← Гариб и словари

Гариб и словари · id 31370

تصحيح التصحيف وتحرير التحريف

الصفدي

Полный текст (563 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم عفوك اللهم الحمد لله الذي لا يُغلِّظه اختلافُ المسائل، ولا يُثبّطُه عن الجُوْد الدّائم إلحافُ السّائل، ولا يُسخِطُه كثْرة الذنوب إذا كانَ الاستغفارُ لها منَ الوسائِل، نحْمَده على نعَمِه التي وسّع الحمْدُ مجالسَها، ووشّعَ الشُكْر ملابِسَها، وضوّع الاعترافُ بها مغارسَها، وضوّأ حنادِسَها، ونشْهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحْدَه لا شريكَ له، شهادةً لا يدخُلُ تحريرَها تحريفٌ، ولا يُخِلّ بتصحيحها تصحيفٌ، ولا يدفَعُ تسويغَ أدلّتها تسْويف، ونشهَد أنّ سيّدَنا محمداً عبدُه ورسولُه أفصحُ مضنْ نطَقَ، وأبلغُ منْ قرَع الأسماعَ لفظه وطرَق، وأعرفُ من أوتيَ جوامَ الكلِم فاندفع سيْلُ بلاغتِه في البطحاءِ واندفقَ، صلّى الله عليه وعلى آلهِ الذينَ كانوا للهُدى مَصابيح وللجَدى مجاديح وللنّدى إذا أغلقتْ أبوابُه مفاتِيح، صلاةً تتوثّقُ أمراسُ رِضْوانِها، وتعبَقُ أنفاسُ غُفرانها ما دَعا الحقُ لبيباً فلبّاه، ورَعى الصدقَ أريبٌ فربّاه، وشرّفَ ومجّدَ وكرّم وسلّم تسليماً كثيراً الى يوم الدّين.

стр. 2

وبعد فإنّ التصحيفَ والتّحريفَ قلّما سلِم منهما كبير، أو نَجا منهما ذو إتقانٍ ولو رسَخَ في العِلم رسوخَ ثَبير، أو خلَصَ منمعرَّتِهما فاضلٌ ولو أنّه في الشجاعة عبدُ اللهِ بن الزُبَيْر، أو في البراعة عبدُ الله بن الزَّبير، خصوصاً ما أصبح النقلُ سبيلَه أو التقليدُ دَليلَه، فقد صحّفَ جماعةٌ هم أئمةُ هذه الأمّة، وحرّفَ كِبارٌ بيدهم من اللُغةِ تصْريفُ الأزِمّة، منهم من البَصْرة أعيان كالخليل بن أحمد، وأبي عمْرو بن العَلاء وعيسى بن عُمر، وأبي عبيدَة مَعْمَر بن المُثنّى وأبي الحسن الأخفش وأبي عثمان الجاحِظ،

стр. 3

والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأبي عُمر الجَرْمي، وأبي حاتم السجستاني وأبي العباس المُبَرَّد. ومن أئمة الكوفة أكابر: كالكسائي والفرّاء والمفَضَّل الضّبي وحمّاد الرّاوية وخالد بن كُلثوم وابن الأعرابي وعلي الأحمر

стр. 4

ومحمد بن حبيب، وابن السِّكيت وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم وعلي اللِّحياني والطوال وأبي الحسن الطوسي وابن قادِم وأبي العباس ثعلب. وحسبك هؤلاء السادة الأعلام، والقادة لأرباب المَحابر والأقلام، وكل منهم: إذا تغلْغَلَ فِكْر المرءِ في طرَفٍ ... منْ عِلمِه غرِقَتْ فيه أواخِرُهُ وإذا كان مثل هؤلاء قد صحّ أنهم صحّفوا، وحرّر النقلُ أنهم حرّفوا، فما عسى أن تكون الحُثالة من بعدِهم، والرذالةُ الذين يتبهرجونَ في نقدِهم، ولكن الأوائل صحّفوا ما قَلّ، وحرّفوا ما هو معْدود في الرّذاذ والطّل، فأما من تأخّر، وبَخّ قطْرُ جهلِه على سِباخ عقلِه وبخّرَ، وزادتْ سقطاتُه على البَرْق المتألّق في السحاب

стр. 5

المُسَخّر فإنّهم يُصحّفون أضعافَ ما يُصحّحون ويحرّفون زياداتٍ على ما يحرّرون، ولقد كان غلَط الأوائل قليلاً معدوداً وسبيلاً بابُ اقتحامِه لا يزالُ مرْدوماً مردوداً، تجيءُ منه الواحدةُ النّادرةُ الفَذّة، وقلّ أنْ تتْلوَها أختٌ لها في اللّحاق بها مُغِذّة، فأما بعد أولئك الفُحول، والسُحب الهَوامِع التي أقْلعتْ، وعَمَتْ رياضَ الأدَب بعدهم نوازلُ المحول، فقد أتى الوادي فطَمّ على القَريّ، وتقدّم السقيمُ على البَري: فليْتَ أنّ زَماناً مرّ دامَ لنا ... وليْتَ أنّ زَماناً دامَ لمْ يَدُمِ قال صاحبُ الأغاني: حدثني محمد بن جرير الطّبري أنا أبو السّائِب ثنا وَكيع عن هِشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة ﵂، أنها كانت تُنشِدُ بيتَ لَبيد:

стр. 6

ذهبَ الذينَ يُعاشُ في أكنافِهمْ ... وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجْرَبِ فتقول: رحِم الله لَبيداً، فكيف لو أدرك مَن نحن بين ظَهرانَيْهم؟ فقال عروة: رحِم الله عائشة، فكيف لو أدركتْ مَن نحن بين ظهرانَيْهم؟ وقال هشام: رحِم اللهُ عُروةَ، فكيف لو أدرك مَن نحن بين ظَهرانَيهمْ؟ فقال وَكيع: رحِم الله هِشاماً، فكيف لو أدرك مَن نحن بين ظَهرانَيهمْ؟ فقال أبو السائب: رحِم اللهُ وكيعاً، فكيف لو أدرك مَن نحن بين ظَهرانَيهمْ؟ فقال أبو جعفر: رحِم الله أبا السائب، فكيف لو أدرك مَن نحن بين ظَهرانَيهمْ؟ ونقول نحن: والله المستعان، فالقضيةُ أعظم منْ أنْ توصَف بحال، انتهى. وقد عمّت المُصيبة ورشقَتْ سِهامُها المُصيبة، ولبِس الناسُ أرديتَها المَعيبة، وفَشا ذلك في المحدّثين وفي الفقهاء، وفي النحاة، وفي أهل اللغة، وفي رُواةِ الأخبار، وفي نقَلَة الأشعار، ولم يسْلَمْ من ذلك غيرُ القُرّاء؛ لأنهم يأخذونَ القُرآنَ من أفواه الرّجال. وأما في الزّمن القديم فقد وقَع لبعض القرّاء عجائبُ ذكر منها الدّارقطني، رحمه الله تعالى، جملة في كتاب التصحيف له، ولهذا كان يُقال قديماً:

стр. 7

لا تأخذوا القرآن من مُصْحَفيّ ولا الحَديثَ من صُحُفيّ إذ التصحيف متطرِّق الى الحروف فيُقرأ المُهمَل معْجَماً، والمُعجم مُهمَلاً. على أنّه قد وقعَتْ في القرآن العظيم أحرفٌ واحتمل هجاؤها لفظين، وهو قِراءتان، ومن ذلك قوله تعالى: (هُنالِكَ تبْلو كلّ نفْسٍ ما أسلَفَتْ) و (تتْلو) ، وقوله تعالى: ( ... إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بنبأٍ فتبيّنوا ... ) و (تثبّتوا) . وقوله تعالى: ( ... الذين يُنفِقون أموالَهُم ابتِغاءَ مَرْضاةِ اللهِ وتَثبيتاً من أنفُسِهم) و (تَبْييناً) ، وقوله تعالى: (أفَلَمْ ييْأسِ الذينَ أمَنوا) و (يتَبيّن) ،

