← Тараджим

Тараджим · id 31366

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت العثيمين

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (2 431 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رُبَّ رِيْحٍ لأُنَاسٍ عَصَفَتْ … ثُمَّ مَا إِنْ لَبِثَتْ أَنْ رَكَدَتْ وَكَذَاكَ الدَّهْرُ فِي أَفْعَالِهِ … قَدَمٌ زَلَّتْ وَأُخْرَى ثَبَتَتْ بَالِغٌ مَا كَانَ يَرْجُو دُوْنَهُ … وَيَدٌ عَمَّا اسْتَقَلَّتْ قَصُرَتْ وَكَذَا الأَيَّامُ مِنْ عَادَاتِهَا … أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ مَا أَصْلَحَتْ ثُمَّ تَأْتِيْكَ مَقَادِيْرُ لَهَا … فَتَرَى مُصْلِحَةً مَا أَفْسَدَتْ ٢٨ - عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ (١) بنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الشِّيْرَازِيُّ، ثُمَّ المَقْدِسِيُّ،

стр. 282

الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الفَرَجِ الأَنْصَارِيُّ، السَّعْدِيُّ، العُبَادِيُّ، الخَزْرَجِيُّ. شَيْخُ الشَّامِ فِي وَقْتِهِ، قَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ فِي زَمَانِنَا قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيَّ شَيْخُنَا يُوْسُفُ بنُ يَحْيَى (١) بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ نَسَبَ جَدِّهِ وَهُوَ: أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ يَعِيْشَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سَعِيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، كَذَا رَأَيْتُهُ، وَيُوْسُفُ هَذَا أَدْرَكْتُهُ. وَسَمِعْتُ مِنْهُ جُزْءًا، عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ الخُشُوْعِيِّ. وَلَكِنْ قَرَأْتُ بِخَطِّ جَدِّهِ نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمٍ (٢)

стр. 283

قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الشَّرِيْفِ النَّسَّابَةِ ابنِ الجَوَّانِيِّ (١) كِتَابًا إِلَى "مِصْرَ" أَسْأَلَهُ: هَلْ نَحْنُ مِنْ وَلَدِ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ أَوْ مِنْ أَخِيْهِ؟ فَجَاءَنِي خَطُّهُ فِي جُزْءٍ يَقُوْلُ: قَيْسُ بنُ سَعْدٍ انْقَرَضَ عَقِبُهُ. وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّسَّابِيْنَ مِثْلُ ابنُ شَجَرَةَ (٢) وَابنِ طَبَاطَبَا (٣) وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ وَلَدِ أَخِيْهِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَرَفَعَ نَسَبَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ إِلَى آدَمَ ﵇. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاصِحَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ إِلَى سَعْدٍ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّ النَّسَّابَةَ كَتَبَ لَهُ ذلِكَ، وَإِنَّما كَتَبَ لَهُ نَسَبَ سَعْدٍ إِلَى آدَمَ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ لَهُ: أَنْتُمْ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَفِي هَذَا النَّسَبِ المَذْكُوْرِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ سَعِيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالَ ابنُ الجَوَّانِيِّ.

стр. 284

لكِنْ ذَكَرَ النَّاصِحُ أَنَّ أَبَاهُ وَجَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً عِنْدَ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّيْنِ فِي خَيْمَةٍ، مَعَ الشَّرِيْفِ الجَوَّانِيِّ هَذَا، فَقَالَ السُّلْطَانُ: هَذَا الفَقِيْهُ - يُشِيْرُ إِلَى النَّاصِحِ - لَيْسَ فِي آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ صَاحِبُ صَنْعَةٍ إلَّا أَمِيْرٌ أَوْ عَالِمٌ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّرِيْفَ عِزَّ الدِّيْنِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِيَّ (١) الحَافِظَ صَاحِبَ "صِلَةِ التَّكْمِلَةِ فِي وَفَيَاتِ النَّقَلَةِ" ذَكَرَ نَسَبَ الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ إِلَى سَعْدٍ، مِثْلَ مَا أَخْرَجَهُ شَيْخُنَا يُوْسُفُ سَوَاءً، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَقَّبَ أَبَاهُ مُحَمَّدًا بِـ "الصَّافِي". تَفَقَّهَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بِـ" بَغْدَادَ" عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى مُدَّةً، وَقَدِمَ "الشَّامَ" (٢)

стр. 285

فَسَكَنَ بِـ "بَيْتِ المَقْدِسِ"، فَنَشَرَ مَذْهَبَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِيْمَا حَوْلَهُ، ثُمَّ أَقَامَ بِـ "دِمَشْقِ" فَنَشَرَ المَذْهَبَ وَتَخَرَّجَ بِهِ الأَصْحَابُ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي الحَسَنِ السِّمْسَارِ، وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيِّ وَوَعَظَ، وَاشْتُهِرَ أَمْرُهُ، وَحَصَلَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ، وَكَانَ إِمَامًا، عَارِفًا بِالفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، شَدِيْدًا فِي السُّنَّةِ، زَاهِدًا، عَارِفًا، عَابِدًا، مُتَأَلِّهًا، ذَا أَحْوَالٍ وَكَرَامَاتٍ، وَكَانَ تُتُشُ (١) صَاحِبُ "دِمَشْقَ" يُعَظِّمُهُ. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ فِي "الطَّبَقَاتِ": صَحِبَ الوَالِدُ مِنْ سَنَةِ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ وَتَرَدَّدَ إِلَى مَجْلِسِهِ سِنِيْنَ عِدَّةً، وَعَلَّقَ عَنْهُ أَشْيَاءً فِي الأُصُوْلِ

стр. 286

وَالفُرُوْعِ، وَنَسَخَ وَاسْتَنْسَخَ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَسَافَرَ إِلَى "الرَّحْبَةِ" (١) وَ"الشَّامِ" وَحَصَلَ لَهُ الأَصْحَابُ، وَالأَتْبَاعُ وَالتَّلَامِذَةُ، وَالغِلْمَانُ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَوَقَعَاتٌ مَعَ الأَشَاعِرَةِ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالحُجَّةِ فِي مَجَالِسِ السَّلَاطِيْنِ بِبِلَادِ "الشَّامِ"، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الخَضِرِ ﵇ دَفْعَتَيْنِ. وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي عِدَّةِ أَوْقَاتٍ عَلَى الخَاطِرِ كَمَا كَانَ يَتكَلَّمُ ابنُ القَزْوِيْنِيِّ الزَّاهِدُ (٢). فَبَلَغَنِي أَنَّ تُتُشَ (٣) لَمَّا عَزَمَ عَلَى المَجِيْءِ إِلَى "بَغْدَادَ" فِي الدَّفْعَةِ الأُوْلَى لَمَّا وَصَلَهَا السُّلْطَانُ [سَأَلَهُ الدُّعَاءَ] (٤) فَدَعَا لَهُ بِالسَّلَامَةِ، فَعَادَ سَالِمًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَدْعَى السُّلْطانُ وَهُوَ بـ "بَغْدَادَ" لأخِيْهِ تُتُشَ فَرُعِبَ

