Полный текст (2 431 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
لَيْتَ الجِمَالَ الَّتِي لِلْبَيْنِ مَا خُلِقَتْ … وَلَيْتَ حَادٍ حَدَا لِلْبَيْنِ حَيْرَانَا
تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَة الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ مِنَ الغَدِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِـ "بَابِ المَرَاتِبِ" بِإِذْنِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ، وَلَمْ يُدْفَنْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ. ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ نُقِلَ مَعَهُ إِلَى مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ وَعَمِّهِ، بِدَكَّةِ الإمَامِ أَحْمَدَ عَنْ يَمِيْنِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الصَّالِحِيُّ (١) (أَثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ الهَمَذَانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَابُوْرَ (٢) стр. 317
(أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَنْصُوْرٍ الشِّيْرَازِيُّ (حَ) وَأَنْبَأَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَكِّيِّ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي الطَّاهِرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَا: (أثَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَرِثِ بنِ أَسَدِ بنِ اللَّيْثِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ الهَيْثَم بن عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ - قَالَ الأَوَّلُ: سَمَاعًا، وَقَالَ الثَّانِي: إِجَازَةً (١) -: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الفَرَجِ عَبْدَ الوَهَّابِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الحَسَنِ عَبْدَ العَزِيْزِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا بَكْرٍ الحَرثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَسَدًا يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي اللَّيْثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي سُلَيْمَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي الأَسْوَدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي يَزِيْدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أُكَيْنَةَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي الهَيْثَمَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ عَلَى ذِكْرٍ (٢) إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ".
"أُكَيْنَةُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وَفَتْحِ الكَافِ، وَبِاليَاءِ وَالنُّوْنِ المَفْتُوْحَةِ، قَيَّدَهُ стр. 318
ابنُ مَاكُوْلَا وَغَيْرُهُ. وَعَبْدُ اللهِ هَذَا هُوَ ابنُ الحَارِثِ بنِ سَيْدَانَ بنِ مُرَّةَ بنِ سُفْيَان بنِ مُجَاشِعٍ بنِ دَارِمِ بنِ مَالِكِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكِ بنِ زَيْدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيْمٍ التَّمِيْمِيُّ. كَذَا نَسَبَهُ ابنُ مَاكُوْلًا. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَبْدُ اللهِ هَذَا اسْمُهُ عَبْدَ اللَّاتِ، فَسَمَّاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : عَبْدَ اللهِ، وَعَلَّمَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى اليَمَامَةِ وَالبَحْرِيْنَ؛ لِيُعَلِّمَهُمْ أَمْرَ دِيْنِهِمْ، وَقَالَ: "نَزَعَ اللهُ مِنْ صَدْرِكَ وَصَدْرِ وَلَدِكَ الغِلَّ وَالغِشَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
قَرَأْتُ بِخَطِّ الإمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ وَافَقَ جَدَّهُ أَبَا الحَسَنِ عَلَى كَرَاهَةِ المَاءِ المُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ.
وَنَقَلَ بَعْضُ الأَصْحَابِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ: أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ خُرُوْجَ المَنِيِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ يُوْجِبُ الغُسْلَ.
وَذَكَرَ ابنُ الصَّيْرَفِيِّ (١) في "نَوَادِرِهِ" قَالَ: نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ: المَرْأَةُ تَعْدِمُ المَاءَ، وَيَكُوْنُ عِنْدَهُ مُجْتَمَعُ الفُسَّاقِ، فَتَخَافَ أَنْ تَخْرُجَ: أتَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ فِي "شَرْحِ الإِرْشَادِ": يَتَوَجَّهُ أَنْ تَتَيَمَّمَ؛ لأنَّهُ ضَرُوْرَةٌ، وَهَلْ تُعِيْدُ الوُضُوْءَ إِذَا قَدَرَتْ عَلَى المَاءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ العَزِيْزِ (٢) يَقُوْلُ: تُعِيْدُ الوَضُوْءَ وَالصَّلَاةَ إِذَا قَدَرَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا جُنَاحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا إِعَادَةَ، قَالَ: стр. 319
وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَبِهِ يَقُوْلُ شَيْخُنَا يَعْنِي: ابنَ أَبي مُوْسَى.
قُلْتُ: فَحَقِيْقَةُ الوَجْهَيْنِ فِي الإعَادَةِ إِنَّمِا هِيَ فِي الاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا حَرَجَ، وَقَدْ ذَكَرَ الأَصْحَابُ: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْضِي وَتتَيَمَّمُ بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوْزُ لَهَا المُضِيُّ إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ.
وَفِي "النَّوَادِرِ" أَيْضًا: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ حَكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ مَعَ الكَرَاهَةِ.
وَفِي "المَنْثُوْرِ" لابنِ عَقِيْلٍ: ذَكَرَ شَيْخُنَا (١) فِي "الجَامِعِ الكَبِيْرِ": إِذَا فَصَدَ، وَشَدَّ العِصَابَةَ: مَسَحَ عَلَيْهَا وَتَيَمَّمَ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ جُرْحًا فَيَتَيَمَّمُ لَهُ، أَوْ مِثْلَ الجَبِيْرَةِ فَيَمْسَحَهُ فَقَطْ، فَقَالَ القَاضِي: وَجَدْتُهُ عَنْ أَحْمَدَ كَذلِكَ - يَعْنِي: جَوَابَ التَّمِيْمِيِّ -.
وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَاهِنْشَاه الأَعْظَمَ مَلِكَ المُلُوْكِ، وَخُطِبَ لَهُ بِذلِكَ، فَنَفَرَ العَامَّةُ، وَرَجَمُوا الخُطَبَاءَ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ، وَذلِكَ سَنَةَ تِسْعِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فَاسْتُفْتِيَ الفُقَهَاءُ فَكَتَبَ الصَّيْمَرِيُّ (٢): أَنَّ هَذِهِ الأَسْمَاء يُعْتَبَرُ فِيْهَا القَصْدُ وَالنِّيَّةُ، стр. 320
وَكَتَبَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ (١): أَنَّ إِطْلَاقَ مَلِكِ المُلُوْكِ جَائِزٌ، وَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: مَلِكُ مُلُوْكِ الأَرْضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: "قَاضِيْ القُضَاةِ"، وَ"كَافِي الكُفَاةِ"، جَازَ أَنْ يُقَالَ: "مَلِكُ المُلُوْكِ". وَكَتَبَ التَّمِيْمِيُّ نَحْوَ ذلِكَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيّ (٢): أَنَّ القَاضِي المَاوَرْدِيُّ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ ذلِكَ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ الأَكْثَرُوْنَ هُوَ القِيَاسُ إِذَا قُصِدَ بِهِ مُلُوْكُ الدُّنْيَا، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا مَا رَآهُ المَاوَرْدِيُّ؛ لأنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي الحَدِيْثِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَنْعِ، لكِنَّهُمْ عَنِ النَّقْلِ بِمَعْزِلٍ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيْحَيْنِ. وَابنُ الجَوْزِيِّ وَافَقَ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِـ "قَاضِي القُضَاةِ" وَنَحْوِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ القَيِّمِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَفِي مَعْنَى ذلِكَ - يَعْنِي: مَلِكَ المُلُوْكِ - كَرَاهِيَةُ التَّسْمِيَةِ بـ "قَاضِي القُضَاةِ"، وَ"حَاكِمِ الحُكَّامِ" فَإِنَّ حَاكِمَ الحُكَّامِ فِي الحَقِيْقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالفَضْلِ يَتَوَرَّعُوْنَ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ "قَاضِي стр. 321
القُضَاةِ"، وَ"حَاكِمِ الحُكَّامِ" قِيَاسًا عَلَى مَا يُبْغِضُهُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِـ "مَلِكِ الأَمْلَاكِ"، وَهَذَا مَحْضُ القِيَاسِ.
قُلْتُ: وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ جَمَاعَةٍ (١) الكِنَانِيُّ الشَّافِعِيُّ - قَاضِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ، وَابْنُ قَاضِيْهَا - يَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يُخَاطِبُوْهُ بِـ "قَاضِي القُضَاةِ" أَوْ يَكْتُبُوا لَهُ ذلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبْدِلُوا ذلِكَ بِـ "قَاضِي المُسْلِمِيْنَ" وَقَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَأْثُوْرٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
يُوْضِحُ ذلِكَ: أَنَّ التَّلْقِيْبَ (٢) بِـ "مَلِكِ المُلُوْكِ" إِنَّمَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ مُلُوْكِ الفُرْسِ مِنَ الأَعَاجِمِ المَجُوْسِ وَنَحْوِهِمْ، وَكَذلِكَ كَانَ المَجُوْسُ يُسَمُّوْنَ قَاضِيْهِم "موبَذ مُوبَذان" يَعْنُوْنَ بذلِكَ: قَاضِي القُضَاةِ. فَالكَلِمَتَانِ مِنْ شَعَائِرِهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي التَّسْمِيَةُ بِهِمَا (٣). وَاللهُ أَعْلَمُ.
٣٢ - عَبْدُ الوَهَّابِ بِنُ رِزْقِ اللهِ (٤) بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ، أَبُو الفَضْلِ стр. 322
ابنِ أَبِي مُحَمَّدٍ المَذْكُوْرِ قَبْلَهُ. ذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: كَانَ فَاضِلًا، مُتْقِنًا، وَاعِظًا، جَمِيْلَ المُحَيَّا، (١) سَمِعَ أَبَا طَالِبِ بنَ غَيْلَان، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ حَدِيْثًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الفَضْلِ بنَ نَاصِرٍ يَقُوْلُ: مَاتَ أَبُو الفَضلِ عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا стр. 323
مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَبَاهُ نُقِلَ مَعَهُ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ" فِي هَذَا اليَوْمِ. وَذَكرَ أَبُو الحُسَيْنِ فِي "الطَّبَقَاتِ": أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ بَيْنَ يَدَيْ أَبيْهِ فِي مَجَالِسَ وَعْظِهِ بِمَقْبَرَةِ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَيَنْهَضُ بَعْدَ كَلَامِهِ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ، وَيُوْرِدُ فُصُوْلًا مَسْجُوْعَةً (١).
٣٣ - عبْدُ الوَاحِدِ بنِ رِزْقِ اللهِ (٢) بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ، أَبُو القَاسِمِ.
ذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَيْضًا، فَقَالَ: مِنْ أَوْلَادِ الأَئِمَّةِ وَالمُحَدِّثِيْنَ، قَرَأَ القُرآنَ وَالحَدِيْثَ وَالفِقْهَ، وَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ البَغْدَادِيِّيْنَ فِي الوَعْظِ، خُتِمَ بِهِ بَيْتُهُ، وَلَمْ يُعْقِبْ (٣) سَمِعَ أَبَا طَالِبِ بنَ غَيْلَانَ، وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيْرٍ. (٤) стр. 324
قُلْتُ: وَسَمِعَ هُوَ وَأَخُوْهُ عَبْدُ الوَهَّابِ مِنَ القَاضِي أَبي يَعْلَى، ثُمَّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ عَنْهُ، فَقَالَ: كَانَ صَدَّاعًا (١). وَكَانَ يَلْبَسُ الحَرِيْرَ. стр. 325
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ كَانَ يُرَاسِلُ بِهِ إِلَى المُلُوْكِ فِي أَيَّامِ المُسْتَظْهَرِ (١)، وَأَنَّهُ كَانَ شَدِيْدَ القُوَّةِ فِي بَدَنِهِ (٢)، وَأَنَّهُ حَدَّثَ بـ "أَصْبَهَانَ". وَسَمِعَ مِنْهُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاقُ الحَافِظُ. وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ سَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" عِنْدَ أَخِيْهِ أَبِي الفَضْلِ. رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
٣٤ - عَلِيُّ بنُ عَمْرِو (٣) بنِ الحَسَنِ بنِ عَمْرٍو الحَرَّانِيُّ، أَبُو الحَسَنِ بنُ الضَّرِيْرُ، стр. 326
الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ. صَحِبَ الشَّرِيْفَ أَبَا القَاسِمِ الزَّيْدِيَّ الحَرَّانِيَّ (١)، وَأَخَذَ عَنْهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ. وَتَفَقَّهَ بِـ "بَغْدَادَ" عَلَى القَاضِي، وَكَانَ مِنْ أَكَابِر شُيُوْخِ "حَرَّانَ". ذَكَرَهُ أَبُو الفَتْحِ بنُ عَبْدُوْسٍ (٢)، وَغَيْرُهُ وَحَدَّثَ بِـ "الإبَانَةِ الصُّغْرَى" لابنِ بَطَّةَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "حَرَّانَ"، بِسَمَاعِهِ مِنَ الشَّرِيْفِ الزَّيْدِيِّ، بِسَمَاعِهِ مِنِ ابنِ بَطَّةَ. قَرَأْتُ بخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَنْشَدَهُمْ لِغَيْرِهِ:
وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الأَرْضِ إلَّا تَوَاضُعًا … فَكَمْ تَحْتَهَا قَوْمٌ هُمْ مِنْكَ أَرْفَعُ
فَإِنْ كُنْتَ فِي عِزٍّ وَحِرْزٍ وَمَنْعَةٍ … فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْمٍ هُمْ مِنْكَ أَمْنَعُ
وَذَكَرَهُ أَبُو الحُسَيْنِ فَقَال: الصَّالِحُ التَّقِيُّ، صَاحِبُ الوَالِدِ السَّعِيْدِ.