стр. 8

وقوله تعالى: (وإذ يمكُر بِك الذين كفَروا ليُثْبِتوك) و (ليُبيّتوك) ، وقوله تعالى: (تقاسَموا باللهِ لَنُبَيّتَنّه) و (لُنَبيّنَنّه) ، وقوله تعالى: (لَنبوّئنّهُم) و (لنُثوِينّهم منَ الجنّة غُرَفاً) ، وقوله تعالى: (وإذْ جعلْنا البيْتَ مَثابةً) و (مَتابَة) ، و (الْعَنْهُم لعْناً كبيراً) و (كثيراً) . و (قُلْ فيهِما إثْمٌ كبير) و (كثير) ، و (ابتَغوا ما كتبَ اللهُ لكُمْ)

стр. 9

و (اتّبعوا) ، (وجَعَلوا الملائكَةَالذينَ هُمْ عِبادُ الرّحْمن) و (عِندَ الرّحْمن) ، (وهو الذي يُرسِلُ الرِياحَ نُشُراً) و (بُشْرى) ، (وانظُرْ الى العِظامِ كيفَ ننشُرُها) و (نُنْشِزُها) ، (فأغْشَيْناهُم فهُم لا يُبصِرون) و (أعشيْناهُم) و (قد شغَفَها حُبّاً) و (قدْ شغَفَها) ، (ولا تجسّسُوا) و (لا تحسّسوا) و (فمَنْ خافَ من مّوصٍ جَنَفاً) و (حَيْفاً) و (إنّ لكَ في النّهارِ سَبحاً طَويلاً) و (سبْخاً) أي حقاً. و (هوَ الذي يُسيّرُكُم في البرّ والبحْر) و (ينشُرُكُم) و (إنّما المؤمِنون إخوَةٌ فأصْلِحوا بينَ أَخويْكُمْ)

стр. 10

و (إخْوَتِكُم) ، و (حتّى إذا فُزِّع عن قُلوبِهم) و (فُرِّغ) ، (وأصْبَح فؤادُ أمِّ موسى فارِغاً) و (فزِعاً) ، و (أئذا ضَلَلْنا في الأرض) و (صَلَلْنا) أي تغيّرنا، و (فقَبَضْتُ قَبْضَةً من أثَر الرّسول) و (قَبَصْتُ قبْصَةً) ، (وتالله لأكيدَنّ أصْنامَكُم) و (بالله) ، و (إنْ كان مَكرُهُم لَتَزول) و (لِتَزول) و (فاذكُروا اسْمَ الله عليْها صَوافَّ) و (صَوافِيَ) أي خالِصة و (صَوافِن) في قراءة عباس. و (حتى يلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ) و (الحمل) في قراءة

стр. 11

ابن عباس، وهو قلس من قلوس السفن. (وقضَى ربُّكَ ألاّ تعبُدوا إلاّ إيّاهُ) و (وصّى ربُّك) ، في قراءة ابن عباس، وقال: لو قضى ربك ذلك ما عبدوا سواه. و (إن يَدْعونَ من دونِه إلاّ إناثاً) و (إلاّ أوْثاناً) ، في قراءة عائشة، وقد قُرئ أيضاً (أُتْناً) و (آتُناً) . وقد رُويَ أنّ السبب في نقط المصاحف أن الناس غبروا دهراً يقرءون

стр. 12

في مصاحف عثمان، ﵁، إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيفُ وانتشر بالعراق، ففزع الحجاج الى كُتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علاماتٍ، فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفراداً وأزواجاً، وخالف بين أماكنها بإيقاع بعضها فوق بعض الحروف وبعضها تحت الحروف، وغبرَ الناسُ بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً، وكانوا أيضاً مع النقط يقع التصحيف فأحدثوا الإعجام، فإذا أُغفِل الاستقصاءُ على الكلمة ولم تُوَفَّ حقوقها اعترى هذا التصحيف؛ فالتمسوا حيلة فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال. وقد ذكرتُ في كتابي فَضّ الخِتام عن التّورية والاستخدام الأماكن التي صحّفها حمادٌ الراوية في القرآن العظيم لما قرأ في المصحيف وهي ما يَنيفُ على الثلاثين موضعاً.

стр. 13

وأما تصحيف المحدّثين فقد دوّن الناسُ في ذلك جملةً، وعقد المصنفونَ لذلك أبواباً في كتبهم وهي مشهورة، من ذلك ما حكاه أبو أحمد الحسن العسكري قال: حكى القاضي أحمد بن كامل قال: حضرت بعض مشايخ الحديث من المُغفَّلين فقال: عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله عن رجل، قال: فنظرتُ فقلتُ مَن هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله؟! فإذا هو قد صحّفه، وإذا هو: . قال العسكري: وأخبرني أبو عليّ الرّازي قال: كان عندنا شيخ يَروي الحديثَ من المغفّلين، فروى يوما: أنّ النّبي ﷺ احتجَم يوماً وأعطى الحَجّام آجُرّةً. وروى بعضهم أنّ بعضَ المغفّلين روى أنّ النبي ﷺ كانَ يغسِل خُصى حِماره، وإنما هو يغسِل حصَى جِمارِه، بالحاء المهملة

стр. 14

أولاً والجيم ثانياً. وروى بعضهم: الجَارُ أحقّ بصُفَّتِه؛ بالفاء المشددة والتاء ثالثة الحروف، وإنما هو بصَقَبِه، بالقاف والباء الموحدة. وقد صنف الإمام الدارقطني مجلّداً في تصحيف المحدّثين وكذلك العسكري أيضاً. وأما تصحيف الفقهاء فهو كثير أيضاً، قال يوماً بعض المدرسين: ولا يكون النَّذْر إلا في قرْيَة، قاله بالياء آخر الحروف، وهو بالباء الموحدة مضمومة القاف، وقال بعضهم في التنبيه: ويُكْرَه القَرْع ويُحِبُّ الخِيار، وإنما هو ويُكره القَزَع بالزاي، ويجِبُ، بالجيم، الخِتان بالتاء ثالثة الحروف وبعد الألف نون. وقال بعضهم يوماً: وقال الشافعي: ويُستَحَبّ في المؤذّن أن يكون صَبياً، بالباء الموحدة والياء آخر الحروف، فقيل له: ما العلة في ذلك؟ قال: ليكونَ قادراً على الصعودِ في درَج المئذنة، وإنما هو صِيّيتاً، من الصوت.