стр. 287

وَسَأَلَ أَبَا الفَرَجِ الدُّعَاءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَرَاهُ وَلَا تَجْتَمِعُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ تُتُشُ: وَهُوَ مُقِيْمٌ بِـ "بَغْدَادَ"، وَقَدْ بَرَزْتُ إِلَى عِنْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنَ المَصِيْرِ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَرَاهُ، فَعَجِبَ مِنْ ذلِكَ، وَبَلَغَ "هِيْتَ" (١) فَجَاءَهُ الخَبَرُ بِوَفَاةِ السُّلْطَانِ بِـ "بَغْدَادَ" فَعَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَزَادَتْ حِشْمَةُ أَبِي الفَرَجِ عِنْدَهُ وَمَنْزِلَتُهُ لَدَيْهِ. وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ السَّلَاطِيْنِ مِنَ المُخَالِفِيْنَ كَانَ أَبُو الفَرَجِ يَدْعُو عَلَيْهِ وَيُقُوْلُ: كَمْ أَرْمِيْهِ وَلَا تَقَعُ الرَّمْيَةُ بِهِ؟ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي هَلَكَ ذلِكَ المُخَالِفُ فِيْهَا، قَالَ أَبُو الفَرَجِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: قَدْ أَصَبْتُ فُلَانًا وَقَدْ هَلَكَ، فَؤُرِّخَتِ اللَّيْلَةُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ بِضْعَ (٢) عَشَرَ يَوْمًا وَرَدَ الخَبَرُ بِوَفَاةِ ذلِكَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَخْبَرَ أَبُو الفَرَجِ بِهَلَاكِهِ فِيْهَا. قَالَ: وَكَانَ أَبُو الفَرَجِ نَاصِرًا لاعْتِقَادِنَا، مُتَجَرِّدًا لِنَشْرِهِ (٣)، مُبْطِلًا لِتَأْوِيْلِ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، وَلَهُ تَصْنِيْفٌ فِي الفِقْهِ وَالوَعْظِ وَالأُصُوْلِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّرِيْفُ الجَوَّانِيُّ النَّسَّابَةُ، عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: تَكَلَّمَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ - أَيْ: الشِّيْرَازِيُّ الخَزْرَجِيُّ - فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ، فَصَاحَ رَجُلٌ مُتَوَاجِدًا

стр. 288

فَمَاتَ فِي المَجْلِسِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، فَقَالَ المُخَالِفُوْنَ فِي المَذْهَبِ: كَيْفَ نَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَمُتْ فِي مَجْلِسِنَا أَحَدٌ، وَإِلَّا كَانَ وَهْنًا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُلٍ غَرِيْبٍ، دَفَعُوا لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيْرٍ، فَقَالُوا: احْضُرْ مَجْلِسَنَا، فَإِذَا طَابَ المَجْلِسُ فَصِحْ صَيْحَةً عَظِيْمَةً، ثُمَّ لَا تتَكَلَّمْ حَتَّى نَحْمِلَكَ وَنَقُوْلُ: مَاتَ، وَنَجْعَلَكَ فِي بَيْتٍ، فَاذْهَبْ فِي اللَّيْلِ، وَسَافِرْ عَنِ البَلَدِ، فَفَعَلَ، وَصَاحَ صَيْحَةً عَظِيْمَةً، فَقَالُوا: مَاتَ، وَحُمِلَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَزَاحَمَ حَتَّى حَصَلَ تَحْتَهُ، وَعَصرَ عَلَى خُصاهُ، فَصَاحَ الرَّجُلُ فَقَالُوا: عَاشَ، عَاشَ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الضَّحِكِ، وَقَالُوا: المُحَالُ يَنْكَشِفُ. قَالَ النَّاصِحُ: وَكَانَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ يَقُوْلُ: كُلُّنَا فِي بَرَكَاتِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي - وَنَحْنُ بِـ "بَغْدَادَ" - قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ إِلَى بِلَادِهِم مِنْ أَرْضِ بَيْتِ المَقْدِسِ تَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ، فَزَارُوْهُ مِنْ أَقْطَارِ تِلْكَ البِلَادِ قَالَ: فَقَالَ جَدِّي قُدَامَةُ لِأَخِيْهِ: تَعَالَ نَمْشِي إِلَى زِيَارَةِ هَذَا الشَّيْخِ لَعَلَّهُ يَدْعُو لَنَا. قَالَ: فَزَارَاهُ (١)، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قُدَامَةُ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، ادْعُ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ حِفْظَ القُرْآنَ، قَالَ: فَدَعَا لَهُ بِذلِكَ، وَأَخُوْهُ لَمْ يَسْأَلْهُ شَيْئًا، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ، وَحَفِظَ قُدَامَةُ القُرْآنَ، وَانْتَشَرَ الخَيْرُ مِنْهُمْ بِبَرَكَاتِ دَعْوَةِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ. وَلِلشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ تَصَانِيْفٌ عِدَّةٌ فِي الفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، مِنْهَا: "المُبْهِجُ"

стр. 289

وَ"الإيْضَاحُ" وَ"التَّبْصِرَةُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ" مُخْتَصَرٌ (١) فِي الحُدُوْدِ، وَفِي أَصُوْلِ الفِقْهِ، وَ"مَسَائِلِ الامْتِحَانِ". وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ابنِ الشَيْخِ قَالَ: سَمِعْتُ وَالِدِيْ يَقُوْلُ: لِلشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ كِتَابُ "الجَوَاهِرِ" وَهُوَ ثَلَاثُوْنَ مُجَلَّدَةً يَعْنِي: فِي التَّفْسِيْرِ، قَالَ: وَكَانَتْ بِنْتُ الشَّيْخِ تَحْفَظُهُ، وَهِيَ أَمُّ زَيْنِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بنِ نَجَا الوَاعِظِ، الآتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٢). قَالَ أَبُو يَعْلَى بنُ القَلَانِسيِّ (٣) فِي "تَارِيْخِهِ" فِي حَقِّ الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ: كَانَ وَافِرَ العِلْم، مَتِيْنَ الدِّيْنِ، حَسَنَ الوَعْظِ، مَحْمُوْدَ السَّمْتِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ ثَامِنَ عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ"، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "البَابِ الصَّغِيْرِ"، وَقَبْرُهُ مَشْهُوْرٌ يُزَارُ. وَلِلشَيْخِ ﵀ ذُرِّيَّةٌ فِيْهِمْ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ، نَذْكُرُهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ هَذَا الكِتَابِ (٤)، يُعْرَفُوْنَ بِـ "بَيْتِ ابنِ الحَنْبَلِيِّ". وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ فِي "المُغْنِي" (٥)، وَالشَّيْخُ مَجْدُ الدِّيْنِ

