← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ومر بنا في عسكر من جماله ... فقطع أحشاء وفتت أكبدا مليح أعار النيرين سناهما ... وعلم غصن البان كيف تأودا وشاكي سلاح يرهب الأسد لحظه ... ويرعب خطي القنا والمهندا وحلوا إذا ما افتر باسم ثغره ... أرانا عقيقاً حف دراً منضدا كسا الله خديه من الورد حلة ... وأسكن في فيه الزلال المبردا نسيم وغصن رقة ورشاقة ... وأما شذا فالروض كلله الندى فسبحان من سواه للناس فتنة ... وصوره في دولة الحسن مفردا شغفت به قدماً ولذ هواه لي ... على رغم غمر لامني فيه واعتدى وفي حبه أنفقت عمري جميعه ... ولم أخش في شرع الصبابة ملحدا ولم ينسني ذكراه شيء سولا علا ... أبي الفوز إبراهيم شمس ذوي الهدى إمام له في كل مجد وسؤدد ... مآثر لا تسطيع إنكارها العدا ومولى أجل الله في الناس قدره ... وتوجه تاج القبول وأيدا ونابغة دراكة من بيانه ... وآرائه المعروفة السحر والهدى جواد له بذل الجزيل سجية ... وبحر ندى عن موجه يؤخذ الندى تسير له قبل الجسوم قلوبنا ... فلا تنثني إلا وعتها انجلى الصدى يمازج عز المجد منع تواضع ... ولطف به فيه نسيم الصبا أفندي إليه انتهى جمع الفضائل سالماً ... فأصبح للأقران مولى وسيدا ولا غرو عن حاز الكمال جميعه ... فمن يتبع السادات يزداد سؤددا ومن لأبي الأنوار أستاذنا انتمى ... ينال من الآمال ما كان أبعدا هو السيد السامي على أهل عصره ... هو السند الحامي إذا عدت العدا هو الجوهر الفرد الذي بوجوده ... تجدد إيوان العلا وتشيدا هو المقصد الأسنى لمن كان آملاً ... هو المنهل الأصفى لمن كان ذا صدى هو المورد المقصود من كل وجهة ... هو الشرف النامي على عدد المدى

стр. 1332

محط رحال العارفين وقطبهم ... وكعبة أهل الفضل حالاً ومبتدا همام حباه الله كل حميدة ... فأصبح بين العالمين محمدا وأورثه مولاه شامخ رتبة ... لآبائه آل الوفا أبحر الندى مصابيح مصر بل صباح الوجود بل ... حياة الورى أزكى البرية محتدا كنوز المعاني والحقائق والتقى ... شموس سموات الولاية والهدى خلاصة آل المصطفى ولبابهم ... وسر بني الزهراء بضعة أحمدا هم بركات الكون شرقاً ومغربا ... هم ملجأ العاني إذا خطب اعتدى هم القوم لا ينقاس غيرهم بهم ... ومن ذا بسادات يقايس أعبدا إذا أطلق السادات كانوا بني الوفا ... فيا حبذا فخراً صميماً وسؤددا أبا الفوز خذها بالقبول تكرما ... وإن كنت كالمهدي إلى الكنز عسجدا وقابل بحسن العفو سوء قصورها ... فذنب المحب العفو عنه تأكدا على خير رسل الله خير صلاته ... وتسليمه ما شارق غاب أو بدا وآل وأصحاب وكل متابع ... لمنهاجهم ما ناح طير وغردا وما المخلص الصبان قال مؤرخا ... أبو الفوز بشراه السرور مؤبدا وله في ديباجة سلام يا نسيم الصبا تحمل سلامي ... لحبيب به شفاء سقامي وإليه بلغ تحية صب ... مستهام ما خان عهد الغرام لم يكن ناسياً وداداً قديما ... لا ولا سامعاً ملام لئام ذو اشتياق إلى لقاء محب ... فاق نوراً على بدور التمام وجه مولى حاز المحاسن طراً ... فهو شمس الكمال بين الأنام وله أيضاً ترحلتم عنا وشطت دياركم ... وبدلتمونا بالصفا غاية الكدر وأعدى علينا الشوق جيش خطوبه ... وأصبح حزب الصبر ليس له أثر فإن تسألوا عنا فإنا لبعدكم ... كجسم بلا روح وعين بلا بصر

стр. 1333

ولولا رجاء النفس لقيا حبيبها ... لما بقيت منا معان ولا صور وله متغزلاً وحق صبح المحيا مع دجى الشعر ... وجنة الخلد مع راح اللمى العطر ومقلة بفنون السحر قد كحلت ... وقامة رشحتها خمرة الخفر وعرف عنبر خال وابتسام فم ... من اليواقيت عن ثغر من الدرر ما غير البعد عهدي في الغرام ولا ... نسيت وداً مضى في سالف العصر لي في المحبة شرع غير منتسخ ... ومذهب في التصابي غير مندثر إن كنت ملت إلى السلوان يا أملي ... فلا تمتعت من خديك بالنظر كيف السلو وأنت الروح في جسدي ... والعقل في خلدي والنور في بصري كيف السلو لظبي ما نظرت له ... إلا رأيت شقيق الشمس والقمر غصن من البان قد رقت شمائله ... ورق في حبه ذو البدر والحضر بديع سحن يقول الناظرون له ... تبارك الله ما هذا من البشر إلى محاسنه تصبو العقول وفي ... هواه يحلو مرير السقم والضجر شاكي السلاح شديد البأس ذو مقل ... تعد أسهمها في أسهم القدر ريم ولكن تخاف الأسد سطوته ... وكل أهل الهوى منه على خطر يغزو النفوس بجيش من لواحظه ... وعسكر من جمال غير مقتدر محاسن حار فيها لب ناظرها ... وفتنة دهشت منها ذوو الفكر كأنما ذاته في لطفها خلقت ... من نفثة السحر أو من نسمة السحر يغنيك عن كل ذي حسن محاسنه ... ومن يرى العين يستغني عن الأثر أفديه من رشأ ما مثله أحد ... عدمت في حبه حلمي ومصطبري أطال هجري بلا ذنب أتيت به ... وساءني بعد صفو الود بالكدر أصغى إلى قول أعدائي وشمتهم ... مع أن قول الأعادي غير معتبر يا أحمد الفعل إلا في تقلبه ... دع التقلب واجبر قلب منكسر وأحي بالوصل نفساً فيك ميتة ... وأبر بالود جسماً من جفاك بري

стр. 1334

يا من هو الآية الكبرى لناظره ... رفقاً بصب غدا من أكبر العبر تكاد تحرقه نيران مهجته ... لولا سخاء سحاب الجفن بالمطر إن كان عندك شك أنني دنف ... فسل دموعي وسل سقمي وسل سهري وله أيضاً أهابك أن أجيبك لا لعجز ... ولكن المحبة أخرستني وأحتمل المكاره لا لذل ... ولكن الصبابة أحوجتني وقدري لست تجهله ولكن ... غرامي باعني لك بيع غبن فكن يا ابن الأكابر أهل عرف ... ولا تكثر علي من التجني فلي جسم كساه الشوق سقماً ... ولي قلب علاه كل حزن ولي في مذهب العشاق حال ... يطول بذكرها شرحي ومتني وله غير ذلك كثير، وفضله وعلاه شهير، وكان في مبتدأ أمره وعنفوان شبابه وعمره، معانقاً للخمول والإملاق متكلاً على مولاه الرزاق، يستجدي مع العفة، ويستدر من غير كفة، وتنزل أياماً في وظيفة التوقيت بالصلاحية بضريح الإمام الشافعي ﵁، ثم ترك ذلك. ولما بنى محمد بك أبو الذهب مسجده تجاه الأزهر تنزل المترجم أيضاً في وظيفة توقيتها وعمر له مكاناً بسطحها سكن فيه بعياله فلما اضمحل أمر وقفه تركه واشترى له منزلاً صغيراً بحارة الشنواني وسكن به، ولما حضر عبد الله أفندي القاضي المعروف بططرزاده وكان متضلعاً من العلوم والمعارف، وسمع بالمترجم والشيخ محمد الجناحي واجتمعا به، أعجب بهما وشهد بفضلهما وأكرمهما، وكذلك سليمان أفندي الرئيس، فعند ذلك راج أمر المترجم وأثرى حاله، وتزين بالملابس وركب البغال، وتعرف أيضاً بإسماعيل كتخدا حسن باشا، وتردد إليه قبل ولايته، فلما أتته الولاية بمصر زاد في إكرامه وأولاه بره ورتب له كفايته في كل يوم

стр. 1335

بالضربخانة والجزية، وخرجاً من كلاره من لحم وسمن وأرز وخبز وغير ذلك وأعطاه كساوي وفراء، وأقبلت عليه الدنيا، وازداد وجاهة وشهرة، وعمل فرحاً وزوج ابنه سيدي علي فأقبل الناس عليه بالهدايا وسعوا لدعوته، وأنعم عليه الباشا بدراهم لها صورة، وألبس ابنه فروة يوم الزفاف، وكذا أرسل إليه طبلخانته وجاويشيته وسعاته فزفوا العروس وكان ذلك في مبادئ ظهور الطاعون، فتوعك الشيخ المترجم بالسعال وقصبة الرئة، حتى دعاه داعي الأنام، وفجأة الحمام ليلة الثلاثاء من شهر جمادى الأولى سنة ست ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر وكان محفل جنازته مجمع الأفاضل: مضت الدهور وما أتين بمثله ... ولئن أتى لعجزن عن نظرائه ودفن بالبستان رحمه الله تعالى، انتهى من كلام الجبرتي مع بعض تغيير. محمد خليل أبو المودة بن السيد العارف علي بن السيد محمد بن القطب السيد محمد مراد المعروف بالمرادي ابن علي الحسيني الحنفي الدمشقي مفتي دمشق الشام أعاد الله علينا من بركاتهم: الإمام السيد السند، والهمام الفهامة المعتمد، فريد عصره ووحيد شامه ومصره، الوارد من زلال المعارف، الصاعد لأعلى ذروة العوارف، نبعة صافيها ومبتدأ معينها، المؤيد بأحكام شريعة جده حتى أبان صبح يقينها، من بيت العلم والجلالة والسيادة، والعز والرياسة والسعادة، ولا ريب أنه كان شامة الشام، وغرة الليالي والأيام، أورق

