Полный текст (2 431 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (١): "لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، حَتَّى يَعُوْدَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مَنْخِرَيْ امْرِئٍ أَبَدًا".
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ ابنِ عَقِيْلٍ فِي "الفُنُوْنِ" (٢) قَالَ: مِمَّا اسْتَحْسَنْتُهُ مِنْ فِقْهِ الشَّرِيْفِ، الإِمَامِ، الزَّاهِدِ، أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ الخَالِقِ بنِ عِيْسَى بنِ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيِّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ (٣) وَتَدْقِيْقِهِ - وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُحْصَى -: مَا قَالَهُ فِي أَوَائِلِ قُدُوْمِ الغِرِّ إِلَى (٤) "بَغْدَادَ" وَجَعَلُوا يَأْخُذُوْنَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ في الطُّرُقَاتِ، وَتَقْصُرُ أَيْدِي العَوَامِّ عَنْهُمْ، فَقَالَ: الَّذِي يُشْبِهُ (٥) مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةَ: أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِم أَحْكَامُ قُطَّاع الطَّرِيْقِ، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ فِي الحَضرِ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوا بِأَنَّ في الحَضَرِ يَلْحَقُ الغَوْثُ، فَلَا يَكُوْنُ لَهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيْقِ فِي الصَّحَارَى وَالبَرَارِيْ، وَهَذَا التَّعْلِيْلُ مَوْجُوْدٌ فِي الحَضَرِ؛ لأنَّهُ لَا مُغِيْثَ يُغِيْثُ مِنْهُم؛ لِقُوَّتِهِمْ وَاسْتِطَالَتِهِمْ عَلَى العَوَامِّ.
قُلْتُ: هَذَا قَرِيْبٌ مِنْ قَوْلِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى: إِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي المُحَارِبِيْنَ فِي الحَضرِ هَلْ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ стр. 177
الخِرَقِيِّ (١): أَنَّهَا لَا تُجْرَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ، وَفَصَّلَ القَاضِي بَيْنَ أَنْ يَفْعَلُوا ذلِكَ فِي حَضَرٍ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ فِيْهِ الغَوْثُ عَادَةً فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِيْنَ، وَإِلَّا فَهُمْ مُحَارِبُوْنَ، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِمْ - إِمَّا لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ ظَالِمًا يُسَلِّطُ أَعْوَانَهُ عَلَى الظُّلْم - تَعَذَّرَ لُحُوْقُ الغَوْثِ مَعَ ذلِكَ عَادَةً، فَيَثْبُتُ لَهُمْ - عَلَى قَوْلِهِ - أَحْكَامُ المُحَارِبِيْنَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلْتُ مِنْ "بَعْضِ تَعَالِيْقِ" الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَّةَ ﵀ مِمَّا نَقَلَهُ مِنَ "الفُنُوْنِ" لابنِ عَقِيْلٍ حَادِثَةَ رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا فَعَلْتِ كَذَا، فَمَضَى عَلَى ذلِكَ مُدَّةً، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ فَعَلْتُهُ. هَلْ تُصَدَّقُ مَعَ تَكْذِيْبِ الزَّوْجِ لَهَا؟ أَجَابَ الشَّرِيْفُ الإِمَامُ أَبُو جَعَفْرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى تُصَدَّقُ وَلَا يَنْفَعُهُ تَكْذِيْبُهُ، وَأَجَابَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ لا تُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: أَبُو مُحَمَّدٍ: أَظُنُّهُ التَّمِيْمِيَّ.
وَمِنَ "الفُنُوْنِ" أَيْضًا (مَسْأَلَةُ) إِذَا وَجَدَ عَلَى ثَوْبِهِ مَاءً وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ؟ إنْ قُلْتُمْ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ الأحْوَالِ مِنْ كَوْنِهِ مَذْيًا؛ لأنَّ الأَصْلَ سُقُوْطُ غَسْلِ البَدَنِ، أَوْجَبْتُمْ غَسْلَ الثَّوْبِ؛ لأنَّ المَذْيَ نَجِسٌ، وَالأَصْلُ سُقُوْطُ стр. 178
غَسْلِ الثَّوْبِ فَتَقَابَلَا (١)، فَقَالَ الشَّرِيْفُ أَبُو جَعْفَرٍ بنِ أَبِي مُوْسَى ﵁: لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلَا البَدَنِ جَمِيْعًا؛ لِتَرَدُّدِ الأَمْرِ فِيْهِمَا، وَأَوْجَبَ غَسْلَ الأَرْبَعَةِ (٢) الأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الخَارِجَ - أَيَّ خَارِجٍ كَانَ - يُوْجِبُ غَسْلَ الأعْضَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ ابنُ تَمِيْمٍ (٣) فِي كِتَابِهِ مِنَ "الفُنُوْنِ" وَعَزَاهَا إِلَى ابنِ أَبِي مُوْسَى، فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ ابنُ أبِي مُوْسَى صَاحِبُ "الإِرْشَادِ" وَلَيْسَ كَذلِكَ.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ إِذَا وَجَدَا عَلَى فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا، وَلَمْ يَعْلَمَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَا صَوْتًا وَلَمْ يَعْلَمَا صَاحِبَهُ، وَفِي وُجُوْبِ الغُسْلِ وَالوَضُوْءِ عَلَيْهِمَا رِوَايَتَانِ، لكِنْ أَرْجَحَهُمَا لَا يَجِبُ، وَعَلَى القَوْلِ بِانْتِفَاءِ الوُجُوْبِ، فَقَالُوا: لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَلَا يُصَافُّهُ وَحْدَهُ؛ لأَنَّهُ يَظْهَرُ حُكْمُ الحَدَثِ المُتَيَقَّنِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَيُعْلَمُ أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمَا بَاطِلَةٌ، فَتَبْطُلُ الجَمَاعَةُ وَالمُصَافَّةُ.
وَنَظِيْرُ هَذَا: مَا قُلْنَا فِي المُخْتَلِفَيْنِ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ إِنَّهُ لَا يَأْتَمُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ؛ فَإِنَّهُ يُتَيَقَّنُ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ خَطَأُ أَحَدِهِمَا فِي القِبْلَةِ، стр. 179
فَتَبْطُلُ جَمَاعَتُهُمَا. وَكذلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ فِي رَجُلَيْنِ عَلَّقَ كُلٌّ مُنْهُمَا عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى شَرْطٍ، وَوُجِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ يَقِيْنًا، وَلَا يَعْلَمُ عَيْنُهُ أَنَّهُ لَا يُحْكُم بِعِتْقِ عَبْدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ مِلْكِهِ، فَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمْ عَبْدَ الآخَرِ: أُخْرِجَ المُعْتَقُ مِنْهُمَا بِالقُرْعَةِ عَلَى الصَّحِيْحِ أَيْضًا. فَكَذلِكَ يُقَالُ هَهُنَا: يُسْتَصْحَبُ أَصْلُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالبَدَنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالجَنَابَةِ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ فِي الثَّوْبِ؛ كَأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِذلِكَ حُصُوْلَ المُفْسِدِ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ إِمَّا الجَنَابَةُ وَإِمَّا النَّجَاسَةُ.