стр. 15

وأما الكُتّاب فإن المتقدّمين صحَّف منهم جماعة بحضرة الخلفاء والملوك، قرأ يوماً بعضهم: أبو مُعسر المُتخم، بالسين المهملة من الإعسار وبالتاء ثالثة الحروف المشددة وبالخاء المعجمة، وإنما هو: أبو مَعشَر المنَجِّم. وقرأ يوماً بعض كُتّاب المأمون قصة فقال: أبو ثريد بالثاء رابعة الحروف، فقال: كاتبنا اليوم جوعان، أحضروا له ثريداً، فأكل، فقرأ بعد ذلك: فلان الخبيصيّ فقال: هو معذور، ليس بعد الثريد إلا الخبيص، أحضروا له خبيصَة، وكانت الحِمَّصي والميم مفتوحة. وكتب سليمان بن عبد الملك الى ابن حزم أمير المدينة: أن أحصِ مَنْ قِبَلَك من المُخنّثين. فصحف كاتبه وقرأ: اخصِ، بالخاء المعجمة، فدعاهم الأمير وخَصاهم أجمعين. وحكى لي بعض الأصحاب أن الأمير علاء الدين الطنبغا، نائب حلب،

стр. 16

جاءتْ مطالعةُ بعض الوُلاة يذكرُ فيها أنه وُجِد في بعض الأماكن شخص وهو مقتول وخُرْجُه تحت إبطه، فقال: اكتب أنكر عليه وقل: لأي شيء ما جهزتَ الخُرْجَ الذي كان معه تحت إبطه؟ فعاد جواب الوالي يقول: إنما قلتُ: وجُرْحُه تحت إبطه. وقرأ يوماً بعض الأكابر على السلطان الملك الناصر محمد قصة فيها: والمملوك من حَمَلةِ الكِتاب، فقرأها: جُملة الكتان، فقال السلطان: مِن حَمَلةِ الكِتاب العزيز. وأما الشعراء فتصحيفهم كثير، وسيمر بك في أثناء هذا الكتاب نوادر من هذا الباب. قرأ يوماً بعض الطلبة على أبي عبد الله المُفجَّع: ولمّا نزلْنا منزِلاً طَلّه النّدى ... أنيقاً وبُستاناً من النَّوْرِ خاليا بالخاء المعجمة، فحرك المفجَّع كتفيه وقال: يا سيد أمه! فعلى أي شيء كانوا يشربون؟ على الخسف؟. وقرأ بعضهم على أبي عبيدة قول كُثيِّر:

стр. 17

ذهَبَ الذين فراقهم أتوقَّعُ ... وخرى ببيتهم الغرابُ الأنفعُ فقال أبو عبيدة: وحيك، إن عذرتُكَ في الأولى لم أعذرك في الثانية، أما سمِعتَ بالغراب الأبقع؟ وجرى ذكر المعرّي أبي العلاء في بعض المجالس فقال بعض من حضر: كان كافراً، فقيل له: بماذا؟ قال: بقوله: نَبيّ من العُربان ليسَ بذِي شَرْع ... ..... وقرأ القطربليّ على أبي العباس ثعلب قول الأعشى: فلَو كنت في جُبٍّ ثمانينَ قامةً ... ورُقّيتَ أسبابَ السّماءِ بسُلّمِ

стр. 18

فقرأه بالحاء بدل الجيم، فقال ثعلب: خَرِب بيتُك! أرأيت حبا قط ثمانين قامة؟ إنما هو جُبّ. وقد جنى التصحيف على ابن الرومي فقتله، قال أبو أحمد العسكري: حدثني محمد بن فضلان الوراق قال: كان جلساء القاسم بن عبيد الله يقصدون أذى ابن الرومي وخاصة المعروف بابن فراس، وكان القاسم بن عبيد الله يغريهم به، الى أن سأله يوماً أحدهم عن الجرامض، على سبيل التصحيف والتهكم، فقال ابن الرومي: وسألتَ عن خبرِ الجرامض طالباً عِلمَ الجرامضْ فهو الجرامض حين يُقْلَبُ ضارج فيقال جارض وهو الجراسم والقَمَجّر والجرافس والجرراغض وهو الخَراكل، والغوامض قد يُفسَّر بالغوامض

стр. 19

وهو السلحكل، إن فهمتَ وإنْ ركَنْتَ الى المعارض واصبرْ وإنْ حمض الجواب، فرُبّ حُلو جرّ حامض والصفح محتاج الى قرع له مقابض ومن اللِّحى ما فيه فعل للمواسى والمقارض وهجا الجماعة وأكثر من هجائهم، فشكاه الجلساء الى القاسم بن عبيد الله، فتقدم الى ابن فراس فسمَّه في خشكنانجة كانت منيته فيها. ومما يكثر فيه تصحيف صورته مثل: يحيى وزينب وبثينة ويونس وجبل وعيسى وخليل وحمزة. ومما ركب الناس في صورتين من صورة واحدة ما كتب به بعض البلغاء توقيعاً والناس لفصاحته وبراعته ينسبونه لعلي بن أبي طالب ﵁ وهو: غرّكَ عِزُّك، فصار قُصارَ ذلك ذُلَّك، فاخْش فاحِشَ فِعلِك، فعلّك بهذا تُهْدى، والسلام. وكتب بعضُ البلغاء، وهو الرّشيد الكاتِب: رُبّ ربِّ غِنىً، سرّتْه شِرّتُه، فجاءَه فجاءَةً بعْد بُعد عِشرته عُسرَتُه.

стр. 20

وما جاء للحريريّ في بعض مقاماته وهو: زُيّنَتْ زَينبٌ بقَدٍّ يَقُدُّ ... وتلاهُ ويْلاهُ نهْدٌ يَهُدُّ ... الأبيات. وللشيخ صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي، ﵀، رسالة رويتُها عنه بالإجازة عدتها أربعمائة كلمة نظماً ونثراً أبدع فيهالفصاحتها وانسجامها وعدم ظهور الكلفة عليها، أولها: قبَّل قَبْلَ يراك ثَراك، عبدٌ عِندَ رَخاك رَجاك، فألفَى فألقى جِدَّة خَدِّه بأعتابك باغياً بكَ شَرَفاً سَرَفاً لاذَ بكَ لأدَبِك، مُقْدِماً مُقَدِّماً أمَلَ آمِل، يُزجيه تَرجّيه، يُبشِّره بيُسْرِه وُجودك وَجودُك، فاشتاقَ فاستافَ عرْفَ عُرْفٍ منك مثل عبير عنبر، وقدِم وقدَّم صدَقَة صِدْقِه، مُتجمِّلاً متَحمِّلاً بصاعِه بضاعةَ تبر نَثْر.... ومن نظمها: سَنَدٌ سيّدٌ حليم حكيم فاضِلٌ فاصِلٌ مجيدٌ مُجيدُ حازم جازم بصير زانَهُ رأيُه السديدُ الشديدُ أمَّهُ أمةٌ رجاءَ رَخاءٍ أُدركْت إذْ زكت بقَوْدٍ تقودُ مَكْرُمات مُكرَّماتٌ بنَتْ بيْتَ علاءٍ عَلا بجودٍ يَجودُ ...

стр. 21

وهي كلها من هذا النمط الذي هذا نموذجه، وهي من الرسائل العقم الطنانة. وقد كَلِفْت أنا في بعض الأوقات الى شيء من هذا النوع الذي توعّرَ وأعرض بخده عن الناظر إليه وصعَّر، فصنعتُ أنا هذه الرسالة، وهي جامعة للتصحيف والتحريف وقلب البعض، أولها: خبَّرنا حَبْرُنا المُوثَّق المُوفَّق المُسْنِدُ المُفيد المُقيِّد المُخْبِرُ المُحبِّر حَديثاً، جَدَّ بِنا هَزْلُه، هزَّله قلوبَنا فلَوْينا لِيْتَ العُنُقِ، لِبَثّ العبَق، حدَث حدَثٌ، مرّ بِنا مُرِينا تَخوّلَه نُحولُه يئِنُّ بين أهِلّة أهْلِه، لَطيفُ المجاذبة، لطَيْفِ المحادَثة إن نطَق انتطقَ بدُرٍّ ندَر، وردَ البناءَ فقالَ، وردّ إلينا فقالَ: أوعوا صِدْقي وَعوا قصدي، ثمّ نَمّ بما نَما، ونشرَ الحَبْرَ ويسر الخَبَر، ورجع قابلاً ورجّعَ قائِلاً: رَماني زَماني بداهية بُداهِته، حَتْله وحِيَله في فَيءِ المُتيَّمين المنتمين لآلِ عُذْرَة لا لغَدْرِه، السالينَ الشاكِينَ، وتَجْزيني وتَحْزيني تحكم بحكم، وهْيَ وهْيُ العاني العاتي الشِقِّ الشَقيّ التَّيِّق التقيّ، وإذا تعرّض وإذاً بغَرَض وِصالٍ قلّما سلِم فلمّا سلّم أغْيَدُ، أعتدُّ قُرْبَه قُربةً، بتجمُّل بتحمُّل كُلِّ كَلِّ، ترميه برُمَّته، عليه غَلَبَةُ صَبٍّ صَبَّ عَبراتِه، غير أنّه جرّب حرْبَ نفسِه بفتنتهِ وقاسَى وفاءً يَثني طُلْيَةَ طلَبِه عمّا عمّى توحُّده بوَجْدِه أسرَّ أسْرَ قلبي