تُوُفِّيَ بِـ "سَرُوْجَ" (٣) فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ.
وَحَكَى لِي ابنُهُ خَلِيْفَةُ (٤) قَالَ: حَكَى لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ "سَرُوْجَ" مِنَ стр. 327
الصَّالِحِيْنَ أَنَّهُ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَائِلًا يَقُوْلُ لَهُ: يَا فُلَانَ، إِلَى مَتَى تَنَامُ؟ قُمْ، قَدْ انْهَدَمَ رُبْعُ الإسْلَامِ. قَالَ: فَانْتَبَهْتُ، وَانْزَعَجْتُ، ثُمَّ عُدْتُ نِمتُ، فَرَأَيتُ القَائِلَ يَقُوْلُ: كَمْ تَنَامُ، قَدِ انْهَدَمَ رُبْعُ الإسْلَامِ؟! قَالَ: فَقَعَدْتُ وَاستَغْفَرْتُ اللهَ تَعَالَى، وَقُلْتُ: أَيْشٍ هَذَا؟ قَالَ: ثُمَّ نِمتُ، فَقَالَ لِي يَا فُلَانُ، قَدِ انْهَدَمَ رُبْعُ الإِسْلَامِ، قَدْ مَاتَ عَلِيُّ بنُ عَمْرٍو، قَالَ: فَأَصْبَحْتُ وَقَدْ مَاتَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (١).
٣٥ - عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ الكَرْخِيُّ (٢) النَّهْرِيُّ، الفَقِيْهُ، أَبُو الحَسَنِ. وَقَالَ ابنُ نُقْطَةَ: стр. 328
هُوَ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيْهُ، مِنْ أَقْرَانِ ابنِ عَقِيْلٍ.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: تَفَقَّهَ عَلَى الوَالِدِ، وَدَرَّسَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَكَانَ كَثيْرَ الذَّكَاءِ، قَيِّمًا بِالفَرَائِضِ (١). سَمِعَ مِنَ الوَالِدِ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ.
وَتُوُفِّيَ فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ إِمَامًا، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ جَامِعِ المَنْصُوْرِ (٢). стр. 329
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ النَّهْرِيَّ قَالَ: كُنْتُ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ أَمْشِي مَعَ القَاضِي الإمَامِ وَالِدِكَ، فَالتَفَتُّ، فَقَالَ لِي: لَا تَلْتَفِتْ إِذَا مَشَيْتَ؛ فَإِنَّهُ
стр. 330
يُنْسَبُ فَاعِلُ ذلِكَ إِلَى الحُمْقِ، قَالَ: وَقَالَ لِي يَوْمًا آخَرَ - وَأَنَا أَمْشِي مَعَهُ -: إِذَا مَشَيْتَ مَعَ مَنْ تُعْظِّمُهُ، أَيْنَ تَمْشِي مِنْهُ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: عَنْ يَمِيْنِهِ، تُقِيْمُهُ مَقَامَ الإمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَتُخْلِي لَهُ الجَانِبَ الأَيْسَرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْثِرَ أَوْ يُزِيْلَ أَذًى جَعَلَهُ فِي الجَانِبِ الأَيْسَرِ.
٣٦ - عَبدُ اللهِ بنُ جابِرِ بنِ يَاسِيْنَ (١) بنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مَحْمُوْيَهْ стр. 331
ابنِ خَالِدٍ العَسْكَرِيُّ، الحِنَّائِيُّ، العَطَّارُ، الفَقِيْهُ، المُحَدِّثُ، أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الحَسَنِ.
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ أَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَأَبِي القَاسِمِ بنِ بِشْرَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبي يَعْلَى، وَاسْتَمْلَى عَلَيْهِ الحَدِيْثَ. قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: تَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَكَانَ
стр. 332
خَالَ أَوْلَادِهِ، وَكَانَ صَدُوْقًا، مَلِيْحَ المُحَاضَرَةِ، حَسَنَ الخَطِّ بَهِيَّ المَنْظَرِ، وَكَانَ يَسْتَمْلِي للْقَاضِي أَبِي يَعْلَى بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ".
وَقَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: عَلَّقَ عَنِ الوَالِدِ قِطْعَةً مِنَ المَذْهَبِ وَالخِلَافِ، وَكَتَبَ أَشْيَاءَ مِنْ تَصَانِيْفِهِ، وَكَانَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ، حَسَنَ الوَجْهِ، مَلِيْحَ المُحَاضَرَةِ، كَثِيْرَ القِرَاءَةِ للقُرْآنِ، مَلِيْحَ الخَطِّ، حَسَنَ الحِسَابِ.
وَذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَلِيَّ بنَ سُكَّرَةَ (١) عَنْه؟ فَقَالَ: كَانَ شَيْخًا مَسْتُوْرًا، فَاضِلًا. رَوَى عَنْهُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَعُمَرُ بنُ ظَفَرٍ، وَجَمَاعَةٌ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ: مَاتَ خَالِي يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ إِمَامًا، وَدُفِنَ بِمَقْبَرةِ "بَابِ حَرْبٍ" قَرِيْبًا مِنْ قَبْرِ الإمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ شُجَاعٌ الذَّهْلِيُّ: مَاتَ يَوْمَ الخَمِيْسِ حَادِي عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ، قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: وَالأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ وَإِنَّمَا دُفِنَ يَوْمَ الخَمِيْسِ.
