← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وخطابته، وكان ملازماً لحجرته في الجامع المرقوم لإقراء الدروس ولإفادة الطالبين، ثم قبل وفاته بثلاثة أشهر ولي تدريس التكية السليمية بعد موت المرحوم عبد الرحمن أفندي البوصنه لي، فقرأ الدرس مدة ثلاثة أشهر ثم مرض مرض الموت، وكانت وفاته يوم عيد الأضحى سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف ودفن بباب الصغير. الشيخ محمد الدمشقي الحنفي المعروف بسكر أحد الأفاضل وأوحد الأماثل، ولد في دمشق ونشأ بها، وكان عالماً عاملاً متفنناً فاضلاً، له اليد الطولى في العلوم العقلية والنقلية، خصوصاً في المعاني والبيان، فإنه كان مرفوع الرتبة على الأقران، غير أنه قد أخره الدهر لفقره، وخفض له أعلام تعظيمه وقدره، وكان ذا طاعة وعبادة وتقوى وزهادة. توفي بدمشق سنة نيف وستين ومائتين وألف ودفن بباب الصغير. الشيخ محمد بن الشيخ محمد المبارك المغربي الجزائري الدلسي الحسني المالكي الدمشقي كعبة الأفراد الآتي من الإبداع بما أراد، والناظم لمنثور الأدب والراقم

стр. 1297

في كتاب دلائله على فضائله ما يقضي له بأسمى الرتب. ولد سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، وقرأ على السادة الأفاضل ذوي الفضائل والفواضل، إلى أن برع وفاق، واشتهر في الآفاق، وأتى من المنظوم والمنثور بما يدهش العقول ويشرح الصدور، ومن جملة ذلك مقامته التي توصل بها إلى مديح من كانت ذاته الشريفة مطلعاً للهمم ومشرعاً للكرم، حضرة مولانا الأمير السيد عبد القادر الحسني الجزائري التي سماها غناء الهزار في محاورة الليل والنهار، والسجعة الأولى من التسمية يؤخذ من حساب حروفها تاريخ إنشائها وترصيفها، وهي بحروفها لتدل على قدر مبدعها وموصوفها: حمداً لمن فتح أبواب الخير في جميع الأوقات، ويسر أنواع البر وقد أصناف الأقوات. وصلاة وسلاماً على من واظب على بث الحكمة ودأب، وعلى آله الذين تنافسوا فيما جاء من العلم والأدب، ما تعاقب الغدو والمساء، وضحكت الأرض من بكاء السماء. وبعد فإني تفكرت ذات يوم في اختلاف الليل والنهار، وما أودع الله فيهما من لطائف الحكم والأسرار، مصغياً لما يترجمه لسان الحال، لأسند ذلك إليه دون انتحال، فرويت عنه من أنبائهما بدائع وغرائب، وقد قيل إن في الليل والنهار عجائب: من لم يؤدبه والداه ... أدبه الليل والنهار فصغت تلك المعاني، في مقامة رقيقة المباني، مشحونة بغرر من نتائج الأفكار، ودرر تزهو على البنات الأبكار، يزداد بها الأديب علماً وتبياناً، ويرتاد منها الأريب أدباً وعرفاناً. وأبرزتها في معرض المحاورة، لتجنح إليه أرباب المحاضرة، فهي فكاهة أحلى من عيش الصبا، ونفثة أرق من نفحة نسيم الصبا، وشحنتها بمدح أمير تتحلى بوصفه البراعة، وتنطلق في تقييد شمائله الشريفة أيدي اليراعة. فلله فوائد كفرائد اللؤلؤ

стр. 1298

في السلك، أو رحيق مختوم ختامه مسك، وذلك أنه أبدى الضياء والدجى ما هو للعين قرة، فكلما أسفر ذاك عن بياض الغرة، قابله هذا بسواد الطرة، ثم استنجد كل منهما صاحبه، بعد أن رشق خصمه بسهام صائبة. وإذا بالليل حمل على النهار، فجعل حمرة وردته كصفرة البهار. وخطر يجر ذيول تيهه وعجبه، مرصعاً تيجان مفاخره بدرر شهبه، وقد كساه بدر الكمال برد الجمال، ولوائح الهيبة والجلال، تلوح عليه في ذلك المجال، فصدر النقول بأحاسن رواياته، وحير العقول بمحاسن كناياته. ثم قال: " والليل إذا يغشى " " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " ففتح باب المفاضلة في هذا الفصل، وعقد أسباب المناضلة بقوله الفصل، فإن الحرب أولها كلام، ثم تنجلي عن قتيل أو رهين كلام. فانتدب إليه النهار، ممتطياً صهوة الفخار، وقد ازورت مقلتاه، واحمرت وجنتاه، وصاح إذا أديرت كؤوس المنايا، أنا ابن جلا وطلاع الثنايا فأدهش الأفكار بعظيم وثباته، ورسوخ قدمه في الهيجاء وثباته، وتقدم في ذلك الميدان وجلى، مترنماً بقوله تعالى: " والنهار إذا تجلى " واستدل على كماله من الفرقان بسورة النور، والشمس ترسم آية جماله بالذهب على رقه المنشور، ولما استوى على عرش سنائه، واطلع أنوار طلعته في أرضه وسمائه، أعرب عن مكنون الحقائق، وأغرب في كشف الأسرار والدقائق، فابتدر إليه الليل، ومال عليه كل الميل، وجعل النجوم له رجوما، وما غادر من مغانيه إطلالاً ولا رسوما، ثم صعد على منبره ثانياً، وقد أمسى الفخر لعطفه ثانيا، وقال: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً " فأسدى إلي من عوارفه براً ونيلاً، أحمده على أن جعلني خلوة للأحباب، وجلوة لعرائس العرفان بين أولي الألباب، وخلقني مثوى لراحة العباد، ومأوى لخدمة المقربين والعباد، أتردد على أرباب المجاهدة بفنون الغرائب، وأتودد إلى أصحاب المشاهدة بعيون الرغائب، تدور عليه مبدور الإنس والسمر،

стр. 1299

وتحييهم بشذا نفحاتها نسمات السحر، فأحيان وصلي بالتهاني مقمرة، وأفنان فضلي بالأماني مثمرة: وما الليل إلا للمجد مطية ... وميدان سبق فاستبق تبلغ المنى فوجم النهار لبراعة عبارته، وبلاغة معنى رمزه وإشارته، وتنفس الصعداء بنفح الصبا في الصباح، فأطفأ بأنفاسه العاطرة نور المصباح، ثم خرج للمبارزة من بابها، إذ كان من فرسانها وأربابها، فشمر للحرب العوان، غير ناكل ولا وان، ناشراً راية مجده البيضاء، وأسنته لامعة بين الخضراء والغبراء، وقال له أيها الليل، هلا قصرت من إعجابك الذيل، ولئن دارت رحى الحرب، واستعرت نار الطعن والضرب، فلأبرزن مخدراتك وهي عن الوجوه حاسرة، وأنت تتلو " تلك إذاً كرة خاسرة " وهل دأبك إلا الخداع والمكر، وترقب الفرصة وأنت داخل الوكر، إن كنت تجمع المحب بالحبيب، إذا جار عليه الهوى وحار الطبيب، فكن يقاسي منك في هاجرة الهجر، ويئن أنين الثكلى حتى مطلع الفجر. ولله در القائل: اقضّي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع وإن كنت مغنى الأنس والراحة، تفعل بعقول الناس فعل الراحة، فهل حسبت أن السكون خير من الحركة، وقد أجمع العالم أن الحركة بركة، وإن افتخرت ببدرك الباهر الباهي، فإنما تنافس بوزير شمس وتباهي، وهل له عند إشراق بهجتي من نور، أو لطلعته من خدور البطون ظهور، فأنشدك الله أينا أحق بالفخر، فقد حصحص الحق ووضح الفجر، أما لك في قوله تعالى بينة وتبصرة " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " وهل يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور، أم هل يستوي الأحياء وأصحاب القبور، ولقد أبدع من قال: لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي

стр. 1300

ألم تعلم أينا أبهى محيا، وشتان ما بين الثرى والثريا، ولا ريب أن الحسن في الجميل، عنوان على أنه رب الإحسان والجميل، وقد قال من نؤمل بره ونرجوه اطلبوا الخير عند حسان الوجوه فأنا مفتاح خزائن الأرزاق، وبي يستفتح باب المنعم الرزاق، وهل يخفى حسني وجمالي على إنسان، أو يحتاج فضلي وكمالي إلى برهان، وعرضي عار عن الدنية والعار، ونور البدر من ضيائي مستعار، ولولاي ما تميز الحسن من القبح، ولا أحيا ميت الكرى نسيم الصبح، وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وإن ذكرت الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً معرضاً بكل غافل لاه، فلي في كل مجال، " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله "، وأين من احتجب بظلمات بعضها فوق بعض، ممن أضحى ينظر في ملكوت السموات والأرض، فإن أولي الألباب، رأوا الدنيا دار الأسباب، فلزموا الأدب مع الله باستعمالها وقلوبهم عاكفة على الباب، وقد أتحفني بالصلاة الوسطى فأوتر بها صلواتي، وشرع فيها الإسراء لأسرار اختصت بها أهل جلواتي، وكفاني شرفاً شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن، فيا له من شهر أيامه للخيرات مواسم، وهي للجباه غرر وللثغور مباسم، فمآثري مشهورة في القديم والحديث، وبها نطق الكتاب العزيز والحديث، ومحاسني واضحة لأولي الأبصار، وهل تخفى الشمس في رابعة النهار؟ ثم انحدر من منبره، وقد أيد حديث خبره بآية مخبره، ولما جن الليل، اجلب عليه بالرجل والخيل، فسد ما بين الخافقين بسواده، وطفق يرمي بسهام جداله وجلاده، مقدماً بين يدي نجواه سورة القدر، آية على ما حازه من كمال الرفعة والقدر، ثم قال سحقاً لك أيها النهار، لقد أسست بنيانك على شفا جرف هار، تناضلني ومني كان انسلاخك وظهورك، وتفاضلني وبي أرخت أعوامك وشهورك، كيف أطعت هواك في عقوقي، وأضعت جميع مطالبي وحقوقي، ألم يأن لك أن تخشع للذكر، فتعترف لي برتبة التقديم في الذكر، وهل الأعمى سوى المحجوب عن المحبوب،

