُ: مَا سَمِعْتُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ، وَالسَّلَفُ ﵃ عَلَى هَذَا، كَانُوا يُحَدِّثُوْنَ (١) بالأَحَادِيْثِ وَأَكْثَرُهُمْ يَذْكُرُهَا مِنْ حِفْظِهِ، وَيَسْمَعُوْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوا خَطَّ مَنْ حَدَّثَهُمْ بِهِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الشَّرِيْفَ الأجَلَّ أَبَا جَعَفَرِ بنِ أَبِي مُوْسَى (٢) كَذلِكَ أَفْتَى. وَذَكَرَ أَجْوِبَةً كَثِيْرَةً مِنْهَا جَوَابُ ابنِ القَوَّاسِ، وَلَفْظُهُ: الظَّاهِرُ العَدَالَةِ،

стр. 219

يُقْنَعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلَا يُطَالَبُ بِخَطِّ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ مِنْ شُيُوْخِهِ، وَكَتَبَهُ ابنُ القَوَّاسِ الحَنْبَلِيُّ. وَذَكَرَ مِثْلَ ذلِكَ عَنْ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ (١)، وَأَبي نَصْرِ بنِ الصَّبَّاغِ (٢)، وَأَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ (٣) وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ فِيْمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الفُقَهَاءَ وَالمُحَدِّثِيْنَ اتَّفَقُوا عَلَى السَّمَاعِ بِذلِكَ، مِنْهُمْ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الصُّوْرِيُّ (٤) قَالَ:

стр. 220

وَامْتَنَعَ مِنَ السَّمَاعِ بِذلِكَ نَفَرٌ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ فُقَهَاءِ العَصْرِ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ العُلَمَاءِ، وَالمُتَأَخِّرِيْنَ البُلَغَاءِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي المَائَةِ السَّابِعَةِ مِثْلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" لَمَّا قَالَ القَاسِمُ الإِرْبِلِيُّ (١):

стр. 221

سَمِعْتُهُ مِنَ المُؤَيَّدِ الطُوْسِيِّ (١)، فَقُبِلَ ذلِكَ مِنْهُ، وَسُمِعَ عَلَيْهِ الكِتَابُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الحُفَّاظُ وَالفُقَهَاءُ، وَأَفْتَى بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَاضِي القُضَاةِ شَمْسُ الدِّيْنِ بنُ أَبي عُمَرَ المَقْدِسِيُّ. ٢٠ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنِ أَحْمَدَ (٢) بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ جَلَبَةَ، البَغْدَادِيُّ، ثُمَّ

стр. 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 223

لحَرَّانِيُّ الجَزَّارُ، أَبُو الفَتْحِ، قَاضِي "حَرَّانَ"، اشْتَغَلَ بِـ "بَغْدَادَ"، وَتَفَقَّهَ بِهَا عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ البُرْقَانِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ العُشَارِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ العُكْبَرِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَغيْرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ "حَرَّانَ" (١) وَصَحِبَ بِهَا الشَّرِيْفَ أبَا القَاسِمِ الزَّيْدِيَّ (٢)، وَأَخَذَ عَنْهُ، وَتَوَلَّى بِهَا القَضَاءَ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: بَغْدَادِيٌّ سَكَنَ "حَرَّانَ" وَوَلِيَ بِهَا القَضَاءَ، وَعَمِلَ المَظَالِمَ، وَكَانَ فَقِيْهًا وَاعِظًا فَصِيْحًا. وَذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ فِي "الطَّبَقَاتِ"

стр. 224

وَنَسَبَهُ إِلَى "حَرَّانَ"، وَرَأَيْتُ [بِخَطِّ نَفْسِهِ] (١) في نَسَبِهِ "الحَرَّانِيَّ". قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَقَدِمَ "بَغْدَادَ" مِنْ ثَغْرِ "حَرَّانَ" قَاصِدًا لِمَجْلِسِ الوَالِدِ، وَطَالِبًا لِدَرْسِ الفِقْهِ عَلَيْهِ، فَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ كَثِيْرًا مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَكَانَ يَلِي قَضَاءَ "حَرَّانَ" مِنْ قِبَلِ الوَالِدِ، كَتَبَ لَهُ عَهْدًا بِوِلَايَةِ القَضَاءِ بِـ "حَرَّانَ"، وَكَانَ نَاشِرًا لِلْمَذْهَبِ، دَاعِيًا إِلَيْهِ، وَكَانَ مُفْتِي "حَرَّانَ" وَوَاعِظَهَا وَخَطِيْبَهَا وَمُدَرِّسَهَا. قُلْتُ: وَلَهُ تَصَانِيْفُ كَثِيْرَةٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَمْدَانَ (٢): اخْتَصَرَ "المُجَرَّدَ" وَلَهُ: "رُءُوْسُ مَسَائِلَ" وَ"أُصوْلُ فِقْهٍ" وَ"أَصوْلُ دِيْنٍ". وَلَهُ أَيْضًا - مِمَّا لَمْ يَذْكُرُهُ ابنُ حَمْدَانَ - كِتَاب "النِّظَامِ بِخِصَالِ الأَقْسَامِ". وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: هِبَةُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ الشِّيْرَازِيُّ، وَمَكِّيُّ الرُّمَيْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي زَمَانِهِ كَانَتْ "حَرَّانُ" لِمُسْلِمِ بنِ قُرَيْشٍ (٣) صَاحِبِ "المَوْصِلِ"، وَكَانَ رَافِضِيًّا، فَعَزَمَ القَاضِي أَبُو الفَتْحِ عَلَى تَسْلِيْمِ