وَمِنْ غَرَائِبِ الشَّرِيْفِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ تَمِيْمٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ المُتَوَضِّيءَ إِذَا نَوَى غَسْلَ النَّجَاسَةِ مَعَ الحَدَثِ لَمْ يُجْزِءْهُ. وَأَنَّ طَهَارَةَ المُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الحَدَثَ. وَذَكَرَ الشَّرِيْفُ فِي "رُؤُوْسِ مَسَائِلِهِ" أَنَّ القَدْرَ المُجْزِئَ مَسْحُهُ مِنَ الخُفَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَصَابِعٍ، وَأَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ إِلَى ذلِكَ فِي مَسْحِ الخُفِّ وَمَسْحِ الرَّأْسِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا يَنْصُرُ أَوَّلًا مَسْحَ الأَكْثَرِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ مَائِلًا إِلَى هَذَا. وَهَذَا غَرِيْبٌ جِدًّا.
١٢ - عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ إِسْحَقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ إِبْرَاهِيْمَ стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 181
ابنِ الوَليْدِ بنِ مَنْدَه بنِ بُطَّةَ بنِ أُسْتَندَارَ - وَاسْمُهُ الفَيْرُزَانَ - بنِ جَهَارْبَخْتَ، العَبْدِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، أَبُو القَاسِمِ، ابنِ الحَافِظِ الكَبِيْرِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَه. وَ"مَنْدَه" لَقَبُ إِبْرَاهِيْمَ جَدُّهُ الأعْلَى. ذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابنُ الجَوزِيِّ في "طَبَقَاتِ الأَصْحَابِ" في آخِرِ "المَنَاقِب". وَتَرْجَمَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ"، فَقَالَ: وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ (١)، وَسَمِعَ أَبَاهُ، وَأَبَا بَكْرِ بنَ مَرْدَوَيْهِ، وَخَلْقًا كَثِيْرًا، وَكَانَ كَثِيْرَ السَّمَاعِ، كَبِيْرَ الشَّأْنِ، سَافَرَ البِلَادَ (٢)، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ، وَخَرَّجَ التَّخَارِيْجَ، وَكَانَ ذَا وَقَارٍ وَسَمْتٍ، وَأَتْبَاعٍ فِيْهِمْ كَثْرَةٌ، وَكَانَ مُتَمَسِّكًا بِالسُّنَّةِ، مُعْرِضًا عَنْ أَهْلِ البِدَعِ، آمِرًا بِالمَعْرُوْفِ، نَاهِيًا عَنِ المُنْكَرِ، لَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ مُحَمَّد الزِّنْجَانِيُّ (٣) يَقُوْلُ: حَفِظَ اللهُ стр. 182
الإِسْلَامَ بِرَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِـ "أَصْبَهَانَ"، وَالآخَرُ بِـ "هَرَاةَ"، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه، وَعَبْدُ اللهِ الأَنْصَارِيُّ.
وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ كَبِيْرَ الشَّأْنِ، جَلِيْلَ القَدْرِ، كَثيْرَ السَّمَاعِ، وَاسِعَ الرِّوَايَةِ، سَافَرَ إِلَى "الحِجَازِ" وَ"بَغْدَادَ" وَ"هَمَذَانَ"، وَ"خُرَاسَانَ"، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفِ. وَقَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ وَبَلَدِهِ مِثْلُهُ (١) فِي وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَحَالُهُ أَظْهَرُ مِنْ ذلِكَ. وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الوَالِدِ السَّعِيْدِ مُكَاتَبَاتٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَمِعَ أَبُو القَاسِمِ مِنْ أَبِيْهِ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ خُرَّشِيْدَ (قُوْلَه) (٢) وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدٍ الجَلَّابِ، وَأَبِي جَعْفَرِ بنِ المُرْزبَانِ، وَأَبِي ذَرِّ بنِ стр. 183
الطَّبَرَانِيِّ، وَخَلْقٍ بِـ "أَصْبَهَانَ"، وَمِنْ أَبِي عُمَرَ بنِ مَهْدِيِّ، وَهِلَالٍ الحَفَّارِ، وَغَيْرِهِمَا بِـ" بَغْدَادَ". وَمن ابنِ خُزَيْمَةَ الوَاسِطِيِّ بِهَا، وَمِن ابنِ جَهْضَمٍ بِـ "مَكَّةَ"، وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ الحِيْرِيِّ، وَأَبي سَعِيْدٍ الصَّيْرَفِيِّ بِـ "نَيْسَابُوْرَ"، لَكِنَّهُ لَمْ يَروِ عَن الحِيْرِيِّ كَمَا فَعَلَ الأَنْصَارِيُّ، وَأَجَازَ لَهُ زَاهِرٌ السَّرَخْسِيُّ، وَتَفَرَّدَ بِذلِكَ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الجَوْزَقِيُّ (١)، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي شُرَيْحٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الدَّقَّاقُ (٢) الحَافِظُ: فَضائِلُ ابنِ مَنْدَه وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَنْ أَنَا لِنَشْرِ فَضْلِهِ؟ كَانَ صَاحِبَ خُلُقٍ وَفُتُوَّةٍ، وَسَخَاءٍ стр. 184
وَبَهَاءٍ، وَالإِجَازَةُ كَانَتْ عِنْدَهُ قَوِيَّةٌ، وَلَهُ تَصَانِيْفٌ كَثِيْرَةٌ، وَرُدُوْدٌ جَمَّةٌ عَلَى المُبْتَدِعِيْنَ وَالمُنْحَرِفِيْنَ فِي الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا، قَالَ: وَكَانَ جَذَعًا فِي أَعْيُنِ المُخَالِفِيْنَ، لَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَوَصْفُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَنْدَه (١): كَانَ عَمِّي سَيْفًا عَلَى أَهْلِ البِدَعِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ مِثْلِي، كَانَ - وَاللهِ - آمِرًا بِالمَعْرُوْفِ، نَاهِيًا عَنِ المُنْكَرِ، وَفِي الغُدُوِّ وَالآصَالِ ذَاكِرًا، وَلِنَفْسِهِ فِي المَصَالِحِ قَاهِرًا، أَعْقَبَ اللهُ مَنْ ذَكَرَهُ بِالشَّرِّ النَّدَامَةِ. وَكَانَ عَظِيْمَ الحِلْمِ، كَثِيْرَ العِلْمِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ قَوْلَ شُعْبَةَ "مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيْثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ" فَقَالَ: "مَنْ كَتَبَ عَنِّي حَدِيْثًا فَأَنَا لَهُ عَبْدٌ".