стр. 1301

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب، كيف تعيرني بلون السواد، وهل يقبح السواد إلا في الفؤاد، أم كيف تعيبني بالخداع والحرب خدعة، مع أنك تعلم أني في عز ومنعة، أما تشهد الأنام من هيبتي حيارى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى فأنا البطل الذي لا يصطلى لي بنار، ولا يؤخذ لقتيلي مدى الدهر بثار، فكم أرقت أسوداً كاسرة، وأرقت دماء ووجوه يومئذ باسرة، وكم أوريت نار الوغى تحت العجاج، وقد اكفهرت الوجوه واغبرت الفجاج، وليت شعري أنى لك بالحياة دون الورى، والحي من أحياه الله ولو كان تحت أطباق الثرى: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرجاء وافتخارك بالصلاة الوسطى، ليس إنصافاً منك ولا قسطاً، وهب أنك انفردت بتلك الصلاة، فأين أنت مما اشتملت عليه من وافر الصلات، أما علمت أن الركعة في تضاعف أجورها، ويعظم فضلها ويزهو نورها، وهل فرضت في زمنك منها فريضة، حتى تطاولت علي بدعواك الطويلة العريضة: وما أعجبتني قط دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد وأما افتخارك بفضيلة شهر رمضان، وما نزل فيه من السبع المثاني والقرآن، فهل صح لك صيامه إلا بي بدأ وختاماً، وقد اختصصت بإحياء لياليه تهجداً وقياماً، على أني محل النية ونية المرء خير من عمله، لأنها بمثابة الروح له وبها يحظى الراجي ببلوغ أمله، فكيف تدعي التفرد بجمع فنون المجد والفضل. ولم تخف يوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل، هل في مطالع سعودك أشرقت بدور العيدين، أم على جناح جنحك أسرى بنور طلعة الكونين، وهل في أسحارك يقول الرب هل من سائل، ويجود على أهل مناجاته بأعظم الوسائل، أم فيك نزل الكتاب المنزه

стр. 1302

في فضله عن المشاركة، والحق تعالى يقول: " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " وحسبي من المفاخر أول ليلة من رجب التي تأكد مبتدأ فضلها بالخبر ووجب، وكيف لا وفيها قد حملت آمنة بمن به الأمة من العذاب آمنة، فهي فاتحة الليالي النيرة الزاهرة، وواسطة عقدها بحسن خاتمة النبوة الباهرة، فاكفف عن الجدال وأمسك، ولا تجعل يومك مثل أمسك، وسالم من ليس لك عليه قدرة، فإنه ما هلك امرؤ عرف قدره، وإني أستغفر الله ، وأسأله الأمن من كل وجل، فبرز إليه النهار بروز الأسد من غابة، وقد استل سيف سطوته من قرابه، وقال ما كل سوداء تمرة، ولا كل صهباء خمرة، فوالذي كساني حلل الحسن والجمال، وخلع علي خلع الفضل والكمال، لأمحون طرة الدجى بغرة الضياء، ولأثبتن ما خصصت به من السنا والسناء، ألست مظهر الهداية والدلالة، وهو مظهر الغواية والضلالة، فكم أظهرت منه عيباً كان غيباً، فابيضت عينه حزناً واشتعل الرأس شيباً، وما ارعوى عن ظلمة ظلمه، ولا رجع إلى الإنصاف في نثره ونظمه، ثم أقبل عليه، وأنشد مشيراً إليه: يا مشبهاً في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت القسمه خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمه كيف تزعم أيها العبد الآبق، أنك لي في حلبة الشرف سابق، وقد قال الواحد القهار: " ولا الليل سابق النهار " متى قام على منابر العلا بنو حام، أن جلس أحدهم في ديوان الفخر بين أبناء سام، إن أنت ورب البيت إلا كافر، وبشموس أنوار الشهادة غير ظافر، لو كنت من السعداء لفزت بدار النعيم، ولولا شقاؤك لما شابهت سواد طبقات الجحيم، فكيف جعلت في الفضل حالي دون حالك، وأي فخر لمن وجهه اسود حالك. لقد سمعت أقاويلك التي قدمتها بين يديك، وأتيت بها حجة لك وهي حجة عليك، ولا جرم أن لسان الجاهل مفتاح حتفه، وكم

стр. 1303

من باغ قتل بسيف بغيه وحيفه، أما انسلاخي منك فمن أبدع الطرف لي والطرر، وهل يحق للأصداف أن تفتخر على الدرر، وأما تقدمك علي فمن العادة، تقدم الخدم بين يدي السادة. أو ما ترى أن النبي محمداً فاق البرية وهو آخر مرسل. وأما حديث الإسراء ففي مجلسي روته الأمة، ثم بلغه الشاهد للغائب بعد أمة، ثم بلغه الشاهد للغائب بعد أمة، فما لاحت أسراره إلا في مرآة مطالعي، ولا زاحت أستاره إلا بأنوار طوالعي، وما أشرت إليه من بقية لياليك، التي سطعت بها نجوم معانيك ومعاليك، فأين أنت من يوم عرفة، الذي أفرده بالمزايا من عرفه، وأين أنت من يوم عاشوراء، الموسوم بأزكى الفضائل دون مراء، وناهيك بسمو شأن العيدين، فما أعظمهما من موسمين سعيدين، وكيف تباهيني بظهور ليلة القدر منك مرة في كل عام، ولي في كل أسبوع يوم تمتد فيه موائد الجود والإنعام، وهو معلوم شهير، يعرفه الكبير والصغير، وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء، ويستجاد الثناء على رب العزة والسناء، هذا ولو تأملت ما لي من المناقب والمآثر، لما تجارأت على مجاراتي في معترك المفاخر، أفي معاهدك كانت الصحابة تتلقى القرآن، وتتملى بأنوار رسول الله في كل آن، أم في مشاهدك وردت وقائع الجهاد، وعبد الله تعالى على رؤوس الأشهاد، فأحاديث فضلي سارت بها الركبان، وماست بنسيم لطفها معاطف البان، وقدري فوق ما تصفه الألسن، وفي ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فاضرب صفحاً عن تمويهك وغشك، فإن هذا ليس بعشك، ودع عنك قول الزور والمين، فقد بان الصبح لذي عينين، فوثب إليه الليل، وهجم عليه هجوم السيل، وقد امتطى جواده الأدهم، وتعمم بعمامة سوداء وتلثم، فأنسى بفتكاته عنترة بني عبس، إذ أمسى يتوعد عمارة بالأسر والحبس، ثم ضرب خباء عزه الباذخ، وقدح زناد عزمه الراسخ، وقال: " فلا أقسم بالخنس، الجواري الكنس " لقد تزيا المملوك بزي

стр. 1304

الملوك، وادعى مقام الوصول صاحب السير والسلوك، طالما منحته جميل ستري، وهو لا يبالي بهتك أستاري، وأودعت سره في خزانة سري، وهو يبوح بمصون أسراري، أف له من فاضح، أما يكفيه ما فيه من الفضائح: انمّ بما استودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن وعلام جعل السواد على النقص علامة وهو مشتق من السؤدد لدى كل علامة، أما درى أني حزت من الكمال الحظ الأوفر حتى تحلى بوصف العنبر والمسك الأذفر، وهل يزري بالخال سواده البارع، أو يغري بالبرص بياضه الناصع، وفي لون المشيب عبرة وأي عبرة، فكم أجرت من الآماق أعظم عبرة، فما كل بيضاء شحمة، ولا كل حمراء لحمة، على أن السواد حلية أهل الزهد والصلاح، وهل يسترق الأسود أحداق الملاح، بيد أن الحر لا يبالي بالجمال الظاهر، وإنما يباهى بالفعل الجميل والقلب الطاهر، ثم أنشد، وزفيره يتصعد: وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق فأفاض النهار، في حديث يفضح الأزهار، وقال ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة، كم تدعي يا هذا أعلا المقامات، وأنت كثيف الحجاب أسير المنامات، وهل يقرن أوقات الغفلة بأوقات الحضور، إلا من ليس له في الحقيقة أدنى شعور، إنك لفي واد وأنا في واد، ولكم بين لئيم وجواد، تجمع بين المعشوق والعاشق، وتسترهما بردائك عن الرقيب والطارق، ولقد قال مترجماً عن ذلك من سلكت به هاتيك المسالك: بتنا على حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح وهل يترنم بذكرك إلا غافل، وأنى يغتر بك عاقل ونجمك آفل، وقد قدمت أني لك فاضح، وماذا علي في ذلك والحق أبلج واضح،

стр. 1305

فإني نظرت إليك بنور علام الغيوب، فظهر لي ما بطن في سرك من العيوب، فجعلت مطوي معايبك كتاباً منشوراً، ومنظوم كواكبك هباءً منثوراً، فأنا الناقد البصير، والله الولي لي والنصير، وتعرضي لمحو دعاويك، وإثبات جرائمك ومساويك، من الواجب علي يا حليف الكرى، لخبر من رأى منكم منكراً فإلى متى تتبجح بما لا طائل تحته ولا معنى، اسمع جعجعة ولا أرى طحناً، وحتى متى تعنف من لامك عن اتباع هواك، وأنت تدعي رتبة الكمال فهلا نهاك نُهاك، فتنبه من غفلتك أيها الليل، قبل أن تدعو بالثبور والويل، وإلا فرقت طلائع سوادك في كل طريق، ومزقت سوابغ دروعك أي تمزيق! فاسود وجه الليل، وانقلب بحشف وسوء كيل، وندم على مناقشة النهار، ندامة الفرزدق على النوّار، ولما سقط في يده، ورزئ في عَدَده وعُدده، قال من ينصفني من هذا الجاني، فإنه اضطرني إلى الجهر بالسوء والجأني، حتى يرمقني بلحظه ازوراراً، ويرشقني بسهامه عتواً واستكباراً، وعلام يخفى دلائل فضلي وهي ذات وضوح واشتهار، ولقد صدق من قال كلام الليل يمحوه النهار، وما نم بسره وباح، حتى عطس أنف الصباح، فأسفر عن محاسن غرته، وقد برقت أسارير مسرته، وطلع بين يديه حاجب الشمس، فاستنقذ من الليل ما استأسره من الحواس الخمس، وقال له كم ذا تدعي أنك غبين، وتتشكى مني وأنت المفتري المبين، وهب أني ظلمتك فأنت البادي، وهل قابلتك إلا بما واجهتني به في المبادي، وإن رمت التقاضي، لدى الحاكم