стр. 225

"حَرَّانَ" إِلَى "جَبَقَ" (١) أَمِيْرِ التُّرْكُمَانَ؛ لِكَوْنِهِ سُنِّيًّا، فَأَسْرَعَ ابنُ قُرَيْشٍ إِلَى "حَرَّانَ" وَحَصَرَهَا، وَرَمَاهَا بِالمَنْجَنِيْقِ، وَهَدَمَ سُوْرَهَا، وَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَتَلَ القَاضِي أَبَا الفَتْحِ وَوَلَدَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَلَبَهُمْ عَلَى السُّوْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَقُبُوْرُهُمْ ظَاهِرَةٌ، بِـ "حَرَّانَ" تُزَارُ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ. أَنْبَأَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ المَقْدِسِيِّ (٢)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَكِّيٍّ الحَاسِبِ (أَنَا) جَدِّي أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ السِّلَفِيِّ، قَالَ: (أَنَا) أَبُو الفَتْحِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَامِدٍ الأَسَدِيُّ الحَرَّانِيُّ بِـ "مَاكِسِيْنَ" - وَكانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَهَا - قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ العُشَارِيُّ مِنْ "بَغْدَادَ"، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ أَبُو الفَتْحِ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَحْمَدَ بنِ جَلَبَة

стр. 226

القَاضِي بِـ "حَرَّانَ" إِمْلَاءً (ثَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الدَّقَّاقُ (ثَنَا) الحُسَيْنُ بنُ صفْوَانَ البَرْذَعِيُّ (١) (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدٍ القُرَشِيُّ، (ثَنِي) مُحَمَّدُ بنُ بَشِيْرٍ، (ثَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ جَرِيْر، (ثَنَا) أَبُو حَازِم، عَن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : "مَنْ اتَّقَى اللهَ تَعَالَى كَلَّ لِسَانُهُ وَلَم يَشْفِ غَيْظَهُ" (٢). ذَكَرَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ تَيْمِيَّةَ فِي أَوَّلِ "شَرْحِ العُمْدَةِ" (٣): أَنَّ أَبَا الفَتْحِ بنَ جَلَبَةَ كَانَ يَخْتَارُ اسْتِحْبَابَ مَسْحِ الأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيْدٍ، بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ. وَهُوَ غَرِيْبٌ جِدًّا. وَذَكَرَ ابنُ حَمْدَانَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الحَقُّ أَنَّ الحُرُوْفَ

стр. 227

كُلَّهَا قَدِيْمَةٌ، وَتَرْكِيْبِهَا فِي غَيْرِ القُرْآنِ مُحْدَثٌ إِنْ قُلْنَا: اللُّغَةُ اصْطِلَاحٌ، وَإِنْ قُلْنَا: تَوْقِيْفٌ، فَقَدِيْمَةٌ. قَالَ يَحْيَى بنُ مَنْدَه فِي "مَنَاقِبِ الإِمَامِ": وَجَدْتُ بِخَطِّ المُؤْتَمِنِ البَغْدَادِيِّ الشَّيْخِ، الصَّالِحِ الثِّقَةِ، المُتَدَيِّنِ ﵀ قَالَ: قَالَ أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ البَغْدَادِيُّ: أَخْرَجَ إِلَيَّ أَبُو الفَتْحِ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَحْمَدَ الحَرَّانِيُّ صَاحِبُنَا هَذِهِ الأَبْيَات، قَالَ: وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ "المِصْبَاحِ"، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مَنْصُوْرٍ الفَقِيْهُ لأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ ﵀: يَا طَالِبَ العِلْمِ، صَارِمْ كُلَّ بَطَّالِ … وَكُلَّ غَادٍ إِلَى الأَهْوَاءِ مَيَّالِ وَاعْمَلْ بِعِلْمِكَ سِرًّا أَوْ عَلَانِيةً … يَنْفَعْكَ يَوْمًا عَلَى حَالٍ مِنَ الحَالِ وَلَا تَمِيْلَنَّ يَا هَذَا إِلَى بِدَعٍ … تُضِلُّ أَصْحَابَهَا بِالقِيْلِ وَالقَالِ خُذْ مَا أَتَاكَ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ أَثَرٍ … شِبْهًا بِشِبْهٍ وَأَمْثَالًا بِأَمْثَالِ أَلَا فَكُنْ أَثَرِيًّا خَالِصًا فَهِمًا … تَعِشْ حَمِيْدًا وَدَعْ آرَاءَ ضُلَّالِ وقَدْ رَوَى هَذِهِ الحِكَايَةَ ابنُ النَّجَّارِ (١) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ، عَنِ القَاضِي أَبي يَعْلَى، قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيَّ أَبُو الفَتْحِ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَحْمَدَ هَذِهِ