стр. 290

ابنِ تَيْمِيَّةَ فِي "شَرْحِ الهِدَايَةِ" عَنْ أَبِي الفَرَجِ المَقْدِسِيِّ أَنَّ الوُضُوْءَ فِي أَوَانِي النُّحَاسِ مَكْرُوْهٌ، وَهُوَ هَذَا. وَذَكَرَا عَنْهُ أَيْضًا (١): أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الوُضُوْءِ يَصِحُّ الإتْيَانُ بِهَا بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهَا عَلَى غَسْلِهَا، وَقَدْ نَسَبَ أَبُو المَعَالِي بنُ المُنَجَّى (٢) هَذَا فِي كِتَابِهِ "النِّهَايَةِ" إِلَى أَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزِيِّ، وَهُوَ وَهْمٌ. ولَهُ غَرَائِبُ كَثيْرَةٌ: فَمِنْهَا: أَنَّهُ نَقَلَ فِي "الإيْضاحِ" رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَسَّ الأَمْرَدِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ. وَمِنْهَا: أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الجُنُبَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، ذَكَرَهُ فِي "الإيْضَاحِ" وَهُوَ غَرِيْبٌ، مُخَالِفٌ لِمَنْصُوْصِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَمِنْهَا: حَكَى فِي وُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِي الغِزْلَانِ رِوَايَتَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ خَرَّجَ وَجْهًا، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِي جَمِيْعِ الأَمْوَالِ إِمْكَانُ الأَدَاءِ، مِنْ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ إِمْكَانِ الأَدَاءِ لِوُجُوْبِ الحَجِّ. وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي "الإيْضَاحِ": إِذَا وَقَفَ أَرْضًا عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِيْنِ

стр. 291

لَمْ يَجِبْ فِي الخَارِجِ مِنْهَا العُشُرُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ فِيْهَا العُشُرُ، وَلِلإِمَامِ أَحْمَدَ نُصُوْصٌ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ المَعْرُوْفِ عِنْدَ الأَصْحَابِ. وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي "الإِيْضَاحِ" أَيْضًا، قَالَ: الصَّدَاقُ (١) يَجِبُ بِالعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ جَمِيْعُهُ بِالدُّخُوْلِ، وَلَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُوْلِ لَمْ يَسْقُطْ؛ لأنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالشَّفِيْعِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ. هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ غَرِيْبٌ جِدًّا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ فِي "المُبْهِجِ" فِي آخِرِ الوَصَايَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنَ الأَلْفِ عَتَقَ؛ فَجَعَلَ التَّعْلِيْقَ كَالمُعَاوَضَةِ، وَلِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ (٢) مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنَ "المُبْهِجِ" أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ عَلَّقَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ مَالٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا الأَصْلِ، وَأَنَّ التَّعْلِيْقَ مَعَاوَضَةٌ تَثْبُتُ (٣) فِي الذِّمَّةِ. وَذَكَرَ أَيْضًا فِي "المُبْهِجِ" إِذَا بَاعَ أَرْضًا فِيْهَا زَرْعٌ قَائِمٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ لَمْ يَتْبَعْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَهَلْ يَتْبَعْ أَمْ لَا؟ عَلَى وجْهَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتْبَعُ أَخَذَ البَائِع بِقَطْعِهِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَ الأَرْضَ مِنَ المُشْتَرِي إِلَى حِيْنِ

стр. 292

إِدْرَاكِهِ، وَأَمَّا إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ فَإِنَّهُ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ إِلَى حِيْنِ حَصَادِهِ. وَذَكَرَ فِيْهِ أَيْضًا: أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَبَانَ مَعِيْبًا وَنَمَا عِنْدَهُ نَمَاءً مُتَّصِلًا، ثُمَّ رَدَّهُ أَخَذَ قِيْمَةَ الزِّيَادَةِ مِنَ البَائِعِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذلِكَ ابنُ عَقِيْلٍ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ "فُصُوْلِهِ" (١). وَقَدْ نَقَلَ ابنُ مَنْصُوْرٍ (٢) عَنْ أَحْمَدَ، فِيْمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَنَمَتْ عِنْدَهُ، وَبَانَ بِهَا دَاءٌ، فَإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي حَبَسَهَا وَرَجَعَ بِقَدْرِ الدَّاءِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ النَّمَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الرُّجُوْعِ بِقِيْمَةِ النَّمَاءِ المُتَّصِلِ؛ لأنَّ النَّمَاءِ المُنْفَصِلَ مَعَ بَقَائِهِ إِمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّهُ المُشْتَرِي أَوِ البَائِعُ، وَأَمَّا قِيْمَتُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا أَحَدٌ مِنْهُمَا مَعَ بَقَائِهِ وَلَا تَلَفِهِ. ٢٩ - يَعْقُوْبُ بنُ إبْرَاهِيْمَ (٣) بنِ أَحْمَدَ بنِ سُطُوْرٍ العُكْبَرِيُّ البَرْزَبِيْنِيُّ، القَاضِي،

стр. 293

أَبُو عَلِيٍّ، قَاضِي بَابِ الأَزَجِ. قَدِمَ "بَغْدَادَ" بَعْدَ الثَّلَاثِيْنَ وَالأَرْبَعِمَائَةَ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي إِسْحَقَ البَرْمَكِيِّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَدَرَّسَ فِي حَيَاتِهِ، وَشَهِدَ عِنْدَ ابنِ الدَّامَغَانِيِّ، هُوَ وَالشَّرِيْفُ أبُو جَعْفَرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ. وَزكَّاهُمَا شَيْخُهُمَا القَاضِي. وَتَوَلَّى يَعْقُوْبُ القَضَاءَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" (١) مُدَّةً، وَرَأَيْتُ فِي "تَارِيْخِ القُضَاةِ" لابْنِ المَنْدَائِيِّ (٢) أَنَّ القَاضِيَ يَعْقُوْبَ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنْ قَضَاءِ بَابِ (١) الأَزَجِ

стр. 294

وَالشَّهَادَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَلِيَ القَضَاءَ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" مِنْ جِهَةِ الوَالِدِ، ثُمَّ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنِ القَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى مَوْتِهِ (١). قَالَ: وَكَانَ ذَا مَعْرِفَةٍ تَامَّةٍ بِأَحْكَامِ القَضَاءِ، وَإِنْفَاذِ السِّجِلَّاتِ مُتَعَفِّفًا فِي القَضَاءِ، مُتَشَدِّدًا فِي السُّنَّةِ. وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ أَعْرَفَ قُضَاةِ الوَقْتِ بِأَحْكَامِ القَضَاءِ وَالشُّرُوْطِ، سَمِعْتُ ذلِكَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الوُكَلَاءِ يَهَابُ قَاضِيًا مِثْلَ هَيْبَتِهِ لَهُ، وَلَهُ المَقَامَاتُ المَشْهُوْرَةُ بِالدِّيْوَانِ حَتَّى يُقَالُ:

стр. 295

إِنَّهُ كَعَمْرِو بنِ العَاصِ، والمُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قُوَّةِ الرَّأْيِ. وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: كَانَتْ لَهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ فِي القُرْآنِ، وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالمُحَاضَرَةِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الحَنَابِلَةُ بِـ "بَغْدَادَ" وَانْتَفَعُوا بِهِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيْرَةِ، جَمِيْلَ الطَّرِيْقَةِ، جَرَتْ أُمُوْرُهُ فِي أَحْكَامِهِ عَلَى سَدَادٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ عُمَرَ بنِ مِيْخَائِيْلَ العُكْبَرِيِّ (١)، وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَذَكَرَ لِي شَيْخُنَا الجُنَيْدُ بنُ يَعْقُوْبَ الجِيْلِيّ (٢) الفَقِيْهُ بِـ "بَابِ الأَزَجِ" أَنَّهُ سَمِعَ الحَدِيْثَ مِنَ القَاضِي أَبي عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ حَاضِرٌ بِمَا سُمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ: عَلَّقْتُ عَنْهُ الفِقْهَ، وَكَانَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوْخِنَا الأَصْبَهَانِيِّيْنَ مِنْهُ إِجَازَةٌ، مِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الخَلَّالِ، وَغَانِمِ بنِ خَالِدٍ، وَأَبي نَصْرٍ [بنِ] الغَازِي، وَمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاقِ الحَافِظِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: حَدَّثَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْيَاخُنَا. قُلْتُ: قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: صَنَّفَ كُتُبًا فِي الأُصُوْلِ وَالفُرُوْعِ، وَكَانَ لَهُ غِلْمَانٌ كَثيْرُوْنَ - يَعْنِي تَلَامِذَة - قَالَ: وَكَانَ مُبَارَكَ التَّعْلِيْمِ، لَمْ يَدْرِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا أَفْلَحَ وَصَارَ فَقِيْهًا، وَكَانَتْ حَلْقَتُهُ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَعَلَيْهِ تَفَقَّهَ القَاضِي

стр. 296

أَبُو حَازِمٍ، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبُو سَعْدٍ المُخَرِّمِيُّ، وَطَلْحَةُ العَاقُوْلِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَلهُ تَصَانِيْفُ فِي المَذْهَبِ مِنْهَا "التَّعْلِيْقَةُ فِي الفِقْهِ" فِي عِدَّةِ مُجَلَّدَاتٍ، وَهِيَ مُلَخَّصَةٌ مِنْ "تَعْلِيْقَةِ" شَيْخِهِ القَاضِي. وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ القَاضِي أَبُو طَاهِرِ بنِ الكَرْخِيِّ (١)، وَأَخُوْهُ أَبُو الحَسَنِ. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، كَذَا نَقَلَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ مِنْ خَطِّ شُجَاعٍ الذُّهَلِيِّ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا ابنُ المَنْدَائِيِّ (٢) - وَذَكَرَ الشَّهْرَ وَالسَّنَةَ - وَأَبُو الحُسَيْنِ، وَابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ". وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ": تُوفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ - وَقِيْلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنِ - وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَسَبْعِيْنَ سَنَةً، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِـ "بَابِ الأَزَجِ"، بِـ "مَقْبَرَةِ الفِيْلِ" إِلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ غُلَامِ الخَلَّالِ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَصَلَّى عَلَيْهِ أَكْبَرُ (٣) أَوْلَادِهِ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ مِنْ أَرْبَابِ الدِّيْنِ وَالدُّنْيَا، وَأَصْحَابُ المَنَاصِبِ، نَقِيْبُ العَبَّاسِيِّيْنَ، وَنَقِيْبُ العَلَوِيِّيْنَ، وَحُجَّابُ السُّلْطَانِ، وَجَمَاعَةُ الشُّهُوْدِ، وَغَيْرُهُمْ. وَ"بَرْزَبِيْنَ" بِفَتْحِ البَاءِ، وَسُكُوْنِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الزَّاي، وَكَسْرِ البَاءِ الثَّانِيَةِ،

стр. 297

ثُمَّ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَنُوْنٍ - قَرْيَةٌ كَبِيْرَةٌ عَلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ مِنْ "بَغْدَادَ" بَيْنَهَا وَبَيْنَ "أَوَانَا" (١). وَذَكَرَ القَاضِي يَعْقُوْبُ فِي "تَعْلِيْقَتِهِ" قَالَ: إِذَا نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُوْلُ (٢) فِيْهِ، كَمَا لَو نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَيَعْتِقُ (٣) ثُلُثُهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالعِتَاقُ آكَدُ؛ وَلِهَذَا يَفْتَرِقَانِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالغَضَبِ، وَهَذَا الاحْتِمَالُ الأَوَّلُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ القَاضِي وَابْنُ عَقِيْلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ المَذْهَبِ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُ بِأَنَّ العِتْقَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، كَالقَاضِي فِي "خِلَافِهِ" وَهَذَا مُوَافَقَةٌ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ بِالنَّذْرِ عِتْقُ ثُلُثِهِ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا البَاقِي يُعْتَقُ بِالسِّرَايَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّلُ بِقُوَّةِ العِتْقِ وَتَأْكِيْدِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ القَاضِي يَعْقُوْبُ هُنَا، وَعَلَى هَذَا فَالوَاجِبُ عِتْقُ العَبْدِ كُلِّهِ بِالنَّذْرِ. وَذَكَرَ القَاضِي يَعْقُوْبُ أَيْضًا: فِيْمَا إِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ دَرَاهِمَهُ الَّتِي عِنْدَهُ فَأَحَالَهُ بِهَا، وَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَبَرَّ (٤)؛ لأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِالحَوَالَةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ القَاضِي وَالأَصْحَابِ؛ فَإِنَّ الحَوَالَةَ نَقَلَتِ الحَقَّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهَا الاسْتِيْفَاءُ. وَرَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي زَكَرِيَّا بنِ الصَّيْرَفِيِّ (٥) الفَقِيْهِ أَنَّ القَاضِي أَبَا عَلِيٍّ يَعْقُوْبَ