٣٧ - وَكانَ أَبُوْهُ أَبُو الحَسَنِ جَابِرِ بنُ يَاسِيْنَ (٢)، ثِقَةً، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، سَمِعَ مِنْ أَبِي حَفْصٍ الكِنَانِيِّ، وَالمُخَلِّصِ، وَجَمَاعَةٍ، وَحَدَّثَ، رَوَى عَنْهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ (٣). وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فِي شَوَّالٍ.
وَ"مَحْمُوْيَهْ" فِي نَسَبِهِ - بِمِيْمٍ مَفْتُوْحَةٍ، ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ مِيْمٍ مَضْمُوْمَةٍ، стр. 333
هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ، وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ: "حَمُّوْيَه" بِلَا مِيْمٍ فِي أَوَّلِهِ. وَ"الحِنَّائِيُّ" أَظُنُّهُ مَنْسُوْبٌ إِلَى بَيْعِ الحِنَّاءِ.
٣٨ - زِيَادُ بنُ عَلِيِّ بنِ هَارُوْن، أبو القاسِمِ الجِيْليُّ (١) الفَقِيْهُ، نَزِيْلُ "بَغْدَادَ" سَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ عُمَرَ بنِ عَليٍّ اللَّيْثِيِّ البُخَارِيِّ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِكِتَابِ "الْوَجِيْزِ" لابنِ خُزَيْمَةَ (٢)، سَمِعَهُ مِنْهُ أَبُو الحَسَنِ بنُ الزَّاغُونِّي، وَأَبُو الحُسَيْنِ стр. 334
ابنُ الآبَنُوْسِيِّ (١)، وَرَوَاهُ عَنْهُ. وَذَكَرَ هِبَةُ اللهِ السِّقْطيُّ: أَنَّ زِيَادًا الفَقِيْهَ الحَنْبَلِيَّ تُوفِّيَ فيِ طَاعُوْنِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (٢).
٣٩ - إِسْماعِيْل بنُ حَمْدِ (٣) بنِ مُحَمَّدِ بنِ خَيْرَانَ البَزَّارُ الهَمَذَانِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الحَافِطُ، مُكْثِرٌ، سمِعَ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" عَبْدَ الغَافِرِ الفَارِسِيَّ، وَأَبَا عُثْمَانَ الصَّابُوْنيَّ، وَأَخَاهُ أَبَا يَعْلَى، وَأَبَا حَفْصِ بنَ مَسْرُوْرٍ. وَبِـ "أَصْبَهَانَ" أَبَا عُمَرَ (٤) ابنَ مَنْدَه، وَغَيْرَهُ، وَسَمِعَ بِبُلْدَانٍ شَتَّى، وَحَدَّثَ بِـ "بَغْدَادَ"، سَمِعَ عَلَيْهِ مَشَايِخُ الوَقْتِ بِـ "خُرَاسَانَ" وَ"الجَبَلَ"، وَكَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا، قَدِيْمَ الحَدِيْثِ. стр. 335
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ بـ "بَغْدَادَ" يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ رَابِعَ عِشْرِيْنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ (١) بِـ "المَارِسْتَان". ودُفِنَ بِـ "بَابِ حَرْبٍ" (٢).
٤٠ - مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ جَدَّا (٣) العُكْبَرِيُّ، أَبُو بَكْرِ بنِ أَبِي الحُسَيْنِ المُتَقَدِّمِ. ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "التَّارِيْخِ" وَقَالَ: كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ، نَزَلَ يَتَوَضَأُ فِي دِجْلَةَ فَغَرِقَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِيْنَ وأَرْبَعِمَائَةَ. وَقَالَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ: يَوْمَ الخَمِيْسِ خَامِسَ رَبِيْعٍ الأَوَّلِ.
قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: سَمِعَ مَعَ وَالِدِهِ مِنْ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي حُضُوْرًا (٤) سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَمَاتَ شَابًّا، وَمَا أَظُنُّهُ رَوَى شَيْئًا. стр. 336
٤١ - عَبْدُ البَاقِي بنُ حَمْزَةَ (١) بنِ الحُسَيْنَ (٢) الحَدَّادُ، الفَرَضِيُّ، أَبُو الفَضْلِ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ. وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، فَقَالَ: شَيْخٌ، صَالِحٌ، خَيِّرٌ، كَانَ قَدْ قَرَأَ الفِقْهَ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ فِي الفَرَائِضِ وَالحِسَابِ، سَمِعَ أَبَا مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيَّ وَغَيْرَهُ. وَرَوَى لَنَا عَنْهُ أَبُو الغَنَائِمِ سَرَايَا بنُ هِبَةِ اللهِ الحَرَّانِيُّ، وَأَبُو الفَضْلِ بنُ نَاصِرٍ الحَافِظُ، سَأَلْتُهُ عَنْهُ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَوَثَّقَهُ، وَقَالَ: ثِقَةٌ، خَيِّرٌ.
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَيْضًا مِنْ أَبَوَي الحُسَيْنِ بنِ المُهْتَدِي، وَابْنِ حَسْنُوْنَ، وَأَبِي عَلِيٍّ المُبَارَكِ، وَهَنَّادٍ النَّسَفِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَنَّهُ حَدَّثَ بِالْيَسِيْرِ، وَرَوَى عَنْهُ سَعِيْدُ بنُ الرَزَّازِ الفَقِيْهُ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ المُقْرِئُ المَعْرُوْفُ بِـ "سِبْطِ الخَيَّاطِ"، وأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ خُذَادَاذَ الحَدَّادُ.