стр. 228

الأَبْيَاتِ قَالَ: وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ "المِصْبَاحِ" قَالَ: أَنْشَدَنِي عَلِيُّ بنُ مَنْصُوْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ. "جَلَبَةُ" [بِفَتْحِ الجيْمِ وَاللَّامِ وَالبَاءِ المُوَحَّدَةِ، قَيَّدَهُ ابنُ نُقْطَةَ وَغَيْرُهُ] (١). ٢١ - عَبْدُ اللهِ بنُ عَطَاءِ (٢) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي مَنْصُوْرِ بنِ الحَسَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الإِبْرَاهِيْمِيُّ، الهَرَوِيُّ، المُحَدِّثُ الحَافِظُ، أَبُو مُحَمَّدٍ، أَحَدُ الحُفَّاظِ المَشْهُوْرِيْنَ الرَّحَّالِيْنَ، سَمِعَ بـ "هَرَاةَ" مِنْ عَبْدِ الوَاحِدِ المَلِيْحِيِّ (٣)، وَشَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ،

стр. 229

وَبِـ "بُوْشَنْجَ" (١) مِنْ أَبِي الحَسَنِ الدَّاوُدِيِّ، وَبِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ أَبِي القَاسِمِ القُشَيْرِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ النُّمَيْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِـ "بَغْدَادَ" مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ النَّقُّوْرِ وَطَبَقَتِهِ، وَبِـ "أَصْبَهَانَ" مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الوَهَّابِ ابْنَيْ مَنْدَه، وَجَمَاعَةٍ. وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الكَثِيْرَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ للشُّيُوْخِ، وَحَدَّثَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الخَيَّاطِ، وَأَبُو بَكْرِ بنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ: أَبُو المَعَالِي بنُ النَّحَّاسِ، وَوَثَّقَهُ طَائِفَةٌ مِنْ حُفَّاظِ وَقْتِهِ فِي الحَدِيْثِ، مِنْهُمْ المُؤْتَمِنُ السَّاجِيُّ. وَقَالَ شَهْرَدَارُ الدَّيْلَمِيُّ (٢) عَنْهُ: كَانَ صَدُوْقًا حَافِظًا، مُتْقِنًا، وَاعِظًا، حَسَنَ التَّذْكِيْرِ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَنْدَه: كَانَ أَحَدَ مَنْ يَفْهَمُ الحَدِيْثَ، وَيَحْفَظُ، صَحِيْحَ النَّقْلِ، كَثِيْرَ الكِتَابَةِ، حَسَنَ الفَهْمِ، وَكَانَ وَاعِظًا، حَسَنَ التَّذْكِيْرِ. وَقَالَ خَمَيْسٌ الحَوْزِيُّ (٣): رَأَيْتُهُ بِـ "بَغْدَادَ" مُلْتَحِقًا بِأَصْحَابِنَا، وَمُتَخَصِّصًا

стр. 230

بِالحَنَابِلَةِ، يُخَرِّجُ لَهُمْ الأَحَادِيْثَ المُتَعَلِّقَةِ بِالصِّفَاتِ، وَيَرْوِيْهَا لَهُمْ، وَأَضْدَادُهُ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ يَقُوْلُوْنَ: هُوَ يَضَعُهَا، وَمَا عَلِمْتُ فِيْهِ ذلِكَ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ - انْتَهَى -.

стр. 231

وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِ هَبَةُ اللهِ السَّقَطِيُّ (١)، وَالسَّقْطِيُّ مَجْرُوْحٌ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيْهِ مُقَابَلَةَ هَؤلَاءِ الحُفَّاظِ، وَقَدْ رَدَّ كَلَامَهُ فِيْهِ ابنُ السَّمْعَانِي وَابْنُ الجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَخَرَّجَ الإِبْرَاهِيْمِيُّ شُيُوْخَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَتَرْجَمَهُمْ (٢).

стр. 232

وَتُوُفِّيَ فِي طَرِيْقِ "مَكَّةَ" بَعْدَ عَوْدَهِ مِنْهَا، عَلَى يَوْمَيْنِ مِنَ "البَصْرَةِ" سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٢٢ - أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ (١) بن عَبْدِ اللهِ المُقْرِئُ، الصُّوْفِيُّ، المُؤَدِّبُ، أَبو الخَطَّابِ البَغْدَادِيُّ. ولِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ (٢) وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، قَرَأَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ وَغَيْرِهِ. تَلَا عَلَى الحَمَّامِيِّ المَذْكُوْرِ بِالسَّبْعِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيْر (٣)، مِنْهُمْ