стр. 298

اخْتَارَ جَوَازَ أَخْذِ الزَّكَاةِ لِبَنِي هَاشِمٍ، إِذَا مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنَ الخُمُسِ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الجُنَيْدِ بنِ يَعْقُوْبَ الجِيْلِيِّ الفَقِيْهِ: (فَرْعٌ) تَمْلِكُ الأُمُّ الرُّجُوْعَ فِي الهِبَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ القَاضِي يَعْقُوْبَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ، وَفِيْهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا تَمْلِكُ، اخْتَارَهَا بَقِيَّةُ الأَصْحَابِ. وَذَكَرَ القَاضِي يَعْقُوْبُ الخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الحُرُوْفَ هَلْ هِيَ حَرْفٌ وَاحِدٌ قَدِيْمٌ، أَوْ حَرْفَانِ قَدِيْمٌ وَمُحْدَثٌ؟ وَقَالَ: كَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ القَوْلَيْنِ، وَلكِنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ القَاضِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابنَ جَلَبَةَ الحَرَّانِيَّ يَحْكِيْهِ عَنِ الشَّرِيْفِ الزَّيْدِيِّ (١)، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ "حَرَّانَ". وَالْتَزَمَ القَاضِي يَعْقُوْبُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِكِتَابِ اللهِ مِنَ الكَلَامِ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَحُرُوْفِهِ فَهُوَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ خِطَابُ آدَمِيٍّ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَبْطِلُ الصَّلَاةَ. قَالَ أَبُو العَبَّاسِ بنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَذَا مُخالِفٌ للإجْمَاعِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ إِذَا جَرَّدَ قَصْدَهُ لِلْخِطَابِ فَهُوَ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ الآدَمِيِّيْنَ، وَأَمَّا إِنْ

стр. 299

قَصَدَ التَّنْبِيْهَ بِالقُرْآنِ، فَمِنَ الأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى الخِلَافِ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذلِكَ. ٣٠ - عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ طَالِبِ (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ يُوْسُفَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَنْبَسَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ كَعْبِ بنِ زَيْدِ بنِ بِهْمٍ (٢)، أَبُو القَاسِمِ التَّمِيْمِيُّ الأَزَجِيُّ البَغْدَادِيُّ،

стр. 300

المُقْرِئ (١)، الفَقِيْهُ، نَزِيْلُ "دِمَشْقَ" أَقَامَ بِهَا مُدَّةً يَؤُمُّ بِمَسْجِدِ "دَرْبِ الرَّيْحَانِ" (٢)، حَدَّثَ بِهَا بِالإِجَازَةِ مِنَ الطَّنَاجِيْرِيِّ (٣). سَمِعَ مِنْهُ ابنُ صَابِرٍ الدِّمَشْقِيُّ (٤) المُحَدِّثُ وَأَخُوْهُ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "البَابِ الصَّغِيْرِ"، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٥). ٣١ - رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (٦) بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَارِثِ بنِ أَسَدِ بنِ اللَّيْثِ

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 303

ابنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ الهَيْثَمِ بنِ عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ،

стр. 304

البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، شَيْخُ أَهْلِ "العِرَاقِ" فِي زَمَانِهِ، أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الفَرَجِ بنِ أَبِي الحَسَنِ. وُلِدَ سَنَة أَرْبَعِمَائَةَ، وَقِيْلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَفِي "الطَّبَقَاتِ" لابْنِ الجَوْزِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بنَ مُحَمَّدِ بنِ سَلَامَةَ الرَّوْحَانِيَّ (١) بِـ "مِصْرَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ رِزْقَ اللهِ التَّمِيْمِيَّ بِـ "بَغْدَادَ" يَقُوْلُ: مَوْلِدِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَسَمِعَ الحَدِيْث مِنْ أَبِي الحُسَيْن المُتَيَّمِ (٢)، وَأَبِي عُمَرَ بنِ مَهْدِي، وابْنَيْ بِشْرَانَ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَازَ لَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الصُّوْفِيُّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ أَبِي الفَرَجِ، وَعَمِّهِ أَبِي الفَضْلِ عَبْدِ الوَاحِدِ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ أَبِي مُوْسَى صَاحِبِ "الإرْشَادِ".

стр. 305

قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَقَرَأَ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ قِطْعَةً مِنَ المَذْهَبِ، وَأَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ مُجَاهِدٍ (١) رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الخَفَّافِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ سُوْرَةَ البَقَرَةِ، وَقَرَأَهَا عَلَى ابنِ مُجَاهِدٍ، وَأَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ (٢) رَجُلًا، وَهُوَ عُمَرُ بنُ تَعْوِيْذٍ، وَحَكَى عَنْهُ حِكَايَةً عَنِ الشِّبْلِيِّ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَشَهِدَ عَنْدَ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ مَاكُوْلَا قَاضِي القُضَاةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَوَلِيَ ابنُ الدَّامَغَانِيِّ تَرَكَ الشَّهَادَةَ؛ تَرَفُّعًا عَنْ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ، فَجَاءَ قَاضِي القُضَاةِ إِلَيْهِ مُسْتَدْعِيًا لِمَوَدَّتِهِ وَشَهَادَتِهِ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُ عِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ، مَقْصوْدَةً. قَالَ: وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ للتَّمِيْمِيِّ القُرْآنُ، وَالفِقْهُ، وَالحَدِيْثُ، وَالأَدَبُ وَالوَعْظُ، وَكَانَ جَمِيْلَ الصُّوْرَةِ، فَوَقَعَ لَهُ القَبُوْلُ مِنَ الخَوَاصِّ وَالعَوَامِّ،

стр. 306

وَأَخْرَجَهُ الخَلِيْفَةُ رَسُوْلًا إِلَى السُّلْطَانِ فِي مَهَامِّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ لَهُ الحَلْقَةُ فِي الفِقْهِ وَالفَتْوَى وَالوَعْظَ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى "بَابِ المَرَاتِبِ" كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ يَرْوِيْ فِيْهَا الحَدِيْثَ وَيُفْتِي، وَكَانَ يُمْضِي فِي السَّنَةِ أَرْبَعَ دُفُعَاتٍ فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُوْرَاءَ إِلَى مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ، وَيَعْقِدُ هُنَاكَ مَجْلِسًا لِلْوَعْظِ (١). وَقَالَ فِي "الطَّبَقَاتِ": كَانَتْ لَهُ المَعْرِفَةُ الحَسَنَةُ بِالقُرْآنِ، وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالأُصُوْلِ، والتَّفْسِيْرِ، وَاللُّغَةِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَالفَرَائِضِ، وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ. وَحُكِيَ عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ قَالَ: كَانَ سَيِّدَ الجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بَيْتًا، وَرِئَاسَةً، وَحِشْمَةً أَبَا مْحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ. وَكَانَ أَحْلَى النَّاسِ عِبَارَةً فِي النَّظَرِ، وَأَجْرَاهُمْ قَلَمًا فِي الفُتْيَا، وَأَحْسَنَهُم وَعْظًا. وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ فِي "فُنُوْنِهِ" - وَالكَلَامُ أَظُنُّهُ فِي "تَارِيْخِ بَغْدَادَ" -: وَمِنْ كِبَارِ مَشَايِخِي: أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ شَيْخُ زَمَانِهِ، كَانَ حَسَنَةَ العَالَمِ، وَمَاشِطَةَ "بَغْدَادَ". وَذَكَرَ عَنِ التَّمِيْمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: كُلُّ الطَّوَائِفِ تَدَّعِيْنِي. وَقَالَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ - فِيْمَا حَكَاهُ عَنِ السِّلَفِيِّ - كَانَ لَهُ لِسَانٌ وَعَارِضَةٌ، وَحَلَاوَةُ مَنْطِقٍ، وَهُوَ أَحَدُ الوُعَّاظِ المَذْكُوْرِيْنَ، وَالشُّيُوْخِ المُتَقَدِّمِيْنَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ: سَأَلْتُ المُؤْتَمِنَ السَّاجِيَّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ؟