تُوُفِّي يَوْمَ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ في مَقْبَرَةَ "بَابِ أَبْرِز" (٣). стр. 337
قُلْتُ: لَهُ كِتَابُ "الإِيْضَاحِ فِي الفَرَائِضِ" (١)، رَأَيْتُ مِنْهُ المُجَلَّدَ الأَوَّلَ، وَهُوَ حَسَنٌ جدًّا، صَنَّفَهُ عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَحرَّرَ فِيْهِ نَقْلَ المَذْهَبِ تَحْرِيْرًا جَيِّدًا، وَمِمَّا ذَكَرَ فِيْه، فِي (بَابِ تَوْرِيْثِ ذَوِيْ الأَرْحَامِ)، فِي عَمَّةٍ لأَبَوَيْنِ، وَعَمَّةٌ لأَبٍ، وَعَمَّةٍ لأُمٍّ، المَالُ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمْسَةٍ، لِلْعَمَّةِ مِنَ الأَبَوَيْنِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلْعَمَّةِ مِنَ الأَبِ سَهْمٌ، وَلِلْعَمَّةِ مِنَ الأُمِّ سَهْمٌ، هَذَا إِذَا نَزَّلْنَاهُنَّ أبًا، فَأَمَّا إِذَا نَزَّلْنَاهُنَّ عَمًّا، فَفِي ذلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَمِنْهُم مَنْ قَالَ: الأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أَنْ يَكُوْنَ المَال (٣) لِلْعَمَّةِ مِنَ (٢) الأَبَوَيْنِ، بِمَنْزِلَةِ الأَعْمَامِ المُفَرَّقِيْنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الأَشْبَهُ أَنْ يُجْعَلَ المَالُ (٣) بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمْسَةٍ، стр. 338
كأَنَّ العَمَّ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ كَمَا قُلْنَا فِي الأَبِ، قَالَ: وَهَذَا هُو المَنْصُوْصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَجَدْتُهُ فِي كِتابِ "الشَّافي" لأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيْزِ، مِنْ رِوَايَةِ حَرْبِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ قِيْلَ لَهُ فِي ثَلَاثِ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ قَالَ: عَلَى النِّصْفِ وَالسُّدُسِ، قِيْلَ لَهُ: أَلَيْسَ المَالُ لِلْعَمَّةِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ؟ قَالَ: لَا، وَهَذَا نَصٌّ.
قُلْتُ: لَمْ يُبَيِّنْ أَحْمَدُ الأَصْلَ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ هَذَا الجَوَابُ، وَهَلْ هُوَ تَنْزِيْلُ العَمَّاتِ أَبًا أَوْ عَمًّا؟ وَعَنْهُ فِي ذلِكَ رِوَايَاتٌ مَعْرُوْفَةٌ، لكِنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ أَنْ يَكُوْنَ المَالُ تَخْتَصُّ بِهِ العَمَّةُ لِلأَبَوَيْنِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: بِتَنْزِيْلِهَنَّ أَبًا أَوْ عَمًّا، ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذلِكَ بَيْنَ تَنْزِيْلِهِنَّ أَبًا أَوْ عَمًّا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِيْ عَلَيْهِ جُمْهُوْرُ الأَصْحَابِ، وَالأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابنُ الحَدَّادِ عَنْ بعْضِ الأَصْحَابِ قَدْ قَالَهُ الشِّيْرَازيُّ فِي "المُبْهِجِ" وَغَيْرُهُ، وَجَعَلُوا العَمَّاتُ بِمَنْزِلَةِ الأَعْمَامِ المُفَرَّقِيْنَ، وَهَذَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَنَصِّ أَحْمَدَ، فَهُوَ ضَعِيْفٌ فِي القِيَاسِ أَيْضًا؛ فَإنَّا لَا نُنَزِّلُ العَمَّاتِ أَعْمَامًا مُتَفَرِّقِيْنَ بِمَنْزِلَةِ إِخْوَتِهِنَّ حَتَّى تُنَزَّل العَمَّةُ لِأُمٍّ عَمًّا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ سُقُوْطُهَا أَلْبَتَّةَ؛ لأنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ،
стр. 339
وَإِنَّما نُنَزِّلُهُنَّ كُلُّهُنَّ أَعْمَامًا لِأَبَوَيْنِ بِمَنْزِلة أَخِيْهِنَّ العَمِّ مِنَ الأَبَوَيْنِ وَلَا يُقَالُ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَقْتَسِمُوا المَالَ بَيْنَهُنَّ بِالسَّويَّةِ كَالأَعْمَامِ المُتَّفِقِيْنَ؛ لأَنَّا نَجْعَلُ المُدْلَى بِهِ - وَهُوَ العَمُّ - كَمَيِّتٍ وَرِثَهُ أَخَوَاتُهُ، وَهُنَّ العَمَّاتُ الثَّلَاثُ، فَيَقْتَسِمُوْنَ المَالَ عَلَى خَمْسَةٍ، كَمَا قُلْنَا مِثْلُ ذلِكَ فِي تَنْزِيْلِهِنَّ أَبًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ القَاعِدَةَ: أَنَّهُ إِذَا أَدْلَى جَمَاعَةٌ بِوَارِثٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَتَفَاضَلُوا بِالسَّبْقِ إِلَيْهِ فَنَصِيْبُهُ بَيْنَهُم عَلَى حَسَبِ مِيْرَاثِهِم مِنْهُ لَوْ وَرِثُوْهُ، سَوَاءً اخْتَلَفَتْ مَنَازِلُهُم مِنْهُ كَالإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ المُفْتَرِقِيْنَ، أَوْ تَسَاوَتْ كَأَوْلَادِهِ وإخْوَتِهِ المُتَّفِقِيْنَ.
٤٢ - مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (١) (٢) بنِ جَعْفَرٍ الرَّاذَانِيُّ، المُقْرِئُ الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، стр. 340
نَزِيْلُ "أَوَانَا" (١) أبُو عَبْدِ اللهِ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعَمَائَةَ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْن: صَحِبَ الوَالِدَ، وَكَانَ زَاهِدًا، وَرِعًا، عَالِمًا بِالقِرَاءَاتِ (٢) وَغَيْرِهَا، وَعَدَّهُ أَيْضًا مِمَّن تَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ.
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ: أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَمِنْ أَبي الغَنَائِمِ بنِ المَأْمُونِ، وَأَبِي بَكْرِ بنِ حُمُّدُوْيَهْ (٣)، وَخَلَقٌ، وَأَنَّهُ حَدَّثَ بِاليَسِيْرَ.
وَرَوَى عَنْهُ الحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ اليُوْنَارْتِي (٤) فِي "مُعْجَمِهِ" وَقَالَ: أَخْبَرَنَا стр. 341
الشَّيْخُ، الإِمَامُ الزَّاهِدُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّاذَانِيُّ.