стр. 233

أَبُو الفَضْلِ بنُ المُهْتَدِي، وَهِبَةُ اللهِ بنُ المُجْلِي (١)، وَغَيْرُهُمَا. وَرَوَى عَنْهُ الحَدِيْثَ أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي (٢) وَغَيْرُهُ. وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي السَّبْعَةِ، وَقَصِيْدَةٌ فِي السُّنَّةِ، رَوَاهَا عَنْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَصِيْدَةٌ فِي عَدَدِ الآيِ (٣)، وَكَانَ مِنْ شُيُوْخِ الإِقْرَاءِ بِـ "بَغْدَادَ" المَشْهُوْرِيْنَ بِتَجْوِيْدِ القِرَاءَةِ وَتَحْسِيْنِهَا. تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاء سَادِسَ عِشْرِي (٤) رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ". أُنْبِئْتُ عَنْ القَاضِي أَبِي الفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَن بنِ أَبِي عُمَرَ المَقْدِسِيِّ، (أَثَنَا) عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَبَرْزَد، (أَثَنَا) أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ المُقْرِئُ، قَالَ: (أَثَنَا) أَبُو الخَطَّابِ الصُّوْفِيُّ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ عَادَتِي أَنْ لَا أُرَجِّعَ فِي الأَذَانِ، وَلَا أَقْنِتُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ، غَيْرَ أَنَّنِي أَجْهَرُ بِـ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيْمِ"، وَكَانَ عَادَتِي أَيْضًا لَيْلَةَ الغَيْمِ أَنْوِي مِنْ رَمَضَانَ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْالِي رَأَيْتُ

стр. 234

كَأَنَّنِي في دَارٍ حَسَنَةٍ جَمِيْلَةٍ، وَفِيْهَا مِنْ الغِلْمَانِ وَالخَدَمِ وَالجُنْدِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَهُمْ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَالدَّخْلُ وَالخَرْجُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَإِذَا رَجُلٌ بَهِيٌّ، شَيْخٌ عَلَى سرِيْرٍ، وَالنُّوْرُ عَلَى وَجْهِهِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى رَأْسِهِ (١) تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعٌ بِالجَوْهَرِ، وَثِيَابٌ خُضْرٌ تَلْمَعُ، وَكَانَ إِلَى جَنْبِي رَجُلٌ مُمَنْطَقٌ يُشْبِهُ الجُنْدَ، فَقُلْتُ لَهُ: بِاللهِ هَذَا المَنْزِل لِمَنْ؟ قَال لِمَنْ ضُرِبَ بِالسَّوْطِ حَتَّى يَقُوْلَ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ، قُلْتُ أَنَا فِي الحَالِ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ؟ قَال: هُوَ ذَا، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ فِي نَفْسِي أَشْيَاءٌ كَثِيْرَةٌ، أَشْتَهِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا، وَكَانَ عَلَى سَرِيْرٍ، وَحَوْلَ السَّرِيْرِ خَلْقٌ قِيَامٌ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ، وَسَلْ عَمَّا تُرِيْدُ، فَمَنَعَنِي الحَيَاءُ مِنَ الجُلُوْسِ، فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِيْ عَادَتِي لَا أُرَجِّعُ فِي الأَذَانِ، وَلَا أَقْنِتُ فِي صَلَاةِ الفَجَرِ، غَيْرَ أَنَّنِي أَجْهَرُ بِـ "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ" وَأَخْشَعُ، فَقَال بِصَوْتٍ رَفِيْعٍ عَالٍ (٢): أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَتْقَى مِنْكَ وَأَخْشَعُ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا بِقِرَاءَتِهَا، فَقُلْتُ: عَادَتِي لَيْلَةَ الغَيْمِ أَصُوْمُ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، فَقَال: اعْتَقِدْ مَا شِئْتَ مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ تُدِيْنُ اللهَ بِهِ، وَلَا تَكُنْ مَعْمَعِيًّا، وَأَنَا أَرْعُدُ، فَلَمَّا أَصْبَحتُ أَعْلَمْتُ مَنْ يُصَلِّي وَرَائِي بِمَا رَأَيْتُ، وَلَمْ أَجْهَرْ بَعْدُ، وَدَعَانِي ذلِكَ إِلَى أَنْ قُلْتُ هَذِهِ القَصِيْدَةَ وَهِيَ: حَقِيْقَةُ إِيْمَانِي أَقُوْلُ لِتَسْمَعُوا … لَعَلِّي بِهِ يَوْمًا إِلَى اللهِ أَرْجِعُ بِأَنْ لَا إِلَهَ غَيْرَ ذِيْ الطَّوْلِ وَحْدَهُ … تَعَالَى بِلَا مِثْلٍ لَهُ الخَلْقُ خُضَّعُ