стр. 1336

عوده بالشام وأثمر، ونشأ بها في حجر والده والدهر أبيض أزهر، وقرأ القرآن على الشيخ سليمان الدبركي المصري، وطالع في العلوم والأدبيات واللغة التركية والإنشاء والتوقيع، ومهر وأنجب واجتمعت فيه أشتات الفضائل ومتفرقات الشمائل، مع لطيف خلق يسعى لينظر إليه، ورقيق جمال يقف الكمال متحيراً لديه. ولما توفي والده المرحوم آل إليه إفتاء الحنفية في الديار الدمشقية، ونقابة الأشراف، واشتهر بين الخاص والعام بحسن الأوصاف، واستوى على العلوم العقلية والنقلية، وملك بنقد ذهنه جواهر المعارف والعوارف السنية، فكانت تتيه على سائر البقاع به بقاع الشام، ويفتخر به عصره على بقية الأعصار والأعوام، فلا تزال تصدح ورق الفصاحة في ناديه، وتسرح إليه وفود روام البلاغة فتباكره وتغاديه، ونور فضله باد، وموائده ممدودة لكل حاضر وباد، كما قيل: كالشمس في أفق السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا وكان رحمه الله تعالى مغرماً بصيد الشوارد، وقيد الأوابد، واستعلام الأخبار وجمع الآثار، وتراجم العصريين، على طريق المؤرخين. وكان يراسل فضلاء البلدان البعيدة، ويواصلهم بالهدايا والرغائب العديدة، ويلتمس من كل منهم تراجم أهل بلاده، وأخبار أعيان أهل القرن الثاني عشر بحسب وسع همته واجتهاده. إلى أن بلغ مطلوبه وحصل مرغوبه، ورقم ما رام فجاء بحمد الله على أتم مرام، وسماه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر. وله أيضاً كتاب عظيم أرخ فيه المفتين في دمشق من أيام السلطان سليم، وسماه: عرف البشام فيمن ولي فتوى دمشق الشام

стр. 1337

وقد ختمه بترجمة ذاته، فأحببت ذكرها بلفظها لدلالتها على رفيع مقامه وصفاته، فقال رحمه الله تعالى: لا مزية فتذكر ولا محمدة فتشكر، ولا فضل فيقال، وليست عثرة واحدة فتقال، ولا سيئة واحدة فتغفر، وليس سهم واحد من المعائب يرده من الإغضاء مغفر، ولا طيب خلق ولا جمال، يوضح بيانه بالتفصيل والإجمال، ولا جملة كمالات، ولا محاسن كلمات، يشهد به البادي والحاضر والسامع والناظر، ولا فضائل ولا معارف، تنقدها بيد الإختبار من الأذكياء الصيارف، ولا فواضل ولا أدب ينسل إليه من كل حدب، ولا سماحة بنان وحماسة جنان، ولطافة بيان وعذوبة لسان، يعترف بها كل ماسان، ويقر لها كل إنسان، وتتشنف بسماعها الأذهان، ويرويها فم كل زمان في كل آن. وقد اقترفت الذنوب، وارتكبت العيوب، وغدوت منها ملآن الذنوب، واغترفت الإساءة، واغترفت بالبطالة ورفضت الأصدقا، وجانبت الأودا، وخبطت خبط عشوا، وكنت كخاطب في الليلة الظلما، ووصفت فما أنصفت، وأطلت الكلام وما أفدت، وجنحت للأماني، وتبعت في الأفعال زماني، ونصبت الآمال الكواذب، أشراك الرغبات والمطالب، وجهلت الكريم وعرفت الوضيع، وسامرت الوغد وتركت الرفيع، وجبت الجهل وسلكت حزنه والسهل، وصرفت أوقاتي للإضاعة فقلت البضاعة، وتبعت الأهواء النفسية، وفعلت في أيام شيخوختي أفعال الطفولية، لا أميز الخسيف من الشريف، ولا الربيع من الخريف، ولا الفاضل من المفضول، ولا الناقل من المنقول، ولا الأفيال من الأقيال، ولا الجهد من الجهر، ولا الجمر من الخمر، ولا الحبر من الحبر، ولا الجبر من الجبر، ولا القضا من الفضا، ولا العلا من الغلا، ولا النهار من البهار، ولا الأشجار من الأسحار، ولا العرار من الغرار، ولا الحلال من الخلال، ولا الحمار من الخمار ولا الملاح من الملاح، ولا الصبا

стр. 1338

من الصباح، ولا الريا من الرياح، ولا النوى من النواح، ولا الفلا من الفلاح، ولا السما من السماح، ولا القرا من القراح، ولا الربا من الرباح، ولا العقار من العقار، ولا بوح من نوح، ولا الخد من الحد، ولا الجد من الجد، ولا الوجد من الوخد، ولا الشمع من السمع، ولا قابوس من فانوس، ولا الشاعر من المشاعر، ولا القاضي من القاصي، ولا الضد من الصد، ولا الحامد من الجامد، ولا الصائغ من الصانع، ولا الناظر من الباصر، ولا الصابر من الصائر، ولا الجابر من الحاير، ولا المعنى من المغنى، ولا القاصي من القاصر، ولا الزاهي من الزاهر، ولا الوافي من الوافر، ولا الهاجي من الهاجر، ولا الهامي من الهامر، ولا الآمي من الآمر، ولا الراسي من الراسخ، ولا الناسي من الناسخ، ولا الساري من السارق، ولا العالي من العالم، ولا الشاكي من الشاكر، ولا الصابي من الصابر، ولا السالي من السالك. فكيف أترجم ويذكر حالي المبهم المعجم، وأنعت بمقال وكلام، وتجري بخصوصي مياه الأقلام، ويقال عني مادح نفسه يقريك السلام، وانخرط في سلك من ذكرته، وسمط من وضعته ونشرته، وأصف نفسي لشيء يمحضه التكذيب، وأنشئ مقالاً يصير هدفاً للتعريض والتأنيب، ولا يخفى أن الجهل شلل في يد الرياسة، آفة في رجل الرجولية، صمم في سمع الأريحية، قذى في عين المروءة، بخر في فم الفتوة، فلج في سن السيادة، لكنه في لسان الشهامة، بهق في وجه السعادة، صداع في رأس الكياسة، علة في جسم المعالي، مرض قي قلب المجد والفضل، قوة في قلب السيادة، متانة في يد الفتوة، ابتسام في فم الشهامة، جلاء في عين المعالي، وضاءة في وجه الكياسة والرياسة، فصاحة في لسان السعادة، صحة في جسم الدولة، ونعمة مغبوطة ومنحة بها المفاخر مربوطة، فيا ليتني ارعويت، وما تصديت وادعيت، ولكني وإن كنت

стр. 1339

الموصوف بهذه الأوصاف المذكورة، والنعوت الغير المحمودة والمشكورة، فأفتخر بجدي وأبي، وبنجاري ونسبي، لا بأدبي ونشبي، فرونق الأخلاف بالأسلاف، وإن طابت تربة الكرم تحسن السلاف، والذنب اختلاجه بسلامة الرأس، والبناء لا يقوم إلا بالأساس، والأفق الصافي لا يطلع إلا زهرا، والتربة الطيبة لا تنبت إلا زهرا، وبصحو الجو بصحو النهار، ومتى عذبت العيون تصفو الأنهار: شمس كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا وناهيك بهذا البيت، الخالي عن لو النقائص والليت، فقد خرج منه رجال وأي رجال، يضيق عن حصر أوصافهم كل مجال، خضعت لهم من الأقيال شم الأنوف والمعاطس، وتناولوا من المعالي والمفاخر ما لا تلامسه كف ملامس، أضاء بدر علاهم وأشرق، ونجم نجم هداهم وتألق، إن حرروا حرروا رقاب المعاني، وإن حبروا ذلت لهم أعناق المباني، فمآثرهم حسنات ظاهرة، وأنفاسهم زكية طاهرة، فكم سفر أودعوه حكماً نبوية، وكم من علم حققوا دقائقه اللفظية والمعنوية، لم تخل أناتهم برهة عن طاعة، ولا عن اجتهاد فوق الاستطاعة، رجال لا تلهيهم تجارة، ولا تفي بوصف محاسنهم عبارة، ولا يشق أحد لأحد منهم غباره، أحاطوا بالفضل إحاطة الهالة بالبدر، وافتخر بهم المجد افتخار الليالي بليلة القدر: قوم إذا ذكروا لم تلق بينهم ... إلا هماماً تردى المجد واتزرا صيد غطارفة غر لبابهم ... تأوي الصناديد والحكام والوزرا إلى أن قال: وأما إيضاح حالي في إقامتي وترحالي، وذكر شيوخي والأساتذة، ومن تخرجت عليه بالفنون من الجهابذة، وتقلباتي مع الدهر في كل آن وشهر، وذكر تلاعب الأيام بي، وصرفي لردع بوائقها اجتهادي وتعبي، وذكر ما وليت من المناصب العالية، والرتب الشامخة السامية، وما حباني الله به من النعم والدولة، والحشمة والجاه والصولة،

стр. 1340

ومؤلفاتي وآثاري، ونظامي ونثاري، وذكر من نظمتني وإياه أيدي الأقدار، في هذه الدار وغيرها من الأجلاء أولي الفضل والمقدار، وما وقع لي وجرى بالإرادة الإلهية، والحكمة الأزلية، فقد يطول ذكره هنا ويتعذر، ويصعب بيانه وشرحه ويتعسر. وقد ذكرت جميع ذلك في سفر مطول، وأوضحت أمري به فهو عليه المعول، ولما عزل ابن العم عبد الله بن الطاهر من فتوى دمشق الشام، وبقيت البلدة خالية عمن يصونها، ومفتقرة لمن يحرس رباعها وحصونها، ويتولى أمرها، ويطفئ برأيه من البوائق المدلهمة جمرها، وينشر مسائلها، وينقح رسائلها، ويتصدر في دستها السامي الأركان ويتصدى لحل مشكلاتها حسن الإمكان، كنت في قسطنطينية فوليت هذا المنصب بعده برأي رجالها ورؤساء الدولة، وكان مفتيها الحلاحل الغطريف، شيخ الإسلام محمد شريف، وهو العلامة والبحر الزخار، وطود الفضائل والفخار، لا برح السعد يراوح ناديه، وتزاحم القلانس والتيجان على لثم بابه وأياديه، فقد أحلني مكان بنيه، ومن يحنو عليه ويدنيه: وألبسني ثوب المكارم معلماً ... وتوجني من فضله وكساني وكانت توليتي للمنصب المذكور من طرف الدولة في اليوم السابع من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، وأنا حينئذ في البلد المذكورة قسطنطينية دار السلطنة العلية، صانها الله من كل آفة وبلية، ثم قدمت مفتياً لبلدتي دمشق ذات النيربين والشرف، التي أكرمها الله تعالى بالبركة والشرف، وأنخت ببقاعها من المسير المطايا وأنا متوكل على مجزل العطايا،