وَقَالَ ابنُ السَّمْعَانيِّ: كَانَ فَقِيْهًا، مُقْرِئًا، مِنَ الزُّهَّادِ المُنْقَطِعِيْنَ، وَالعُبَّادِ الوَرِعِيْنَ، مُجَابَ الدَّعوة، صَاحِبَ كَرَامَاتٍ، سَمِعَ مِنَ القَاضِيْ أَبِي يَعْلَى، وَغَيْرِهِ. سَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ حَرِيْفَا (١) الشَّيخُ الصَّالِحُ بِـ "اللَّجْمَةِ" يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبي عَبْد اللهِ الرَّاذَانِي، وَاعْتَذَرْتُ عَنْ تَأَخُّرِي عَنْهُ، فَقَالَ: لَا تَعْتَذِرْ (٢)؛ فَإِنَّ الاجْتِمَاعَ مُقَدَّرٌ.
وَسَمِعْتُ ظَافِرَ بنَ مُعَاوِيَةَ المُقْرِئُ بِالحَرْبِيَّةِ (٣) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ الرَّاذَانِي أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَلَاةِ، فَجَاءَ ابْنُهُ إِلَيْهِ - وكَانَ صَغِيْرًا - وَقَالَ: يَا أَبي أُرِيْدُ غَزَالًا أَلْعَبُ بِهِ، فَسَكَتَ الشَّيْخُ، فَلَحَّ الصَّبِيُّ، وَقَالَ: لَا بُدَّ لِي مِنْ غَزَالٍ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: اسْكُتْ يَا بُنَيَّ، غَدًا يَجِيْئُكَ غَزَالٌ، فَمِنَ الغَدِ كَانَ الشَّيْخُ قَاعِدًا فِي بَيْتِهِ، فَجَاءَ غَزَالٌ وَوَقَفَ عَلَى بَابِ الشَّيْخِ، وَكَانَ يَضْرِبُ بِقَرْنَيْهِ البَابَ إِلَى أَنْ فَتَحُوا لَهُ البَابَ وَدَخَلَ، فَقَالَ الشَّيْخُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، جَاءَكَ الغَزَالُ. стр. 342
وَذَكَرَ ابنُ النَّجَّارِ بإِسْنَادِهِ: أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بالطَّلَاقِ أَنَّهُ رَآهُ بِـ "عَرَفَةَ"، وَلَمْ يَكُنِ الشَّيْخُ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأَخْبَرَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ إِبْلِيْسَ عَدُوَّ اللهِ يَسِيْرُ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ في إِفْتَانِ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَةٍ في لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُنْكَرُ لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِ اللهِ أَنْ يَمْضِيَ في طَاعَةِ اللهِ بِإِذْنِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ إِلَى مَكَةَ وَيَعُوْدَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الحَالِفِ وَقَالَ: طِبْ نَفْسًا، فَإِنَّ زَوْجَتَكَ مَعَكَ حَلَالٌ (١).
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ الرَّاذَانِيُّ كَثِيْرَ التَّهَجُّدِ، مُلَازِمًا لِلصِّيَامِ.
تُوُفِّيَ ﵀ يَوْمَ الأَحَدِ رَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمائَةَ (٢)، وَدُفِنَ بِـ "أَوَانَا".
٤٣ - أبو الحسن (٣) بنُ زُفَرِ العُكْبَرِيُّ (٤)، ذَكَرهُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ فِيْمَنْ стр. 343
تَفَقَّهَ عَلَى أَبيْهِ، وَعَلَّقَ عَنْهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ في تَرْجَمَتِهِ: صحِبَ الوَالِدَ، وَسَمِعَ دَرْسَهُ، وَكَانَ صالِحًا، كَثِيْرَ التِّلاوَةِ وَالتَّلْقيْنِ لِلْقُرْآنِ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ سَرَدَ الصَّوْمَ خَمْسًا وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. وَمَاتَ قَبْلَ أَبي عَبْدِ اللهِ بنِ الرَّاذَانِيِّ بِأَيَّامٍ يَسِيْرَةٍ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً ﵀ (١). стр. 344
٤٤ - مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ (١) بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ البَرَدَانِيُّ، الفَقِيْهُ الزَّاهِدُ، أَبُو سَعْدٍ (٢). أَحَدُ الفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى، سَمِعَ مِنْهُ. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: وَمَا أَظُنُّهُ رَوَى شَيْئًا. قَالَ ابنُ الخَشَّابِ (٣): أَنْشَدَنِي أَبُو بَكْرٍ هِبَةُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ الحَفَّارُ (٤)، أَنْشَدَنِي أَبُو سَعْدٍ البَرَدَانِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ: (٥) стр. 345
إِنَّ مَنْ يَأْمُرُ بِالصَّـ … بْرِ مِنَ الصَّبْرِ نَفَرْ
إنَّ فِي الصَّدْر مِنَ الصَّـ … بْرِ كَأَيْنَاتٍ تَصِرْ
قالَ أنْشَدَنِيْهُمَا ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ ﵀.
تُوفِيَ يَوْمَ الأَحَدِ ثَامِنَ عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائةَ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
ذَكَرَ ابنُ عَقِيْلٍ في "فُنُوْنِهِ" قَالَ: وَجَدْتُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ بِخَطِّ أَبِي سَعْدٍ البَرَدَانيِّ أَنَّ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ يُقَرَّوْنَ بِالْجِزْيَة، قَالَ: وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيْفَةَ. وَهَذَا النَّقلُ عَامٌّ فِي العَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرِّوَايةُ المَشْهُورَةُ أَنَّ الجِزْيةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ الكُفَّارِ إِلَّا عَبَدَةَ الأَوْثَانِ مِنَ العَرَبِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَشْهُوْرَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهِيَ مَعْرُوْفَةٌ فِي كُتُبِ القَاضِي وَغَيْرِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ مَنْ دُوْنَ ابنِ عَقِيْلٍ - فَضْلًا عَنْ ابنِ عَقِيْلٍ - فِي نَقْلِهَا إِلَى أَنْ يَجدَهَا فِي تَعْلِيْقِ أَبِي سَعْدٍ البَرَدَانِيِّ.