стр. 1306

أو القاضي، فهلم إلى حضرة الأمير، ولا ينبئك مثل خبير فإنه لا زالت عين العلا به قريرة، موسوم بحسن السيرة وطيب السريرة، فقال له على الخبير سقطت، وضالة الحكمة لقطت، وإني معترف بعدله في فصله، مغترف من بحر جوده وفضله، فهو الإمام العادل، والعالم العامل، فأمليا عليه سورة الواقعة والمجادلة، فحضهما على حسن المعاملة ودوام المجاملة، وقال لهما جانحاً إلى الصلح في جواب سؤاله: بعد حمد الله والصلاة على محمد وآله، إنكما كفتا ميزان أصحاب الرقائق، ودفتا كتاب أرباب الحقائق، بكما يتحلى المرء بحلا سعادته، ويتخلى من فضول طبيعته وعادته، فأنتما في الشرف رضيعا لبان، وفي مضمار المجد والفخر فرسا رهان. هذا وإن كنتما ابني ضرتين ظلمة ونور، فأبوكما هو الزمان الذي عليه أفلاك الوجود تدور، وعليكما باطراح رداء الافتخار، فإن العبد لا يسود إلا بالافتقار، بارك الله فيكما وبلغكما المرام، ومنحكما كمال التوفيق وحسن الختام. ولما أصلح ما بين الليل والنهار، وبوأهما مهاد الألفة بعد الوحشة والنفار، وردا من رشده موارد الائتلاف، وطرحا أعباء التعصب والاختلاف، فقلت مادحاً لحضرته الشريفة، مستمداً من علومه وأسراره المنيفة: قد أسفرت بين العذيب وحاجر ... خود سبت أهل الهوى بمحاجر هيفاء طرتها غدت تحكي دجى ... ليل وغرتها كصبح زاهر يفتر جوهر ثغرها عن لؤلؤ ... أجريت منه عقيق دمع هامر لله خال عم روضة خدها ... لطفاً على ورد جني عاطر لما بدت تختال تيهاً خلتها ... بدراً على غصن رطيب ناضر أسرت فؤادي في الغرام وأطلقت ... دمعي ومالي في الهوى من ناصر ضنت بحسن وصالها يا ليتها ... منت علي ولو بطيف زائر أنى يشاهد طرف صب ما درى ... طعم الكرى طيف الغزال النافر

стр. 1307

يا عاذلي كن عاذري في حبها ... فالوجد أفنى مهجتي وسرائري قد طاب فرط تهتكي في الحي بع ... د تنسكي والذل لذ لخاطري هيهات يصحو من سلافة عشقها ... يا صاح صاح أسكرت بنواظر أربت على كل الملاح لطافة ... وتفردت ببديع حسن باهر كالشمس إن سفرت وغصن البان إن ... خطرت وإن نظرت فأخت جآذر يصفو بطيب وصالها وقتي كما ... يحلو المديح بذكر عبد القادر مولى حكت أخلاقه في لطفها ... مسرى النسائم في رياض أزاهر بزغت به شمس المعارف بعد ما ... أفلت فأرشد كل لاه حائر أكرم به براً غدا بحراً طما ... في كل علم باطن أو ظاهر إن عدت العلماء فهو إمامهم ... ويرى لدى الأمراء أعظم آمر إن الكمال بأسره في أسره ... والفضل طوع يديه دون تناكر إن رمته في حل مشكلة جلا ... سر الحقيقة في أرق مظاهر وإذا سألت عن السماحة كفه ... أنباك عن قطر وبحر زاخر ولو اطلعت عليه في يوم الوغى ... لرأيت ليثاً أي ليث كاسر قد حاز أنواع المعالي جملة ... بوراثة من كابر عن كابر وعليه أسرار الكتاب تنزلت ... فغدا يحررها بأيدي شاكر فانظر مواقفه وحسبك أنها ... تروي حديث صحيحه المتواتر الله أكبر كم بها من آية ... شهدت له بفضائل ومآثر يا مفرداً في جمع أشتات العلى ... قد فقت كل مفاضل ومفاخر لله درك سيداً أوصافه ... عزت وجلت عن وجود نظائر ته يا زمان به وطاول إن تشأ ... نجم السها بمناقب ومفاخر فهو ابن طه خير من وطئ الثرى ... فبخ بخ شرف وطيب عناصر سعدت بسيرة فضله أوقاته ... فتقلدت منه عقود جواهر أيامه جمع كما أمست ليا ... ليه ليالي القدر ذات بشائر

стр. 1308

من أمه في حاجة يحظى بوق ... ت إجابة ومديد فضل وافر لا زال بدراً في سماء المجد محف ... وفاً بغر كالنجوم زواهر ما قال ممتدحاً مؤرخ شكره ... هام الوجود بسر عبد القادر وجملة ذلك خمس وتسعون ومائتان وألف ومن قوله مهنئاً أخاه الشيخ محمد الطيب بولده جعفر مؤرخاً ولادته: نجم بدا في طالع الإسعاد من ... أفق الهنا يزهو بأبهى منظر أم ذا هلال هل أول ليلة ... باليمن من ثاني ربيع الأنور أم ذا غلام لاح يا بشراي في ... مهد الهنا يرنو بطرف أحور رشق الحشا بسهام قوس حواجب ... وسطا وصال من القوام بأسمر وأماط عن وجه البهاء لثامه ... فسبا النهى يا حسنه من جؤذر وافتر ثغر جماله متبسما ... فروت ثناياه صحاح الجوهر أفديه من نجل كريم قد زكا ... فرعاً وطاب لطيب ذاك العنصر فاهنأ به يا ابن المبارك وارتشف ... راح التهاني من لماه الكوثري وانشق شذاه فإنه ريحانة ... تزري بنشر فتيت مسك أذفر لا غرو في طيب بدا من طيب ... وهو ابن فاطمة وبضعة حيدر قد لاح بين الشمس والقمر المن ... ير سناه منجلياً بأبهى مظهر لا زال قرة أعين لهما ومن ... ية أنفس ما فاح ريا العنبر وشدا لسان الحال فيه مؤرخا ... نيل المنى في رشف وجنة جعفر ومن قوله مشطراً أبيات الشاب الظريف، ابن العفيف التلمساني: للعاشقين بأحكام الغرام رضى ... ولو أحلهم المحبوب نار غضا إن العذاب لعذب فيه عندهم ... فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... ميثاق ود عليهم كان مفترضا ما ضرهم لورثوا لي في الهوى ورعوا ... عهد الوفي الذي للعهد ما نقضا

стр. 1309

قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا ... بأسهم ليس يخطي رشقها غرضا قد كان يرجو بأن يحظى بقربهم ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا رأى فحب فرام الوصل فامتنعوا ... فبات يشكو زماناً بالبعاد قضى سقاه كأس النوى رغماً وجرعه ... فسام صبراً فأعيا نيله فقضى وقد كنت شطرت هذه الأبيات قبله وهي مع التشطير: للعاشقين بأحكام الغرام رضى ... بما ارتضى لو عليهم بالحمام قضى والذل في الحب عز عندهم حسن ... فلا تكن يا فتى للعزل معترضا روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... زمام صب لذيذ العيش قد رفضا ماذا عليهم ترى لو أنهم حفظوا ... عهد الوفي الذي للعهد ما نقضا قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا ... من غير ذنب سوى حب له وفضا من بعد ما جرعوا كأس الهوى فطموا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا رأى فحب فسام الوصل فامتنعوا ... فاستعوض الدمع عند المنع والحرضا وحاول النفس سلواناً لهم فأبت ... فرام صبراً فأعيا نيله فقضى وكنت قد نظمت وخمسهما وهما مع التخميس يا صاح فزت بنجدة ... والأنس جاد بعودة فأدر كؤوس مودة ... وافى الحبيب بوردة وغدا يميس بقده نمت لآلي ومضها ... عن حسن مورد حوضها وروت شذا في عرضها ... فسألته عن روضها فأشار لي من بعده وقد خمسهما الأديب الشيخ محمد بهاء الدين بن أخي عبد الغني أفندي. حيا بزاهر طلعة ... والخال فاح بندة لما هممت بشمة ... وافى الحبيب بوردة وغدا يميس بقده صوب الحيا من فيضها ... يهمي بعنبر أرضها

стр. 1310

لمع السنا من ومضها ... فسألته عن روضها فأشار لي من خده الشيخ محمد المصيلحي الشافعي المصري الإمام العلامة المتفنن المعمر الضرير، أحد العلماء العظام والسادات الكرام، قال الشيخ الجبرتي: أدرك الطبقة الأولى وأخذ عن شيوخ الوقت، وأدرك الشيخ محمد شنن المالكي وأخذ عنه وأجازه الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ أحمد الملوي والحفني والدفري والشيخ علي قايتباي والشيخ حسن المدابغي، وفاضل ودرس وأفاد وقرأ وانتفع عليه الطلبة. ولما مات الشيخ أحمد الدمنهوري وانقرض أشياخ الطبقة الأولى نوه بذكره واشتهر صيته وحف به تلامذته وغيرهم، ونصبوه شبكة لصيدهم وآلة لاقتناصهم، وأخذوه إلى بيوت الأمراء في حاجاتهم، وعارضوا به المتصدرين من الأشياخ في الرياسة، ويرى أحقيته لها لسنه وأقدميته. وملا مات الشيخ أحمد الدمنهوري وتقدم الشيخ أحمد العروسي في مشيخة الأزهر، كان المترجم غائباً في الحج فلما رجع وكان الأمر قد تم للعروسي أخذه حمية المعاصرة، وأكثرها من إغراء من حوله، فيحركونه للمناقضة والمناكدة، حتى أنه تعدى على تدريس الصلاحية بجوار مقام الإمام الشافعي المشروطة لشيخ الأزهر بعد صلاة الجمعة، فلم ينازعه الشيخ أحمد العروسي، وتركها له حسماً للشر وخوفاً من ثوران الفتن، والتزم له الإغضاء والمسامحة في غالب الأطوار،