стр. 1341

وغافر الذنب والخطايا، ورجوته ودعوته أن يوفقني في هذا الأمر لما يرضاه، ويداركني باللطف فيما قدره وقضاه، إنه خير مجيب لمن دعاه، وأكرم مسؤول لمن رجاه ووعاه، لأني لست من هذه الحمائم، ولا قطرة تلك الغمائم، ولا من نور هذه الكمائم، ولا من درر تلك الأسلاك، ودراري هذه الأفلاك، ولكني أقول متمثلاً بقول من يقول: لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اضمحلت ... وصوح نبتها رعي الهشيم وقد أثبت هنا من أشعاري، التي نسجتها يد أفكاري، نبذة حربة بالمحو، لا يستر عوارها إلا الإغضاء والعفو، عارية عن الجزالة والحلاوة، خالية عن البلاغة والطلاوة، فمن ذلك قولي مفتخراً وأنا في الروم: أما نحن أبناء السراة الأكاسر ... لنا في الندى والحلم جم المآثر نجود بما نحوى ونعفو عن السوى ... ونصفح عن زلات باغ وقاصر ونحن أناس لا يغير عهدنا ... تغلب محتال وصولة فاجر نعف متى نقوى ونغضي تكرما ... ونظهر في الحالين ما في السرائر وآباؤنا صيد غطارفة لهم ... جلابيب مجد نسجها بالمفاخر هم القوم سادوا منذ شادوا دعائماً ... من العز منها الركن ليس بدائر فلا يجد الملهوف غير مقامهم ... إذا اشتد خطب أو بدا جور جائر أزاحوا من العدوان ليلاً لقد دجى ... بصبح من الإيمان أسفر ظاهر فكم أشهروا يوم الوطيس مهنداً ... يحز نجوداً سترت بالمغافر فوارس في الهيجا متى طرفا امتطوا ... رؤوس العدى تلقاها تحت الحوافر وإن جردوا عضباً وهزوا أسنة ... ترى في الوغى يبدو انهزام العساكر وليدهم يردي الكماة إذا انتحى ... يذل له خوفاً أشد القساور وليس خضاب في أنامله بدا ... ولكنه بالبطش دامي الأظافر فلم يلف في نعمائهم غير حامد ... ولم يبق في الدنيا لهم غير شاكر

стр. 1342

ففي دستهم أقيال قوم أجلة ... وفي أفق العلياء هم كالزواهر وآياتهم جل المصاقع لم تزل ... ترددها للناس فوق المنابر متى أمّ من أم القرى وافد قرا ... سطور القرى والجود غب البشائر أو اجتازهم راج سماحة جودهم ... رأى لطف مفضال وهمة ناصر وفي الشام ما شام الغريب ببابهم ... أذى حاجب وغد وسطوة ناهر بهم جلق والروم تسمو وتزدهي ... ولم يبق ذكر فيهما للأواخر فيا روم هل تبغين بعد فراقهم ... كراماً ويا ذي الشام غيرك فاخري وفي الروم قسطنطينة تبتغيهم ... وجلق تبغيهم هما كالضرائر فأي مكان ضمهم كان موئلاً ... يضم قروماً من خيار أكابر فلو حاتم أدى المكارم حقها ... وشاهدهم أضحى كنادم حائر وفي صمم أذن المناصب بعدهم ... وقد عميت حزناً عيون المفاخر فغيثاً لقفر الفقر يهمع جودهم ... وناديهم مأوى لعائذ زائر وإني وإن شط المزار وأبعدت ... منازل من أهوى وكدر خاطري أخو همة قعسا يؤم ومؤتسى ... وفرع لأصل بالشرافة طاهر ولست بمغبون إذا سر حاسدي ... وصرت قطيناً في نوادي الأصاغر وإني امرؤ ما ذل يوماً لماجد ... ولا هاب آلاف الأسود الخوادر ولم يخش دهراً قد أعز أذلة ... وما راعه إلا عيون الجآذر لها موقع في القلب أنى له دوا ... فوا عجباً من جرح أحور فاتر ولا يشتكي ضيم الخطوب وإن دهت ... ويشكو صدوداً من نفور وهاجر فقل لفخور يحسب المجد هينا ... ويظهر أرفاداً لباد وحاضر أتبغي منالاً يشمخر اعتلاؤه ... ويسمو وأنت اليوم ليس بقادر أأنت ابن من لولاه لم يك كائن ... وأول مخلوق وآخر آخر أأنت ابن من فيه العوالم تزدهي ... ولم يبق في إرساله شرك كافر

стр. 1343

أأنت ابن من في الحشر يرجى ومن أضا ... به الكون لما كان مثل الدياجر إليه انتمائي وانتسابي فعلني ... أفوز بعفو شامل لي وساتر وليس قريضي محصياً لشمائل ... حواها وعن ذا ضاق صدر الدفاتر عليه صلاة الله ثم سلامه ... وآل وأصحاب كرام أكابر مدى الدهر ما اشتاق الغريب لألفه ... وهبت جنوب في رياض أزاهر وقال ﵀ أدر ذكره أن الفؤاد لذو ضنى ... وإن له ذكر الرسول شفاء وروح نفوس العاشقين بنعته ... ففيه لداء العاشقين دواء وقال يا رب إن ذنوبي ... كثيرة ليس تحصر وفيك كل يقيني ... بأن عفوك أكثر وقال إذا ما دهتك صروف الزمان ... ووافاك منه سقام وخطب فداوم على الصبر تلقى المرام ... وفيه مع الفوز للداء طب وقال ﵁ مشطراً أبيات ابن عبد ربه ودعتني بزفرة واعتناق ... وأثارت لواعج الأشواق وتهادت عند الفراق عشيا ... ثم قالت متى يكون التلاقي وبدت لي فأشرق الوجه منها ... يتسامى بزائد الإشراق وارتنى طلوع شمس وبدر ... بيت تلك النهود والأطواق يا سقيم الجفون من غير سقم ... قد فتكت القلوب بالإحداق فتنة لعاشقين أنت لهذا ... بين عينيك مصرع العشاق إن يوم الفراق أصعب يوم ... أورث القلب زائد الأحراق كل من في هواك عانٍ ينادي ... ليتني مت قبل يوم الفراق انتهى كلامه ملخصاً. وله ديوان شعر، ذو جمال وقدر.

стр. 1344

ومن مكاتباته للسيد المرتضى الزبيدي رحمهما الله تعالى قوله كما ذكره الجبرتي: أحمد الله على كل حال، في حالتي المقام والترحال، وأصلي على نبيه وآله الطاهرين، وأصحابه السامين بالفضائل والفواضل والظاهرين، وأهدي السلام العاطر، الذي هو كنفح الروض باكره السحاب الماطر، والتجايا المتأرجة النفحات، الساطعة اللمحات، النافحة الشميم الناشئة من خالص الصميم، وأبدى الشوق الكامن وأبثه، وأسوق ركب الغرام وأحثه، إلى الحضرة التي هي مهب نسائم العرفان والتحقيق، ومصب مزن الإتقان والتدقيق، ومطلع شمس الإفادة والتحرير، ومنبع مياه البلاغة والتقرير، وموئل العائذ، ومطمح اللائذ، وكعبة الطائف، ومنتدى التحف واللطائف، ومجمع مجرى العمل والعلم، وملتقى أنهر الملاطفة والرأفة والحلم، وروض المكارم الوريق الوارف، وحوض العوارف والمعارف، المنهل الصافي، والظل السابغ الضافي، صانها الله من البوائق وحماها، وحرس من الخطب الفادح حماها، ولا برح السعد مخيماً في رباعها، واليمن والأمن مقيمين في بقاعها، هذا وإن عطف مولانا الأستاذ عنان الاستفسار والاستخبار عن حليف آثاره، وأليف نظامه ونثاره، وسمير تذكاره، في ليله ونهاره، والمشتاق لمرآه، والواله بهواه، والمقيم على عهده، والمتمسك بوثيق وده، والمتمسك بعرف نده، والصانع عقود تمداحه، في مسائه وصباحه، فهو بمنه تعالى رهين صحة وعافية، وقرين نعمة وآلاء وافية، يستأنس بأخبارك، ويتوقع ورود رسائلك وآثارك، وقد مضت مدة ولم يجر بين البين ماء محاورة ومراسلة، وأدى هذا الجدب لقحط غلال المواصلة، وعلى كل حال فالقصور من الجانبين، واعتقاد ذلك يحسم مادة العتاب بين المحبين، ثم الباعث لتحرير الأسطار، ونميقة الاعتذار، وإجراء فيض النفس المدرار، تنفقد الأحوال، واستدعاء المراسلة ببليغ تلك الأقوال، وللشغل الشاغل، الذي ما تحته طائل، اقتضى تأخير المراسلة لهذا الحين، والتقصي من الجواب،

стр. 1345

عن استنشاق أوراد ورياحين، والله يشهد أن غالب الأوقات، ذكراك نقل وأقوات، وقلبك شاهد على ما أقول، وحجة المحبة ثابتة بأقوى دليل ونقول. ولقد كنت حرضت الأستاذ لا برح وجوده للسائل نفعا، والدهر لما يقول مجيباً سمعاً، لجمع تراجم المصريين والحجازيين، ومن للأستاذ الوقوف على ترجمته وحاله من أهل الأمصار، من أبناء القرن الثاني عشر، ووعد حفظه الله بالإنجاز، ولسبب الشواغل الطارئة في هذه السنين الموجبة لتكدير الأفكار، ورخص أسعار الأشعار، وأخلاق برد الفضائل وذاك الشعار، أوجب قطع المراسلة وتأخير المطلوب والمأمول، ولم يفز المحب بمرام من ذلك ومسؤول، ولما كنت في الروم قبل ذلك العام، جرى ذكر الأستاذ لدى حضرة أحد رؤسائها الأجلة الصناديد القروم، فأطال بالمدح وأطنب، ثم جرى ذكر التاريخ وفقدانه في هذا الوقت وعدم الرغبة إليه من أبناء الدهر، مع أنه هو المادة العظمى في الفنون كلها، فتأوه تأوه حزين، وكان في مجلسه أحد الأفاضل المولعين باقتناص الأخبار، فقال إن الأستاذ أبا الفيض مرتضى بلغه الله مرامه، وقرن بالنجاح آماله وبالسعود أيامه، قد باشر تأليف تاريخ عظيم بإشارة هذا وأشار إلي، فقلت نعم قد كنت حرضت الأستاذ بجمع ذلك ولا أدري كيف فعل، هل أوقد الطروس تلك المصابيح والشعل، أم عاقه الزمن بأحواله، قال لا بل شعر الوزير الكبير المقتول إسماعيل باشا الرئيس وذكره في ترجمته، ثم إنه أطال على الأستاذ في الثناء، وأطال طرف المدح في حلبة ذلك المجلس إلى المساء، فسرني هذا الخبر الطارئ، من ذلك الرجل الإخباري، وطرت بأجنحة السرور والأماني، وقلت قد صافاني زماني، ولما عدت لبلدتي دمشق دامت معمورة، وبالخيرات مغمورة، وقعت بإشراك الشواغل المتبادرة، وتركت من الفنون كل نادرة، وحرصت على تدبير أمورها