стр. 235

وَلَيْسَ بِمَوْلُوْدٍ وَلَيْسَ بِوَالِدٍ … يَرَى مَا عَلَيْهِ الخَلْقُ طُرًّا وَيَسْمَعُ وَذَكَرَ أَبْيَاتًا إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَنَّ كِتَابَ اللهِ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ … عَلَى أَلْسُنٍ تَتْلُو وَفِي الصَّدْرِ يُجْمَعُ وَمَا كَتَبَ الحُفَّاظُ فِي كُلِّ مُصْحَفٍ … كَذلِكَ إِنْ أَبْصَرْتَ أَوْ كُنْتَ تَسْمَعُ وَلِلْجَبَلِ الرَّحْمَنُ لَمَّا بَدَا لَهُ … تَدَكْدَكَ خَوْفًا كَالشَّظَى يَتَقَطَّعُ وَكَلَّمَ مُوْسَى رَبَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ … عَلَى الطُّوْرِ تَكْلِيْمًا فَمَا زَالَ يَخْضَعُ وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الاعْتِقَادِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَنْ مَذْهَبِي إِنْ تَسْأَلُوا فَابْنُ حَنْبَلٍ … بِهِ أَقْتَديْ مَا دُمْتُ حَيًّا أُمَتَّعُ وَذَاكَ لأَنِّي فِي المَنَامِ رَأَيْتُهُ … يَرُوْحُ وَيَغْدُو فِي الجِنَانِ وَيَرْتَعُ وَفِي مَنْزِلٍ بُنْيَانُهُ غَيْرُ مُشْبِهٍ … لِبُنْيَانِ ذِي الدُّنْيَا وَفِي العَيْن أَوْسَعُ وَفِيْهِ مِنَ الأَصْحَابِ مَا لَا أَعُدُّهُمْ … وَحُوْرٌ وَوِلْدَانٌ بِهِمْ يَتَمَتَّعُ وَفِيْهِ بُيُوْتٌ مَا اسْتَدَارَ (١) مُنِيْرَةٌ … زَرَابِيُّهَا مَبْثُوْثَةٌ فِيْهِ تَلْمَعُ وَكَانَ إِلَى جَنْبِي نَقِيْبٌ مُمَنْطَقٌ … عَلَيْهِ ثِيَابٌ مِسْكُهَا يَتَضَوَّعُّ فَقُلْتُ لَهُ باللهِ ذَا المَنْزِلُ الَّذِي … أَرَاهُ لِمَنْ قُلْ لِي فَإِنِّي مُرَوَّعُ فَقَالَ وَلَا تَدْرِي فَقُلْتُ وَكَيْفَ لِي … بِعِلْمٍ إِلَيْهِ أَنْتَ أَهْدَى وَأَسْرَعُ فَقَالَ لِمَنْ بِالسَّوْطِ يُضْرَبُ تَارَةً … لِيَرْجِعَ فِي الأُخْرَى وَمَا فِيْهِ مَطْمَعُ يَقُوْلُ كَلَامُ اللهِ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ … وَلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ فَمَا شِئْتُمُ اصْنَعُوا فَقُلْتُ لَهُ فِي الحَالِ ذَاكَ ابنُ حَنْبَلٍ … إِمَامٌ تَقِيٌّ زَاهِدٌ مُتَوَرِّعُ

стр. 236

وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَيْهِ فَدُلَّنِي … فَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ إِلَيْهِ تُسَرِّعُ فَأَوْمَى إِلَيْهِ فَالْتَفَتُّ إِذَا بِهِ … عَلَى سُدَّةٍ مِنْ وَجْهِهِ النُّوْرُ يَسْطَعُ وَمِنْ سُنْدُسٍ أَثْوَابُهُ فِي اخْضِرَارِهَا … عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ بِدُرٍّ مُرَصَّعُ وَمَنْ حَوْلِهِ وُلْدٌ صِبَاحٌ وَغِلْمَةٌ … تُوَاصِلُ بِالكَاسَاتِ قَوْمًا وَتَقْطَعُ أَشَارَ بِأَطْرَافِ البَنَانِ تَعَطُّفًا … أَنِ اقْرُبْ فَقُلْ مَا شِئْتَهُ مِنْكَ نَسْمَعُ فَأَوْمَى أَنِ اجْلِسْ فَامْتَنَعْتُ مَهَابَةً … وَدَاخَلَنِي رُعْبٌ وَعَيْنَايَ تَدْمَعُ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَزْهَدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ … عَلَيْكَ اعْتِمَادِيْ دُلَّنِي كَيْفَ أَصْنَعُ طُبِعْتُ عَلَى أَشْيَاءَ هُنَّ ثَلَاثَةٌ … وَكُلٌّ عَلَى مَا قَدَّرَ اللهُ يُطْبَعُ فَمِنْهَا إِذَا غُمَّ الهِلَالُ لِلَيْلَةٍ … صَبِيْحَتُهَا عَشْرٌ وَعِشْرُوْنَ تَتْبَعُ أَصُوْمُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ ابنُ حَنْبَلٍ … فَلَلصَّوْمِ خَيْرٌ مِنْ سِوَاهُ وَأَنْفَعُ وَعِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَسْتُ بِقَانِتٍ … وَعِنْدَ نِدَائِي عَادَتِي لَا أُرَجِّعُ وَلَكِنْ إِذَا مَا قُمْتُ للهِ طَائِعًا … أُبَسْمِلُ جَهْرًا فِي الصَّلَاةِ وَأَخْضَعُ فَقَالَ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ (١) سَمِعْتُهُ … صِحَابُ رَسُوْلِ اللهِ أَتْقَى وَأَخْشَعُ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَجْهَرُوا بِقِرَاتِهَا … وَهُمْ قُدْوَةٌ فِي الدِّيْنِ أَيْضًا وَمَفْزَعُ وَأَنْ تَعْتَقِدْ مَا شِئْتَ مِنْ أَيِّ مَذْهَبٍ … بِهِ اللهُ يَرْضَى وَالنَّبِيُّ المُشَفَّعُ وَلَا تَكُ فِيْهِ مَعْمَعِيًّا كَلَاعِبٍ … يَدِيْنُ بِمَا يَهْوَى وَلِلغُرْمِ (٢) يَدْفَعُ فَقُلْتُ لَهُ فِي النَّفْسِ شَيْءٌ أَقُوْلُهُ … أَنَا فِي صِفَاتِ الحَقِّ أَيْضًا مُتَعْتِعُ