стр. 22

فلبّى داعي حُسنِه ذاعِيّ خَشْيَةَ جَفْنِ جَفْنِ مهنّدٍ مُهتَدٍ، لمحاربةٍ لمحَ أرَبَه، غِبُّ دَهاءٍ عندَها: ظبيٌ ظنّي بملازمتي يملا زمني وَفْراً وقِرَى فثنى فِتَني تُطْري نظري يكفي تَلَفي يَطْرا بطَرا حِبٌّ خِبٌ وارَى نَصْرِي، وأرى بصَري بدْراً بدَرا، بوجْهٍ توجّه، نور توزّ جُلّناره جُلّ نارِه، وجَنّته وجْنَتُه، بمحاسِنه تُمْحى سُنّة البيْنِ البيّن بقَرينة تقريبه وصِلَةِ وصْلِه، إذ لهُ أدلّة وضحَتْ وصحّت حدائقُ خَذٍّ آنقُ من مَنِّ يُبشّر بيُسْرٍ يزْهو بزَهْرٍ بسَقَ نَوْراً يشُقُّ نُوراً: خَدٌ نقّتْه حديقتهُ حُفَّتْ تُحَفاً حفّتْ بجَفا وضَفا بِشْراً وصَفا بشَراً يُبْدي بَرقاً ينْدى ترَفا وعيْنِ جُفونها، وعَيْنَ جَفوتها، الدِماءُ ألذّ ما أراقتْ، أراقِبُ فتْكَها قبلَها، نصّ لَها نصْلُها نصْرَها المبين بضُرِّها المتين، سحّارة، قتّالة فتّاكة، تغرُّك بغزَلٍ يسلُبُك تسَلّيك، ظرْفُ ظرْفٍ، جفْنُه حفَّ به فيه سِحْر فَبه تنتحر، مَبْسم متّسِم ربّ قِهِ، ريقُه في فيَّ سُكْر سُكّر، الى ثغْر آلي بِعزّ، برٌّ شفّه ترَشُّفُه أنّه آية، ولّد دُراً ولذّ دَراً، ودلّ رداً وردّ دَلاً، وبسَم ثُريّا، ونسَم برِيّا،

стр. 23

شفَتُه حمْراء، سقَتْه خَمْراً، نشوتُها يشوبُها مِسْك، متَبَتِّل، صرّفَهاصِرفُها، حيّا بها حَبابُها الدُرّي الدِّرّيءُ. ولّى وليُّ لِثامِه لثّامُه ثغْرٌ بلألاءٍ يغُرُّ تَلالا حَرَباً لهُ لم يشَفْني، جِريالَه لم يسْقِني، إنْ آنَ إلا آلا وقدٍّ وفَد عِناقُه يشْفي غِبَّ آفةٍ تُشْقي يَتهادى تيهاً ذي ترَفٍ، يرِفُّ لينُه لنيّة فتْكٍ قبْلَ وصْلٍ وضلّ القلبُ القُلَّبُ بغدائره بعد آثِره، لا يجِدُ سلْوى، لا يحُدُّ شكْوى، لذّ لهُ لدَلِّه قتْلي، فبكى العائِد العائِذ، راقَتْه رأفتْه، فرَقاً فرْقاً، وتولّى وتلوّى، وكَبا وبكى لمُتيّم لم يتمَّ سُؤلَه، سوّلَه وهمٌ وهمٌ، وجلّ وجَلُ الشّجيّ السّخيّ بقَلْبِه تقلِّبُه يدا بُرَحائِه، بِداءِ تَرْحاتِه، حتى جنى بكفّه تلَفَه، دمعَتُه عُمدَتُه، وذخيرتُه وُدٌ خبَرْتفه، النصيحة الحصينة، ما ردَّ أحزابُه مارِدَ أحْزانِه، وليتني ولِيتْني خَسارةُ خلَدٍ على جسارة جلَدٍ، علّي يرُدُّ برْدَ أنفاسي اتقاءُ شيءٍ، فأسُدَّ فاسِدَ الحادِثِ الجلَل الجاذب الخَلَل، قادَني فآدَني جُمْلَةُ حِمْلِه، لأنّني لايني تكرُّبي يكُرّ بي، وطرْفي فلّه وطَرٌ في قِلّة نوْمٍ يؤمّ سُكوناً ثبّت كوْناً بصرَهُ،

стр. 24

تضُرُّه شهادةُ سُهادِه متى أدّها منَّى أذاها، فعدتُ قعدتُ مَحزوناً محْروباً، فما فتحْتُ فَماً فبُحْتُ، ولا أنسى ولاءَ أنْسي وإنصافي واتّصافي بذُلٍّ بدّل حُبّي حتى تَلافى تلافي سُوْرة سَوْرة غضَبٍ غصّتْ لهَواتي لِهواني، فتولّى قَبولي مُدْبِراً مُذ برى جسَدي حُسَّدي بتشفّيهم بِتُّ شقيّهم، فَيا عِشْقاً فيّأ عسْفاً مدّ له مذلّةَ والِه، وإلهِ السّماءِ الشّمّاء، كُلْفَة كلَفِه، هَينةَ هَنيئة، لِكِنّي لَكنّي أذهَبَ حَدّي إذْ هَبّ جَدّي وتعقُّلي وتعلُّقي، رَشَأ فيه رَشاقتُه تحتلّ بحبل قسْوَةٍ فشوّه خَلْقَه الحسَن خُلُقُه، الخشن، وتصبّرتُ وتربّصْت، وعالَجْت وغًى لجّت، فجّر سِرَّها، فجرّ شرّها رَقيبٌ قريبٌ ملازم مُزامِل، حريصُ العدوى صريح الدّعْوى، والبلية المُزْرِية والنَّكْبَة المُزرِية لمّا يُطيعُ لِما يطبع الحاسِدُ الحاشِد ويغُرّ به ويُغريه بِعادَةِ بُعادِه ويدَعُه وبدِعَة التَجا في التّجافي إليها ألّبَها بَغيُه بَغتةً: بُعْداً لهُ تَعْذالُه غَيّاً رَوى عنّا ... زَوى تَرْشاف بُرْءٍ شافِ فَليتَ مِحنَتي قلبَتْ محبّتي لفتًى لفّني بُرْدُ غرامِه برد غرامه نَفْسي، يفشى وينفي الضِدَّ، يرحم شاكيَهُ ويرجم سالِيَه، جوْرُه حوَرُه، وسِنانُه وسْنانُه، أهيَفُ أهتِف باسمِه باسِمةً جواهِرُ فيه جواهرَ فِيهِ، فدَيْجورُه قدْ تجوّزَه، بظُلْمٍ يظلِمُ بَهارَه نهاره