стр. 1346

خوف القال والقيل، وصرفت أوقاتي للإضاعة حتى في المقيل، وأروم من واهب النعم، ومسدي الخير ومسدل الكرم، أن يهبني لطفاً في مسعاي والأمور، وعوناً في نظام الجمهور، إنه خبير بصير، وإليه المصير. وكان هذا الشغل الشاغل سبباً أعظم لتأخير المراسلة، والاستخبار من الأستاذ عن إتمام التراجم وتحصيلها، والآن بادرت لنسخ هذه الأسجاع، بيد اليراع، وحررته عجلا، ورقمته خجلاً، فالمأمول تبييض مسودات التراجم، وإرسالها حتى تكمل بها مادة التاريخ، وبحسن توجهاتكم القلبية، مع هذه الأشغال الدنيوية، بلغ من التراجم نحو ثلاث مجلدات ضخام، ونحوها وزيادة باقية في المسودات، هذا ما عدا تراجم أبناء العصر وشعرائه الذين في الأحياء، ومن نظمتني وإياه الأقدار وامتدحني بنظام أو نثار، فتراجمهم وآثارهم مجموعة بمجلد آخر، وعلى كل حال فالأستاذ له الفضل التام، في هذا المقام، وإن شاء الله تعالى بآثاره يتم الكتاب على أحسن نسق ونظام، وجل القصد أن يكون هذا الأود المحب مشمولاً بالأدعية الصالحة، لتنطق بالثنا منه على كل جارحة، والمأمول ستر عواره المتبادر، والإغماض عما أظهره الفكر القاصر، والذهن الفاتر، وألقته أفواه المحابر، على صفحات الدفاتر، ولك الثناء العاطر، والسلام الوافر، والشوق المتكاثر، من القلب والخاطر، ما همى وادق، وذر شارق، وصدح يمام، وناح حمام، وسح ركام، وفاح خزام والسلام. وتاريخه في أواخر ربيع الثاني سنة مائتين وألف. انتهى كلام الرسالة قال الجبرتي رحمه الله تعالى وما أدري ما فعل الدهر

стр. 1347

بتاريخه المذكور، لأنه انتقل المترجم بعد ذلك لأمور أوجبت رحلته منها إلى حلب الشهباء، كما ذكر لي ذلك في مراسلاته في سنة خمس ومائتين وألف، وهناك عصفت رياح المنية بروضه الخصيب، وهصرت يد الردي يانع غصنه الرطيب، فاحتضر وأحضر بأمر الملك المقتدر، لا زال جدثه روضة من رياض الجنة، ولا برح مجرى الجداول الرحمة الرضوان. وذلك في أواخر صفر الخير سنة ست ومائتين وألف، مه هجرة مظهر الرحمة واللطف. محمد أبو عبد الله بن الطالب بن سودة المري الفاسي التاودي المالكي الإمام الفقيه المحدث البارع المتبحر عالم المغرب قال العلامة الجبرتي ولد بفاس سنة ثمان وعشرين ومائة وألف، وأخذ عن أبي عبد الله محمد بن عبد السلام بناني الناصري شارح الاكتفاء والشفاء ولامية الزقاق وغيرها، والشهاب أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي، قرأ عليهما الموطأ وغيره، والشهاب أحمد بن مبارك السجلماسي اللمطي، قرأ عليه المنطق والكلام والبيان والأصول والتفسير والحديث، وكان في أكثرها هو القارئ بين يديه مدة مديدة، وأذن له في إقراء الصحيح في حياته فألقى دروساً بين يديه، وكان يوده ويسر به ويقدمه على سائر الطلبة. ولما توفي ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة خمس ومائة وألف بالطاعون، تزاحم ذوو الجاهات فيمن يلحده في قبره، فكان الشيخ هو المتولي لذلك دون غيره، وتلك كرامة له، ورضوا بذلك، قال: وكلمته يوماً في شأن الحج متمنياً له ذلك فقال لي مشيراً إلى شيخه عبد العزيز الدباغ أن الناس قالوا لي جعلناك في حق فلا تخرج من هذه البلدة، وأنت ستحج وأعطيك ألف دينار وألف مثقال إن شاء الله تعالى، قال: ولم تكن نفسي تحدثني بالحج يومئذ ولم يخطر بالبال، ومن جملة مشايخ المترجم الفقيه المتواضع صاحب التآليف أبو عبد الله

стр. 1348

محمد بن قاسم جسوس، لازمه مدة وقرأ عليه كتباً، منها رسالة ابن أبي زيد، ومختصر خليل ثلاث مرات، مع مطالعة شروح وحواش، والحكم والشمائل وجميع الصحيح من غير فوت شيء منه، ومنهم حافظ المذهب الفقيه القاضي أبو البقاء يعيش ابن الزغاوي الشاوي، قرأ عليه طرفاً من الصحيح وغيره. توفي سنة خمسين ومائة وألف، كان منزله بالدوخ في أطراف المدينة، فنزل به اللصوص ليلاً فدافع عن حريمه وقاتلهم حتى قتل شهيداً رحمه الله تعالى، ومنهم قاضي الجماعة ومفتي الأنام أبو العباس أحمد بن أحمد الشدادي الحسني، قرأ عليه المختصر الخليلي من أوله إلى الوديعة أو العارية، وسمع عليه بعض التفسير من أوله، ومنهم الفقيه الزاهد القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد التماق قرأ عليه رسالة بن أبي زيد والحكم، والتفسير من أوله إلى سورة النساء، ومنهم الإمام الناسك الزاهد أبو محمد عبد الله محمد بن جلون، قرأ عليه الآجرومية وختم عليه الألفية مرتين، والمختصر الخليلي من أوله إلى اليمين، ولم يكن له نظير في الضبط والإتقان والتحرير، وهو أول شيخ أخذ عليه وذلك قبل البلوغ، وكان إذا قام من درسه عرض على نفسه ما قاله فيجده لا يدع منه حرفاً واحداً، ومنهم سيبويه زمانه أبو عبد الله سيدي محمد بن الحسن الجندوز، قرأ عليه الألفية فكان يملي من حفظه في أثنائه الشروح والحواشي، وشروح الكافية والتسهيل والرضي والمغني والشواهد وغير ذلك مما يستجاد ويستغرب، وقرأ عليه السلم والتلخيص، ومن إنصافه أنه لما قرب أواخره بلغه أن الشيخ ابن مبارك يريد أن يقرأه، فقام مع جماعة وذهب إليه ليسمع منه، وهذا من حسن إنصافه واعترافه بالحق، ومنهم أبو العباس أحمد بن علال الوجاري، قرأ عليه الألفية بلفظه ثلاث مرات، وشيئاً من التسهيل والمغني، وقد ذكر له بعض الشيوخ عن ابن هشام، أنه قرأ الألفية ألف مرة، فقال له بعض من سمعه وكم قرأتها؟ قال أما المائة فجزتها، فهؤلاء عشرة شيوخ. كذا لخصتها من إجازة المترجم للشيخ أحمد بن علي بن عبد الوهاب بن الحاج الفاسي في تاسع جمادى الثانية سنة ثلاث وألف.

стр. 1349

وحج المترجم فقدم مصر سنة إحدى وثمانين ورجع عام اثنين وثمانين ومائة وألف، وعقد درساً حافلاً بالجامع الأزهر برواق المغاربة، فقرأ الموطأ بتمامه وحضر غالب الموجودين من العلماء، وأجاد في تقريره وأفاد، وسمع عليه الكثير أوائل الكتب الستة والشمائل والحكم وغيرها، وأجاز، ولقي بمكة أبا زيد عبد الرحمن بن أسلم اليمني، وأبا محمد حسين بن عبد الشكور صاحب الشيخ عبد الله الميرغني، والشيخ إبراهيم الزمزمي، وغيرهم. وبالمدينة أبا عبد الله محمد بن عبد الكريم السمان، وأبا الحسن السندي، وعبد الله جعفر الهندي، وغيرهم. وأجازوه وأجازهم، وعاد إلى مصر واجتمع بأفاضلها كالجوهري والصعيدي وحسن الجبرتي والطبلاوي والسيد العيدروس والشيخ محمود الكردي وعيسى البراوي والبيومي والعريان وعطية الأجهوري، وكان صحبته ولداه سيدي محمد وهو الأكبر وسيدي أبو بكر، خالي العذار جميل الصورة، وتردد على الشيخ حسن الجبرتي كثيراً وتلقى عنه بعض الرياضيات، وترك عنده ولديه المذكورين مدة إقامته بمصر، فكنا نطالع معهما سوية صحبة الشيخ سالم القيرواني والشيخ أحمد السوسي، ونسعر غالب الليل نراعي المطالعه والمغارب وممرات الكواكب، بالسطح حذاء خيط المساترة، ونراجع الشيخ فيما يشكل علينا فهمه وهو معنا في ناحية أخرى، وأوقفت سيدي أبا بكر على طريق رسم ربع الدائرة المقنطر والمجيب. ومن تأليف المترجم حاشية على البخاري في أربع مجلدات، وحاشية على الزرقاني شارح خليل، وشرحان على الأربعين النووية، ومناسك حج، وشرح الجامع لسيدي خليل، وشرح تحفة ابن عاصم في القضاء والأحكام، والمنحة الثابتة في الصلاة الفائتة، وفتح المتعال فيما ينتظم منه بيت المال، وحاشية على ابن جزي المفسر، وحاشية على البيضاوي لم تكمل، وشرح المشارق للصاغاني ومنظومة فيما يختص بالنساء، أولها:

стр. 1350

الحمد لله العلي الصمد ... ثم صلاته على محمد وبعد فالقصد بهذا النظم ... تحصيل نبذة من المهم إلى أن قال: الدم صفرة وكدرة ترى ... من قبل من تحمل حيض قد جرى مثل أقل الطهر والمعتاده ... عادتها تمكث مع زياده ثلاثة إن لم تجاوز أكثره ... وبعد طاهر لدى من حرره إلى آخرها، وكلفه سلطان المغرب خطة القضاء في ثلاث ومائتين وألف فقبلها كرهاً، وكانت فتاويه مسددة وأحكامه مؤيدة، مع غاية التحرز والصيانة والإتقان. وبالجملة فكان عين الأعيان في عصره ومصره، شهير الذكر وافر الحرمة مهيب الصورة، يغلب جلاله على جماله، قليل التبسم. ولما توفي محمد سلطان المغرب ووقع الاختلاف والاضطراب بين أولاده، اجتمع الخاصة والعامة على رأي المترجم، فاختار المولى سليمان وبايعه على الأمر بشرط السير على الخلافة الشرعية، والسنن المحمدية، وبايعه الكافة بعده على ذلك، وعلى نصرة الدين وترك البدع والمظالم والمكوس والمحارم، وكان كذلك. ولم يزل المترجم على طريقته الحميدة، حتى توفي سنة سبع ومائتين وألف، وكان قد توفي قبله ولده السيد محمد سنة أربع وتسعين ومائة وألف، وتوفي بعده ولده السيد أبو بكر سنة عشر ومائتين وألف. الشيخ محمد بن داود بن سليمان بن أحمد بن خضر الخربتاوي المالكي الأزهري قرأ على والده، وحضر دروس شيخنا الشيخ علي العدوي الصعيدي وبه تخرج وأنجب في العلوم، وله سليقة جيدة في النثر والنظم، وحصل كتباً نفيسة المقدار زيادة على الذي ورثه من والده، قال الشيخ الجبرتي:

стр. 1351

وله محبة في آل البيت ومدائح كثيرة، وهو ممن قرظ على شرح القاموس لشيخنا السيد محمد مرتضى تقريظاً بديعاً، وهو أحمد من أبدى من صنائع الحكم محكم المصنوعات، وأسدى من سوابغ النعم أنواع المبدعات، سبحانه من إله أفاض علينا جوده وإفضاله، وأزال عن قلوبنا رين الرين والجهالة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي خص بجوامع الكلم ومجامع الحكم، وعموم الرسالة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الإحسان والجلالة، وبعد فلما منّ الله على العبد الضعيف بالإطلاع على هذا الشرح الشريف، المسمى بتاج العروس من جواهر القاموس، الذي ألفه أعلى أرباب الكمال والكلام، لسان الحق الناطق ببيان الحلال والحرام، يد الزهادة ومنهج الطريقة، فهو السري بل البرهان على الحقيقة، من سلك مسالك التحقيق، وتتبع مواضع الفصل والتدقيق، حتى فاز من بغيته بالسهم المعلى، وجليت عليه غواني المعاني فتملى وتحلى، أعني به سيدي ومولاي، ومالك أزمة ولاي، من هو لي عمدتي ومعيني، السيد محمد مرتضى الحسيني، أدام الله للعالمين أنسه، وأشرق عليهم في هذا الوجود بجوده شمسه. وكان حفظه الله تعالى قد أشار بوقوفي على هذا الطراز المحلى، والقدح المعلى، وأن أكتب عليه بما تسمح به القريحة الخائفة لقصورها من الفضيحة، فنظرت فعلمت أن ذلك سبيل ليس لمثلي أن يسلكه، ولا لمن كان على قدري أن يقود زمامه ويملكه، لا سيما وقد قرظ عليه فحول الأئمة الأعيان، الذين تعقد عليهم الخناصر في كل زمان ومكان، فأحجمت من ذلك إحجاماً مخافة واحتشاماً، ثم علمت أن أمره قد ورد على سبيل الإيجاب، وإن قاضي الإنصاف لا يرضى إلا بشهادة الحق وقول الصواب، فأقدمت بعد الجموح، ودخلت إلى رحبات التوكل من باب الفتوح، وتأملت ما فيه من العجب العجاب، وتذكرت قول العلي الوهاب في محكم الكتاب "

стр. 1352

هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب " وقلت فيه في الحال، معتمداً على الملك المتعال: تاج العروس الذي أبداه سيدنا ... المرتضى العالم النحرير ذو الهمم لما بدا أرخص التيجان كلهم ... لما حوى من عظيم الفخر والشيم وأجمع أهل الهدى أن لا نظير له ... من التآليف في عرب وفي عجم ثم غلب علي الرشد أن أحذو حذو شيخنا محيي النفوس سيدي العيدروس فقلت وعلى الله توكلت: صاح إن شئت كل علم نفيس ... فانظرن ما حواه تاج العروس شرح شيخ الإسلام تاج المعالي ... مرتضى العارفين راس الرؤوس سيد الأكملين أعظم شهم ... حاز فضلاً قد جل عن تقييس شرحه الجامع المهذب أبدى ... من خبايا العلوم ما قد تنوسي قلت لما رأيته يا ابن ودي ... نشر روض أم ذاك عطر عروس أم حياة النفوس من أسكرتني ... بسلاف من ريقها المأنوس بنت سبع وأربع وثلاث ... إن تجلت أزرت ضياء الشموس قال هذه لآلئ قد جلاها ... ماجد عارف زكي الغروس بحر بر البيان رب المعاني ... حبر علم البديع محي النفوس وهو نجل الزهراء وابن حسين ... وعلي أكرم بهم من هموس وهو في الزهد كابن أدهم حقا ... وهو في العلم كالإمام السنوسي يا ابن طه يا مرتضى يا كريما ... دعوة دعوة تزيل نحوسي نجدة نجدة فقد ضاق صدري ... من زمان مقلب معكوس ليس يخفاك والدي وعلاه ... في مقام التأليف والتدريس وعلو الإسناد ذاك شهير ... عند أهل الكمال بالعيدروسي سيدي والدي صديقي عزيزي ... من على بابه طروق الرؤوس فبحق الشيخين يا خير شهم ... دعوة علها تضيء شموسي

стр. 1353

أنت حصني الحصين يا ابن حسين ... في مقامي ورحلتي وجلوسي كيف أخشى العدى وأنت ملاذي ... أو أخاف الردى وأنت أنيسي دمت في عزة وفتح ونصر ... من إله مهيمن قدوس وصلاة مع السلام دواما ... تغش طه النبي تاج العروس ما غدا قائلا أسير ذنوب ... صاح إن شئت كل علم نفيس وفي آخره: كتبه خجلاً وجلاً مرتجي غفر المساوئ الفقير الحقير محمد بن داود الخربتاوي المالكي، في عاشر شهر رجب الفرد سنة أربع وثمانين ومائة وألف. ولم يزل المترجم مقبلاً على شأنه، مواظباً على دروسه وحفظه وإتقانه، متباعداً عن الناس، ليس العالم بغير العلم والتقوى استئناس، إلى أن دعته المنية، إلى الدرجات العلية، في سنة سبع ومائتين وألف، غمره الله ببحر الرحمة واللطف. الشيخ محمد بن عبد الحافظ أفندي أبو ذاكر الخلوتي الحنفي المصري الأجل الصالح والناسك الفالح، العارف بالله. أخذ الطريق عن السيد مصطفى البكري والشيخ الحفني، وحضر الفقه على العلامة الشيخ محمد الدلجي والشيخ أحمد الحماقي، وأدرك الإسقاطي والمنصوري، ولم يتزوج قط، وكف بصره سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، وانقطع في بيته إحدى وعشرين سنة بمفرده، وليس عنده قريب ولا غريب ولا جارية ولا عبد، ولا من يخدمه في شيء مطلقاً، وبيته متسع جهة التبانة، وبابه مفتوح دائماً، وعنده الأغنام والدجاج والأوز والبط والجميع مطلوقون في الحوش، وهو يباشر علفهم وإطعامهم وسقيهم الماء بنفسه، ويطبخ طعامه بنفسه،

стр. 1354

وكذلك يغسل ثيابه، واشتهر في الناس بأن الجن تخدمه وليس ببعيد لأنه كان من أهل المعارف والأسرار، ويأتي إليه الكثير من الطلبة للأخذ عنه والتلقي منه. وكان له يد طولى في كل شيء، ومشاركة جيدة في العلوم والمعارف، والأسماء والروحانيات والأوفاق، واستحضار تام في كل ما يسأل عنه، وعنده عدة كثيرة من السنانير، ويعرفها بالواحدة بأسمائها وأنسابها وألوانها، ويقول هذه تحفة بنت بستانة، وهذه كمونة بنت ياسمين، وهذه فلانة أخت فلانة، إلى غير ذلك. توفي رحمه الله تعالى في شهر شوال سنة سبع ومائة وألف كما ذكر ذلك العلامة الجبرتي ﵁ وأرضاه آمين. السيد محمد أفندي البكري الصديقي شيخ سجادة السادة البكرية، ونقيب السادة الأشراف في مصر المحيمة نادرة الزمان، وغرة وجه العصر والأوان، إنسان عين الأقاليم، فريد عقد المجد النظيم، جامع الفضائل والمحاسن، ومظهر اسم الظاهر والباطن، من لبس رداء النجابة في صباه، ولاح عنوان المكارم على صحائف علاه، ولم تقصر عليه أثواب مجده التي ورثها عن أبيه وجده، فعلى جبينه نور النسب، وعلى رأسه لواء المجد يصونه عن كل عطب: مستيقظ الحزم واري العزم ثاقبه ... همومه حين يتلوهن همات صافي الطوية من غل يكدرها ... وأول المجد أن تصفو الطويات الحسيب النسيب والنحيب الأريب، تقلد بعد والده المنصبين. وورث عنه السيادتين، فسار فيهما سيرة الملوك، ونثر فرائد المكارم من أسلاك السلوك، فجوده حدث عن البحر ولا حرج، وبراعة منطقه تنتج سلب

стр. 1355

الألباب والمهج، مع حسن منظر تتزاحم عليه وفود الأبصار، وفيض نوال تضطرب لغيرتها منه البحار، وقد اجتمع فيه من الكمال ما تضرب به الأمثال، وأخباره غنية عن البيان، مسطرة في صحف الإمكان، زمانه كأنه عروس الفلك، فكم قال له الدهر أما الكمال فلك، ولم يزل كذلك إلى أن أذنت شمسه بالزوال، وغربت بعد ما طلعت من مشرق الإقبال، وقطفت زهرة شبابه، وقد سقتها دموع أحبابه، ورثاه الألمعي الفاضل السيد عبد الله المزاريقي وأرخه بقوله: لقد مات من كانت موارد فضله ... تعم جميع الخلق في القرب والبعد محمد البكري من فاز وارتقى ... كما بشر التاريخ في جنة الخلد وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الثاني، وخرجوا بجنازته ودفن عند أجداده بجوار الإمام الشافعي ﵁، وبالجملة فهو كان مسك الختام قلما تسمح بمثله الأيام. ولما مات تولى سجادة الخلافة البكرية ابن خاله سيدي الشيخ خليل أفندي، وتقلد النقابة السيد عمر أفندي الأسيوطي، ومن نظمه مادحاً خليل أفندي المرادي مفتي دمشق الشام: ينقضي الدهر والهوى لا يزول ... من فؤاد بعشقه مشغول كل حين يمر بي من نهار ... هو عندي دهر عنيد طويل والهوى يورد الفتى كل صعب ... وعلى عكس قصده مجبول وعذولي قد لج يعذل جهلا ... أو هل يعرف الغرام جهول وألذ الأيام ما لاح فيه ... قمر طالع وغصن يميل قد حكته الغصون ليناً وقداً ... باعتدال وفاتها التمثيل جمع الحسن كله مثل ما قد ... جمع الفضل والفخار خليل فرع أصل نما فأثمر فضلا ... وذكاءً ما إن حكاه مثيل ألمعي حاز السادة كسبا ... كل فضل بذاته موصول

стр. 1356

خصه الله بالكمال فأضحى ... ما له من سوى الكمال خليل وهو طود العلوم من كل فن ... وسواه عند الأنام الجهول قل لمن رام أن يحاكيه جهلا ... أو يحكي شمس الضحى قنديل لست أدري أرأيه أم ذكاه ... صاح أمضى أم سيفه المسلول الرشيد الحميد نجل علي ... المرادي النقشبندي الجليل شب في كسبه المعاني فأضحى ... طوعه الدهر طائعاً ما يقول طاهر الذيل قد تبرأ مما ... بعضه قد تعاب منه الذيول فاق بالحلم والتواضع والجو ... د وخلق الفتى إليه يؤول وإذا كانت الطباع كراما ... لاح منها للمكرمات دليل قد تسامت به مراتب مجد ... ساميات ما قالهن فحول وأرانا من معجز القول شعراً ... ليس إلا به تحاكي الشمول رق معنى وراق لفظاً فأزرى ... نسمة الروض إذ سقته السيول كل معنى يستعبد الذهن وحياً ... وبحسن الخطاب تدري العقول وبخط أزرى بكل نضيد ... زانه في طروسه التشكيل لو تحلى تاج الملوك بحرف ... منه أضحى من حرفه إكليل باسط الكف للأنام جميعاً ... وسواه بقبضها مشغول تخجل السحب عند جود نداها ... حين تهمي وغيثها مهطول وأرى المال يكسب المرء عزاً ... دائماً عندما البخيل الذليل إلى أن قال: قيل ماذا تاريخه حين أفتى ... قلت قد أرخوه أفتى الخليل دام في عزه ومجد أثيل ... بدره التم ما اعتراه أفول وإليك الكمال أهدى قصيداً ... باعتذار ففكره مشغول بنت حيم من ساعة من نهار ... حيثما العذر عندكم مقبول لا تقابل أصدافها بعقود ... من نظام يردها التخجيل مات رحمه الله تعالى سنة ثمان ومائتين وألف. كما ذكره الشيخ الجبرتي.