стр. 237

فَقَالَ تَعَالَى اللهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ … كَمَا قَالَ شَيْءٌ ثُمَّ لِلذِّكْرِ فَاتْبَعُوا فَمَا كَانَ فِيْهِ مِنْ صِفَاتِ مَلِيْكِنَا … عَلَى الرَّأْسِ وَالعَيْنَيْنِ مَا عَنْهُ مَدْفَعُ وَمَا جَاءَ فِي الأَخْبَارِ عَنْ سَيِّدِ الوَرَى … رَوَتْهُ ثِقَاتٌ عَنْهُ (١) لَا يَتَمَنَّعُّ فَلَيْسَ لِتَرْكِ الحَقِّ عِنْدِيَ رُخْصَةٌ … إِذَا كَانَ جُهَّالٌ لَهُ قَدْ تتَبَّعُوا فَكُنْ حَنْبَلِيًّا تَنْجُ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ … فَأَحْمَدُ عِنْدَ اللهِ فِي الزُّهْدِ أَبْرَعُ وَذَكَرَ بَاقِي القَصِيْدَةَ. ٢٣ - أَحْمَدُ بنُ مَرْزُوْقِ (٢) بنِ عَبْدِ الرَّزِاقِ الزَّعْفَرَانِيُّ (٣)، المُحَدِّثُ أَبُو المَعَالِي. سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِيُّ: كَانَ هَمُّهُ جَمْعَ الحَدِيْثِ وَطَلَبَهُ، حَدَّثَ باليَسِيْرِ عَنْ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ الأَخْضَرِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ العُكْبَرِيِّ، وَأَبِي الفَضْلِ هِبَةِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَزْدِيِّ.

стр. 238

رَوَى عَنْهُ أَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ مُسْتَهَلَّ المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ"، وَكَانَ شَابًّا. انْتَهَى. وهُوَ أَخُو أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ (١) الَّذِي هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الخَطِيْبِ أَبِي بَكْرٍ.

стр. 239

٢٤ - شَافِعُ بنُ صَالِحِ (١) بنِ حَاتِمِ بنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الجِيْلِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ. قَدِمَ

стр. 240

"بَغْدَادَ" بَعْدَ الثَّلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بنِ المَذْهَبِ، وَالعُشَارِيِّ، وَابْنِ غَيْلَانَ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَعَلَيْهِ تَفَقَّهَ، وَكَتَبَ مُعْظَمَ تَصَانِيْفِهِ فِي الأُصُوْلِ وَالفُرُوْعِ، وَدَرَّسَ الفِقْهَ بِمَسْجِدِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ بِـ "دَرْبِ المَطْبَخِ" شَرْقِيَّ "بَغْدَادَ"، وَكَانَ يَؤُمُّ بِهِ أَيْضًا؛ وَخَلَفَهُ أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذلِكَ، حَتَّى عُرِفَ المَسْجِدُ بِهِمْ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنِ الجَوْزِيِّ: كَانَ مُتَعَفِّفًا، مُتَقَشِّفًا، ذَا صَلَاحٍ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ ذَا دِيْنٍ، وَصَلَاحٍ، وَتَعَفُّفٍ، وَتَقَشُّفٍ، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ، صَحِيْحَ الأُصُوْلِ، كَتَبَ التَّصَانِيْفَ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ كُلَّهَا. وَدَرَّسَ الفِقْهَ، وَرَوَى لَنَا عَنْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشْرِيْنَ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٢٥ - عَبْدُ اللهِ بنِ نَصْرٍ الحِجَازِيُّ، (١) أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: سَمِعَ الحَدِيْثَ، وَصَحِبَ الزُّهَّادِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ خَشَنَ العَيْشِ مُتَعَبِّدًا، وَحَجَّ عَلَى قَدَمَيْهِ بِضْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً. وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الأوَّلَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ".

стр. 241

(١) وَفِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ يَوْمُ الأحَدِ سَلْخِ ذِي الحِجَّةِ تُوُفِّيَ. ٢٦ - أَبُو بَكْرٍ (١) مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ (٢) بنِ الحُسَيْنِ بنِ القَيِّمِ الخَزَّازُ الحَرِيْمِيُّ (٣)، الحَنْبَلِيُّ. طَلَبَ الحَدِيْثَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الغَنَائِمِ بنِ المَأْمُوْنِ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَالعُشَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ الحَدِيْثَ وَالفِقْهَ، وَأَظُنُّهُ جَالَسَ القَاضِيَ أَبَا يَعْلَى، وَحَدَّثَ باليَسِيْرِ، سَمِعَ مِنْهُ أَبُو طَاهِرِ بنُ الرَّحْبِيِّ القَطَّانُ، وَأَبُو المَكَارِمِ الظَّاهِرِيُّ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأحَدِ سَلْخِ ذِي الحِجَّةِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. ٢٧ - عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّدِ (٤) بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ جَعْفَرِ بنِ