стр. 307

فَقَالَ: هُوَ الإمَامُ عِلْمًا، وَنَفْسًا، وَأُبُوَّةً، وَمَا يُذْكَرُ عَنْهُ فَتَحَامُلٌ مِنْ أَعْدَائِهِ. وَقَالَ شِيْرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ (١) الحَافِظُ: هُوَ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ، سَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوْقًا، فَاضِلًا ذَا حِشْمَةٍ. وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ العَبْدَرِيُّ (٢): رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيُّ كَانَ شَيْخًا بَهِيًّا، ظَرِيْفًا، لَطِيْفًا، كَثِيْرَ الحِكَايَاتِ وَالمُلَحِ، مَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ سُكَّرَةَ (٣) فِي "مَشْيَخَتِهِ": مَا لَقِيْتُ فِي "بَغْدَادَ" مِثْلَهُ يَعْنِي التَّمِيْمِيَّ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ كَثيْرًا، وَإِنَّمَا لَمْ أُطِلْ ذِكْرُهُ لِعَجْزِي عَنْ وَصْفِهِ؛

стр. 308

لِكَمَالِهِ وَفَضْلِهِ. وَقَالَ ابنُ نَاصِرٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْخًا ابنَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً أَحْسَنَ سَمْتًا، وَهَدْيًا، وَاسْتِقَامَةً مِنْهُ، وَلَا أَحْسَنَ كَلَامًا، وَأَظْرَفَ وَعْظًا، وَأَسْرَعَ جَوَابًا مِنْهُ؛ وَلَقَدْ (١) كَانَ جَمَالًا لِلإِسْلَامِ كَمَا لُقِّبَ، وَفَخْرًا لِأَهْلِ العِرَاقِ خَاصَّةً، وَلِجَمِيْعِ بِلَادِ الإسْلَامِ عَامَّةً، وَمَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الشُّيُوْخِ وَالفُقَهَاءِ وَشُهُوْدِ الحَضْرَةِ، وَهُوَ شَابٌّ ابنُ عِشْرِيْنَ سَنَةً، فَكَيْفَ بِهِ وَقَدْ نَاهَزَ التِّسْعِيْنَ سَنَةً؟ وَكَانَ مُكَرَّمًا، وَذَا قَدْرٍ رَفِيعٍ عِنْدَ الخَلفَاءِ، مُنْذُ زَمَنِ القَادِرِ (٢) وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الخَلفَاءِ إِلَى خِلَافَةِ المُسْتَظْهِرِ. وَلَهُ تَصَانِيْفُ. مِنْهَا "شَرْحُ الإِرْشَادِ" لِشَيْخِهِ ابنِ أَبِي مُوْسَى فِي الفِقْهِ، وَ"الخِصَالُ وَالأَقْسَامُ". قَرَأَ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَاتِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُم: أَبُو الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَأَمْلَى الحَدِيْثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"أَصْبَهَانَ" لَمَّا قَدِمَهَا رَسُوْلًا مِنْ جِهَةِ المُقْتَدِي (٣)،

стр. 309

وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ الحُفَّاظُ: إِسْمَاعِيْلُ التَّيْمِيُّ (١)، وَأَبُو سَعْدِ بنِ البَغْدَادِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وَابنُ الخَاضِبَةِ، وَأَبُو مَسْعُوْدٍ سُلَيْمَانُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَأَبُو نُعَيْمِ بنِ الحَدَّادِ، وَأَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِيُّ، وَأَبُو نَصْرٍ الغَازِيُّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وابنُ نَاصِرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ. وَسَمِعَ مِنْهُ أَيْضًا: نَصْرُ اللهِ المِصِّيْصِيُّ، وَهِبَةُ اللهِ بنُ طَاوُسٍ، وَعَلِيُّ بنُ طِرَادٍ، وَالقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٢)، وَالقَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ، وَأَخُوْهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابنُ البَطِّيِّ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ. وَقَدْ رَوَى ابنُ (٣) السَّمْعَانِيِّ حَدِيْثَ: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا" عَنْ أَرْبَعَةٍ وَسَبْعِيْنَ، سَمَاعًا لَهُ، سَمِعُوْهُ مِنَ التَّمِيْمِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ "أَصْبَهَانَ" أَزْيَدُ مِنْ مَائَةِ رَاوٍ (٤)، وَآخِرُ مَنْ رَوَى

стр. 310

عَنْهُ السِّلَفِيُّ بِالإجَازَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي أَوَّلِ "تَارِيْخِهِ" بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَمِيْسٍ الحَوْزِيِّ (١) الحَافِظِ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَلِيٍّ الرَّازِيَّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي المَنَامِ بِـ "بَغْدَادَ" كَأَنَّهُ فِي مَسْجِدِ "عَتَّابٍ" (٢)، جَالِسٌ فِي القِبْلَةِ، وَعَلَيْهِ

стр. 311

بُرْدٌ كُحْليٌّ (١)، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفٍ، وَالمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَفِي الجَمَاعَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ وَهُوَ يَقُوْلُ لَهُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، ادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ - وَأَنَا أَقُوْلُ مَعَهُ -: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ فِي جَمِيْعِ الأَقْدَارِ، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ سُوْءِ الاخْتِيَارِ فِي جَمِيْعِ الأَقْدَارِ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ طَارِقٍ الكَرْكِيُّ (٢): سَمِعْتُ أَبَا الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ التَّمِيْمِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا دَخَلْتُ "سَمَرْقَنْدَ" (٣) بِرِسَالَةِ المُقْتَدِي إِلَى "مَلِكْشَاه" (٤) رَأَيْتُهُمْ يَرْوُوْنَ "النَّاسِخَ والمَنْسُوْخَ" لِهِبَةِ الله (٥) عَنْ خَمْسَةِ رِجَالٍ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: الكِتَابُ مَعِي، وَالمُصْنِّفُ جَدِّي لأُمِّيِّ، وَمِنْهُ سَمْعْتُهُ، وَلكِنْ مَا أُسْمِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُم إلَّا بِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَمَا كَانَ الظُّهْرُ حَتَّى جَاءَنِي كِيْسٌ فِيْهِ خَمْسُمَائَةُ دِيْنَارٍ وَالجَمَاعَةُ، فَسَمِعُوا عَلَيَّ، وَسَلَّمُوا إِلَيَّ الذَّهَبَ، قَالَ: وَلمَّا عُدْنَا مِنْ "سَمَرْقَنْدَ" وَدَخَلْنَا "أَصْبَهَانَ" وَأَمْلَيْتُ الحَدِيْثَ يَوْمَ جُمْعَةٍ، فَقَامَ الجَمَاعَةُ وَمَدَحُوْنِي، وَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا.