стр. 1357

الشيخ محمد السقاط الخلوتي المغربي الأصل ثم المصري خليفة الشيخ محمود الكردي قال الإمام الجبرتي: العمدة الصالح الورع الصوفي الضرير نزيل مصر، جاور بالأزهر وحضر على الأشياخ في فقه مذهبه وفي المعقول، وأخذ الطريق على شيخنا الشيخ محمود المذكور، ولقنه الأسماء على طريق الخلوتية والأوراد والأذكار، وانسلخ من زي المغاربة وألبسه الشيخ التاج، وسلك سلوكاً تاماً، ولازم الشيخ ملازمة كلية بحيث أنه لا يفارق منزله في غالب أوقاته، ولاحت عليه الأنوار وتحلى بحلل الأبرار، وأذن له الشيخ بالتلقين والتسليك. ولما انتقل شيخه رحمه الله تعالى صار هو خليفته بالإجماع من غير نزاع. وجلس في بيته وانقطع للعبادة، واجتمع عليه الجماعة في ورد العصر والعشاء، ولقن الذكر للمريدين وسلك الطريق للطالبين، وانجذبت القلوب إليه واشتهر ذكره وأقبلت عليه الناس، ولم يزل على حسن حلاه، حتى توفي في منتصف شهر ربيع الأول سنة تسع ومائتين وألف، وصلى عليه في الأزهر الجم الغفير رحمه الله تعالى. الشيخ محمد شمس الدين بن عبد الله بن فتح الفرغلي المحمدي الشافعي السبرباني المصري نسبة إلى سبرباي قرية بالغربية قرب طندتا وبها ولد، ونسبه يرجع إلى القطب سيدي الفرغلي المحمدي من ولد سيدنا محمد بن الحنفية، قال الجبرتي في ترجمته: هو العمدة الفاضل والصفوة الكامل، العالم الفقيه والعامل النبيه، تفقه على علماء عصره وأنجب في المعارف والفهوم وعانى الفنون، فأدرك من كل فن الحظ الأوفر، ومال إلى فن الميقات والتقاويم فنال من ذلك ما يرومه، وألف في ذلك وصنف زيجاً مختصراً دل على سعة باعه

стр. 1358

ورسوخه في الفن، ومعرفة القواعد والأصول ودقائق الحساب، ونهج مسلك الأدب والتاريخ والشعر ففاق فيه الأقران، ومدح الأعيان، وله المزدوجة المسماة بنفحة الطيب في محاسن الحبيب، التي نظمها باسم الأمير حسن بك رضوان، فكان طوداً راسخاً وبحراً راسخاً، مع دماثة الأخلاق وطيب الأعراق، ولين العريكة، وحسن العشرة، ولطف الشمائل والطباع. وكان يلي نيابة القضاء ببلده، وبالجملة فكان عديم النظير في أقرانه لم أر من يدانيه في أوصافه الجميلة. وله مصنفات كثيرة منها الضوابط الجليلة في الأسانيد العلية ألفه سنة ست وسبعين ومائة وألف، وذكر فيه سنده عن الشيخ نور الدين أبي الحسن سيدي علي بن الشيخ العلامة أبي عبد الله سيدي محمد العربي الفاسي المغربي الشهير بالسقاط. وسليقته في الشعر عذبة رائقة، وكلامه بديع مقبول في سائر أنواعه، من المدح والرثاء والتشبيب والغزل والحماسة والجد والهزل. له ديوان جمع فيه أمداحه ﷺ سماه عقود الفرائد وقد قرظ عليه الشيخ عبد الله الأدكاوي في سنة تسع وسبعين ومائة وألف بقوله: هكذا من أراد نظم الفرائد ... أو نحا نحو حوك برد القصائد هكذا هكذا عقود المعاني ... لا عقود المخدرات الخرائد تلك صواغها البنان وهذي ... صاغها فكر شمس فضل الأماجد فرغلي الأروم نامي ذرى المج ... د بديع الفهوم سامي المشاهد الأريب الذي أتاح له الل ... هـ المعاني لذي العقود مصايد واللبيب الذي لقد قيد الل ... هـ له في قريضه كل شارد من معان لو حاز منها أبو الطي ... ب معنى لقال حزت المحامد

стр. 1359

أو نحا نحوها الوليد لقلنا ... والداً صرت يا سني الموارد أو شذا مثلها حبيب لحاز الحس ... ن طراً وقد سما للفراقد أين منها بدائع ابن سناء المل ... ك حسنا مرونقاً ومقاصد أين منها ما زخرفوه من القو ... ل وقالوا هنا محط الفوائد ذاك والله ضاع وصفاً وهذا ... ضاء إذ ضاع منه أسنى الفوائد بمديح الذي قد اختاره الل ... هـ رئيساً على جميع الأعابد أحمد المصطفى الظهور فأمّ ... خير أمّ ووالد خير والد صلوات مطيبات توالى ... تربه ما صلى وسلم عابد وتعم الآل الكرام والأص ... حاب جميعاً ما خر لله ساجد وله في رثاء شيخه القطب الحفني قصائد طنانة، وله جملة أراجيز، منها أرجوزة في تاريخ وقائع علي بيك ومحمد بيك. وله قصيدة من بحر الطويل ضمنها ما وقع للأمير مصطفى بك مولى محمد بك في سنة أربع وتسعين في طريق الحجاز حين ولي أميراً على الحج، وهي بديعة سلسلة النظم، حاوية وقائعه التي جرت له مع العربان، ولحلاوتها أوردت منها جملة، وسماها تغريد حمام الأيك، فيما وقع لأمير اللوا مصطفى بك وهي هذه:

стр. 1360

إمارة حج البيت في سالف العصر ... هي المنصب الأعلا وحقك في مصر وخدمة وفد الله ﷻ ... هي النعمة العظمى لمغتنم الأجر تنافس فيها الأولون وعظموا ... إمارتها في الخافقين مدى الدهر وقام بها الأهلون وافتخرت بها ... ملوك بني عثمان في البر والبحر وهان على الحجاج من فقد مالهم ... وما عندهم إنفاقه أنفس العمر وطاب لهم نوم العقتقل بعد ما اس ... تراحوا على تلك الأرائك القصر ولذ لهم بعد الفرات ودجلة ... ونيل الهنا شرب الأجاج مع المر وصاموا وهاموا في جمال حبيبهم ... وظلوا سكارى لا بكأس ولا خمر وأفلتهم صوت المنادي فأعلنوا ... إجابته في عالم الغيب والذر وفي عالم الملك المشاهد طلقوا ... منامهم شوقاً إلى البيت والحجر وشدوا على العيس الرحال وأخلصوا ... سرائرهم لله في السر والجهر وساروا وزند الشوق بين ضلوعهم ... له شرر أذكى لهيباً من الجمر وخلوا ديار الأنس بعد مسيرهم ... يغرد فيها بليل الدوح والقمري وفيها من الغادات كل خريدة ... إذا ابتسمت تغنيك عن طلعة الفجر وحجوا وطافوا البيت سبعاً وعرفوا ... وزاروا رسول الله ثم أبا بكر وعادوا إلى الأوطان ليس عليهم ... ذنوب ولا إثم كما جاء في الذكر وفي عام ألف تم، ثم ومائة ... وأربعة من بعد تسعين في الحصر تولى أمير الحج مفرد عصره ... كريم السجايا ذو المهابة والفخر أمير اللوا كنز الصفا مصطفى الوفا ... مبيد العدى بالمرهفات وبالسمر بديع الحلى مولى الأمير محمد ... أبى الذهب المحفوف بالعز والنصر أمير اللوا من كان سلطان عصره ... فريداً وحيداً بالتكلم في مصر وكان كبدر التم في أفق العلا ... وكان هلال السعد في غرة الدهر فسار على نهج العلا مصطفى الوفا ... وشيد أركان الإمارة بالفخر

стр. 1361

وشد جواد العزم والحزم والقوى ... وعظم شأن الحج في ذلك العصر وأنفق أموالاً عليه كثيرة ... وفاز بتحصيل الثواب مع الأجر وقضى شؤوناً بالحجاز تعلقت ... وأحكمها بالعقل والنقل والفكر وقد وضع الأشياء طراً محلها ... ودبرها تدبير مجتهد حبر وجهز ما يحتاجه من ذخائر ... ووجهها نحو السويس على الظهر وسير منها جانباً نحو جدة ... وأرسل باقيها إلى ينبع البر وقرر حقاً في الوظائف أهلها ... وقلد أجياد المناصب بالدر وأمسى خلي البال بعد اشتغاله ... وأصبح بعد الكل في راحة السر وقد عملت أرباب دولة عزه ... على كل أمر مقتضاه بلا كبر وفي شهر شوال المبارك زينت ... لموكبه أطلال مصر من الفجر وسرت به الآفاق وابتهجت به ... جميع القرى والسعد وافى من البشر وأضحت بقاع الأرض مخضرة الربا ... وأضحت رياض الزهر مبهجة الثغر وسلمه شيخ الكنانة محملا ... قد افتخرت مصر به غاية الفخر ونالت بنو عثمان حظاً به على ... جميع ملوك الأرض في البر والبحر وسار به كالبدر عند تمامه ... وأتباعه الأمجاد كالأنجم الزهر وماس به يهتز في حلة البها ... على صافن مثل النسيم إذا يسري وبين يديه الدفتدار وحوله ... صناجق مصر في ازدهاء وفي فخر ومن خلفه الفرسان من كل جانب ... أحاطت به مثل الكواكب بالبدر بأسلحة كالبرق تخطف عمر من ... دنا نحوه بالسوء والغدر والشر وما زال يسعى مع سلامة ربه ... بمحمل طه ذي الفتوحات والنصر إلى أن دنا من حصوة طاب ريحها ... ونسمتها تشفي العليل من الضر وأنزله فيها وبات بها وقد ... دعته إلى مصر دواعي الهوى العذرى