стр. 25

مُعاينَةُ مَعانيه لذّاتٌ لِذاتِ المُعنّى المُعْيي: عانِسٌ ناعِسٌ رشيق شَريق ساكِن كانِس حليم مليحُ وادِعٌ واعِدٌ مُنيب مُبين لائِق قائِل حَصيف فَصيحُ قال فآل تعجبنا يعُجُّ بنا وتعوّدنا وتقودنا من آفات منى فات وهوًى يكُدّ، وهو أنْكَدُ وطلّبنا وطلَبنا مَنّ الصّيانة من الصّبابة. وقد ركبْت أنا مما يحرَّف ويُصحَّف من الكلمات الثنائية فما فوقها الى العشرات جملةً، ولكن فيها بعض تكلّفٍ، والعذرُ واضح لضيق المقام وزلَقِه: الاثنتان: جابر حائر، جاء بَرٌ جابر، فسَّره فسَرَّه جُودُه جوّده، زِينَةُ رُتَبِه، يَغيبُ ويَعتِبُ، وعْدُ وغْدٍ، جَفّ فخَفّ، نَصيب يُصيب، برْقُه تَرَّفه، رَيْبٌ رُتِّبَ، راحُ راجٍ، تمنّى بمِنَى، نوبة توبة، راحَ راحٌ، راجٍ راجَ، بُروقٌ تَروقُ، عُباب عِتاب، ظِلٌ ضافٍ، جِيد جَيِّد، جمرة خمرة، خبايا حنايا، روايا زوايا، أُبادِر أبا ذَرٍّ، ما يتصوّرُ شيئاً ويتضور سباً، وحْلٌ وجَلٌ، أحمال أجمال، جمال خمّال، نجار بضحار، يحور ويخور، بُخاريّ يُجاري، براغيثُ براً غِيْثَ، بَزّني بزّتي، ذؤابة ذوّابة مَحانيّة مُجانِبِه، حبّذا جيدا، بازٍ نازٍ، نارُ ثأر، فرّ عَوْنُ فِرْعَون،

стр. 26

حالُك حالِك، حبْل خَتْل، وجبل حيل، مُهازِقُ مَهارِق فجْر فخْر، صحْوة صحْوِه، شُقَق شفَق، دَنا خيْر دَياجِيرُ، بَهار نَهار، عَلامة علاّمَة، قصّر فضَرّ، دَرُّ دُرٍّ لا ذَرُّذَرِّ، ظرْف ظرْف، غابُ عابٍ، عيْبةُ غِيْبة، غيْث عيَثْ، غمامة عمامة، جَناح جُناح، جَوْر حُور، ترَفٌ يرِفُّ ندّ مِنْه بذِمَّتِه، تِرْبي برَّ بي. الثلاث: نُمَيرٌ تميّز بِمَيْر، يَغيبُ ويعتِبُ ويعبَثُ، جِدّةُ خَدِّه حَدَّه، ربَّتُه ريبة رُتَبِه، سَفَهُ شَفَةٍ شفّهُ، برْقِيّ ترَقّى بِرُقى، يؤمُّ نوْمُ يومٍ، نُزَحَ بُرْجُ ترَجٍ، عق ربَّ عقرب عقَرتْ، عنْز عثُرَ غبّرَ، منصور مِنْ صُور متَضوّرٌ، نجوم تخوم تَحوم، جُرح خرَج كأنّه خُرْج، بُلبل بِلَيْل بَلبَل، بذِمّة ندَمِه يَذُمّه، تِرْبِي تربّى يزْني، جاريتُه حارثيّة حارَبَتْه، سُمّانُ سمّانٍ سِمانٌ، تعبّداتٌ بَعيداتٌ بِعَيْذاب، أسَدٌ أسَدُّ أشدّ، يفترِشُ ما يفترِسُ بقُبْرس، وردَ ورْد ورَدّ، يفريدُ يَزيدُ يرتدّ، خبر حِتْر حيّر. الأربع: قلْبٌ قلَب قلْبَ قُلَّب، تجمّل نجْمُك بحمل تحمّل، ثبتَ بيْتُ بيت ثَيّب، فنُّه فيه قُبّة فِيه، بُخْله يُحِلّه يُخِلّه وما يُجِلّه، علَتْ عُلَبُ غلَثٍ غلَبَ، بقَرُ نُقَرٍ تفرّ بقُرِّ، كرّ بِك كرْبُك لرَبِّك بَلْ كرّبِك، سِرْبُ سَربٍ بيثربَ شرِب، خلَف خلفٌ خلْف خِلْف، فضلُك يمٌ تمّ ثمّ نمّ، خَيال خَبال حِيال جبال، تناوَلي بتأوّلي ثناءَ ولي

стр. 27

بباولِي، غبيٌ غنيٌ عنّى وعثّى، نُذور تدور بِدور بُدور، قُتِل قبْل فيك فيل، تأبّى ثاني باني يأتي، شبِث سبّبَ شَيْبَ شيث. الخمس: خبرٌ جبَر خير حبْر حبّر، جرَبٌ حرّبَ حرْبَ حرْثَ خرّب، تُحارِبُه تَجارِبه بِجارية بُخاريّة تُجاريه. الست: بشير تُستَر يُشير بسَيْر يَسير نسير، بِشْرٌ نشَرَ نشْرَ بشرٍ بسرٍّ يسُرُّ. السبع: تَبْنيه بثَثْتُه تُثبّتُه بُثَينَة ببَيِّنَة يَثْبُتُ بِه تبيُّنُه، نُورٌ توزّ بُوز ثوْر ثوّر بُور نَوْر. الثماني: نجيبف نُجيب تَحبّبَ بحَيْثُ يُجيْبُ نَحيْبَ تحنَّث يُجْتَثُ. وأما تصحيف خليل فكنتُ أنا قد كتبتُ الى القاضي جمال الدين عبد الله ابن الشيخ علاء الدين بن غانم، رحمهما الله تعالى، وقد توجه من دمشق الى بعلبك وطالتْ غيبته، وصحفتُ اسمي في عدة مواضع من أبيات أولها: قرّ بِكَ القلبُ الذي ... أبعدته وقرّبَكْ يا نازِحاً عن جِلَّقٍ ... ونازِلاً في بعْلَبَكْ

стр. 28

ومنها: أنا خَليلُ صحبةٍ ... وِدادُها قد جلَبَكْ حَليُكَ فيه فاخِرٌ ... وسِحْرُه قد خلَبَكْ جلَتْكَ أنوار المنى ... في خاطرٍ تطلّبَكْ خُلّتُكَ الحُسنى جلَتْ ... لي في المعالي شُهُبَكْ حلَتْكَ بالفضل الذي ... به علَوْت رُتَبَكْ أبو جلَنْك لو رأى ... كما رأيتُ أدَبَكْ حلّ بِك المعنى الذي ... حلّ، بل الحقّ التَبَكْ فكتب هو في الجواب إليّ من قصيدة أولها: أمِنْ عُقارٍ انسَبَى ... أم من نُضارٍ انسبَكْ مِنْ لآلٍ نُظِمَتْ ... على عَذارى كالشَبَكْ ومنها: حَلا بذوقِ عِلْمِه ... نُهاكَ لمّا جلَبَكْ أنتَ جَليلُ فِطْنَةٍ ... يعرفُ ذا مَنْ طلبَكْ حلّتْكَ فارتضتْ ... ومَنْ يرتَضي إلا أدَبَكْ خلّتْك معدومَ النّظي ... رِ فرْدَ أفرادِ النّبَكْ