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 243

مَنْصُوْرِ بنِ مَتَّ الأنْصَارِيُّ، الهَرَوِيُّ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الحَافِظُ، الصُّوْفِيُّ، الوَاعِظُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو إِسْمَاعِيْلَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي أَيُّوبَ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الأَنْصَارِيُّ (١)، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ . وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ. ذَكَرَهُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي كِتَابِ "المَادِحِ وَالمَمْدُوْحِ" وَهُوَ مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ يَتَضَمَّنُ (٢) مَنَاقِبَ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقَ بِهَا، قَالَ: رَأَيْتُهُ فِي "تَارِيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ الكُتْبِيِّ" الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى تَارَيْخِ أَبِي (٣) إِسْحَقَ القَرَّابِ

стр. 244

الحَافِظِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَنْ سِنِّهِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذلِكَ، وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ ابنِ الجَوْزِيِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ (١) فِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر" أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِـ "هَرَاةَ" مِنْ يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ (٢)، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ التَّفْسِيْرِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الأَزْدِيِّ، وَأَبِي

стр. 245

الفَضْلِ الجَارُوْدِيِّ الحَافِظِ، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ الحَدِيْثِ، وَشُعَيْبٍ البُوْشَنْجِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَبِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ أَبِي سَعِيْدٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ المُفَسِّرِ المُقْرِئِ، وَأَبِي الحَسَنِ الطَّرَازِيِّ (١)، وَجَماعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الأَصَمِّ. وَرَأَى القَاضِي أَبَا بَكْرٍ الحِيْرِيَّ (٢)، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُوْلُ: تَرَكْتُهُ للهِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ مَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، ذَكَرَهُ الرُّهَاوِيُّ، عَنْ السِّلَفِيِّ، عَنِ المُؤْتَمِنَ السَّاجِيِّ، عَنْهُ. وَسَمِعَ بـ "طُوْسَ" (٣) وَ"بِسْطَامَ" (٤) مِنْ خَلْقٍ يَطُوْلُ ذِكْرُهُمْ (٥)، وَصَحِبَ الشُّيُوْخَ، وَتَأَدَّبَ بِهِمْ،

стр. 246

وَخَرَّجَ الأمَالِيَ وَالفَوَائِدَ الكَثِيْرَةَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ شُيُوْخِ الرُّوَاةِ، وَأَمْلَى الحَدِيْثَ سِنِيْنَ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ، مِنْهَا: كِتَابُ "ذَمِّ الكَلَامِ" (١) وَكِتَابُ "الفَارُوْقِ" وَكِتَابُ "مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" وَكِتَابُ "مَنَازِلِ السَّائِرِيْنَ" وَكِتَابُ "عِلَلِ المَقَامَاتِ" وَلَهُ كِتَابٌ فِي "تَفْسِيْرِ القُرْآنِ" بِالفَارِسِيَّةِ جَامِعٌ، وَ"مَجَالِسُ التَّذْكِيْرِ" بِالفَارِسِيَّةِ حَسَنَةٌ، وَغَيْرُ ذلِكَ. وَكَانَ سَيِّدًا عَظِيْمًا، وَإِمَامًا، عَالِمًا، عَارِفًا، وَعَابِدًا، زَاهِدًا، ذَا أَحْوَالٍ، وَمَقَامَاتٍ، وَكَرَامَاتٍ، وَمُجَاهَدَاتٍ، كَثِيْرَ السَّهَرِ باللَّيْلِ، شَدِيْدَ القِيَامِ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا، وَالقَمْعِ لِمَنْ خَالَفَهَا، وَجَرَى لَهُ بِسَبَبِ ذلِكَ مَحَنٌ عَظِيْمَةٌ، وَكَانَ شَدِيْدَ الانْتِصَارِ وَالتَّعْظِيْمِ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ أَحْمَدَ بنَ أَبِي غَانِمٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ صَاعِدَ بنَ سَيَّارٍ الحَافِظَ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ الإِمَامَ يَقُوْلُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَحْمَدُ مَذْهَبٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ (٢) فِي كِتَابِهِ "المَنْثُوْرِ مِنَ الحَكَايَاتِ وَالسُّؤَالَاتِ": سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا الحَسَنِ

стр. 247

الجَرْكَانِيَّ (١) الصُّوْفِيُّ وَعَزَمْتُ عَلَى الرُّجُوْعِ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ أَقْصِدَ أَبَا حَاتِمِ بنِ خَامُوْشٍ (٢) الحَافِظَ بِـ "الرَّيِّ"، وَأَلْتَقِيَ بِهِ، وَكَانَ مُقَدَّمَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِـ "الرَّيِّ".