стр. 1362

وأصبح فيها قائماً هائماً له ... حنين إلى الجوزا وشوق إلى بدر وبات بها والقلب خيم باللوا ... وأم القرة ذات القضائل والفخر وأصبح منها سائراً متوكلاً ... على الله رب البيت والركن والحجر وفي بركة الحج الشريف أتى بها ... محط رجال الوفد من سائر القطر أقام بها حتى انقضت يا أولي النهى ... مهماته طراً وأعلن بالشكر وغلق واستوفى جميع الذي له ... وللعرب العربا من الذهب التبر وغلق أيضاً بعد ذا مال صرة ... أعدت لأشراف الحجاز مدى الدهر وأقبلت الحجاج من كل جانب ... عليه وأضحى ملجأ العبد والحر وفي سابع العشرين دقت طبوله ... وسار كبدر التم في رابع العشر وصحبته الحجاج طراً بأسرهم ... وزوار طه ملجأ الناس في الحشر وودعه شيخ الكنانة قائلاً ... تعود إلينا بالسلامة والجبر وتنظر مصراً في السرور وفي الهنا ... ونحن بخير سالمين من الضر وبالحج فافعل كل ما أنت أهله ... من الخير والإحسان والحلم والبر ولا تنسنا في البيت من صالح الدعا ... وفي حجر إسماعيل يا طيب النشر وفي عرفات والمحصب من منى ... وفي الروضة الغرا تجاه أبي بكر وفي ينبع مع بدر والقاع فاحترص ... من العرب العرباء في الورد والصدر ولا تأمن الصغرا ونقب عليهما ... فإنهما يا ذا العلا بقعة الشر وكل قليل يا أمير اللوى لنا ... فوجه بشيراً عاقلاً كاتم السر ومن بعد ذا كل الصناجق أقبلت ... تميس دلالاً في ثياب الهوى العذري وعانقهم مذ عانقوه وودعوا ... وأدمعهم فوق المحاجر كالقطر وأحبابه طرا تقول له مع الس ... لامة يا ذا العز والمجد والقدر وهي طويلة. توفي المترجم في شهر ربيع الأول سنة عشر ومائتين وألف من هجرة النبي ﷺ .

стр. 1363

استدراك الشيخ محمد بن حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار الدمشقي الميداني فات مؤلفنا العلامة أن يترجم لشقيقه الأكبر الشيخ محمد البيطار، مع أنه ترجم لولده الشيخ محمود، وإنا ننقل ترجمته عن منتخبات التواريخ للتقي الحصني، وروض البشر للأستاذ الشطي، ومما كتبه هو بقلمه رحمه الله تعالى. قال في منتخبات التواريخ: ومن الأسر الشهيرة في العلم والفضل في حي الميدان ودمشق بنو البيطار خرج من رجال هذا البيت جماعة من أجلة العلماء، والشعراء، تقدم ذكرهم في كتابنا في العصر الأخير، وهم الشيخ محمد أمين الفتوى، وله ذرية كبيرة نجيبة، والمؤرخ الشهير الشيخ عبد الرزاق وله أحفاد نجباء، والشيخ عبد الغني وله ذرية أدباء، والشيخ سليم أحد أركان رجال هذا البيت. مات سنة ١٣٤١ هـ وقد أعقب ذرية نجيبة، عرفنا منهم الشيخ جميل إمام جامع الدقاق، وحسني بك المحاسب المركزي لمالية دمشق. واشتهر منهم بالفضيلة والعلم، الشاعر الشهير الشيخ بهاد الدين، وهو والد صديقنا الشيخ محمد بهجة من علماء دمشق، ومن مدرسي الحرم المكي اليوم أي من سنة ١٣٤٤هـ إلى سنة ١٣٤٩هـ اه. بتصحيح قليل وذكره الأستاذ الشطي في وفيات سنة ١٣١٢هـ فقال: إن المترجم من كبار علماء دمشق وفقهائها وهو أمين الفتوى بها أكثر من ثلاثين سنة، ثم نقل ترجمته عن التقي الحصني وزاد عليها زيادات جعلها بين هلالين، ونحن نثبتها كما وردت، قال: هو محمد بن حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار الدمشقي الميداني الشافعي ثم الحنفي، الشيخ المعمر أمين الفتوى بدمشق. ولد في حدود سنة ١٢٣٠ وقرأ على والده، وبه كان أكثر انتفاعه، وأدرك الطبقة العليا من الشيوخ الأعلام، وأخذ عنهم حتى برع في جميع العلوم، المنطوق منها والمفهوم، وتولى أمانة الفتوى في دمشق بزمن أمين أفندي الجندي والعلامة الحمزاوي والسيد المنيني وانفرد في الفقه، وأصوله،

стр. 1364

ونال ربتة أزمير المجردة، فاشتهر فضله وعم نفعه، وقصدته الناس في أمر دينهم ودنياهم، وفي كل اختلاف بينهم، حتى كانوا يستفتونه وهو سائر في الطريق، فيقف لهم ويفتيهم، وقد اشتهر أنه أعلم من بعض المفتين. وكان يرزقه الله من حيث لا يحتسب، وكانت وفاته سنة ١٣١٧ صوابه عام اثني عشر وثلاثمائة وألف انتهى. وهذه شذرة من كلامه، تدل على جلالة قدره وعلو مقامه، وهي إجازة له من شيوخه الكثيرين، في قراءته لكتاب إحياء علوم الدين قال رحمه الله تعالى: قد أخذت هذا الكتاب عن أساتذة فضلاء، وجهابذة كرماء، ما بين مكيين ومدنيين ومصريين وشاميين، وروميين، ولكن لا أذكر منهم إلا من أرضعني بلبانه، ورباني بتأديبه وإحسانه، وعندي هو من أجلهم بل أجلهم، ومن أحسنهم هو بل أحسنهم، بركة الوقت في زمانه، إلى أن قال: قد أخذت بالإجازة كتاب إحياء علوم الدين عن والدي المرحوم حسن بن إبراهيم البيطار، عن شيخه الإمام الشيخ صالح الزجاج، عن محدث الشام الشيخ محمد الكزبري، عن الصالح والده القطب الشيخ علي الكزبري، عن العارف بالله تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي، عن شيخه عبد الرحمن الكزبري وعن خاله الشيخ عبد الباقي الحنبلي، عن الشمس الميداني، عن الشهاب الطيبي، عن الكمال بن حمزة، عن القاضي أبي حفص الحنبلي، عن سليمان بن المحب، عن محمد بن العماد، عن أبي سعد السمعاني عن محمد بن ثابت عن مؤلفها الإمام الزاهد، الفقيه المقدام زين الدين، أبي حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، حجة الإسلام إلى أن قال فانتقل إلى رضوان الله تعالى عن خمس وخمسين سنة اه وقد أجاز الشيخ محمداً أخوه في الطلب والتحصيل على والده الشيخ حسن البيطار، عن الشيخين عبد الرحمن الكزبري وحامد العطار، بشرطه المعتبر.

стр. 1365

السيد محيي الدين باشا بن السيد الأمير عبد القادر بن السيد محيي الدين الجزائري الحسني المتصل نسبه بسيدي عبد القادر الجيلاني الحسني ﵁ إنني لم أجد عبارة تفي في حقه بالمدح، غير أني أرسلت اليراع يجول في ميدان الفتح، ومن أين لي أن أترجمه بما يليق، أو أن أصفه بما هو به حري وحقيق، وهو الأمير الذي ورث الإمارة عن أبيه وجده، والشهير الذي استوى على عرش الفضائل بإجتهاده وجده، والأديب الذي يمتزج كلامه بأجزاء النفس لطافة، والأريب الذي رق طبعه حتى حاكى النسيم رقة ونحافة، تحلى بالمكارم فكانت مقصورة عليه، وتجلى على عرش الكرائم المنتسب أكرمها إليه، ولقد لحظته عين السعادة فقصرته من كل محبوب على الأعلا، وجذبته يد السيادة لكل مرغوب فقلدته منه بالأولى، ورفعه ساعد العلم إلى ذروة الكمال، ووضعه صائب الفهم الثاقب على نقطة الاعتدال، فله من الملح ما يزري بنوافث السحر، ومن المنح ما ينقل ذوي الحاجات إلى الغنى بعد الفقر، وإن سألت عما ناله من رقيق الأخلاق وأنيق اللطف والارتفاق، فهو واحد هذا العصر بل نادرة الزمان وثمرة الدهر، وأما طلاوة نظمه ونثره، وحلاوة قريضه وشعره: يستنبط الروح اللطيف نسيمه ... أرجاً ويوكل بالضمير ويشرب فلعمري إن عقود ألفاظه أحلى من عقود النحور، وأبكار معانيه لو مازجها النسيم لأزالت ملاحتها ملوحة البحور، فما من جارحة إلا وهي تود لو كانت أذناً فتلتقط ثمين جواهره، أو عيناً لا تنفك عن مطالعة طرائفه ونوادره، أو لساناً يدرس محاسنه وشمائله، أو قلماً يرقم مآثره وفضائله. بالجملة فقد نال في الأدب رتبة عجز غيره عن استعلامها فضلاً عن علمها، وحاز فهمه الشريف منحة كل غيره عن استفهامها دون فهمها، تنتهي إليه محاسن الألفاظ وتزدهي معانيه على غمزات

стр. 1366

الألحاظ، فأشعاره قد طارت في الآفاق، وانعقد على كمال جمالها الاتفاق، لا يبلي جدتها الجديدان، ولا تزداد إلا حسناً على تردد الأزمان، قد كادت الأيام تنشدها طرباً، والأنام توردها حلية وأدبا، ونثره يقطر ظرفاً ويمزج بالراح رقة ولطفا، لسان الراغب في مدحه عن مراده قاصر، وقلم الكاتب عن استيفاء حليته في ميدان جولانه حائر، فلا ريب أنه عين الزمان ويمينه، لو حلف الدهر ليأتين بمثله حنثت يمينه، فهو بحر كله جود، وحبر كل فضل في ذاته موجود، مع تواضع يفرغ على مجالسه جلباب السرور، ولطف يجلب لمؤانسه كل حبور، ومنطق تحاشى عن النطق بما يعاب، ووجه بشوش يوهم المسيء له أنه بفعله أصاب، غير أن يده قد صالت على ماله، فلا ترد يد مستمنح خالبة من نواله، كثير المروءة والفتوة، يميل في أموره إلى الحزم والقوة. حسن المجالسة عذب الاستشهاد، لا يأتي جليسه بمعنى من العلوم إلا واستشهد له بأبيات من حفظه أو نظمه حسب المراد. وقد أخبرني حفظه الله حينما سألته عن مقدار ما يحفظه من الأبيات الشعرية، فقال: ما ينوف على عشرين ألف بيت من نظمه ونظم غيره زيادة على المحفوظات النثرية، يهوى الإطلاق والطرب ومذاكرة العلوم، ويأبى الترفع والتحجب والتمسك بأحوال ذوي الرسوم، ويقول بأن رفعة القدر والشأن، ليس بالعجب والكبر وسلاطة اللسان، وكيف لا يكون كذلك وهو فرع شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، قد اتصلت بسيد الرسل وسند الأنبياء. وأما والده فهو علم الفضل والإنصاف، وشرف النعوت والأوصاف، افتخر به الآباء والبنون، وتجملت بفضائله الشهور والسنون، شهرته من الأنام شهرة القمر ليلة بدره، ومحله من الكمال حيث يستمد كل ذي قدر من قدره، وهذا المترجم نتيجة ذلك الأصل، فلذا تفرد في زمانه في الكمال والفضل، تحقق بأنواع العلوم الحديثة والقديمة، وتعشق في الطريق الواضح فكان لا يسلك غير الطريقة القويمة، وناهيك بهذا الشرف العظيم والفضل الجسيم.