стр. 29

أنت حليلٌ للعُلا ... وليُّها قد قرّبَكْ حلّ بك النائِل بالنّ ... حْلَةِ منها أرَبَكْ حكَتْك في الذَّكا ذُكا ... ولم تُحاكِ نُخَبَكْ حلَّ بكَ الفضلُ فح ... لّى البرايا كُتَبَكْ حُلّتُك الفضلُ حَبا ... كَهَا نُهاكَ إذْ حبَكْ شدوتُ من تصحيف ذا ... الاسمِ الذي قدْ صحِبَكْ ومن التصحيف اللطيف ما أنشدنيه لنفسه إجازة الشيخ الإمام صفيّ الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي، رحمه الله تعالى: سألتُ الحِبّ: ما اسمُك، وهو ظبي من العرب الكرام، فقال: عيسى، الاسم العلَم فقلتُ له: انتسِبْ من أيّ قومٍ تكون من الأنام؟ فقال: عيسى، عَبسيّ من بني عبْس فقلتُ: وما صَنيعُك في البوادي لتحصيل الحِطام؟ فقال: عيسى، يعني عشّاباً فقلتُ: ومَنْ أنيسك في البوادي إذا جنّ الظلامُ؟ فقال: عيسى، عَنْسى يعني نوقَه

стр. 30

فقلتُ: وعمّ تسألُ كلَّ غادٍ يمر على الدوامِ؟ فقال: عيسى، عن شيء فقلتُ: وأي عيش في البوادي يلَذّ لذي الغرام؟ فقال: عيسى، عيشي فقلت: ولمْ عصيْتَ نُصحَ حُبٍّ دعاك الى المقامِ؟ فقال: عيسى، غشني فقلت: لقد سلبتَ القلبَ منّي بلحظِك والقوام، فقال: عيسى، عبثتَ بي فقلتُ: عساكَ تسمحُ لي بوصلٍ أيا بَدرَ التّمام، فقال: عيسى، عنّيتَني فقلتُ: وما الذي يدعوكَ حتى تَجافى بالكلام، فقال: عيسى، غَبَنْتَني فقلتُ له: صدَقْتَ وكلّ شيء تقولُ على النِّظام، فقال: عيسى، عُنيتَ بي فقلت: بمَن أعيش وأنت سُؤْلي وتبخل بالمرام، فقال: عيسى، عِشْ لي وأنشدني من لفظه لنفسه الإمام الفاضل عز الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ بهاء الدين الحسين الموصلي الحنبلي زيادةً على ذلك: أتى عيسى وناداني: تُرى مَن تُحب من الأنام؟ فقلت: عيسى، عَنَيتَني فقال: نعم رأيتُ إليك قلبي يحنّ من الهيام فقلت: عيسى، عَيْنُ بَثيّ فقال: وما حَلالي قط شيءٌ سِوى هذا المقام فقلت: عيسى، غيّبتَني فقال: ونيّتي واللهِ وصلٌ به يُمْحى الملامُ فقلت: عيسى، عينُ نيّتي فقال: عليك لي عتبٌ إذا ما تطارَحْنا الغرامَ فقلت: عيسى، عَتبْتَني فقال: بشرطِ أنْ أشدو بلَحْنٍ على شُرب المدامِ فقلت: عيسى، غنّ شيء فقال: أما شدوتُ بطيبِ نغم يحنّ له الحَمام؟ فقلت: عيسى، غنّيتَني فقال: وقد أتَتْ ليلى: سلامٌ، وأسرع في القيام فقلت: عيسى، عنّ بَيني فقال: وما حَداك على فراقي بلا رَدِّ السلام؟ فقلت: عيسى، عيّبتَني فقال: انظر وقد حنقتْ عليه وتعبس في الكلام فقلت: عيسى، عبّسي فقال: حملتَ عِبءَ العشقِ منها وصبرك في انهزامِ فقلت: عيسى، عبءٌ سيئ فقال: وما ترى فعل اللواتي رَعَيْن لك الزمام؟ فقلت: عيسى، غيّبْنَني قال: فقال لي بعض الناس: ألا إنك جعلت عوض فقلت: فقال، وعوض فقال: فقلت. قال: فغيرتها الى الصورة التي قالها، وقلت: أتى عيسى فقلت له: الى من تميل من الأنام؟ فقال: عيسى، عَنَيْتَني فقلت: نعم رأيت إليك قلبي يحن من الهيامِ، فقال عيسى، عيْن بَثّي فقلت: وما حَلالي قط شيء سوى هذا المقامِ فقال: عيسى، غيّبْتَني فقلت: ونيّتي يا بدر وصلٌ به يشفى الأُوامُ فقال: عيسى، عينُ نيتي فقلت: عليك لي عتب إذا ما تطارحنا الغرام فقال: عيسى، عتَبْتَني فقلت: بشرط أن أشدو بلحن على شرب المدام فقال: عيسى، غنّ شيء

стр. 31

فقلت: أما شدوتَ بطيب نغم يحن له الحمام فقال: عيسى، غنيتني فقلت: اجلس فقد جاءتك ليلى تحيي بالسلام فقال: عيسى، عنَّ بيني فقلت: وما حداك على فراق وإسراع القيام فقال: عيسى، عيّبْتَني فقلت: أقم، فقامتْ وهي غضبى تعبس في الكلام، فقال: عيسى، عبسيّ فقلت له: حملت العبء منها وصبري في انهزام، فقال: عيسى، عبء سيئ فقلت: فما فعل اللواتي رعَيْنَ لك الزمام، فقال: عيسى، غيّبنني وقلتُ أنا: وقد بقيتْ على ذلك زيادة ليس فيها زبدة، ولا يقدح البديع فيها زنده،

стр. 32

فأحببتُ نظمها، وأردتُ رقمها، فقلت، وإنْ كان في ذلك قلَق، ولم ينشق دجاه عن فلَق، فإن المُتقدّمين الفاضِلين أخذا ما رقّ وراقَ، وفلَذا ما راع ونزل وما هو في درَج الفصاحة بِراقٍ ولا برّاق، فليعذرْ صاحبُ الذّوق مَنْ شبّ عمره في هذا المقام عن الطوق، وذلك: غدا عيسى يفرُّ من الغواني فقلتُ له: عَلامَ؟ فقال: عيسى، عبثنَ بي فقلتُ: اغفرْ وعُدْ، فالعود أولى، فما في ذاك ذام فقال: عيسى، غبنٌ ثُنّيَ فقلت: احملْ أذى مَن بتّ تهوى ولا تخشَ الملام فقال: عيسى، عيبٌ بُني فقلتُ: وما يَسوءُك بثُّ سرّ تنالُ منه المرام فقال: عيسى، عِبتُ بثّي فقلت: فراستي حكمت بهذا عليك فما ألام فقال: عيسى، عيبٌ نُبي فقلت: رأيتك مع فتاةٍ حكَتْ بدْرَ التمام فقال: عيسى، غيّبَتْني فقلت: فما لقدك وهو غُصنٌ يميلُ من المدام فقال: عيسى، عن نثنّي فقلت: فما ترى من بعد هذا فقل جاء المنام فقال: عيسى، غشِّني فقلت: وما ركابك إن قطعنا الفلا تحت الظلام فقال: عيسى، عِيسى فقلت: أريد أن ألقاءك خِلْواً تفرّ من الآثام فقال: عيسى، غَثَيتني وقلت أنا في تصحيف يحيى: ومليح قلتُ: ما الاسمُ حبيبي؟ قال: يحيى، العلَم المشهور قلتُ: خاطبني بتصحيفٍ تعِشْ لي قال: يحيى، يحيا من الحياة