قُلْتُ: قَدْ ذُكِرَ عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأنْصَارِيِّ (٢) أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ مَضَرَّتُهُ فِي الإِسْلَامِ أَكْثَرَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ. وَعَنْ إِسْمَاعِيْلَ التَّيْمِيِّ (٣) أَنَّهُ قَالُ: خَالَفَ أَبَاهُ فِي مَسَائِلَ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَشَايِخُ الوَقْتِ، وَمَا تَرَكَنِي أَبِي أَسْمَعُ مِنْهُ. وَكَانَ стр. 185
أَخُوْهُ خَيْرًا مِنْهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَادِحٍ - إِنْ صَحَّ - فَإِنَّ الأنْصَارِيَّ وَالتَّيْمِيَّ وَأَمْثَالَهُمَا يَقْدَحُوْنَ بِأَدْنَى شَيْءٍ يُنْكِرُوْنَهُ مِنْ مَوَاضِعِ النِّزَاعِ، كَمَا هَجَرَ التَّيْمِيُّ عَبْدَ الجَلِيْلِ (١) الحَافِظَ كُوْتَاه (٢) عَلَى قَوْلِهِ: "يَنْزِلُ بِالذَّاتِ" وَهُوَ فِي стр. 186
الحَقِيْقَةِ يُوَافِقُهُ عَلَى اعْتِقَادِهِ، لكِنْ أَنْكَرَ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ لِعَدَمِ الأَثَرِ بِهِ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيَّ: سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ (١) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَنْدَه يَقُوْلُ: قَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ حَالِي مَعَ الأَقْرَبِيْنَ وَالأبْعَدِيْنَ، فَإِنِّي وَجَدْتُ بِالآفَاقِ الَّتِي قَصَدْتُهَا أَكْثَرَ مَنْ لَقِيْتُهُ بِهَا - مُوَافِقًا كَانَ أَوْ مُخَالِفًا - دَعَانِي إِلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى مَا يَقُوْلُهُ، وَتَصْدِيْقِ قَوْلِهِ، وَالشَّهَادَةِ لَهُ فِي فِعْلِهِ عَلَى قَبُوْلٍ وَرِضًى. فَإِنْ كُنْتُ صَدَّقْتُهُ سَمَّانِي مُوَافِقًا، وَإِنْ وَقَفْتُ فِي حَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ سَمَّانِي مُخَالِفًا، وَإِنْ ذَكَرْتُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِخِلَافِ ذلِكَ سَمَّانِي خَارِجِيًّا، وَإِنْ رَوَيْتُ حَدِيْثًا فِي التَّوْحِيْدِ سَمَّانِي مُشَبِّهًا، وَإِنْ كَانَ فِي الرُّؤْيَةِ سَمَّانِي سَالِمِيًّا (٢)، стр. 187
وَأَنَا مُتَمَسِّكٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُتَبَرِئٌ إِلى اللهِ مِنْ التَّشْبِيْهِ وَالمِثْلِ، وَالضِّدِّ، وَالنِّدِّ، وَالجِسْمِ، وَالأعْضَاءِ، وَالآلَاتِ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُنْسَبُ إِلَيَّ وَيُدَّعَى عَلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُوْلَ فِي اللهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ ذلِكَ أَوْ قُلْتُهُ، أَوْ أَرَاهُ، أَوْ أَتَوَهَّمُهُ، أَوْ أَتَّخِذُهُ، أَوْ أَنْتَحِلُهُ.
قالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ مُحَمَّد بنِ الرَّضَى العَلَوِيَّ (١)، سَمِعْتُ (٢) خَالِي أَبَا طَالِبِ بنَ طَبَاطَبَا يَقُوْلُ: كُنْتُ أَشْتُمُ أَبَدًا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مَنْدَه، стр. 188
فَرَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ فِي المَنَامِ، وَيَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ (١) زَرْقَاءُ، وَفِي عَيْنَيْهِ نُكْتَةٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ لِي: لِمَ تَشْتُمُ هَذَا إِذَا سَمِعْتَ اسْمَهُ؟ فَقِيْلَ لِي: هَذَا أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرُ ﵁، وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ مَنْدَه. فَانْتَبَهْتُ، فَأَتَيْتُ "أَصْبَهَانَ"، وَقَصَدْتُ الشَّيْخَ عَبْدَ الرَّحْمَن، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ صَادَفْتُهُ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي رَأَيْتُ فِي المَنَامِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ زَرْقَاءُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا طَالِبٍ، وَقَبْلَهَا مَا رَآنِي وَلَا رَأَيْتُهُ (٢)، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ أَنْطِقَ: شَيْءٌ حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ يَجُوْزُ لَنَا أَنْ نُحِلَّهُ؟ فَقُلْتُ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، وَنَاشَدْتُهُ اللهَ وَقَبَّلْتُهُ (٣)، فَقَالَ: جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَيَّ.
حَدَّثَ عَنِ الحَافِظِ أَبِي القَاسِمِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَالأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ، стр. 189
مِثْلِ ابنِ أَخِيْهِ يَحْيَى بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَأَبِي نَصْرٍ الغَازِي، وَأَبِي سَعْدٍ البَغْدَادِيِّ (١)، وَالحُسَيْنِ الخَلَّالِ، وَأَبِي عبد الله الدَّقَّاقِ، وَأَبِي بَكْرٍ البَاغْبَانِ (٢)، وَرَوَى عَنْهُ بالإِجَازَةِ مَسْعُوْدٌ الثَّقَفِيُّ.
وَلَهُ تَصَانِيْفُ كَثيْرَةٌ، مِنْهَا: كِتَابُ "حُرْمَةِ الدِّيْنِ"، وَكِتَابُ "الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ" بَيَّنَ فِيهِ بُطْلَانَ مَا رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي تَفْسِيْرِ حَدِيْثِ "خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ" بِكَلَامٍ حَسَنٍ، وَلَهُ كِتَابُ "صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ". стр. 190
وَبِـ "أَصْبَهَانَ" طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ يَنْتَسِبُوْنَ إِلَى ابنِ مَنْدَه هَذَا، وَيَنْسِبُوْنَ إِلَيْهِ أَقْوَالًا فِي الأُصُوْلِ وَالفُرُوْعِ هُوَ مِنْهَا بَرِيْءٌ (١).
مِنْهَا: أَنَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ يَجُوْزُ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى المَاءِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاويْحِ بِدْعَةٌ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ "أَصْبَهَانَ" مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ ابنَ مَنْدَه بَرِيْءٌ مِمَّا نَسَبُوْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذلِكَ.