стр. 1311

ولم يظهر الالتفات لما يعانونه أصلاً حتى غلب عليهم بحلمه وحسن مسايرته، حتى أنه لما توفي المترجم ورجع إليه تدريس الصلاحية لم يباشر التصدر في الوظيفة، بل قرر فيها تلميذه العلامة الشيخ مصطفى الصاوي، وأجلسه وحضر افتتاحه فيها، وذلك من حسن الرأي وجود السياسة. توفي المترجم ثاني عشر شوال سنة إحدى ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالمجاورين رحمه الله تعالى. الشيخ محمد كاظم الأزري البغدادي أديب زمانه ولبيب وقته وأوانه. ولد سنة ألف ومائة وخمسين ومهر في علوم الأدب، ودلس من معرفته على أوج الرتب، وتوفي سنة ألف ومائتين وثلاثين ومن قوله: أي عذر لمن رآك ولاما ... عميت عنك عينه أم تعامى أو لم ينظر اللواحظ تهدي ... سقما والشفاه تشفي السقاما لا هنيئاً ولا مريئاً لقوم ... شربوا من سوى لماك مداما أتراهم توهموها عصيراً ... من محياك حين شبت ضراما ما لمن يترك السلافة في في ... ك حلالاً ويستحل الحراما إن للناس حول خديك حوما ... كالفراش الذي على النار حاما بأبي أنت من خليل ملول ... لم يدم عهده إذا الظل داما لك خد ومبسم علم الور ... د ابتهاجاً والأقحوان ابتساما أي وعينيك ما المدام مدام ... يوم تجفو ولا الندام نداما لا تقسني بالورق يا غصن إني ... أنا من علم النواح الحماما أيها الريم ما ذكرتك إلا ... واحتقرت الأقمار والآراما لست أدري والصدق بالحر أحرى ... إضراماً قد شب لي أم غراما إن تصلني فصل وإلا فعدني ... ربما علل السراب الأواما

стр. 1312

لم يكن طبعك الوشاة ولكن ... صلب الماء فاستحال ضراما لو ملكنا ملك العراق ومصر ... دون لقياك ما بلغنا مراما ألف الله فيك مختلفات ال ... حسن جمعاً وقال كوني غلاما وله أيضاً هزوا القدود فأخجلوا سمر القنا ... وتقلدوا عوض السيوف الأعينا وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لنفسه إلا أنا وبخده وبثغره وعذاره ... حمر العقيق وبارق والمنحنا لا خير في جفن إذا لم يكتحل ... أرقاً ولا جسد تجافيه الضنا وأنا الفداء لبابلي لحاظه ... لا تستطيع الأسد تثبت إن دنا لما انثنى في حلة من سندس ... قالت غصون البان ما أبقى لنا يا قلبه القاسي ورقة خصره ... لم لا تقلت إلى هنا من ها هنا أقوى علي من الحديد فؤاده ... ومن الحرير تراه غصنا ألينا شبهته للبدر قال ظلمتني ... يا عاشقي والله ظلماً بينا من أين للبدر المنير ذوآبة ... أم شامة أو ورد خد يجتنى البدر ينقص والكمال بطلعتي ... فلأجل ذلك صرت منه أحسنا وله أيضاً هل بعد أندية الحمى من نادي ... يحمى النزيل به ويروي الصادي خلت الديار من الذين عهدتهم ... وتنافرت ظبيات ذاك الوادي طاروا بأجنحة الشتات كأنما ... نادى بتفريق الفريق منادي وعدوا الرحيل عشية ووفوا به ... بئس الوفاء لذلك الميعاد الشيخ محمد بن محمد الشهير بالحوت الشافعي الشامي البيروتي أحد العلماء الأفاضل والنبلاء ذوي الفواضل، ولد سنة ثلاث ومائتين وألف ونشأ في العلم والعبادة والتقوى والزهادة، وسار بين أمثاله واشتهر

стр. 1313

في فضله وكماله. وأخذ عن الشيوخ العظام والسادة الكرام، وانتفع به الجم الغفير وعلى كل حال ففضله معلوم شهير. مات سنة سبع وسبعين ومائتين وألف، ودفن في تربة سيدنا عمر المشهورة الآن بالباشورة. الشيخ محمد الفيومي الشهير بالعقاد المصري الشافعي قال الجبرتي الإمام العلامة والجهبذ الفهامة الفقيه النبيه الأصولي المعقولي، الورع الصالح، أحد أعيان العلماء النجباء الفضلاء، تفقه على أشياخ العصر، ولازم الشيخ الصعيدي المالكي، ومهر وأنجب ودرس وانتفع به الطلبة في المعقول والمنقول، وألف وأفاد وكان إنساناً حسناً جميل الأخلاق مهذب النفس متواضعاً، مشهوراً بالعلم والفضل والصلاح، لم يزل مقبلاً على شانه محبوباً للنفوس، حتى تعلل بالبرقوقية في الصحراء وتوفي بها سنة اثنتين ومائتين وألف، ودفن هناك بوصية منه رحمه الله تعالى. السيد الشيخ محمد المبارك المغربي الجزائري الدلسي الحسني المالكي ولد سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين، ولدى تمييزه اشتغل بحفظ القرآن ثم في تحصيل ما لا بد منه من علوم الدين، ثم عكف على العبادة والتقوى في السر والنجوى، وكان في بداية أمره يأوي إلى غابة كثيرة الوحوش والسباع، يعبد الله فيها أياماً ثم يرجع إلى أهله يتزود لمثلها ويرجع

стр. 1314

لمكانه، حتى نادته هواتف العنايات بلطائف الإشارات، وطابت سريرته واستنارت بصيرته، وتخلى من أوحاله وتحلى بجميل أحواله، فأخذ الطريقة البكرية الخلوتية عن صاحب المآثر الأحمدية، المرشد الكامل والولي الفاضل، سيدي الشيخ علي بن عيسى، ولازم المجاهدة مدة على يده، فلما دنت وفاته أوصى به خليفته الأكبر سيدي الشيخ محمد المهدي السكلاوي، فتولى تربيته، حتى فتح الله عليه فاشتغل بالإرشاد ونفع العباد، وشهر الطريقة وشيد معالمها ونهج منهج الحقيقة وأرشد إليها رائمها، حتى سار صيته في الأقطار وقصدته الناس من صغار وكبار، فبذل في نصح الخلق همته وأحسن لهم نيته، وجمعهم على الملك الحق وسلك بهم مسلك الصدق، وتخرج على يده عدد كثير ووصل إلى مقصوده من لاحظته عين عناية اللطيف الخبير، وسمعت من كثير ممن كان له تردد إليه، أن طائفة من الجن أخذوا عنه واهتدوا على يديه، وكانوا يتلقون من حكمه ومعارفه ويأخذون عنه معالي نصائحه ولطائفه، وكان له في السخاء والكرم والعطاء، اليد الطولى والقدح المعلى، يعطي قاصده العطاء الجزيل ويغمر بوافر فضله ومديد إحسانه الوارد والنزيل، ينفق دائماً على جماعته المتجردين ويحسن إلى الفقراء والمساكين، منزله مأوى لليتامى والأرامل، تلتمس فيه أنواع الفضائل والفواضل. ولما قصدت الأمة الفرانساوية بلاد الجزائر جمع جموعاً من العباد وسار

стр. 1315

بهم إلى المدافعة عن الوطن والجهاد، وما زال يحرض الناس على القتال ويساعدهم في الهمة والنفس والمال، إلى أن ظهر الكفار على الإسلام لحكمة أرادها الملك العلام، فقصد بلاد الشام مهاجراً بأهله وقرابته، وتبعه خلق كثير من مريديه وأهل عصابته، واستوطن دمشق الشام، وكان له بها من الله زيادة فتح وإنعام، وأخبر أنه لما استشرف عليها شاهد أولياءها قد أقبلوا بسلمون عليه، وأظهروا الفرح والسرور بقدومه وقدموا أنواع التهاني إليه، وخرج لملاقاته جملة من أشراف البلدة وعلمائها، وتجارها وعوامها وعظمائها، فاستأنسوا به الاستئناس التام واشتهر فضله لدى الخاص والعام، واجتمعت عليه القلوب وصار مقصوداً في التوسل به بدفع الهموم والكروب، فأقام في دمشق عامين، ثم توجه لبيت الله الحرام لأداء فرض الحج وزيارة خير الأنام، وفي خدمته خمسة وأربعون نفراً من أحبابه ومريديه وأصحابه، وبعد رجوعه لداره، اتخذ لنفسه خلوة في منزله لا يخرج منها إلا لقضاء أوطاره، إلا يوم الخميس فإنه جعله لزيارة القاصدين ومذاكرة الواردين، وكثيراً ما يقرأ عليهم كتب الرقائق ويستخرج لهم من كنوزها لآلئ الدقائق، ليزيدهم في فعل المأمور ترغيباً، وعن المآثم ترهيباً، ثم يعود لخلوته ليلة السبت بالهمة العالية والقوة السامية، ولم يزل على ذلك حتى قدم على السيد المالك. وأخبرني ولده السيد محمد الطيب عن والدته بنت الشيخ محمد المهدي شيخ المترجم المرقوم، أنها دخلت عليه مرة في خلوته لتحظى برؤيته وتغنم جميل زيارته، فلما أشرفت عليه اعترتها هيبة عظيمة وقشعريرة جسيمة، حتى لم تطق أن تسلم عليه ولا أن تنظر إليه، وسمعته يطلب من النبي ﷺ الشفاعة ويقول له اضمني يا رسول الله، ثم حمد الله وقال يا رسول الله اضمن أولادي ثم حمد الله، وقال يا رسول الله اضمن أزواجي ثم حمد الله، وقال يا رسول الله اضمن كل من تعلق بي وتلقى وردي وبقي طويلاً