стр. 1367

ولد حفظه الله في ثالث ربيع الثاني سنة تسع وخمسين ومائتين وألف بإقليم الجزائر، ونشأ في حجر والده عمدة السادة الأكابر، وحفظ القرآن عن ظهر قلب وهو ابن ثمان سنين وشهور، وأقبل على حفظ المتون في أنواع العلوم ما بين منظوم ومنثور، ثم قرأ فقه المالكية على الشيخ محمد بن عبد الله الخالدي المغربي وعلى غيره من العلماء الأخبار، وقرأ جملة من الفنون على الفاضل الدمشقي الشيخ محمد الجوخدار. ثم قرأ على الإمام الكامل والهمام الفاضل الشيخ محمد الطنطاوي الزهري الكتب الكبيرة في أنواع العلوم، وحضر على والده الحديث والتوحيد، وأجازوه جميعاً بما تجوز لهم روايته من منثور ومنظوم. ولما رأى فيه والده الأهلية للتدريس العام، أمره بأن يقرأ درساً بحضرته وحضرة العلماء الكرام، فامتثل أمر والده المبرور، وكان يرى على وجهه حين حضوره في درسه البشر والسرور، وأجازه على ذلك ترغيباً له بجائزة سنية، وتفرس به الترقي إلى الرتب العلية، وكان سنه إذ ذاك ثمانية عشر، حتى تعجب من نبله وفصاحته وجسارته من حضر، وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف، أنعم عليه السلطان الغازي عبد العزيز خان، برتبة ازمير مع النيشان العثماني من الرتبة الثالثة ذات القدر والشأن. وفي عام اثنين وثمانين في ثالث ذي الحجة الحرام من الهجرة النبوية، توجه للسياحة في البلاد الأفرنجية، فتوجه إلى رومة وبلاد إيطاليا، ثم إلى مملكة سويسرة، ثم إلى عاصمة الفرنسيس، وفي ثاني يوم وصوله زار الأمبراطور نابليون الثالث فأكرمه وعامله بغاية الإقبال والتأنيس، ودعاه إلى مائدته وبالغ في مودته، ثم استأذن منه في السياحة في أنحاء مملكته، فدارها ثم رجع إلى العاصمة فاستأذن من الإمبراطور في الرجوع إلى أهله وبلدته، فجدد إكرامه وأهداه ننيشاناً وودعه بك إقبال، فتوجه إلى البلاد المصرية فساح بها مدة ثم رجع إلى محل إقامته بعد ذلك الترحال، وكان مدة ذلك

стр. 1368

ستة أشهر هلالية، فعاد إلى حاله وكماله بهمة قوية. ثم في سنة تسع وثمانين في شهر رجب، وقع بين دولة فرنسا وألمانيا للقتال أعظم سبب، فانتشبت بينهما نار الحرب، وتقابلت الدولتان بالسفك والطعن والضرب، وآل الأمر في مدة أربعة أشهر إلى انتصار ألمانيا على الدولة الفرنساوية، وتكبدت فرنسا خسائر ومشقات قوية، فخطر في بال المترجم أن الحرب يطول بين الدولتين، فينتهز الفرصة لتخليص وطنه الجزائر من يد فرنسا ويزيل عن الوطن الكدر والغين، فتوجه بقصد الزيارة في الديار المصرية، فحينما وصل إلى مدينة إسكندرية، توجه منها إلى تونس الغرب ولم يعلم أحد نيته الخفية، فأكرمه حاكمها صادق باشا وشاع ذكره في ذلك القطر عرضاً وطولاً، وأنزله ذلك الحاكم عنده وأهداه نيشاناً من الرتبة الأولى، فقصد المترجم التوجه منها إلى الجزائر، فلم يتمكن من ذلك نظراً لما ناله من الاشتهار، الذي ملأ تلك النواحي والأقطار، فحرر لرؤساء الجزائر نحو المائتي كتاب، لكي يتهيأوا لمحاربة فرنسا عند قدومه المستطاب، وأرسلها من تونس مع الرسل الخفية، ثم ودع الباشا مظهراً له قصد الرجوع إلى الديار الدمشقية، فتوجه إلى مالطه، وحين وصوله إليها أخفى نفسه وتنكر، ولبس لباس الدراويش وظهر في غير ذلك المظهر، وتوجه إلى طرابلس الغرب، فحينما وصلها أرسل ثقله مع بعض الخدم في البحر إلى مدينة قابس، وهو قد توجه براً متكبداً لمشقات لم يكن على مثلها بممارس، إلى أن وصل لبلاد الجريد، ومكانها عن حدود الجزائر غير بعيد، فهناك أظهر حاله للناس، ولم يخش على نفسه من بأس، ومن عجيب ما اتفق له أن شخصاً من المنصورة " قرية من قرى جريد " كان مرافقاً له من طرابلس متوجهاً إلى قريته ومحل إقامته، فكان يسأل رفقاه المترجم عنه، فيقولون له رجل من أشراف الجزائر كان في الحجاز، فيقول لهم هذا ابن ملك أو أمير حقيقة لا أقصد المجاز، ولم يمكنهم إقناعه بحال،

стр. 1369

إلى أن وصلوا إلى قريته، فقال لهم إن عدم نزولكم عندي من المحال، فنزلوا عنده فما استقر به المجلس حتى جاء للسلام عليه حاكم البلد، وبعده نحو الأربعمائة فارس من ذوي الشجاعة والجلد، وكان قد أرسل لهم يخبرهم بوصوله، فسلموا عليه وعاهدوه على القيام معه حسب مأموله، ثم أنه سأل عن رفيقه صاحب الدار، فقال له رجل من أقاربيه أنه يقدم لحضرتك عن عدم حضوره جميل الاعتذار، حيث أنه من نحو سنتين قتل شخصاً وفر لطرابلس، والآن قد رجع خفية لرؤية عائلته ثم يرجع، فلما رأى حاكم البلد والخيل معه ظن أنهم حضروا للقبض عليه ففر منهم، فعند ذلك تذاكر المترجم مع حاكم البلد وطلب منه الصفح عنه حيث أنهم ضيوفه، فأجابه الحاكم بأنه إن يسمح عنه أهل المفتول فأنا أسمح عن حق الحكومة، فأحضروهم وكلموهم أن يسمحوا على الدية، فسمحوا فقال الحال بلا دية نظراً إلى خاطر المترجم، ثم فتشوا على الرجل فبعد الجهد وجدوه مختبئاً في مكان، فأحضروه عند الحاكم وأخبره الحكم بأن أهل المقتول قد سمحوا عنه، وكذلك هو نظراً لخاطر المترجم، فعندما قال الرجل لأتباع المترجم كيف رأيتم فراستي في الدرويش، مع كونكم أجهدتم أنفسكم في إقناعي فما قدرتم، وقد أشار إلى ذلك في قصيدة طويلة أرسلها إلى أخيه سعادة محمد باشا: طوراً تراني مختف متنكراً ... كيما أرى من ماء قصدي أستقى والبدر لا يخفيه جنح دجنة ... والمسك لا يخفى وإن لم يفتق وسأورد بعض هذه القصيدة عند ذكر نظمه، ولنرجع إلى ذكر بعض ما وقع له في الجزائر، فانه لما وصلت كتبه إلى رؤساء الجزائر من تونس، استبشروا ولم يعد لهم صبر لانتظار قدومه، فتراسلوا وتؤامروا وأظهروا العصاوة على دولة فرنسا، وانتشب القتال بينهم في كل مكان، فلما وصل إليهم بايعوه على السمع والطاعة، ووقعت بينه وبين الجيوش

стр. 1370

الفرنساوية مقاتلات عديدة، ما عدا التي وقعت بأمره في عدة أماكن ولم يحضرها، وقد قتل ألوف من الفرنساوية، ولكن حيث أن الباري لم يقدر خلاص الجزائر من اليد الفرنساوية تصالحوا هو وألمانيا، وأرسلوا في الحال جيوشاً جرارة لمحاربته، فتيقن عند ذلك بعدم اقتداره على مقاومتهم، والتمست دولة فرانسا من حضرة والده إرسال أمر ونصيحة له، فعندما رجع إلى حدود تونس بمن معه، ثم بقيت أهالي الجزائر في تونس، ورجع هو إلى الشام، وبقي في ثغر صيدا نحو السنة، ثم رجع إلى دمشق عند والده، وقد سألته بعد مدة معاتباً له عن عدم إخباره لي بما عزم عليه من السفر إلى الجزائر، وما ترتب على ذلك، فاعتذر لي بأن هذا من الأمور المكتومة التي لا يمكن إبداؤها لأحد، وأخبرني أيضاً حفظه الله أنه لما خطر له هذا الخاطر، ورأى أن أسباب اغتنام الفرصة متسهل بواسطة الخلاف الذي وقع بين فرانسا وألمانيا، عظم عليه الأمر واشتد عليه الخطر، وعلم أن دون ذلك مسالك جسيمة ومهالك عظيمة، وشديد مشقات عميمة، تباطأت عزمته وفترت همته، فجرى على فكره نظم هذه الأبيات، فلما أتمها وقرأها عادت له همته أعظم من الأول وهي: على ماذا الخمول وأنت قرم ... مطاع في العشائر لا تمارى وأنك لا تنال المجد حتى ... تقود عرمرماً يملا القفارا تعوض من شدا الشادي صهيلاً ... وعن طيب الغوالي اعتض غبارا وأطيب من عناق الخود حقاً ... عناق مدرع يورى الشرارا فقومي سادة عرب كرام ... بغير الحرب ما نالوا فخارا ثم أنه في سنة ست وتسعين، أنعم عليه حضرة مولانا السلطان الغازي عبد الحميد خان برتبة مير ميران الرفيعة، ثم في سنة ثلاثمائة وثلاث، رقاه إلى رتبة روملي بيكلر بيكي، وكان قد عين له بعد انتقال والده
следующие страницы →