تُوُفِّيَ فِي [سَادِسَ عَشَرَ] (٢) شَوَّالٍ سَنَةِ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "أَصْبَهَانَ"، وَشَيَّعَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ لَا يُحْصِيْهِمْ إلَّا اللهَ تَعَالَى.
أَخْبَرَنَا (٣) أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْراهِيْمَ بِـ "مَصْرَ"، (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ، (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ (أَنَا) أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، (أَنَا) أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَه (أَنَا) أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ مْحَمَّدِ بنِ المَرْزُبَان (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الحَزَوَّرِيُّ (٤) (أَنَا) مُحَمَّدُ بنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ (أَنَا) عَبْدُ الحَمِيْدِ стр. 191
ابنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مْحَمَّدِ بنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١): "مَا مِنْ امْرِئٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبلُ اللهُ إلَّا طَيِّبًا - حَتَّى وَلَوْ بِتَمْرَةٍ، إلَّا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ رَبَّاهَا لَهُ كمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيْلَهُ، حَتَّى يُوْفِيْهِ (٢) يَوْمَ القِيَامَةِ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيْمِ".
قَرَأْتُ بِخَطِّ الإِمَامِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ تَيْمِيَّةَ ﵀: أَنَّ أَبَا القَاسِمِ بنَ مَنْدَه كَانَ مِنَ الأَصْحَابِ، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى الجَهْرِ بِالبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ أَيْضًا في "مَسَائِلِهِ المَارِدَانِيَّاتِ" (٣) أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الأَصْحَابِ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى صِيَامِ يَوْمِ الغَيْمِ، مِنْهُم أَبُو القَاسِمِ بنُ مَنْدَه.
وَذَكَرَ أَبُو زكَرِيَّا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَنْدَه قَالَ: قَالَ عَمِّي الإِمَامُ - يَعْنِي أَبَا القَاسِمِ ﵀ عَلَامَةُ الرِّضَا إِجَابَةُ اللهِ ﵎ مِنْ حَيْث دَعَا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَامَةُ الوَرَعِ الخُرُوْجُ مِنَ الشُّبُهَاتِ بِالأَخْبَارِ وَالآيَاتِ، وَعَلَامَةُ القَنَاعَةِ السُّكُوْتُ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الوُقُوْفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَعَلَامَةُ الإِخْلَاصِ زِيَادَةُ السِّرِّ عَلَى الإِعْلَانِ فِي إِيْثَارِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَقَوْلِ رَسُوْلِهِ ﷺ стр. 192
عَلَى الأَقَاوِيْلِ كُلِّهَا بِالإِيْمَانِ وَالاحْتِسَابِ، وَعَلَامَةُ الصَّبْرِ حَبْسُ النَّفْسِ فِي اسْتِحْكَامِ الدَّرْسِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَامَةُ التَّسْلِيْمِ الثِّقَةُ بِاللهِ الحَكِيْمِ فِي قَوْلِهِ، وَالسُّكُوْنِ إِلَى اللهِ العَظِيْمِ (١) بِقَوْلِ رَسُوْلِهِ ﷺ فِي جَمِيْعِ الأَشْيَاءِ.
وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ مَنْدَةِ فِي كِتَابِ "الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ": التَّأْوِيْلُ عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ نَوْعٌ مِنَ التَّكْذِيْبِ.
١٣ - أَحْمَدُ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ (٢) بنِ يَعْقُوْبَ الرَّزَّازُ، الزَّاهِدُ، أَبُو بَكْرٍ стр. 193
المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ حُمُّدُوْه"، ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ" وَ"التَّارِيْخِ".
وُلِدَ يَوْمَ الأَرْبَعَاءِ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ (١). وَحَدَّثَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيْرٍ، مِنْهُم: أَبُو الحُسَيْنِ بنُ بِشْرَانِ، وَابنُ أَبِي الفَوَارِسِ (٢)، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ سَمْعُوْنَ، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى وَكَانَ ثِقَةً، زَاهِدًا، مُتَعَبِّدًا، حَسَنَ الطَّرِيْقَةِ.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: تَفَقَّهَ عَلَى الوَالِدِ مَعَ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَا يَصْطَحِبَانِ إِلَى المَجْلِسِ، وَكَانَ كَثِيْرَ القِرَاءَةِ للقُرْآنِ وَالإِقْرَاءِ لَهُ، خَتَّمَ خَلْقًا كَثِيْرًا، وَحَدَّثَ عَنْهُ الخَطِيْبُ في "تَارِيْخِهِ"، وَقَالَ (٣): وَكَانَ صَدُوْقًا، وَأَبُو الحَسَنِ (٤) بنُ مَرْزُوْقٍ فِي "مَشْيَخَتِهِ"، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَالقَاضِي стр. 194
أَبُو الحُسَيْنِ فِي "طَبَقَاتِ الأَصْحَابِ" وَغَيْرُهُم.
تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ حَرْبٍ".
قَالَ السِّلَفِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ البَرَدَانِيَّ عَن ابنِ حُمُّدُوْيَهْ صَاحِبِ ابنِ سَمْعُوْنَ فَقَالَ: هُوَ بِضَمِّ الحَاءِ، وَتَشْدِيْدِ المِيْمِ، وَضَمِّهِ أَيْضًا، يَعْنِي وَبِاليَاءِ. ذَكَرَهُ ابنُ نُقطَةَ. قَالَ: وَغَيْرُهُ يَقُوْلُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ، مِنْهُم مَنْ يَقُوْلُ: حُمَّدُوْه بِضَمِّ الحَاءِ، وَتَشْدِيْدِ المِيْمِ وَفَتْحِهَا، بِغَيْرِ يَاءٍ بَعْدَ الوَاوِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بِـ "مِصْرَ" (أَثَنَا) عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ عَلِيٍّ الأمِيْنُ (أَثَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي (ثَنَا) أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ حُمُّدُوْيَه الرَّزَّازُ، (ثَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ سَمْعُوْنَ (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ رَيَّانَ (ثَنَا) هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ (ثَنَا) عَبْدُ الحَمِيْدِ بنُ حَبِيْبِ بنِ أَبِي العِشْرِيْنَ الأَوْزَاعِيُّ (١)، стр. 195
(ثَنَا) الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ "أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِفَرَسٍ لَهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا تُبَاعُ فِي السُّوْقِ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَأَتَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لَا تَرْتَدَّ فِي صَدَقَتِكَ".
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَصْنَعُ فِي صَدَقَتِهِ إِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ المِيْرَاثُ يَوْمًا لَا يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ.