стр. 1316

وهو يتضرع إليه ﷺ في قبول مسئلته، ثم حمد الله وأثنى عليه وقال هذا جل آمالي، وربحي منك يا رسول الله ورأس مالي. ثم سمعته يخاطب والدها ويذكر له بعض الأسرار والمكاشفات، وبعد فراغه من ذلك كله سرى عنها ذلك الحال وزال عنها الشتات، فأقبلت عليه فتلقاها بالرحب والبشاشة والسرور والهشاشة، وكان يعظمها جداً حرمة لأستاذه وقدوته وملاذه، ولما يرى فيها من الخير والصلاح والفوز والفلاح، وعزم عليها أن لا تحدث بهذا الحديث أحداً، ما دام موجوداً في قيد الحياة وإن طال المدى، فما ذكرت ذلك لسواه حتى توفاه الله. وأخبر الشيخ المحفوظ ابن عم الأستاذ الشيخ محمد المهدي وكان رحمه الله تعالى رجلاً صالحاً تقياً ناجحاً، إنه توجه يوماً مع المترجم وشيخه الشيخ محمد المهدي في بلاد المغرب من قرية إلى أخرى وهو ساع في خدمتهما لينال ثواباً وأجراً، فوقفت بغلة الشيخ قرب قبر في الطريق، فقال الشيخ ما أصابها من البلاء؟ فقال المترجم إن الله كشف لي عن صاحب هذا الضريح، وهو الذي استوقف الدابة يلتمس منك صالح الدعاء، فدعا له فانطلقت، وإلى نحو المطلوب توجهت، ثم مرا في طريقهما على شجرة عظيمة، فقال الشيخ للمترجم ليت شعري في أي زمان غرست هذه الشجرة الجسيمة، ومن غرسها في هذا المكان فهل من يعرف ذلك الآن؟ فأطرق المترجم غير طويل، ثم قال أيها الأستاذ الجليل: إن الله أنطقها لي فأخبرتني أنها غرست في التاريخ الفلاني وإن غارسها فلان ابن فلان الفلاني.

стр. 1317

وأخبر عنه أيضاً هذا الرجل الصالح أن المترجم جاء يوماً إلى أستاذه المرقوم، يخبره بوفاة أخ له في الله من مكة من رجال الغيب الكرام، ويستأذنه في التوجه إلى بيت الله الحرام، للصلاة عليه وتشييع جنازته، وحضور دفنه في تربته، فأذن له فغاب، وبعد برهة رجع وآب. وطلب منه مرة بعض أصحابه زيارة الشيخ الأكبر والدعاء بالمرغوب في فسيح رحابه، فقال له: الرجل هو الذي يجتمع بالولي عند الوقوف بحضرته، وبعد انتقال المترجم إلى الدار الآخرة جاء بعض أولاده لزيارة جده والد والدته وشيخ المترجم المذكور الشيخ محمد المهدي، وفي يده كتاب الابريز في مناقب الشيخ الدباغ عبد العزيز، فأمره أن يسمعه منه شيئاً، فقرأ عليه جملة من كراماته وعلومه المستجادة، فقال له: لو سطر أحد مآثر والدك ومناقبه لبلغت هذا المبلغ وزيادة، وحدث ولده أنه كان يوماً عند الأمير السيد عبد القادر الجزائري، وعنده رجل من أهل فاس يسمى الشيخ عمر بن سودة، فقال له الأمير: إن والد هذا الشاب كان في المجاهدة من أضراب أبي يزيد البسطامي، وأبي سليمان الداراني. وبالجملة لو أردت أن أستقصي أحوال هذا السيد الجليل لأدى المقام إلى الإسهاب والتطويل، وما ذكرته يدل على بعض مقامه، وعلى رفيع رتبته ووجوب احترامه، مات رحمه الله تعالى سنة تسع وستين ومائتين وألف، ودفن في سفح قاسيون في جوار نبي الله ذي الكفل، على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام. الشيخ محمد العطار بن....بن الشيخ إبراهيم الحسيبي جد بني الحسيبي عالم عامل وهمام فاضل، قد أجمع الناس على طيب أصله وصحة كماله وفضله، قد اتصف بصفات من سلف وساد في معالي شمائله فيمن خلف،

стр. 1318

وارتفع مقامه وعلا قدره واحترامه، وصار مقصوداً في مشكلات المسائل وموروداً في أخذ الفضائل. ولد سنة ألف ومائة ونيف وثلاثين، واشتغل في العلم والعبادة والتقوى والزهادة، إلى أن برع وفاق واشتهر في الآفاق. تولى القضاء بمدينة غزة هاشم، وكان في أحكامه تقياً بعيداً عن المحارم، وكان السيد محمد التافلاتي قاضي القدس الشريف، فوقع بينهما في مسألة من المسائل اغبرار اقتضى اللوم والتعنيف، فكتب السيد محمد التافلاتي رسالة في تعنيفه وأرسلها إليه، فغب وصولها شرحها وردها من غير مهلة عليه، وابتداء هذه الرساله قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " جناب الأخ الأمجد الشيخ محمد التافلاتي حفظه الله تعالى، وصلت مكاتبتك إلينا ولم يسبقها منا إليك كتاب، وابتدأتنا بمخاطبتك ولم يتقدم في هذه المدة منا إليك خطاب، فتلقيناها تلقي الأحباب بالسعة والترحاب، وحين رأيناها نزلت منا منزلة الأضياف، عجلنا قراها بما يجب لها عند أهل الإنصاف: سوداء شمطاء اللمم ... وافت بتيه وعجب لما علمت جهلها ... أنكحتها فحل الأدب فما مكثت إلا بمقدار ما يمكث الطيف، ولا لبثت إلا كم تلبث سحابة الصيف، حتى نهضت: مسرعة تقول قطني قطني ... مهلاً رويداً قد ملأت بطني وألبستها خلعاً حكت قطعاً من الليل مظلماً، كما يليق ذلك بشأنها فلم تكفر لنا أنعما، فالرجاء إذا وصلت أيها الشيخ إليك، وألفيت بكراً عذراء، بين يديك، أن تتقبلها بقبول حسن، وأن تكفلها وتهجر لأجلها الوسن، وإذا نسبتها فقل عربية قرشية، شامية قدسية، رملية

стр. 1319

غزية. وإياك أن تنسبها لأمها الغريبة ذات اللامة التي أكسبتك فوق ما اكتسب ببغلته أبو دلامة، وأزرت بك في الشرق والغرب، إزراء الطيلسان بابن حرب، وستشتهر بها عند كل قريب وبعيد، كما اشتهر بشاته سعيد، فإذا ورد عليك بذلك الخبر، فلا تلم سواك في البشر. وتذكر ما أنشده سيدي عمر: ولقد أقول لمن تحرش في الهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف وأنت حيث فتحت هذا الباب، وابتدأت هذا الخطاب، تكرمت عليك بالجواب، لئلا تحقر نفسك إذا لم تجاب، واعلم بأنني كما قيل: ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب ولا مبتغ للشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب ولا يظن أحد أن إقدامك على هذا الأمر لجرأة في الخلد، فالعير كما لا يخفى تقدم من خوف على الأسد، ولولا ما أرشدنا إليه بقوله : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " وخشية ما قيل: إذا المرء لم يكرم كريماً ولم يهن ... لئيماً ولم يبرز إلى من يجاوبه فذاك الذي إن عاش لا يعتنى به ... وإن مات لا تبكي عليه أقاربه لما فوقت من قسي الملام نحوك سهماً، ولا أفدتك من شهب الكلام رجما، على أنني أتيقن الملامة، وأتحقق على ذلك الندامة، إذا طاشت السهام في ظلك الزائل فلم تر فيه مرمى، وتساقطت شهب ثواقب الكلام عليك فلم تجد لك رسما، غير أني أخلص بقوله تعالى في محكم التنزيل " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " هذا

стр. 1320

وإن كان يقع لا على شيء منك الفند، لأنك ما تحت الواحد في العدد، فالوهم يصورك وتشير إليك الأفكار، ليعتبر بذلك غيرك من ذوي الأبصار، وقد حملني على ذلك قول من تقدم: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يتهدم، وكيف لا أناضل المناضل، وأنازل المنازل، وقد أعددت بحمد الله للكفاح أتم عدة وأمضى سلاح، ولكن أحببت أن أوضح لكل واقف على هذا المجال، ما حصل عليه وبسببه هذا الجدال، ليظهر لمتأمله حقيقة الحال، ويعلم أن الرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فأقول: ملخص ذلك أن الشيخ المذكور، هو مفتي القدس التافلاتي المشهور، ضاقت عليه في بيت المقدس الأحوال، واشتد الضنك عليه بها واستطال، فنزل إلى أسكلة يافا ليقرع باب الفرج وصار يدرج بها مع من درج، فما ترك باباً يتوهم منه حصول رزق حتى عالجه، ولا وجد إنساناً يظن خيره إلا خالطه ومازجه، فلما أعيته المطالب واستحالت عليه المآرب واستدت في وجهه المسالك وتقطعت أحبال ما نصب من الشبائك، ولم يصطد عقعقاً ولا بوما واصبح من كل خير محروما، فعزم على الرجوع بخفي حنين وهو بهمومه أشغل من ذات النحيين وقد كان آلى أن يجيب كل من يستفتيه على وفق ما يرضيه، وأقسم أن لا يرد سائلاً يأتيه ولو ألقاه الجواب في التيه، فسمع إنساناً يذكر حادثة على سبيل المحادثة فسقط عليه سقوط الذباب، ووقع دونه وقوع الغراب، فجعل يفتيه قبل أن يسأله، ويقلب له الأجوبة عساه أن يوافق ما أمله، وكان الرجل عن جميع أجوبته مستغنيا، ولم يكن على حالة من الأحوال مستفتيا، ولكن فهم حاله فرثى إليه، واستطلع مرامه فعطفته الرحمة عليه،