стр. 248

وَذلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُوْدَ بنَ سَبَكْتَكِيْن (١) لَمَّا دَخَلَ "الرِّيَّ" قَتَلَ بِهَا البَاطِنِيَّةَ، وَمَنَعَ سَائِرَ الفِرَقِ الكَلَامَ عَلَى المَنَابِرِ غَيْرَ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ "الرَّيَّ" مِنْ سَائِرِ الفِرَقِ يَعْرِضُ اعْتِقَادِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَضيَهُ أَذِنَ لَهُ فِي الكَلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا مَنَعَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنَ "الرَّيِّ" كَانَ مَعِيَ فِي الطَّرِيْقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا فَسَأَلَنِي عَنْ مَذْهَبِي؟ فَقُلْتُ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: مَذْهَبٌ مَا سَمِعْتُ بِهِ، وَهَذِه بِدْعَةٌ، وَأَخَذَ بِثَوْبِي، وَقَالَ: لَا أَفُارِقُكَ حَتَّى أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي حَاتِمٍ، فَقُلْتُ: خَيْرَةٌ - فَإِنِّي كُنْتُ أَتْعَبُ إِلَى أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِ - فَذَهَبَ بِي إِلَى دَارِهِ - وَكَانَ ذلِكَ اليَوْمِ مَجْلِسٌ عَظِيْمٌ - فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، هَذَا الرَّجلُ الغَرِيْبُ سَأَلْتُهُ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَذكَرَ مَذْهَبًا لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَطُّ، قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: دَعْهُ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكْنُ حَنْبَلِيًّا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، فَقُلْتُ: الرَّجُلُ كَمَا وُصِفَ لِي، وَلَزِمْتُهُ أَيَّامًا وَانْصَرَفْتُ، وَإِنَّمَا عَنَى أَبُو حَاتِمٍ فِي الأُصُوْلِ. وَذَكَرَ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الصَّايغُ (٢)، سَمِعْتُ عَبْدَ الجَبَّارِ بنَ أَبِي الفَضْلِ الصَّيْرَفِيَّ، سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ

стр. 249

يَقُوْلُوْنَ: شَيْخُ الإِسْلَامِ (١) أَبَا إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: فَذَكَرَ أَبْيَاتًا بالفَارِسِيَّةِ تَفْسِيْرُهَا بالعَرَبِيَّةِ: إِلَهَنَا مَرْئِيٌّ عَلَى العَرْشِ مُسْتَوٍ كَلَامُهُ أَزَلِيٌّ رَسُوْلُهُ عَرَبِيٌّ كُلُّ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا أَشْعَرِيٌّ مَذْهبُنَا مَذْهَبٌ حَنْبَلِيٌّ قَالَ عَبْدُ القَادِرِ: سَمِعْتُ أَبَا عَرُوْبَةَ عَبْدَ الهَادِي بنَ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ (٢) بِـ "سِجِسْتَانَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلَامِ أَبَا نَصْرٍ هِبَةَ اللهِ بنَ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ فَاخِرٍ يَقُوْلُ: قَالَ لِي شَيْخُ الإِسْلَامِ - يَعْنِي الأَنْصَارِيَّ - كَيْفَ تَفْعَلُوْنَ فِي القُنُوْتِ؟ قُلْتُ: أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَقْنِتُ فِي الوِتْرِ، قَالَ: وَمَا قَالَ لَكَ: لَا تَقْنِتُ فِي الصُّبْحِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا أَنْصَفَكَ. وَذَكَرَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ المَذْكُوْرِ قَالَ: سَمِعْتُ الإِمَامَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يُنْشِدُ عَلَى المِنْبَرِ فِي يَوْمِ مَجْلِسِهِ بـ "هَرَاةَ": أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَحَنْبَلُوا وَلِشَيْخِ الإِسْلَامِ قَصِيْدَةٌ نُوْنِيَّةٌ طَوِيْلَةٌ مَشْهُوْرَةٌ ذَكَرَ فِيْهَا أُصُوْلَ السُّنَّةِ، وَمَدَحَ

стр. 250

أَحْمَدَ وَأَصْحَابَهُ. وَقَدْ أَنْبَأَتْنِي بِهَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ (١)، عَنْ عَجِيْبَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ (٢)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ الحَسَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ فَذَكَرَ القَصِيْدَةَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِمَامِيَ القَوَّامُ للهِ الَّذِي … دَفَنُوا حَمِيْدَ الشَّأْنِ فِي بَغْدَادِ جَمَعَ التُّقَى وَالزُّهْدَ فِي دُنْيَاهُمُ … وَالعِلْمَ بَعْدَ طَهَارَةِ الأَرْدَانِ خَطْمُ (٣) النَّبِي وَصَيْرَفِيُّ حَدِيْثِهِ … وَمُفَلِّقٌ أَعْرَافَهَا بِمَعَانٍ حَبْرُ العِرَاقِ وَمِحْنَةٌ لِذَوِي الهَوَى … يَدْرِي بِبُغْضَتِهِ ذَوُو الأَضْغَانِ عَرَفَ الهُدَى فَاخْتَارَ ثَوْبَيْ نُصْرَةٍ … وَشَجَى بِمُهْجَتِهِ عُرَى عِرْفَانِ عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَعْرَضَ سَالِمًا … عَنْهَا كَفِعْلِ الرَّاهِبِ الخَمْصَانِ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي دِيْنِهِ … فَفِدَى الإِمَامُ الدِّيْنَ بِالجُثْمَانِ للهِ مَا لَقِيَ ابنُ حَنْبَلٍ صَابِرًا … عَزْمًا وَيَنْصُرُهُ بِلَا أَعْوَانِ أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي ذَاكُمْ إِلَى إِخْوَانِي إِذْ دِيْنُهُ دِيْنِي وَدِيْنِي دِيْنُهُ … مَا كُنْتُ إِمَّعَةً لَهُ دِيْنَانِ وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ: سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأنْصَارِيَّ بِـ "هَرَاةَ" يَقُوْلُ:
следующие страницы →