٤٥ - مُحَمَّدُ بنُ عُبيْدِ اللهِ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ كَادِشٍ العُكْبَرِيُّ، المُحَدِّثُ، стр. 346
المُسْتَمْلِي، أَبُو يَاسِرٍ. مُفِيْدُ أَهْلِ بَغْدَادَ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائِةِ، وَسَمِعَ وَكَتَبَ الكَثِيْرَ وَأَفَادَ النَّاسَ، وَسَمِع الطَّلبَةُ وَالغُرَباءُ بِقِراءَتِهِ وَإِفَادَتِهِ الكَثِيْرَ، سَمِعَ قَدِيْمًا مِنَ الْجَوْهَرِيِّ، وَالْقَاضِي المَاوَرْدِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبي الحُسَيْن (١) ابنِ حَسْنُوْنَ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ الكَثِيْرَ عَلَى طِرَادٍ، وَابنِ стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 348
البَطِّيِّ، وَطَبَقَتِهِمَا، وَحَدَّثَ بِالْيَسِيْرِ، رَوَى عَنْهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَالسِّلَفِيُّ وَقَالَ عَنْهُ: كَانَ قَارِئَ "بَغْدَادَ" وَالمُسْتَمْلِيَ بِهَا عَلَى الشُّيُوْخِ، ثِقَةً، كَثِيْرَ السَّمَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أُنْسٌ بِالعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ حَنْبَلِيَّ المَذْهَبِ، جَهُوْرِيَّ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الحَدِيْثِ وَالاسْتِمْلَاءِ.
تُوفِّيَ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ رَابِعَ صَفَرَ سَنَةَ سِتٍّ وتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ".
٤٦ - أحمَدُ بن مُحَمَّد (١) بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ البَرَدَانِيُّ، المُسْتَمْلِي، стр. 349
أَبُو عَليٍّ الحَافِظُ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَالِدِهِ أَبِي الحَسَنِ (١).
وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وأَرْبَعَمائَةَ، وَسَمِع مِنَ العُشَارِيِّ سَنَةِ ثَلاثٍ وَثَلاثِيْنَ. وَهُوَ أَوَّلُ سَمَاعِهِ، وَمِنْ أَبِي القَاسِم الأَزَجِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنِيِّ، وابَنِ غَيْلَانَ، وَالبَرْمَكِيِّ، وَالخَطِيْبِ، وغَيْرِهِم، وَكَتَبَ الكَثِيْرَ، وَخَرَّجَ، وَانْتَقَى، وَاسْتَمْلَى، وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ في "الطَّبَقَاتِ": سَمِعَ دَرْسَ الوَالِدِ سِنِيْنَ، وَسَمِعَ مِنْهُ الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ، وَكَانَ أَحَدَ المُسْتَمْلِيْنَ عَلَيْهِ بِجَامِعِ المنْصُورِ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: كَانَ أَحَدَ المُتَمَيِّزِيْنَ فِي صَنْعَةِ الحَدِيْثِ. стр. 350
وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ ثِقَةً، ثَبْتًا، صَالِحًا، لَهُ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِالحَدِيْثِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ بَصِيْرًا بِالحَدِيْثِ، مُحَقِّقًا حُجَّةً، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، وَحَدَّثَ عَنْهُ عَلِيُّ بنُ طِرَادٍ، وَإِسْمَاعِيْلُ التَّيْمِيُّ (١)، وَالسِّلَفِيُّ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَحْوَالِ جَمَاعَةٍ فَأَجَابَ وَأَجَادَ (٢).
قَالَ السِّلَفِيُّ: كَانَ أَبُو عَلِيٍّ أَحْفَظَ وَأَعْرَفَ مِنْ شُجَاعٍ الذُّهْلِيِّ (٣)، وَكَانَ ثِقَةً، نَبِيْلًا، لَهُ تَصَانِيْفُ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: جَمَعَ مُجَلَّدًا فِي "المَنَامَاتِ النَّبَوِيَّةِ".
قُلْتُ: وَلَهُ "جُزْءٌ في صَلَاةِ النَّبيِّ ﷺ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ". стр. 351
وَنَقَلَ السِّلَفِيُّ عَنْ خَمِيْسٍ الحَوْزِيِّ (١) الحَافِظِ قَالَ: كَانَ أَبُو عَلِيِّ بنُ البَرَدَانِيِّ أَحَدَ الحُفَّاظِ الأَئِمَّةِ الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ مَا يَقُوْلُوْنَ (٢).
تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الخَمِيْسِ حَادِي عِشْرِيْنَ شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ". وَفِي "الطَّبَقَاتِ" لأَبِي الحُسَيْنِ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَشَيَّةَ الأَرْبِعَاءِ عَاشِرَ شَوَّالٍ.
٤٧ - مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ (٣) بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، الشِّيْرَازِيُّ الأَصْلِ، стр. 352
البَغْدَاديُّ، الصَّفَّارُ، المُقْرِئُ، الزَّاهِدُ، المَعْرُوْفُ بِـ "أَبي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ".
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمَائَةَ فِي شَوَّال أَوْ ذِيْ القَعْدَةِ، وقَرأَ القُرآنَ عَلَى أَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بنِ عبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَسْرُوْرٍ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ في كِبَرِهِ مِنْ أَبِي القَاسِم بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي مَنْصُوْرِ بنِ السَّوَّاقِ، وأَبِي طَاهِرٍ عَبْدِ الغفَّارِ بنِ مُحَمَّدٍ المُؤَدِّبِ، وَالحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَأَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَتَفَقَّه عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَصَنَّفَ كِتَابَ "المُهَذَّبِ فِي القِرَاءَاتِ" وَرَوَى الحَدِيْثَ الكَثِيْرَ. وَرَوَى عَنْهُ سِبْطُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ المُقْرِئُ، وَأَخُوهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بنُ الأَنْمَاطِيِّ، وَابنُ نَاصِرٍ، وَالسِّلفِيُّ،
стр. 353
وَسَعَدُ اللهِ بنُ الدَّجَاجِيِّ، وَأَبُو الفَضْلِ خَطِيْبُ "المَوْصِلِ" وَغَيْرُهُمْ.