стр. 1321

فاستفتاه بحادثة واقعة في غزة، بما ملخصه في بكر بالغة تزوجها غير كفؤ برضاها، وولدت منه ولداً فقام وليها يطلب فسخ النكاح هل يجاب إلى ذلك، فأجاب الكفاءة شرط صحة انعقاد النكاح، وهذا النكاح المشروح في السؤال لم ينعقد أصلاً كما هو المختار للفتوى، كما صرح به قاضي خان، وصاحب التنوير، واتفقت عليه فتاوى المتأخرين، لفساد الزمان، وإذا طلب الولي الفسخ أم لم يطلبه رضيت المرأة أم لم ترض فالفسخ واقع لعدم انعقاد النكاح من أصله ولو ولدت أولاداً، والنقل به مستفيض لم يخل منه كتاب من كتب المذهب، والله أعلم، فأخذها السائل وأرسلها للولي بغزة هاشم وحرضه على إجراء ما فيها من الأحكام، فأخذها واستكتب مفتي غزة فكتب عليها، ثم عرضها على هذا العبد الضعيف، لكونه انتصب لفصل الأحكام بين كل وضيع وشريف، وكان الزوج غائباً، فأجبته أنك تحتاج إلى خصم لتثبت عليه عدم الكفاءة، فاستفتى علماء غزة فأجابوه كما أجبت، غير أن مفتيها قال ليس لذلك سبيل إلا بنصب مسخر، ولكن ينبغي أن تنظر في الصور، في الصور التي يجوز فيها نصب المسخر، فأجبت بأن هذه الصورة ليست منها فانفصل المجلس على أن المفتي والعلماء يراجعون كتب المذهب، وحرر الولي ذلك إلى يافا وأخبره المستفتي بما حصل وصدر في طرفنا، فاستشاط من الغضب وامتلأ من الغيظ، وصار وجهه كالمسافر في أشهر القيظ، ثم كتب سؤالاً آخر كالأول ولكن زاد فيه ونقص، وما أراد بذلك إلا إرضاء السائل ليطيب من عيشه ما تنغص، تم كتب جواباً غير الأول وبسط فيه المقال، وأكثر من نقل الأقوال، وذكر رواية الحسن ونقل ترجيحها والعمل بها عن أئمة أعلام، وساق أسماء من عول عليها واعتمدها من العلماء العظام، ثم قال: والحاصل أن هذا النكاح لم ينعقد من أصله وهو باطل، والباطل يجب إعدامه، ثم قال في آخرها: هذا

стр. 1322

خلاصة مذهب الإمام النعمان، نعوذ بالله من الحظوظ الموجبة لغضب الرحمن، كأنه يشير إلى توقفنا وتوقف علماء غزة أنه من الحظوظ الموجبة لغضب الرحمن، ويدل على كونه أرادنا بذلك أنه حرر مكاتبة للولي، وأرسل له فتوى أخرى ثالثة داخل تلك المكاتبة، والفتوى صورة سؤالها في نكاح فاسد باطل، لكون الزوج غير كفؤ للزوجة، هل للزوجة أن تفسخ هذا النكاح ولو بعد الدخول، ولو كان زوجها غائباً، وهل يجب على القاضي التفريق والفسخ ولو كان الزوج غير حاضر؟ والحاصل أنه اتسعت دائرة القيل والقال، وتفاقم أمر الجدال، وتعددت الرسائل اتخذت الوسائل، وطال الكلام في هذا المقام، وكثرت المخاطبة واللوم والمجاوبة، وانتقل مركز القضية لغير هذه الكيفية، ومن جملة ما قاله المترجم: كان الزوج غير حاضر؟ والحاصل أنه اتسعت دائرة القيل والقال، وتفاقم أمر الجدال، وتعددت الرسائل اتخذت الوسائل، وطال الكلام في هذا المقام، وكثرت المخاطبة واللوم والمجاوبة، وانتقل مركز القضية لغير هذه الكيفية، ومن جملة ما قاله المترجم: يا أيها الشيخ الذي ... بزخرف القول اشتهر خف عالم الأسرار أن ... يبدي الذي منك استتر فلتصبحن عبرة ... مشتهراً بين البشر ومن قوله إذا أنت ضيعت الصنيع ولم تكن ... تقابله إلا بسوء فلا عجب فقد جاء في معنى الحديث الذي رووا ... ولا يصلح المعروف إلا لذي حسب وقال أيضاً في رسالته المذكورة: ألا أيها الشيخ الذي أكثر الدعوى ... كذبت وايم الله في السر والنجوى أما تستحي أن قلت ما ليس فاعلاً ... فأكبر به مقتاً وأعظم بها بلوى وقال بها أيضاً: أعد نظراً فيما كتبت ولا تكن ... بشقشقة للأفضلين منازعا فحسبك ما تهذي به لك زاجراً ... وحسبك أن تخزى ويكفيك رادعا وقال أيضاً: يا للشريعة من مفت لقد فتنا ... وضل إذ فارق المفروض والسننا

стр. 1323

أراد يكتم ما تحوي طويته ... فضاق ذرعاً وعن أثقاله وهنا وقد تردى بما أخفت سريرته ... فأصبح الكتم منها للورى علنا وقد استشهد بهذه الأبيات الثلاثة: عجوز تمنت أن تكون فتية ... وقد يبس الجنبان واحدودب الظهر وأضحت بلا عقل يصون حجابها ... فباحت بما في السر وانكشف الستر وجاءت إلى العطار تبغي تحسنا ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر وقال أيضاً: فتباً لشيخ يزعم الحق باطلاً ... وباطل ما يأتيه يزعمه حقا فبعداً له من مفسد ما أضره ... على الملة الزاهرا وسحقاً له سحقا وقال أيضاً: ولو نسب الزمان لتافلات ... تغير وجهه وبدا القتام وأصبح صبحه ليلاً بهيماً ... ودام على أهاليه الظلام وقال أيضاً: لو أن طينة آدم ... مزجت بتربة تافلات ما كان في أولاده ... أهل التقى والمكرمات ولا أتاه الصالح ... ون بنسله والصالحات ول أردت أن أذكر رسالة التافلاتي وشرحها للمترجم العريض الطويل، لأدى المقام إلى الإطناب والتطويل. مات المترجم في الأستانة سنة تسع ومائتين وألف ودفن هناك رحمة الله عليه.

стр. 1324

الشيخ محمد أفندي الشافعي المصري كاتب الرزق الأحباسية العمدة الفرد والنجيب اللبيب الأوحد، والناهج منهج الصلاح والمتمسك بعرى التقوى والفلاح، كان حسن الأخلاق قد اشتهر في النواحي والآفاق. وكان يجيد القرآن بالقراءات العشر مع الإتقان. مات رحمه الله تعالى ثامن ربيع الثاني سنة اثنتين ومائتين وألف. محمد بن الحسن بن عبد الله الطيب المصري الشاب الأديب المذب الأريب، والكامل اللبيب والوحيد النجيب، نشأ في الرفاهية والنعم وعانى طلب العلم فنال منه ما أخرجه من ربقة الجهل والنقم، وتعلق بالعروض وأخذه عن الشيخ محمد بن إبراهيم العوفي المالكي فبرع فيه، ونظم الشعر إلا أنه كان يعرض شعره للذم بالتزامه فيه ما لا يلزم في قوافيه، كتب إليه صاحبنا المتقن العلامة السيد إسماعيل بن سعد بن إسماعيل الوهبي المعروف بالخشاب على ديوانه: قل للرئيس أبي الحسين محمد ... خدن المعالي والسري الأمجد والحاذق الفطن اللبيب أخي الذكا ... اللوذعي الألمعي الأوحد ألزمت نفسك في القريض مذاهبا ... ذهبت بشعرك في الحضيض الأوهد وتركت ما قد كان فيه لازماً ... هلا عكست فجئت بالقول السدي كدرت منه بما صنعت بحوره ... فغدت مشارع ليس يمحوها الصدي

стр. 1325

فإذا نظمت فكن لنظمك ناقدا ... نقد البصير بذهنك المتوقد أولا فدع تكليف نفسك واسترح ... من قولهم ما شعره بالجيد ولئن عنفت عليك فيما قلته ... فلقد بذلت النصح للمسترشد فلما قرأها ضحك ولم يزد على أن قال له أنت في حل، وكان رحمه الله تعالى قد علق غلاماً من أبناء الكتاب فكتب إليه أيضاً السيد إسماعيل صاحب الأبيات المتقدمة: إني أجلك أن تصبو بمبتذل ... على تسنمك العلياء من صغر أمسك عليك وحاذر من إخاء فتى ... قميصه مذ نشا ينقد من دبر وكتب إليه أيضاً الماهر الأديب، والذكي الأريب، طه بن عرفه مقرظاً على ديوانه بيتين في غاية الحسن: لك لفظ كأنه الدر نظما ... صدف القلب عن سواه منيا لو تجلى منه الجمال الإناثي ... لترضاك للفؤاد صفيا ومن شعره رحمه الله تعالى: نار الخليل إذا بدت في مهجتي ... ورشفت ذاك الثغر برد حرها توفي رحمه الله تعالى في غره شعبان سنة خمس ومائتين وألف. محمد أفندي بن سليمان أفندي بن عبد الرحمن أفندي بن مصطفى أفندي جمليان المصري قال الجبرتي: الصنو الوجيه والفريد النبيه نشأ في عفة وصلاح وخير، وطلب العلم وعانى الجزئيات والرياضيات، ولازم الشيخ حسن الجبرتي وقرأ عليه كثيراً من الحسابيات والفلكيات والهيئة والتقويم، ومهر في ذلك وانتظم في عداد أرباب المعارف، واشترى كتباً كثيرة في الفن، واستكتب وكتب بخطه الحسن، واقتنى الآلات والمستظرفات، وحسب

стр. 1326

وقوم الدساتير السنوية عشرة أعوام مستقبلة بأهلتها وتواريخها وتواقيعها، ورسم كثيراً من الآلات الغريبة والمنحرفات، وكان شغله وحسابه في غاية الضبط والصحة والحسن. وكان لطيف الذات مهذب الأخلاق قليل الإدعاء جميل الصحبة، وقوراً. مات بالطاعون في شعبان سنة خمس ومائتين وألف وتبددت كتبه وآلاته. الشيخ السيد محمد أبو العرفان بن علي الصبان الشافعي الأشعري المصري الإمام الذي لمعت في أفق الفضل بوارقه، وروى أفئدة الواردين عذب شراب عرفانه ورائقه، لا يدرك بحر وصفه الإغراق، ولا تلحقه حركات الأفكار ولو كان لها في مضمار الفضل السباق، العالم النحرير واللوذعي الشهير. ولد بمصر وحفظ القرآن والمتون، واجتهد في طلب العلم وحضر أشياخ عصره وجهابذة مصره، فحضر على الشيخ الملوي شرحه الصغير على السلم، وشرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد، وشرح المكودي على الألفية، وشرح الشيخ خالد على قواعد الإعراب، وحضر على الشيخ حسن المدابغي صحيح البخاري بقراءته لكثير منه، وعلى الشيخ محمد العشماوي الشفا للقاضي عياض وجامع الترمذي وسنن بن داوود، وعلى الشيخ أحمد الجوهري شرح أم البراهين لمصنفها بقراءته لكثير منها، وعلى الشيخ السيد البليدي صحيح مسلم وشرح العقائد النسفية للسعد التفتازاني وتفسير البيضاوي وشرح رسالة الوضع للسمرقندي، وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي تفسير البيضاوي وتفسير الجلالين وشرح الجوهرة للشيخ عبد السلام، وعلى الشيخ محمد الحفناوي صحيح البخاري والجامع الصغير وشرح المنهج والشنشوري على الرحبية ومعراج النجم الغيطي وشرح الخزرجية