стр. 33

قلت: حيّاك إلهي، قال لي: بل أنت يحيى، تُحيَّ من التحية قلت: في قدّيْكَ ورْدٌ وهو غضّ قال: يحيى، يُجْنى من الجَنَى فتَوقَّ الجفْنَ مني فهو سيفٌ، قلت: يحيى، يجْني بالجيم من الجناية قلتُ: أصبحتَ مليكَ الحُسْن فرداً، قال: يحيى، بختي من البخت والَى عندي خَراجُ الحُسنِ في الآفاق يحيى، يجبَى من الجباية وإذا الغُصن تثنّى فلقَدّي بات يحيى، يُحنَي من الانحناء وإذا قام بقدٍ فنسيم الريح يحيى، يُجثى من جثا على ركبتيه أنا لو شِئْتُ لحُسني كان فوق البدر يحيى، تختي من التخت الذي يجلس فوقه فهو في الصورة من فوقٍ وفي معناه يحيى، تَحتي نقيض فوْقي فقلت: هل أُحْبَى وِصالاً منك حلواً قال يحيى، تُحْبى من الحِباء قلت: لو بُحتُ بسري خفَّ ما بي قال يحيى، بُحْ بي من البَوْح وإذا ما ناحت الوُرْقُ على الأغصان يحيى، نُحْ بي من النَّوْح قلت: ما يقطع خصمي عندَ عذْلي؟ قال: يحيى، بحْثي من البحْث قلت: لكن اشتهى لو قطّعوه، قال: يحيى، بجَبّي من الجَبّ وهو القطع قلت: ما لي من شفيع يعتني بي، قال: يحيى، بحُبّي من الحُبّ قلت: ما تنجو سريعاً من وصالي، قال يحيى، نجِّني من النّجاج قلت: نحّيت غرامي، قال: من قلبك يحيى، نحّني من التنحية قلت: نحتُ الصخر دأبي وقد أعيا فيكِ يحيى، نحْتي من النحت

стр. 34

وكذاك الدهرُ ما زال على الأحرار يحيى، يُخني أي يُهلِك قلت: خذني لك عبداً، قال: من يألف يحيى، بجِنّي من الجِنّ قلت: جفن قد حَثا الدمع بخدّي، قال: يحيى، يُحثى من الحُثوة قلت: قد سال دماً من جفن عيني، قال: يحيى، ثجَّ بي من الثّجّ قلت: في جفني قرحٌ من بكائي، قال: يحيى، نجَّ بي من نَجَّت القرحة قلت: ذُخري دمع عيني، قال: للشدة يحيى، يُخبا من الخبيئة قلت: ما لي قط ذنبٌ، كيف تجفو؟ قال: يحيى، تجنّى من التّجنّي ثم لانَ القلبُ منه إذ رأى في اللفظ يحيى، نُخَبي جمع نُخبة قلت: قُمْ وانشطْ ولا تكسَلْ وسافر، قال يحيى، نَخّني من النخوة قلت: ما تركب إن سرنا جميعاً؟ قال: يحيى، نُجبي جمع نجيب قلت: فاخترْ لي مركوباً غليظاً، قال: يحيى، بُختي بالخاء المعجمة قلت: ما الزاد الذي تعتدّه لي؟ قال: يحيى، يخني يعني مصْلوقاً قلت: وما الماء الذي نلقاه وِرْداً؟ قال: يحيى، بجُبّي يعني الجُبَّ قلت: إنْ كَلّ بعيري بمَ يُزْجى؟ قال: يحيى، بخَثّي من الحثّ فهُو لو لم يقضِ قَصْدي كُنتُ أقضي فيهِ يحيى، نَحْبي من قضى نحبه

стр. 35

وأنشدني لنفسه ونقلته من خطّه الأديبُ علاء الدين علي بن مقاتل الحمويّ بيتين ثانيهما تصحيف الأوّل: شِفائي وجنّاتي حبيبٌ بِسرْبِه ... لَغوبٌ بمزجٍ يَفْرُجُ البأسَ شيمتُهْ سَقاني وحيّاني حَييتُ بشَرْبَةٍ ... لَغوتُ بمزجٍ تُفرِحُ الناسَ سيمتُهْ ومما وجدته من التصحيف والتحريف في المجون قول ناصر الدين بن شاور الفقيسي الكناني، ونقلته من خطه مما كتب به الى السراج الوراق رحمه الله تعالى: مازلتُ مُذْ غبتُ عنك في بلدي ... حتى إذا ما أزحتُ عِلّتَها أقمتُ أجرانَها على عجلٍ ... وبعد هذا خزنتُ غَلَّتَها ونقلت منه له: لقدْ كانَ فيما مضَى دايةٌ ... تحِنُّ علَينا وتَبْغي رِضانا فماتتْ فآلمَنا فقْدُها ... فنحنُ جميعاً عليها حَزانى ونقلت من خط السراج عُمر بن محمد الورّاق، رحمه الله تعالى، مما نظمه في التصحيف:

стр. 36

أتيتُ أرجيهِ في حاجةٍ ... فلم تنبعثْ نفسُه الجامدهْ ففتّل لحيتَه والوَرى ... تعافُ المفتّلةَ الباردهْ فقلت له: خَلّ تفتيلَها ... وصحِّفْ عسى خلفها فائده وأنشدني إجازةً لنفسِه الشيخُ صفيّ الدين عبد العزيز الحلي: وظبي من التّرْكِ مادم ... تُه وبالغتُ في حُسْن تاليفهِ تمتّعْتُ منْهُ ومن كاسهِ ... بتَرجيحها وبتشفيفِهِ وقلتُ: خدَمْنا وتصحيفُها، ... فجاد بنُوشٍ وتصحيفهِ وأنشدني لنفسه إجازةً أيضاً: يا مانحي محْضَ الوعودِ وما بغى ... حفظ العهود ومُجتَنى معروفِه لي كل يومٍ منكَ عُذْرٌ حاضرٌ ... وأخافُ أنْ يُفْضي الى تصحيفِه وأنشدني لنفسه إجازة أيضاً: أعْوزني الحِبْرُ ولا طاقةٌ ... بطبخه لي وبتكليفهِ فجُدْ بهِ عفْواً فلا زِلْتَ في ... معكوسِهِ الدهرَ وتصحيفِهِ ومما اتفق لي نظمه في التصحيف مما قلتُ: أبْكمٌ لا يعي فَفيهمُ شيئاً ... ولِسترِ التصحيفِ أصبحَ يُسْبِلْ قال لي: هذه حرافيش مصرٍ ... قلت: لا بل أرى حرافيش إربلْ

стр. 37

ومنه قولي أيضاً: وصاحبٍ قال: صحِّفْ لي مَنْ تعذِّبُ قلبَكْ فقلت: إن كان شيء فسِتُّنا بنتُ أزبك فقال: قدِّمْ سواها، فقلتُ: أخِّرْ أغُلْبَك ومنه قولي أيضاً: ألا قُلْ لمن قد راحَ فينا مصحِّفاً وليس لهُ في مثل ذلك عائِبُ بمصرَ وَباً والقمحُ غضٌ كما ترى كذا الخَسُّ نبتُ الماءِ والنّخّ سائبُ وتصحيف ذلك: تمصُّ روْثاً، والقُم جعْص، الحس بيت الماء والنحس أنت. ومنه قولي أيضاً: وعاذلي ذاله استقرْ ولم تُصحَّفْ من شؤم بختي إن قال: ماذا سباك منها؟ أقلْ سِوارٌ بكفِّ سِتي ومن ذلك قصيدة وجدتُها لنور الدين أبي بكر محمد بن رستم الأسعردي، رحمه الله تعالى: إني أقصُّ عليك أعجب ما يُرى ... منْ صُنع ربّي جلّ مَنْ قدْ قدّرا فاسمعْ وعاينْ سَقْفَ بيتِك ساعةً ... تَرَ تحته ثوراً سميعاً مُبصِرا وانظرْ الى الماء الزلالِ تجدْ بهِ ... كلباً وليس تراه أن يتكدَّرا إن شئت أن تلقى حماراً ناطِقاً ... فانظرْ بمرآةٍ تجدْهُ مصوَّرا طالعْ كِتاباً إنْ خلوْتَ بمجلسٍ ... ترَ ثَمَّ شيطاناً يطالِعُ أسطرا واصعَدْ الى سطحٍ وغمّضْ ناظراً ... لك إنّ فوق السطح تيساً أعورا