وَكَانَ إِمَامًا بِمَسْجِدِ ابنِ جَرْدَةَ (١) بِـ "بَغْدَادَ"، بِـ "حَرِيْمِ دَارِ الخَلَافَةِ"، اعْتَكَفَ فِيْهِ مُدَّةً طَوِيْلَةً، يُعَلِّمُ العُمْيَانَ القُرْآنَ، لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَيَسْأَلُ لَهُم، ويُنْفَقُ عَلَيْهِم، فَخَتَمَ عَلَيْهِ القُرْآنَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ مَنْ أَقْرَأَهُمْ القُرْآنَ مِنَ العُمْيَانِ سَبْعِيْنَ أَلْفًا. قَالَ ابنُ النَّجَّارِ: هكَذَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ أَبِي نَصْرٍ اليُوْنَارْتِيِّ الحَافِظِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذا مُسْتَحِيْلٌ، وَأَنَّهُ مِنْ سَبْقِ القَلَمِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: سَبْعِيْنَ نَفْسًا. وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّ أَبَا مَنْصُوْرٍ قَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ إِقْرَاءُ الخَلْقِ الكَثيْرِ فِي السِّنِيْنَ الطَّوِيْلَةَ. قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَقْرَأَ بِضْعًا وَسِتِّيْنَ سَنَةً، وَلَقَّنَ أُمَمًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَبُوْ نَصْرٍ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ عَنْ أَبِي مَنْصُوْرٍ، فَيَكُوْنُ جَمِيْعُ مَنْ خَتَمَ عَلَيْهِ القُرْآنَ سَبْعِيْنَ نَفْسًا! وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، وَنَحْنُ نَرَى آحَادَ المُقْرِئِيْنَ يَخْتُمُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِيْنَ نَفْسًا، وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُوْرٍ يُقْرِئُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبِأَصْحَابِهِ هَذِهِ المُدَدَ الطَّوِيْلَةَ، فَاجْتَمَعَ فِيْهَا إِقْرَاءُ هَذَا العَدَدِ الكَثيْرِ (٢).
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ أَبُو مَنْصُوْرٍ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِيْنَ الزَّاهِدِيْنَ стр. 354
المُتَعَبِّدِيْنَ، كَانَ لَهُ وِرْدٌ بَيْنَ العِشَاءَيْنِ، يَقْرَأُ فِيْهِ سُبْعًا مِنَ القُرْآنِ قَائِمًا وَقَاعِدًا، حَتَّى طَعَنَ فِي السِّنِّ.
وَقَالَ ابنُ نَاصِرٍ عَنْهُ: كَانَ شَيْخًا صَالِحًا، زَاهِدًا، صَائِمًا أَكْثَرَ وَقْتِهِ، ذَا كَرَامَاتٍ ظَهَرَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: كَانَ الوَالِدُ السَّعِيْدُ إذَا جَلَسَ لِلْحُكْمِ بِـ "نَهْرِ المُعَلَّى" يَقْصِدُ الجُلُوْسُ لِلْحُكْمِ بِمَسْجِدِهِ، وَيُصَلِّي خَلْفَهُ.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ: تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أَبو مَنْصُوْرٍ فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، وَقْتَ الظُّهْرِ، السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةِ. وَصَلَّى عَلَيْهِ يَوْمَ الخَمِيْسِ فِي جَامِعِ القَصْرِ ابنُ ابْنَتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ، وَكَانَ الجَمْعُ كَثِيْرًا جِدًّا، وَعُبِرَ بِهِ إِلَى جَامِعَ المَنْصُورِ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَحَضَرْتُ ذلِكَ، وَكَانَ الجَمْعُ وَافِرًا عَظِيْمًا، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ في دَاخِلِ المَقْصُوْرَةِ عِنْدَ القِبْلَةِ. وَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى "بَابِ حَرْبٍ"، وَدُفِنَ فِي الدَّكَّةِ بَجَنْبِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ بنِ القَوَّاسِ (١).
وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: مَاتَ وَسِنُّهُ سَبْعٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً، مُمَتَّعًا بسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ، وَحَضَرَ جَنَازَتَهُ مَالَا يُحَدُّ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى إِنَّ الأَشْيَاخَ بِـ "بَغْدَادَ" كَانُوا يَقُوْلُونَ: مَا رَأَيْنَا جَمْعًا قَطُّ هكَذَا، لَا جَمْعَ ابنِ القَزْوِيْنِيِّ، وَلَا جَمْعَ ابنِ الفَرَّاءِ، وَلَا جَمْعَ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهَذِهِ الجُمُوعُ الَّتي стр. 355
تَنَاهَتْ إِلَيْهَا الكَثْرَةُ، وَشُغِلَ النَّاسُ ذَلِكَ اليَوْمِ وَفِيْمَا بعْدَهُ عَنِ المَعَاشِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ نُقَّادِ البَاعَةِ فِي ذَلِكَ الأُسْبُوْعِ عَلَى تَحْصِيْلِ نَقْدِهِ. وَقَالَ أَبُو مَنْصُوْرِ بنُ خَيْرُوْنَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ يَوْمَ صُلِّيَ عَلَى أَبي مَنْصُوْرٍ الخَيَّاطِ مِنْ كَثْرَةِ الخَلْقِ وَالتَّبَرُّكِ بِالْجَنَازَةِ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ (١): ذَكَرَ لِي المُؤْتَمَنُ فِي ثَانِي جُمْعَةٍ مِنْ وَفَاةِ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ: أَنَّ اليَوْمَ خَتَمُوا عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ مَائَتَيْ وَإِحْدَى وَعِشْرِيْنَ خَتْمَةً. قَالَ السِّلَفِيُّ: وَقَالَ لِي عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ الأَيْسَرِ العُكْبَرِيُّ (٢) - وكَانَ رَجَلًا صَالِحًا: حَضَرتُ جَنَازَةَ الشَّيْخِ الأَجَلِّ أَبِي مَنْصُورٍ بنِ يُوْسُفَ، [وَأَبِي تَمَّامِ بنِ أَبِي مُوْسَى القَاضِي] (٣). فَلَمْ أَرَ قَطُّ خَلْقًا أَكْثَرَ مِمَّنْ حَضَرَ جَنَازَةَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ، قَالَ: وَاسْتَقبَلَنَا يَهُوْدِيٌّ فَرَأَى كَثْرَةَ следующие страницы →