стр. 1327

لشيخ الإسلام، وعلى الشيخ حسن الجبرتي التصريح على التوضيح والمطول ومتن الجغميني في علم الهيئة وشرح الشريف الحسيني على هداية الحكمة قال: وقد أخذت عنه في الميقات وما يتعلق به، وقرأت فيه رسائل عديدة، وحضرت عليه في كتب مذهب الحنفية كالدر المختار على تنوير الأبصار وشرح ملا مسكين على الكنز، وعلى الشيخ عطية الأجهوري شرح المنهج مرتين بقراءته لأكثره، وشرج جمع الجوامع للمحلى، وشرح التلخيص الصغير للسعد، وشرح الأشموني على الألفية وشرح السلم للشيخ الملوي وشرح الجزرية لشيخ الإسلام والعصام على السمرقندية وشرح أم البراهين للحفصي وشرح الأجرومية لريحان آغا، وعلى الشيخ علي العدوي مختصر السعد على التلخيص وشرح القطب على الشمسية وشرح شيخ الإسلام على ألفية مصطلح الحديث بقراءته لأكثره وشرح ابن عبد الحق على البسملة لشيخ الإسلام ومتن الحكم لابن عطاء الله، رحمهم الله تعالى أجمعين. قال: وتلقيت طريق القوم وتلقين الذكر على منهج السادة الشاذلية الأستاذ عبد الوهاب العفيفي المرزوقي وقد لازمته المدة الطويلة وانتفعت بمدده ظاهراً وباطناً، قال: وتلقيت طريق ساداتنا آل وفا، سقانا الله من رحيق شرابهم كؤوس الصفا، عن ثمرة رياض خلفهم ونتيجة أنوار شرفهم، مربح الأكابر والأصاغر ومطمح أنظار أولي الأبصار والبصائر، أبي الأنوار محمد السادات بن وفاء، نفحنا الله وإياه بنفحات جده المصطفى، وهو الذي كناني على طريقة أسلافه بأبي العرفان، وكتب لي سنده عن خاله السيد شمس الدين أبي الإشراق، عن عمه السيد أبي الخير عبد الخالق، عن أخيه السيد أبي الإرشاد يوسف، عن والده الشيخ أبي التخصيص عبد الوهاب، عن ولد عمه السيد يحيى أبي اللطف، إلى آخر السند هكذا نقلته من خط المترجم رحمه الله تعالى. ولم يزل المترجم يخدم العلم ويدأب في تحصيله حتى تمهر في العلوم

стр. 1328

العقلية والنقلية، وقرأ الكتب المعتبرة في حياة أشياخه، وربى التلاميذ، واشتهر بالتحقيق والتدقيق والمناظرة والجدل، وشاع ذكره وفضله بين العلماء بمصر والشام، وكان خصيصاً بالمرحوم الشيخ حسن الجبرتي والد صاحب التاريخ، اجتمع به من سنة سبعين ومائة وألف، ولم يزل ملازماً له مع الجماعة ليلاً ونهاراً. واكتسب من أخلافه ولطائفه، وكذلك بعد وفاته لم يزل على حبه ومودته مع ولده الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وانضوى إلى أستاذنا السيد أبي الأنوار بن وفا ولازمه ملازمة كلية، وأشرقت عليه أنواره ولاحت عليه مكارمه وأسراره. ومن تآليفه حاشيه على الاشموني التي سارت بها الركبان، يشهد بدقتها أهل الفضائل والعرفان، وحاشية على شرح العصام على السمرقندية، وحاشية على شرح الملوي على السلم، ورسالة في علم البيان، ورسالة عظيمة في آل البيت ومنظومة في علم العروض وشرحها، ونظم أسماء أهل بدر، وحاشية على آداب البحث، ومنظومة في مصطلح الحديث ستمائة بيت، ومثلثات في اللغة، ورسالة في الهيئة، وحاشية على السعد في المعاني والبيان، ورسالتان على البسملة صغرى وكبرى، ورسالة في مفعل، ومنظومة في ضبط رواة البخاري ومسلم وله في النثر كعب على، وفي الشعر كأس ملي، فمن نظمه في مدح الأستاذ أبي الأنوار بن وفا، ويستعطف خاطره عليه بتقصير وانقطاع وقعا منه قوله: عبيد جنى ذنباً ورحب الحمى حلا ... فهل من رضا عنه تجود به فضلا إليك أبا الأنوار قد أبت مخلصاً ... ومن ذا الذي يا سيدي قط مازلا أعيذك أن يسعى لبابك عائذ ... وتكسوه من أجل ذنب له ذلا أعيذك أن ترضى حقارة لائذ ... لسالف جرم تاب منه وإن جلا إذا أنت بالغفران والصفح لم تجد ... فمن منه نرجو العفو والصفو والبذلا

стр. 1329

وكيف وأنت الصدر من سادة حووا ... مكارم الأخلاق العلا ما طووا إلا ومن معشر هم نسل أشرف مرسل ... دعا لجميل الصفح أكرم بهم نسلا أولئك آل المصطفى وبنو الوفا ... كنوز الصفا مزن العطاء الذي انهلا وهم بركات الكون شرقاً ومغربا ... وغوث اللهافى والهداة لمن ضلا بهم عند أستاذ الوجود توسلي ... ومن أم سادات الوفا لم يخب أصلا هو المقصد الأسنى لمن كان آملا ... هو المنهل الأصفى لمن كان مغتلا هو الكعبة العظمى لحج أولي النهى ... فمن بيته يدخل يكن آمناً جذلا أجل بني الدنيا وأبهرهم سنا ... وأبهجهم سمتاً وأشرفهم أصلا وأمضاهم عزماً وأبسطهم يدا ... وأوفرهم حزماً وأوسعهم عقلا وأثبتهم قلباً وأكملهم تقى ... وأبلغهم نطقاً وأفضلهم نبلا غزير المزايا طيب الجسم خير من ... حططنا بوادي حيه الأقدس الرحلا همام له ألقى الزمان سلاحه ... وأمسى له دون الورى تبعاً كلا جواد إذا هلت سماء سماحه ... على ما حل أضحى كان لم ير المحلا لحا الله أوقاتاً ببعدي تصرمت ... أبيت ولي قلب بنار النوى يصلى وأقوام سوء دينهم رفض دينهم ... وديدنهم شحن الصدود بما يقلى إذا ما دعوا للخير صموا وإن دعوا ... لسيئة مدوا لسانا يداً رجلا ولله أيام بها كنت أجتني ... ثمار الرضا والحظ مجتمع شملا وأنظم في روضات أنسي بوده ... لآلئ مدح بين منثورها تجلى اسود أشعاري بسؤدد ذكره ... وأرجع مبيض المحيا بما أولى فيا ليت شعري هل يعود لي الهنا ... وأحظى بآمالي وأطرح الثقلا ويا واحد الأعصار لا عصره فقط ... ويا ملكاً مثواه في الفلك الأعلا أأجفى ولي ود مديد المدى ولي ... إليك انتماء ليس يبلى وإن أبلى

стр. 1330

أأجفى ولي في ذا الجناب مدائح ... على مدد الزمان آياتها تتلى وما زهر روض صافحته يد الصبا ... وهادت بريا نثره الوعر والسهلا وغنت على أفنائه ساجعاته ... فنوناً من الألحان تسترق العقلا وسطرت الأنداء في ورقاته ... أحاديث في الأشجان عن ورقة ثملى بأبهج من شعر مدحتك طيه ... وحاشا للفظ أنت معناه أن يعلى لقد قلت قولي ذا واعلم أنه ... إذا لم يكن حظ يضيع وإن جلا على أن حظي أن يعود رضاك لي ... وإقبالك الشافي لمن كان معتلا ولا شافعاً لي غير حلمك سيدي ... وأسلافك السادات أسنى الورى فضلا سملت وما لاقت عداك سلامة ... وطبت ونال الحاسد الخزي والذلا ودمت كما ترضى لشانيك غيظه ... وللخل جود من ندى دائم وبلا على جدك الهادي صلاة إلهه ... وتسليمه ما عين استحسنت شكلا وآل وصحب ما ترنح بالصبا ... معاطف أغصان وما هيجت خلا وله قصائد شتى، ومراث وتهنئات بأعياد وغيرها، ومن قوله مهنئاً جناب الشيخ حسن الجبرتي في غلام، سنة أربع وسبعين ومائة وألف: نهنيك بالنجل السعيد الذي بدا ... من الغيب بالأفراح والسعد والندى أتاك فغنى بالهنا بلبل الرضا ... وقام على غصن المسرات منشدا وأشرق من أفق العلا كوكب المنى ... فأمسى ببشراك الزمان مغردا فطب سيدي نفساً بما ترتجي له ... وقر عيوناً بالذي يكمد العدا فإن لسان المجد قال مؤرخاً ... نهنيك بالنجل السعيد الذي بدا وله أيضاً قصائد غراء في مدح الأستاذ أبي الأنوار بن وفا، مذكورة في المدائح الأنوارية، ومن كلامه تهنئته للأجل الشيخ أبي الفوز إبراهيم السندوبي تابع السيد المشار إليه بقدومه من سفره: بروحي حبيباً في محاسنه بدا ... فخرت له أهل المحاسن سجدا وراح يثنيه مدام دلاله ... فخلناه من راح الدنان تميدا