١٤ - الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ البَنَّاءِ البَغْدَادِيُّ، الإِمَامُ، أَبُو عَلِيٍّ المُقْرِئُ، стр. 196
المُحَدِّثُ الفَقِيْهُ الوَاعِظُ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَتَسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ القِرَاءَاتِ السَّبْعِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ بنِ رِزْقَوَيْهِ، وَأَبِي الفَتْحِ بنِ أَبِي الفَوَارِسِ (١)، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَخِيْهِ أَبِي القَاسِمِ، وَأَبي عَلِيِّ بنِ شِهَابٍ، وَأَبِي الفَضْلِ التَّمِيْمِيِّ، وَخَلْقٍ كَثيْرٍ، وَتَفَقَّهَ أَوَّلًا علَى أَبِي طَاهِرٍ بنِ الغُبَارِيِّ، ثُمَّ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، وَحَضَرَ عِنْدَ أَبِي عَلِيِّ بنِ أَبِي مُوْسَى، وَنَاظَرَ فِي مَجْلِسِهِ، وَتَفَقَّهَ أَيْضًا عَلَى أَبِي الفَضْلِ التَّمِيْمِيِّ، وَأَخِيْهِ أَبِي الفَرَجِ. وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جَمَاعَةٌ مِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ البَارِعِ، وَأَبِي العَزِّ القَلَانِسِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ стр. 197
المَزْرَفِيِّ. وسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الحَافِظُ الحُمَيْدِيُّ (١) كَثيْرًا. حَدَّثَ عَنْهُ وَلَدَاهُ أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ وَيَحْيَى (٢)، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الفَرَّاءِ، стр. 198
وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ البَاقِي (١)، وَابنُ الحُصَيْنِ، وَأَبُو القَاسِمِ ابنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ وَغَيْرُهُم، وَدَرَّدسَ الفِقْهَ كَثِيْرًا، وَأَفْتَى زَمَانًا طَوِيْلًا.
قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: تَفَقَّهَ عَلَى الوَالِدِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ المَذْهَبَ وَالخِلَافَ، وَدَرَّسَ بِدَارِ الخِلَافَةِ فِي حَيَاةِ الوَالِدِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وَصَنَّفَ كُتُبًا فِي الفِقْهِ وَالحَدِيْثِ وَالفَرَائِضِ، وَأُصُوْلِ الدِّيْنِ، وَفِي عُلُوْمٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَكَانَ مُتَفَّنِنًا فِي العُلُوْمِ، وَكَانَ أَدِيْبًا، شَدِيْدًا عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: هُوَ شَيْخٌ، إِمَامٌ فِي عُلُوْمٍ شَتَّى، فِي الحَدِيْثِ، وَالقِرَاءَاتِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَطَبَقَةٌ فِي الأَدَبِ وَالشَّعْرِ وَالرَّسَائِلِ (٢)، حَسَنُ الهَيْئَةِ، حَسَنُ العِبَادَةِ، كَانَ (٣) يُؤَدِّبُ بَنِي جَرْدَةَ (٤). стр. 199
وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ: كَانَ لَهُ حَلْقَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَسَطَ الرُّوَاقِ، وَالأُخْرَى: بِجَامِعَ القَصْرِ، حِيَالَ المَقْصُوْرَةِ، لِلْفَتْوَى وَالوَعْظِ وَقِرَاءَةِ الحَدِيْثِ، وَكَانَ يُفْتِي الفَتْوَى الوَاسِعَةَ، وَيُفِيْدُ المُسْلِمِيْنَ بِالأَحَادِيْثِ، وَالمَجْمُوْعَاتِ وَمَا يُقْرِئُهُ مِنَ السُّنَنِ، وَكَانَ فَقِيْهَ البَدَنِ (١)، جَيِّدَ القَرِيْحَةِ، تَدُلُّ مَجْمُوْعَاتُهُ عَلَى تَحْصِيْلِهِ لِفُنُوْنٍ مِنَ العُلُوْمِ، وَقَدْ صَنَّفَ قَدِيْمًا فِي زَمَنِ شَيْخِهِ الإِمَامِ (٢) أَبِي يَعْلَى فِي المُعْتَقَدَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَتَبَ لَهُ خَطَّهُ عَلَيْهَا بِالإِصَابَةِ وَالاسْتِحْسَانِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ فِي مَجْمُوْعَاتِهِ مِنَ المُعْتَقَدَاتِ مَا يُوَافِقُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ [رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى] (٣)، وَيَقْصُدُ بِهِ تَأْلِيْفَ القُلُوْبِ، وَاجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ، مِمَّا قَدِ اسْتَقَرَّ لَهُ وُجُوْدٌ فِي اسْتِنْبَاطِهِ، مِمَّا أَرْجُو لَهُ بِهِ عِنْدَ اللهِ الزُّلْفَى فِي العُقْبَى، فَلَقَدْ كَانَ مِنْ شُيُوْخِ الإِسْلَامِ النُّصَحَاءِ (٤)، الفُقَهَاءِ الأَلِبَّاءِ، وَيَبْعُدُ غَالِبًا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي شَخْصٍ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي العُلُوْمِ مَا اجْتَمَعَ فِيْهِ، وَقَدْ جَمَعَ مِنَ المُصَنَّفَاتِ فِي فُنُوْنِ العِلْمِ، فِقْهًا، وَحدِيْثًا، وَفِي عِلْمِ القِرَاءَاتِ، وَالسِّيَرِ، وَالتَّوَارِيْخِ، وَالسُّنَنِ، وَالشُّرُوْحِ لِلْفِقْهِ، وَالكُتُبِ النَّحْوِيَّةِ إِلَى غَيْرِ ذلِكَ جُمُوْعًا حَسَنَةً، تَزِيْدُ عَلَى ثَلَاثِمَائَةِ مَجْمُوْعٍ، كَذَا قَرَأْتُهُ مُحَقَّقًا بِخَطِّ بَعْضِ العُلَمَاءِ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ стр. 200
قَال: صَنَّفْتُ خَمْسَمَائَةَ مُصَنَّفٍ. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بنِ المُجْلِّي (١) - مِمَّا ذَكَرَهُ ابنُ شَافِعٍ عَنْهُ -: لَهُ مَجْمُوْعَاتٌ وَمُؤَلَّفَاتٌ فِي المَذْهَبِ، وَفِيْمَا سِوَاهُ مِنَ المَذَاهِبِ، وَفِي الحَدِيْثِ وَغَيْرِهِ، وَتَرَاجِمُ كُتُبِهِ مَسْجُوْعَةٌ عَلَى طَرِيْقَةِ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُنَادِي (٢). قَال: وَكَتَبْتُ الحَدِيْثَ عَنْ نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِمَائَةَ شَيْخٍ لَمْ أَرَ فِيْهِمْ مَنْ كَتَبَ أَكْثَرَ مِنِّي. قَال: وَكَانَ طَاهِرَ الأَخْلَاقِ، حَسَنَ الوَجْهِ وَالشَّيْبَةِ، مُحِبًّا لأَهْلِ العِلْمِ مُكْرِمًا لَهُمْ.