стр. 312

وَلأَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ شِعْرٌ حَسَنٌ (١)، قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: أَنْشَدَنَا هِبَةُ اللهِ بنُ طَاوُوسٍ (٢) بِـ "دِمَشْقَ"، أَنْشَدَنَا التَّمِيْمِيُّ لِنَفْسِهِ: (٣) وَمَا شنَآنُ الشَّيْبِ مِنْ أَجْلِ لَوْنِهِ … وَلكِنَّهُ حَادٍ إِلَى البَيْنِ مُسْرِعُ إِذَا مَا بَدَتْ مِنْهُ الطَّلِيْعَةُ آذَنَتْ … بِأَنَّ المَنَايَا خَلْفَهَا تَتَطَلَّعُ فَإِنْ قَصَّهَا المِقْرَاضُ صَاحَتْ بِأُختِهَا … فَتَظْهَرُ تَتْلُوْهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُ

стр. 313

وَإِنْ خُضِبَتْ حَالَ الخِضَابُ لأنَّهُ … يُغَالِبُ صُنْعَ اللهِ وَاللهُ أَصْنَعُ فَيُضْحِي كَرِيْشِ الدِّيْكِ فِيْهِ تَلَمُّعٌ … وَأَقْطَعُ مَا يُكْسَاهُ ثَوْبٌ مُلَمَّعُ إِذَا مَا بَلَغْتَ الأَرْبَعِيْنَ فَقُلْ لِمَنْ … يَوَدُّكَ فِيْمَا تَشْتَهِيْهِ وَتُسْرِعُ هَلِمُّوا لِنَبْكِي قَبْلَ فُرْقَةِ بَيْنِنَا … فَمَا بَعْدَهَا عَيْشٌ لَذِيْذٌ وَمَجْمَعُ وَخَلِّ التَّصَابِي وَالخَلَاعَةَ وَالهَوَى … وَأُمَّ طَرِيْقَ الحَقِّ فَالحَقُّ أَنْفَعُ وَخُذْ جُنَّةً تُنْجِي وَزَادًا مِنَ التُّقَى … وَصحْبَةَ مَأْمُوْنٍ، فَقَصْدُكَ مُفْزِعُ قَالَ: وَأَنْشَدَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، أَنْشَدَنَا التَّمِيْمِيُّ لِنَفْسِهِ (١): مَرَرْنَا عَلَى رَسْمِ الدِّيَارِ فَسَلَّمْنَا … وَقُلْنَا لَهُ يَا رَبْعُ أَيْنَ نَأَوْا عَنَّا وَجُدْنَا بِدَمْعٍ كَالرَّذَاذِ عَلَى الثَّرَى … فَصُمَّ المُنَادَى فَانْصَرَفْنَا وَمَا كُنَّا وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ رَسْمَ دِيَارِهِمْ … بِهِ كَالَّذِيْ نَلْقَى فَقَدْ زَادَنَا حُزْنَا

стр. 314

فَلَمَّا أَيِسْنَا مِنْ جَوَابِ رُسُوْمِهِمْ … نَزَلْنَا فَقَبَّلْنَا الثَّرَى قَبْلَ أَنْ رُحْنَا وَمِنْ شِعرِه (١): يَا وَيْحَ هَذَا القَلْبِ مَا حَالُهُ … مُشْتَغِلًا فِي الحَيِّ بِلْبَالُهُ سَكْرَانُ لَوْ يَصْحُو لَعَاتَبَهُ … وَكَيْفَ بِالعُتْبِ لِمَنْ حَالُهُ دَمْعٌ غَزِيْرٌ وَجَوًى كَامِنٌ … يَرْحَمُهُ مِنْ ذَاكَ عُذَّالُهُ مَا يَنْثَنِي بِاللَّوْمِ عَنْ حُبِّهِ … تَغَيَّرَتْ فِي الحُبِّ أَحْوَالُهُ

стр. 315

قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: (١) وَلَمْ أَسْتَطِعْ يَوْمَ الفِرَاقِ وَدَاعَهُ … بِلَفْظِي فَنَابَ الدَّمْعُ مِنِّي عَنِ القَوْلِ وَشَيَّعَهُ صَبْرِي وَنَوْمِي كِلَاهُمَا … فَعُدْتُ بِلَا أُنْسٍ نَهَارِي وَلَا لَيْلِي فَلَمَّا مَضَى أَقْبَلْتُ أَسْعَى مُوَلَّهًا … يَدَيَّ عَلَى رَأْسِي وَنَادَيْتُ يَا وَيْلِي تَبَدَّلْتُ يَوْمَ البَيْنِ بِالأُنْسِ وَحْشَةً … وَجَرَّرْتُ بِالخُسْرَانِ يَوْمَ النَّوَى ذَيْلِي وَلَهُ أَيْضًا (٢): لَا تَسْأَلَانِي عَنِ الحَيِّ الَّذِي بَانَا … فَإِنَّنِي كُنْتُ يَوْمَ البَيْنِ سَكْرَانَا يَا صَاحِبَيَّ عَلَى وَجْدِي بِنَعْمَانَا … هَلْ رَاجِعٌ وَصْلُ لَيْلَى كَالَّذِيْ كَانَا أَمْ ذَاكَ آخِرُ عَهْدٍ لِلِّقَاءِ بِهَا … فَنَجْعَلَ الدَّهْرَ مَا عِشْنَاهُ أَحْزَانَا مَا ضَرَّهُمْ لَوْ أَقَامُوا يَوْمَ بَيْنَهُمُ … بِقَدْرِ مَا يَلْبَسِ المَحْزُوْنُ أَكْفَانَا

стр. 316

لَيْتَ الجِمَالَ الَّتِي لِلْبَيْنِ مَا خُلِقَتْ … وَلَيْتَ حَادٍ حَدَا لِلْبَيْنِ حَيْرَانَا تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَة الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ مِنَ الغَدِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِـ "بَابِ المَرَاتِبِ" بِإِذْنِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ، وَلَمْ يُدْفَنْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ. ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ نُقِلَ مَعَهُ إِلَى مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ وَعَمِّهِ، بِدَكَّةِ الإمَامِ أَحْمَدَ عَنْ يَمِيْنِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الصَّالِحِيُّ (١) (أَثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ الهَمَذَانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَابُوْرَ (٢)