стр. 1331

ومر بنا في عسكر من جماله ... فقطع أحشاء وفتت أكبدا مليح أعار النيرين سناهما ... وعلم غصن البان كيف تأودا وشاكي سلاح يرهب الأسد لحظه ... ويرعب خطي القنا والمهندا وحلوا إذا ما افتر باسم ثغره ... أرانا عقيقاً حف دراً منضدا كسا الله خديه من الورد حلة ... وأسكن في فيه الزلال المبردا نسيم وغصن رقة ورشاقة ... وأما شذا فالروض كلله الندى فسبحان من سواه للناس فتنة ... وصوره في دولة الحسن مفردا شغفت به قدماً ولذ هواه لي ... على رغم غمر لامني فيه واعتدى وفي حبه أنفقت عمري جميعه ... ولم أخش في شرع الصبابة ملحدا ولم ينسني ذكراه شيء سولا علا ... أبي الفوز إبراهيم شمس ذوي الهدى إمام له في كل مجد وسؤدد ... مآثر لا تسطيع إنكارها العدا ومولى أجل الله في الناس قدره ... وتوجه تاج القبول وأيدا ونابغة دراكة من بيانه ... وآرائه المعروفة السحر والهدى جواد له بذل الجزيل سجية ... وبحر ندى عن موجه يؤخذ الندى تسير له قبل الجسوم قلوبنا ... فلا تنثني إلا وعتها انجلى الصدى يمازج عز المجد منع تواضع ... ولطف به فيه نسيم الصبا أفندي إليه انتهى جمع الفضائل سالماً ... فأصبح للأقران مولى وسيدا ولا غرو عن حاز الكمال جميعه ... فمن يتبع السادات يزداد سؤددا ومن لأبي الأنوار أستاذنا انتمى ... ينال من الآمال ما كان أبعدا هو السيد السامي على أهل عصره ... هو السند الحامي إذا عدت العدا هو الجوهر الفرد الذي بوجوده ... تجدد إيوان العلا وتشيدا هو المقصد الأسنى لمن كان آملاً ... هو المنهل الأصفى لمن كان ذا صدى هو المورد المقصود من كل وجهة ... هو الشرف النامي على عدد المدى

стр. 1332

محط رحال العارفين وقطبهم ... وكعبة أهل الفضل حالاً ومبتدا همام حباه الله كل حميدة ... فأصبح بين العالمين محمدا وأورثه مولاه شامخ رتبة ... لآبائه آل الوفا أبحر الندى مصابيح مصر بل صباح الوجود بل ... حياة الورى أزكى البرية محتدا كنوز المعاني والحقائق والتقى ... شموس سموات الولاية والهدى خلاصة آل المصطفى ولبابهم ... وسر بني الزهراء بضعة أحمدا هم بركات الكون شرقاً ومغربا ... هم ملجأ العاني إذا خطب اعتدى هم القوم لا ينقاس غيرهم بهم ... ومن ذا بسادات يقايس أعبدا إذا أطلق السادات كانوا بني الوفا ... فيا حبذا فخراً صميماً وسؤددا أبا الفوز خذها بالقبول تكرما ... وإن كنت كالمهدي إلى الكنز عسجدا وقابل بحسن العفو سوء قصورها ... فذنب المحب العفو عنه تأكدا على خير رسل الله خير صلاته ... وتسليمه ما شارق غاب أو بدا وآل وأصحاب وكل متابع ... لمنهاجهم ما ناح طير وغردا وما المخلص الصبان قال مؤرخا ... أبو الفوز بشراه السرور مؤبدا وله في ديباجة سلام يا نسيم الصبا تحمل سلامي ... لحبيب به شفاء سقامي وإليه بلغ تحية صب ... مستهام ما خان عهد الغرام لم يكن ناسياً وداداً قديما ... لا ولا سامعاً ملام لئام ذو اشتياق إلى لقاء محب ... فاق نوراً على بدور التمام وجه مولى حاز المحاسن طراً ... فهو شمس الكمال بين الأنام وله أيضاً ترحلتم عنا وشطت دياركم ... وبدلتمونا بالصفا غاية الكدر وأعدى علينا الشوق جيش خطوبه ... وأصبح حزب الصبر ليس له أثر فإن تسألوا عنا فإنا لبعدكم ... كجسم بلا روح وعين بلا بصر

стр. 1333

ولولا رجاء النفس لقيا حبيبها ... لما بقيت منا معان ولا صور وله متغزلاً وحق صبح المحيا مع دجى الشعر ... وجنة الخلد مع راح اللمى العطر ومقلة بفنون السحر قد كحلت ... وقامة رشحتها خمرة الخفر وعرف عنبر خال وابتسام فم ... من اليواقيت عن ثغر من الدرر ما غير البعد عهدي في الغرام ولا ... نسيت وداً مضى في سالف العصر لي في المحبة شرع غير منتسخ ... ومذهب في التصابي غير مندثر إن كنت ملت إلى السلوان يا أملي ... فلا تمتعت من خديك بالنظر كيف السلو وأنت الروح في جسدي ... والعقل في خلدي والنور في بصري كيف السلو لظبي ما نظرت له ... إلا رأيت شقيق الشمس والقمر غصن من البان قد رقت شمائله ... ورق في حبه ذو البدر والحضر بديع سحن يقول الناظرون له ... تبارك الله ما هذا من البشر إلى محاسنه تصبو العقول وفي ... هواه يحلو مرير السقم والضجر شاكي السلاح شديد البأس ذو مقل ... تعد أسهمها في أسهم القدر ريم ولكن تخاف الأسد سطوته ... وكل أهل الهوى منه على خطر يغزو النفوس بجيش من لواحظه ... وعسكر من جمال غير مقتدر محاسن حار فيها لب ناظرها ... وفتنة دهشت منها ذوو الفكر كأنما ذاته في لطفها خلقت ... من نفثة السحر أو من نسمة السحر يغنيك عن كل ذي حسن محاسنه ... ومن يرى العين يستغني عن الأثر أفديه من رشأ ما مثله أحد ... عدمت في حبه حلمي ومصطبري أطال هجري بلا ذنب أتيت به ... وساءني بعد صفو الود بالكدر أصغى إلى قول أعدائي وشمتهم ... مع أن قول الأعادي غير معتبر يا أحمد الفعل إلا في تقلبه ... دع التقلب واجبر قلب منكسر وأحي بالوصل نفساً فيك ميتة ... وأبر بالود جسماً من جفاك بري

стр. 1334

يا من هو الآية الكبرى لناظره ... رفقاً بصب غدا من أكبر العبر تكاد تحرقه نيران مهجته ... لولا سخاء سحاب الجفن بالمطر إن كان عندك شك أنني دنف ... فسل دموعي وسل سقمي وسل سهري وله أيضاً أهابك أن أجيبك لا لعجز ... ولكن المحبة أخرستني وأحتمل المكاره لا لذل ... ولكن الصبابة أحوجتني وقدري لست تجهله ولكن ... غرامي باعني لك بيع غبن فكن يا ابن الأكابر أهل عرف ... ولا تكثر علي من التجني فلي جسم كساه الشوق سقماً ... ولي قلب علاه كل حزن ولي في مذهب العشاق حال ... يطول بذكرها شرحي ومتني وله غير ذلك كثير، وفضله وعلاه شهير، وكان في مبتدأ أمره وعنفوان شبابه وعمره، معانقاً للخمول والإملاق متكلاً على مولاه الرزاق، يستجدي مع العفة، ويستدر من غير كفة، وتنزل أياماً في وظيفة التوقيت بالصلاحية بضريح الإمام الشافعي ﵁، ثم ترك ذلك. ولما بنى محمد بك أبو الذهب مسجده تجاه الأزهر تنزل المترجم أيضاً في وظيفة توقيتها وعمر له مكاناً بسطحها سكن فيه بعياله فلما اضمحل أمر وقفه تركه واشترى له منزلاً صغيراً بحارة الشنواني وسكن به، ولما حضر عبد الله أفندي القاضي المعروف بططرزاده وكان متضلعاً من العلوم والمعارف، وسمع بالمترجم والشيخ محمد الجناحي واجتمعا به، أعجب بهما وشهد بفضلهما وأكرمهما، وكذلك سليمان أفندي الرئيس، فعند ذلك راج أمر المترجم وأثرى حاله، وتزين بالملابس وركب البغال، وتعرف أيضاً بإسماعيل كتخدا حسن باشا، وتردد إليه قبل ولايته، فلما أتته الولاية بمصر زاد في إكرامه وأولاه بره ورتب له كفايته في كل يوم

стр. 1335

بالضربخانة والجزية، وخرجاً من كلاره من لحم وسمن وأرز وخبز وغير ذلك وأعطاه كساوي وفراء، وأقبلت عليه الدنيا، وازداد وجاهة وشهرة، وعمل فرحاً وزوج ابنه سيدي علي فأقبل الناس عليه بالهدايا وسعوا لدعوته، وأنعم عليه الباشا بدراهم لها صورة، وألبس ابنه فروة يوم الزفاف، وكذا أرسل إليه طبلخانته وجاويشيته وسعاته فزفوا العروس وكان ذلك في مبادئ ظهور الطاعون، فتوعك الشيخ المترجم بالسعال وقصبة الرئة، حتى دعاه داعي الأنام، وفجأة الحمام ليلة الثلاثاء من شهر جمادى الأولى سنة ست ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر وكان محفل جنازته مجمع الأفاضل: مضت الدهور وما أتين بمثله ... ولئن أتى لعجزن عن نظرائه ودفن بالبستان رحمه الله تعالى، انتهى من كلام الجبرتي مع بعض تغيير. محمد خليل أبو المودة بن السيد العارف علي بن السيد محمد بن القطب السيد محمد مراد المعروف بالمرادي ابن علي الحسيني الحنفي الدمشقي مفتي دمشق الشام أعاد الله علينا من بركاتهم: الإمام السيد السند، والهمام الفهامة المعتمد، فريد عصره ووحيد شامه ومصره، الوارد من زلال المعارف، الصاعد لأعلى ذروة العوارف، نبعة صافيها ومبتدأ معينها، المؤيد بأحكام شريعة جده حتى أبان صبح يقينها، من بيت العلم والجلالة والسيادة، والعز والرياسة والسعادة، ولا ريب أنه كان شامة الشام، وغرة الليالي والأيام، أورق
следующие страницы →