стр. 38

والبس ثيابكَ واقر آياتٍ تجدْ ... من تحتها تيساً هنالك قد قَرا وإذا حضرتَ الحربَ وَلِّ عنِ العِدى ... تَرَ ثَمّ صفعاناً يولّي مُدْبِرا ومتى شرِبَْ مدامةً بين الورى ... ترَ جاهلاً في الناسِ يشربُ مُسْكِرا وإذا لُعنْتَ وأنت تحسبُه دعا ... ترَ أحمقاً لعنوه ثَمّ وما دَرى يا غادياً ينوي التزهّد بعدما ... أفنى الزمان من الشباب الأكبرا لا تخرِبَنّ الوجه منك بذلةٍ ... فخراب وجهك في الورى أن يُعْمَرا لو كان رزقك يا كثير الحرص في ... جُحْر أكلتَ ولن يكون مُقَتَّرا كُنْ مثلَ مَنْ في الناسِ قوّى دينَهُ ... وغدا حِمَى راجيهِ إن سُئِلَ القِرى وينافِرونَك معْشرٌ من جهلهم ... ولأنت أجهل إن سمعت المنكرا هوّنْ إذا ضحك الأنام عليك في ... الدنيا سيبكيك الذي فيها جرى إن كُنتَ للصلواتِ في أوقاتها ... تَنْسى كثيراً فاجتهدْ أن تَذكُرا يا بئس ما صنعتْ يداك وما سعتْ ... رجلاك في قطع المفاوز تذْكُرا ما هذه الدنيا بدارِ سلامةٍ ... لابدّ يوماً أنْ تبيتَ مُكَسَّرا يقسو عليها عالم بصروفها ... وتروق مَنْ أعمته عن أن يُبْصِرا لابدّ من بعثٍ فكن متيقظاً ... واصنعْ له عملاً، ومن أن تُنْشَرا وترى جهنمَ والصراطَ مُهيّأ ... في وسطها وترى عليها مُعْسِرا ويدُسّ رأس كبيرِهم وصغيرِهم ... في قعرها حتى استفكَّكَ شافِعٌ لن ينكرا يجري على خديك دمْعُك عند ذكر ... الحش لا أُنسيتَ ذاك المحشرا بِتْ نائماً متيقّظاً واذْكُرْ إذا ... ما قُمتَ منتفضاً هناك من الثّرى كُنْ خاسِئاً متواضعاً واحذرْ بأنْ ... يوماً تُرى متفرِّغاً مُتجبِّرا

стр. 39

لا تفخرنّ بجلدِ كلبٍ إن غدا ... تاجاً لراسِك فالمدَى سامي الذُرَى لو كنتَ ذا القرنينِ في سلطانه ... لم يُجد ملكُكَ وانصرفتَ منكَّرا قد كَلّ جيشٌ للعِدى أولا تَقُدْ ... لابدّ أن يُفني الرّدى كلَّ الوَرى هيهات ما الدنيا بدارٍ يُرتَجى ... فيها الجَزا، فاحمَدْ لمقصِدكَ السُرى كم نال فيها عاجِزٌ ما يَرتجي ... وحوى على رغم الأعادي مَفْخرا يا قاعداً رضي الخمولَ لنفسِه ... قد كان حقك في الوَرى أن تُشْهَرا ما بالُ رأسِكَ لا يزالُ مُنَكَّساً ... من ركْوةٍ فيه وصار مفَتَّرا لا تحزننّ لشيبِ رأسِكَ واتّئدْ ... سيصير كُلٌ في الخراب فلا يُرى يا لِحيةً خُلقتْ فأفحش خلقها ... كالروض تُزهى بهجةً إذْ نوّرا إنْ ضرّ طولك في الأنام فطالما ... استنفعت من شعَر يكون مُقَصّرا يا ساجداً في كل أرض راغباً ... في ذكر كلّ فتى يراه كبرا أخبار أهل الزهد عندي كلها ... إن كُنتَ فيها للسعادةِ مُؤثِرا يا آكِلا جزء الغِذا من خوفهِ ... ستنال من ذاكَ النعيم الأكبرا فالقطْ نَوًى من كل أرضٍ ثم كُلْ ... منها الخرادلَ تَحْوِ أجراً أوفرا لابدّ يوماً أن تصير ببطنها ... ولك الجزا فيها على هذا المِرا ومن ذلك قصيدة للحكيم شمس الدين محمد بن دانيال، رحمه الله تعالى:

стр. 40

إنّ البلادَ التي أصبحتَ واليهَا ... أضحت ولا جنة المأوى ضواحِيها وعُمّرتْ منك بالعدل المبين الى أن با ... ت حاضرُها سُكنى وباديها وبعدما أصبح الطيرُ الخراب بها ... على أسافلها تبكي أعاليها كأنّها لم تبِضْ فيها ولا فقسَتْ ... بها ولا نبتتْ فيها خوافيها فأقفرَتْ بعدما كانتْ مساكنُها ... فيها خرائدَ قد لذّ الأسى فيها فلنْ يهِرَّ بها كلبٌ ولو ظهرتْ ... رسومُها لَعوى فيها عوافيها هبّتْ رياحُ دَبور في جوانبِها ... فكان سقط لواها إلف سافيها وا لَهْف نفسي عليها عند ذاك ويا ... خرابَها بمعانٍ في معانيها منْ بعدِها لم أجِد أرضاً أفُشّ بها ... صَبابةً في ضميري كنتُ أخفيها أنتَ الشجاع الذي ذاق البَرازَ ولم ... يجْبُن إذا بطلٌ جرّ القَنا فيها كم نار حرب لدى الهيجاءِ ما وقدَتْ ... إلا أتيت ببأس منك يُطفيها للهِ رمْيُك واستيفاكَ من بطلٍ ... سهامَ أي قِسيّ بتَّ تحْنيها كم قد خرقتَ بطونَ الدارعينَ بها ... حتى تراقتْ نفاذاً من تراقيها وعصبةٍ تشربُ الأبوالَ من ظمأٍ ... وتأكل الروثَ جوعاً أنت مُغنيها كم استنابك فيها حاكم فغدا ... بحفظها منك إقبالٌ لرائيها ومُذْ رآك الورى فرْدَ الزمانِ بها ... خرّتْ لوجهِكَ، أعنى سُجّداً تِيها لو أنّ دجلةَ فيها القاع ذو يبسٍ ... لوارديها لكنتَ الدهرَ تسقيها سلْ أرض حرّان إذْ أمسيتَ ساكنَها ... هل جاع صُعلوكُها أو جاع صوفيها وفاخَرَتْك جماعاتٌ وربَّتَما ... قالوا قصير فرُدَّ القولُ تسفيها إنْ قلّ طولك فيه للعيان فما ... قد قلّ طولك فيها حين تعطيها يا والياً بيّتَ الأكفاءَ في نفق ... يحمي حماها كما قد بات يحميها لا تعجلنّ وكُن مسترفقاً وخذ ال ... مياه بالحكم عدلاً من مجاريها
следующие страницы →