стр. 317

(أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَنْصُوْرٍ الشِّيْرَازِيُّ (حَ) وَأَنْبَأَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَكِّيِّ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي الطَّاهِرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَا: (أثَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَرِثِ بنِ أَسَدِ بنِ اللَّيْثِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ الهَيْثَم بن عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ - قَالَ الأَوَّلُ: سَمَاعًا، وَقَالَ الثَّانِي: إِجَازَةً (١) -: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الفَرَجِ عَبْدَ الوَهَّابِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الحَسَنِ عَبْدَ العَزِيْزِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا بَكْرٍ الحَرثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَسَدًا يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي اللَّيْثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي سُلَيْمَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي الأَسْوَدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي يَزِيْدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أُكَيْنَةَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي الهَيْثَمَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ عَلَى ذِكْرٍ (٢) إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ". "أُكَيْنَةُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وَفَتْحِ الكَافِ، وَبِاليَاءِ وَالنُّوْنِ المَفْتُوْحَةِ، قَيَّدَهُ

стр. 318

ابنُ مَاكُوْلَا وَغَيْرُهُ. وَعَبْدُ اللهِ هَذَا هُوَ ابنُ الحَارِثِ بنِ سَيْدَانَ بنِ مُرَّةَ بنِ سُفْيَان بنِ مُجَاشِعٍ بنِ دَارِمِ بنِ مَالِكِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكِ بنِ زَيْدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيْمٍ التَّمِيْمِيُّ. كَذَا نَسَبَهُ ابنُ مَاكُوْلًا. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَبْدُ اللهِ هَذَا اسْمُهُ عَبْدَ اللَّاتِ، فَسَمَّاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : عَبْدَ اللهِ، وَعَلَّمَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى اليَمَامَةِ وَالبَحْرِيْنَ؛ لِيُعَلِّمَهُمْ أَمْرَ دِيْنِهِمْ، وَقَالَ: "نَزَعَ اللهُ مِنْ صَدْرِكَ وَصَدْرِ وَلَدِكَ الغِلَّ وَالغِشَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قَرَأْتُ بِخَطِّ الإمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ وَافَقَ جَدَّهُ أَبَا الحَسَنِ عَلَى كَرَاهَةِ المَاءِ المُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ. وَنَقَلَ بَعْضُ الأَصْحَابِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ: أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ خُرُوْجَ المَنِيِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ يُوْجِبُ الغُسْلَ. وَذَكَرَ ابنُ الصَّيْرَفِيِّ (١) في "نَوَادِرِهِ" قَالَ: نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ: المَرْأَةُ تَعْدِمُ المَاءَ، وَيَكُوْنُ عِنْدَهُ مُجْتَمَعُ الفُسَّاقِ، فَتَخَافَ أَنْ تَخْرُجَ: أتَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ فِي "شَرْحِ الإِرْشَادِ": يَتَوَجَّهُ أَنْ تَتَيَمَّمَ؛ لأنَّهُ ضَرُوْرَةٌ، وَهَلْ تُعِيْدُ الوُضُوْءَ إِذَا قَدَرَتْ عَلَى المَاءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ العَزِيْزِ (٢) يَقُوْلُ: تُعِيْدُ الوَضُوْءَ وَالصَّلَاةَ إِذَا قَدَرَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا جُنَاحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا إِعَادَةَ، قَالَ:

стр. 319

وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَبِهِ يَقُوْلُ شَيْخُنَا يَعْنِي: ابنَ أَبي مُوْسَى. قُلْتُ: فَحَقِيْقَةُ الوَجْهَيْنِ فِي الإعَادَةِ إِنَّمِا هِيَ فِي الاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا حَرَجَ، وَقَدْ ذَكَرَ الأَصْحَابُ: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْضِي وَتتَيَمَّمُ بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوْزُ لَهَا المُضِيُّ إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ. وَفِي "النَّوَادِرِ" أَيْضًا: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ حَكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ مَعَ الكَرَاهَةِ. وَفِي "المَنْثُوْرِ" لابنِ عَقِيْلٍ: ذَكَرَ شَيْخُنَا (١) فِي "الجَامِعِ الكَبِيْرِ": إِذَا فَصَدَ، وَشَدَّ العِصَابَةَ: مَسَحَ عَلَيْهَا وَتَيَمَّمَ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ جُرْحًا فَيَتَيَمَّمُ لَهُ، أَوْ مِثْلَ الجَبِيْرَةِ فَيَمْسَحَهُ فَقَطْ، فَقَالَ القَاضِي: وَجَدْتُهُ عَنْ أَحْمَدَ كَذلِكَ - يَعْنِي: جَوَابَ التَّمِيْمِيِّ -. وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَاهِنْشَاه الأَعْظَمَ مَلِكَ المُلُوْكِ، وَخُطِبَ لَهُ بِذلِكَ، فَنَفَرَ العَامَّةُ، وَرَجَمُوا الخُطَبَاءَ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ، وَذلِكَ سَنَةَ تِسْعِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فَاسْتُفْتِيَ الفُقَهَاءُ فَكَتَبَ الصَّيْمَرِيُّ (٢): أَنَّ هَذِهِ الأَسْمَاء يُعْتَبَرُ فِيْهَا القَصْدُ وَالنِّيَّةُ،

стр. 320

وَكَتَبَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ (١): أَنَّ إِطْلَاقَ مَلِكِ المُلُوْكِ جَائِزٌ، وَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: مَلِكُ مُلُوْكِ الأَرْضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: "قَاضِيْ القُضَاةِ"، وَ"كَافِي الكُفَاةِ"، جَازَ أَنْ يُقَالَ: "مَلِكُ المُلُوْكِ". وَكَتَبَ التَّمِيْمِيُّ نَحْوَ ذلِكَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيّ (٢): أَنَّ القَاضِي المَاوَرْدِيُّ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ ذلِكَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ الأَكْثَرُوْنَ هُوَ القِيَاسُ إِذَا قُصِدَ بِهِ مُلُوْكُ الدُّنْيَا، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا مَا رَآهُ المَاوَرْدِيُّ؛ لأنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي الحَدِيْثِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَنْعِ، لكِنَّهُمْ عَنِ النَّقْلِ بِمَعْزِلٍ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيْحَيْنِ. وَابنُ الجَوْزِيِّ وَافَقَ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِـ "قَاضِي القُضَاةِ" وَنَحْوِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ القَيِّمِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَفِي مَعْنَى ذلِكَ - يَعْنِي: مَلِكَ المُلُوْكِ - كَرَاهِيَةُ التَّسْمِيَةِ بـ "قَاضِي القُضَاةِ"، وَ"حَاكِمِ الحُكَّامِ" فَإِنَّ حَاكِمَ الحُكَّامِ فِي الحَقِيْقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالفَضْلِ يَتَوَرَّعُوْنَ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ "قَاضِي
следующие страницы →