تُوُفِّيَ ﵀: لَيْلَةَ السَّبْتِ خَامِسَ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَصُلِّيَ عَلَيْهِ في الجَامِعَيْنِ، جَامِعِ القَصْرِ، وَجَامِعِ المَنْصُوْرِ، وَكَانَ الجَمْعُ فِيْهِمَا مُتَوَافِرًا جِدًّا، أَمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَعَالِمٌ عَظِيْمٌ، وَدُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" [﵁] (٣).
وَقَدْ غَمَزَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسمِ بنَ السَّمَرْقَنْدِيِّ يَقُوْلُ: كَانَ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ اسْمُهُ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بن عَبْدِ اللهِ стр. 201
النَّيْسَابُوْرِيُّ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ الكَثِيْرَ. وَكَانَ ابنُ البَنَّاءِ يَكْشُطُ (١) "بُوْرِىٍ"، وَيَمُدُّ السِّيْنَ، وَقَدْ صَارَ الحَسَنَ بنَ أَحْمَدَ بن عَبْدِ اللهِ البَنَّاءَ، كَذَا قِيْلَ إِنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا؟!
قَالَ أبُو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ: وَهَذَا القَوْلُ بَعِيْدٌ [مِنَ] الصِّحَّةِ؛ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ: "كَذَا قِيْلَ" وَلَمْ يَحْكِ عَنْ عِلْمِهِ بِذلِكَ (٢)، فَلَا يَثْبُتُ هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ مُكْثِرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِزَادَةٍ لِمَا يَسْمَعُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ كَثْرَةُ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بنِ البَنَّاءِ، فَأَيْنَ ذِكْرُ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الله النِّيْسَابُوْرِيُّ؟ وَمَنْ ذَكَرَهُ؟ وَمَنْ يَعْرِفُهُ؟ وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ مَنِ اشْتُهِرَ سَمَاعُهُ لَا يَخْفَى، فَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَنَعُوْذُ باللهِ مِنَ стр. 202
القَدْحِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ. انْتَهَى (١).
وَذَكَرَ السِّلَفِيُّ، عَنْ شُجَاعٍ الذُّهْلِيِّ، وَالمُؤْتَمِنِ السَّاجِيِّ أَنَّهُمَا غَمَزاهُ стр. 203
أَيْضًا، وَلَمْ يُفَسِّرَا (١)، وَفَسَّرَهُ السِّلَفِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي أُصُوْلِهِ بالتَّغْيِيْرِ وَالحَكِّ.
وذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ (٢): أَنَّ تَصَانِيْفَهُ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ عِلْمِهِ، وَسُوْءِ تَصَرُّفِهِ، стр. 204
وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ، كَذَا قَالَ، وَابْنُ النَّجَّارِ أَجْنَبِيٌّ مِنْ هَذِهِ العُلُوْمِ فَمَا بَالُهُ يَتَكَلَّمُ فِيْهَا؟
وَقَدْ وَقَعَ لَنَا الكَثِيْرُ مِنْ حَدِيْثِهِ عَالِيًا. فَمِنْ ذلِكَ: مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بـ "فُسْطَاطِ مِصْرَ" (أَثَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيْفِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ
стр. 205
الجَوْزِيِّ (أَثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ المَذَارِيُّ (١) (أَثَنَا) أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ البَنَّاءِ، (أَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ بنُ بِشْرَانَ، (أَنَا) أَبُو عَلِيِّ بنُ صَفْوَانَ (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي الوَلِيْدُ بنُ سُفْيَانَ، (ثَنَا) ابنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ العَلَاءِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ" (٢).
(ذِكرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَسْمَاءِ مُصَنَّفَاتِ ابنِ البَنَّاءِ [﵀] (٣))
"شَرْحُ الخِرَقِيِّ" فِي الفِقْهِ (٤)، "الكَامِلُ" فِي الفِقْهِ، "الكَافِي المُحَدَّدُ فِي شَرْحِ المُجَرَّدِ" "الخِصَالُ وَالأَقْسَامُ" "نُزْهَةُ الطَّالِبِ فِي تَجْرِيْدِ المَذَاهِبِ" "آدَابُ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ" "شَرْحُ كِتَابِ الكَرْمَانِيِّ" في التَّعْبِيْرِ "شَرْحُ قَصِيْدَةِ ابنِ أَبِي دَاوُدَ في السُّنَّةِ" "المَنَامَاتُ المَرْئِيَّةُ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ" جُزْءٌ "أَخْبَارُ الأوْلِيَاءِ وَالعُبَّادِ стр. 206
بِمَكَّةِ" جُزْءٌ "صِفَةُ العِبَادِ فِي التَّهَجُّدِ وَالأَوْرَادِ" جُزْءٌ "المُعَامَلَاتُ وَالصَّبْرُ عَلَى المُنَازَلَاتِ" أَجْزَاءٌ كَثِيْرَةٌ "الرِّسَالَةُ فِي السُّكُوْتِ وَلُزُوْمِ البُيُوْتِ" جُزْءٌ "سَلْوَةُ الحَزِيْنِ عِنْدَ شِدَّةِ الأَنِيْنِ" جُزْءٌ "طَبَقَاتُ الفُقَهَاءِ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ الخَمْسَةِ" "التَّارِيْخُ" "مَشْيَخَةُ شُيُوْخِهِ" "فَضَائِلُ شَعْبَانَ" "كِتَابُ اللِّبَاسِ"، "مَنَاقِبُ الإِمَامُ أَحْمَدَ" "أَخْبَارُ القَاضِي أَبِي يَعْلَى" جُزْءٌ "شَرَفُ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ" "ثَنَاءُ أَحْمَدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَثَنَاءُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَحْمَدَ" وَ"فَضَائِلُ الشَّافِعِيِّ" "كِتَابُ الزَّكَاةِ وَعِقَابُ مَنْ فَرَّطَ فِيْهَا" جُزْءٌ "المَفْصُوْلُ وَالمَوْصُوْلُ (١) فِي كِتَابِ اللهِ" جُزْءٌ "شَرْحُ الإِيْضَاحِ" في النَّحْوِ لِلفَارِسِيِّ (٢) "مُخْتَصَرُ غَرِيْبِ الحَدِيْثِ" لأبِي عُبَيْدٍ، مُرَتَّبٌ عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ.
(وَمِنْ فَوَائِدِ ابنِ البَنَّاءِ الغَرِيْبَةِ):
أَنَّهُ حَكَى فِي "شَرْحِ الخِرَقِيِّ" عَنْ بَعْضِ الأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيْرٍ يُغَيِّرُ رَائِحَةَ المَاءِ بالنَّجَاسَةِ، كَقَوْلِ الخِرَقِيِّ في التَّغَيُّرِ بالطَّاهِرَاتِ.
- وَذَكَرَ فِي "شَرْحِ المُجَرَّدِ": أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَمْدًا فِي السَّفَرِ وَقَضَاهَا في السَّفَرِ (٣)، لَهُ القَصْرُ كَالنَّاسِي، قَالَ: وَلَمْ يُفَرِّقِ الأصْحَابُ بَيْنَهُمَا، стр. 207
وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ في المَأْثَمِ وَعَدَمِهِ، وَهَذَا النَّقْلُ غَرِيْبٌ جِدًّا، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ القَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيْرُ (١) فِي "شَرْحِ المَذْهَبِ" وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ كَلَامٌ صَرِيْحٌ لِلأَصْحَابِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِيْنَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوْزُ القَصْرُ للْعَامِدِ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذلِكَ بِكَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَصْحَابِ فِي مَسَائِلَ، وَلَيْسَ لَهُ فِيْمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي هَذَا الكِتَابِ: أَنَّ حُكْمَ اقْتِدَاءِ بَعْضِ المَسْبُوْقِيْنَ بِبَعْضٍ فِيْمَا يَقْضُوْنَهُ مِنْ صَلَاتِهِمْ لَا فَرْقَ فِيْهِ بَيْنَ الجُمُعَةِ وَغَيْرِها، وَأَنَّ الخِلَافَ جَارٍ فِي الجَمِيْعِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ القَاضِي وَأَصْحَابُهُ مُوَافَقَةً للشَّافِعِيَّةِ (٢) أَنَّ الجُمُعَةَ لَا يَجُوْزُ ذلِكَ فِيْهَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّهَا لَا تُقَامُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي جَمَاعَتَيْنِ. قَالَ ابنُ البَنَّاءِ: وَفِي هَذَا عِنْدَنَا نَظَرٌ؛ لأنَّهُ يَجُوْزُ إِقَامَتُهَا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي للْحَاجَةِ. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ السِّلَفِيُّ، عَن ابنِ أَبي الحُسَيْنِ الطُّيُوْرِيِّ أَنَّ ابنَ البَنَّاءِ أَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى البَدِيْهَةِ:
إِذَا غُيِّبَتْ أَشْبَاحُنَا كَانَ بَيْنَنَا … رَسَائِلُ صِدْقٍ فِي الضَّمِيْرِ تُرَاسِلُ
وَأَرْوَاحَنَا فِي كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبٍ … تَلَاقَى بِإِخْلَاصِ الوَدَادِ تُوَاصِلُ
وَثَمَّ أُمُوْرٌ لَوْ تَحَقَّقْتَ بَعْضَهَا … لَكُنْتَ لَنَا بِالعُذْرِ فِيْهَا تُقَابِلُ
وَكَمْ غَائِبٍ وَالقَلْبُ مِنْهُ مُسَالِمٌ … وَكَمْ زَائِرٍ فِي القَلْبِ مِنْهُ بَلَابِلُ
فَلَا تَجْزَعَنْ يَوْمًا إِذَا غَابَ صَاحِبٌ … أَمِيْنٌ فَمَا غَابَ الصَّدِيْقُ المُجَامِلُ стр. 208
١٥ - حَمْزَةُ بنُ الكَيَّالِ البَغْدَادِيُّ، (١) أَبُو يَعْلَى، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ. ذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ فِيْمَنْ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ وَعَلَّقَ عَنْهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، تَرَدَّدَ إِلَى الوَالِدِ زَمَانًا مُوَاصِلًا، وَسَمِعَ مِنْهُ عِلْمًا وَاسِعًا، وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَقِيْلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الاسْمَ الأَعْظَمَ. وَقَالَ ابنُ خَيْرُوْنَ: كَانَ صَالِحًا زَاهِدًا، مُلَازِمًا لِبَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ، مُعْتَزِلَ الخُصُوْمَاتِ وَالمِرَاءِ. وَقَالَ ابنُ شَافِعٍ فِي "تَارِيْخِهِ" كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، مُلَازِمًا (٢) لِبَيْتِهِ وَمَسْجِدِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُعْتَزِلًا عَنِ الفِتَنِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ (٣) مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، стр. 209
وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ الدَّيْرِ".
١٦ - أَبُو بَكْرِ بنِ عُمَرَ الطَّحَّانُ. (١) قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: حَضَرَ دَرْسَ الوَالِدِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ. وَمَاتَ فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الأوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ.
١٧ - عَبْدُ البَاقِي بنُ جَعْفَرِ (٢) بنُ شَهْلِي، الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ، أَبُو البَرَكَاتِ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: أَحَدُ المُقِلِّيْنَ، حَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ البَرْمَكِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ هِبَةُ اللهِ السَّقَطِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" وَذَكَرَ القَاضِيْ أَبُو الحُسَيْنِ فِي أَسْمَاءِ مَنْ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ (٣)، وَعَلَّقَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ: أَبَا البَرَكَاتِ بنَ شَهْلِيٍّ، وَهُوَ هَذَا، رَأَيْتُ ذلِكَ فِي طَبَقَةِ سَمَاعِهِ (٤). قَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَهُوَ ابنُ شَهْلِي بِاليَاءِ.
١٨ - عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الفَرَجِ (٥) بنِ إِبْرَاهِيْمَ البَزَّازُ، المَعْرُوْفُ بـ "ابنِ أَخِي стр. 210
نَصْرٍ" العُكْبَرِيُّ (١). ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ" وَقَالَ: سَمِعَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ وَالحَسَنِ بنِ شِهَابٍ العُكْبَرِيِّ. وَكَانَ لَهُ تَقَدُّمٌ فِي القُرْآنِ وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالفَرَائِضِ، وَجَمَعَ إِلَى ذلِكَ النُّسْكَ وَالوَرَعَ. стр. 211
وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ نَحْوَ ذلِكَ، وَقَالَ: كَانَ فَقِيْهَ الحَنَابِلَةِ بـ "عُكْبَرَا"، وَالمُفْتِي بِهَا، وَكَانَ خَيِّرًا، وَرِعًا، مُتَزَهِّدًا، نَاسِكًا، كَثِيْرَ العِبَادَةِ، وَكَانَ لَهُ ذِكْرٌ شَائِعٌ فِي الخَيْرِ، وَمَحَلٌّ رَفِيْعٌ عِنْدَ أَهْلِ بَلْدَتِهِ. وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ، وَأَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ المَذْكُوْرَةِ بِـ "عُكْبَرَا".
رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَأَخُوْهُ عَبْدُ اللهِ (١) وَغَيْرُهُمَا، وَسَمِعَ مِنْهُ مَكِّيٌّ الرُّمَيْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَمِمَّا أَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ:
اِعْجَبْ لِمُحْتَكِرِ الدُّنْيَا وَبَانِيْهَا (٢) … وعَنْ قَلِيْلٍ عَلَى كُرْهٍ يُخَلِّيْهَا
دَارٌ عَوَاقِبُ مَفْرُوْحَاتِهَا حَزَنٌ … إِذَا أَعَارَتْ أَسَاءَتْ فِي تَقَاضِيْهَا
يَا مَنْ يُسَرُّ بِأَيَّامٍ تَسِيْرُ بِهِ … إِلَى الفَنَاءِ وَأَيَّامٍ يُقَضِّيْهَا
قِفْ فِي مَنَازِلِ أَهْلِ العِزِّ مُعْتَبِرًا … وَانْظُرْ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ صَارَ أَهْلُوْهَا
صَارُوا إِلَى جَدَثٍ قَفْرٍ مَحَاسِنُهُمْ … عَلَى الثَّرَى وَدَوِيُّ (٣) الدُوْدِ يَعْلُوْهَا стр. 212
١٩ - طَاهِرُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ (١) بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ القَوَّاسِ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيْهُ стр. 213
الزَّاهِدُ الوَرِعُ، أَبُو الوَفَاءِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي نَصْرِ بنِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَضْلِ القَطَّانِ، وَأَبِي سَهْلٍ العُكْبَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَهَ أَوَّلًا عَلَى القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ" للفَتْوَى وَالمُنَاظَرَةِ (١)، وَكَانَ يُلْقِي المُخْتَصَرَاتِ مِنْ تَصَانِيْفِ شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى دَرْسًا، وَيُلْقِي مَسَائِلَ الخِلَافِ دَرْسًا، وَكَانَ إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي العِبَادَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالوَرَعِ. ذَكَرَ ابنُ نَاصِرٍ أَنَّهُ كَانَ زَاهِدَ وَقْتِهِ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (٢). وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: مِنْ أَعْيَانِ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ وَزُهَّادِهِمْ، كَانَ قَدِ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ، وَاعْتَكَفَ فِي بَيْتِ اللهِ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ يُوَاصِلُ الطَّاعَةَ لَيْلَهُ بِنَهَارِهِ، وَكَانَ قَارِئًا للقُرْآنِ، فَقِيْهًا، وَرِعًا، خَشِنَ العَيْشِ - انْتَهَى كَلَامُهُ - وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ (٣). ذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ فِي تَرْجَمَةِ صَاحِبِهِ أَبِي الفَضْلِ стр. 214
ابنِ العَالِمَةِ الإِسْكَافِيِّ المُقْرِئِ (١): أَنَّهُ كَانَ يَحْكِي مِنْ كَرَامَاتِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ أَشْيَاءَ عَجِيْبَةً.
مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ مَعِي رَغِيْفَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَعْبُرُ - يَعْنِي فِي السَّفِيْنَةِ - بِرَغِيْفٍ، وَأَمْشِي إِلَى مَسْجِدِ الشَّيْخِ فَأَقْرَأُ، ثُمَّ أَعُوْدُ مَاشِيًا إِلَى ذلِكَ المَوْضِعِ، فَأَنْزِلُ بِالرَّغِيْفِ الآخَرِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ (٢) يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَعْطَيْتُ المُلَّاحَ الرَّغِيْفَ فَرَمَى بِهِ وَاسْتَقَلَّهُ، فَأَلْقَيْتُ إِلَيْهِ الرَّغِيْفَ الآخَرَ، وَتَشَوَّشَ قَلْبِي لِمَا جَرَى، وَجِئْتُ الشَّيْخَ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ عَادَتِي، وَقُمْتُ عَلَى العَادَةِ، فَقَالَ لِي: قِفْ - وَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ قَطُّ بِذلِكَ - ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ وَطَائِهِ قُرْصًا فَقَالَ لِي: أُعْبُرْ بِهَذَا، فَلَحِقَنِي مِنْ ذلِكَ أَمْرٌ بَانَ عَلَيَّ. وَمَضَيْتُ فَعَبَرْتُ بِهِ، وَكَانَ ابنُ العَالِمَةِ - هَذَا - قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ.
وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ": كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ يُفْتِي وَيَعِظُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ الفِقْهَ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَكَانَ زَاهِدًا، أَمَّارًا بِالمَعْرُوْفِ، نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، أَقَامَ فِي مَسْجِدِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي العِبَادَةِ وَخُشُوْنَةِ العَيْشِ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ بنَ المُبَارَكِ الحَافِظَ يَقُوْلُ: سَأَلَ وَاحِدٌ أَبَا الوَفَاءِ بنَ القَوَّاسِ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي حَلْقَتِهِ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ"، стр. 215
وَكَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ قَدْ رَأَى السَّائِلَ فِي الحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ، مَكْشُوْفَ العَوْرَةِ، فَقَال لَهُ: لَا أُجِيْبُكَ عَنْ مَسْأَلَتَكَ حَتَّى تَقُوْمَ هَهُنَا فِي وَسَطِ الحَلْقَةِ، وَتَخْلَعَ قَمِيْصُكَ وَسَرَاوِيْلُكَ، وَتَقِفُ عُرْيَانًا، فَقَالَ السَّائِلُ: يَا سَيِّدِنَا، أَنَا أَسْتَحْيِيْ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، فَهَؤُلَاءِ الحُضُوْرُ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الَّذِيْنَ كَانُوا فِي الحَمَّامِ، وَدَخَلْتَ مُكَشَفًا بلَا مِئْزَرٍ، أَيْشٍ الفَرْقُ بَيْنَ جَامِعِ المَنْصُوْرِ وَالحَمَّامِ؟ فَاسْتَحْيَى الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًا طَوِيْلًا فِي النَّهْيِ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَأَجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ حَسَنَ الفَتْوَى، مُتَوَسِّطًا فِي المُنَاظَرَة فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، إِمَامًا فِي الإِقْرَاءِ، زَاهِدًا، شُجَاعًا، مِقْدَامًا، مُلَازِمًا لِمَسْجِدِهِ، يَهَابُهُ المُخَالِفُوْنَ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ (١)، وَحَضَرَهُ أَصحَابُ الشَّافِعِيِّ - عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَجُمُوْعِهِمْ - فِي فَوْرَةِ أَيَّامِ القُشَيْرِيِّ (٢) وَقُوَّتِهِمْ بِنِظَامِ المُلْكِ حَضَرَ، فَلَمَّا بَلَغَ الأَمْرُ إِلَى تَلْقِيْنِ الحَفَّارِ قَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُلَقِّنَهُ أَنَا، فَهَذَا كَانَ عَلَى مَذْهَبَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ وَابنَ أَمَتِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْكَ следующие страницы →