Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
أمام باب السرايا، فاجتمع في ذلك النهار جمع غفير من العلماء ورجال الدولة، ينتظرون خروج السلطان إليهم، فلما خرج إليهم أخذ يحدثهم بكلام يهيج به نخوتهم، فأقسم جميعهم على أنهم يهرقون دماءهم في صيانة أوامره وتنفيذها، والتمسوا منه إخراج الصنجق الشريف النبوي ليهجموا على العصاة، فأراد السلطان أن يكون معهم، فتوسلوا إليه أن لا يتنازل إلى ذلك، وأرسلوا منادين في شوارع المدينة ويدعون أهل الإسلام للاجتماع تحت الصنجق الشريف، فلما علم بعض الانقشارية بذلك أرسلوا أناساً من جماعتهم ينادون لاجتماع الانقشارية، فلما قرعت أصوات المنادين آذان أهل الإسلام أسرعوا إلى فسحة السرايا أفواجاً أفواجاً، ففرقوا عليهم السلاح، وسلم السلطان الصنجق الشريف لشيخ الإسلام قاضي زاده طاهر أفندي وعاد إلى كرسيه الملوكي، وكان يشرف على الجميع أمام السرايا، وسار سليم باشا الصدر الأعظم أمام تلك الجموع التي كانت أكثر من خمسين ألفاً، وشنوا الغارة على الانقشارية صارخين الله أكبر على الأشقياء، وهجموا عليهم وأطلقوا المدافع والرصاص، وكان يوماً مهولاً عظيماً، فقتلوا منهم نحو عشرة آلاف، والباقون فروا إلى قشلهم وتحصنوا فيها، فهجم عليهم العساكر والأهالي وطرحوا فيها النار فاحترق كثير منهم، ومن بقي ولوا الأدبار، ثم قبضوا على كثير منهم فقتلوهم وطرحوهم في فسحات ميدان، وبعد ذلك دعا السلطان إليه العلماء ووكلاء الدولة وأخذ يريهم أثواب السلاطين العظام الملطخة بالدماء، الذين قتلهم العصاة الانقشارية طالباً ثمن دم السلاطين، فأجاب العلماء أن ثمن دم كل سلطان خمسة وعشرون ألف نفس، فصدرت الأوامر بتدمير الانقشارية في الآستانة العلية وفي جميع الجهات، فقتل منهم عدد كثير وارتاحت الدولة والناس من مظالمهم،
стр. 1402
وألحق بهم بعض الدروايش من البكطاشية لكونهم يميلون إليهم ويساعدونهم ويفعلون في تكياتهم أفعالاً شنيعة محرمة وبدعا مسترذلة، فأمر السلطان بقتل أكثرهم وهدم تكياتهم، وأخذت الدولة في تكثير العساكر النظامية والجد في تعليمهم، وأبطلت وجاق الانقشارية، وفي أثناء تلك المدة غير السلطان محمود لبسه، ونزع العمامة والجبة، وتزيا بزي العسكر الجديد على هيئة الأوروباويين، وبالطربوش الصغير، ولم يبال بأقوال المعترضين.
ذكر القتال مع الروسية
وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، زحفت العساكر الروسية لمحاربة الدولة العلية عند نهر الطونة، وسار جيش إلى جهة الأناطول، فأرسلت الدولة عساكر لمصادمتهم تحت قيادة الصدر الأعظم سليم باشا، فوقع بين الفريقين حرب شديدة، وتغلبت عساكر الروسية وهزموا عساكر الدولة، واستولوا على جملة أماكن، وتقدمت عساكرهم إلى شوملة، وأقاموا الحصار على سليسترة واستولوا على مدينة وارنة، فعزل السلطان الصدر الأعظم سليم باشا وأمر بنفيه، وأقيم في الصدارة محمد عزت باشا، وسارت بعض عساكر الدولة إلى جبل البلقان، فتركت الروسية محاصرة شوملة، وكانوا قد استولوا على سليسترة، وكانت عساكر الروسية التي في الأناطول تتقدم، فملكوا القرص وبايزيد وطبراق وأرض روم، واستأسروا صالح باشا، وجاء جيش الروسية فيه مائة وستون ألف مقاتل وحاصروا أدرنة حصاراً شديداً، إلى أن استولوا عليها، ولما اشتد الأمر على رجال الدولة وعلى السلطان محمود اضطربت الأمور اضطراباً كثيراً، إلا أن السلطان محمود أظهر الثبات وقوة الجنان في وسط تلك الأخطار المحدقة به وبدولته،
стр. 1403
ثم تداخلت دول أوربا في الصلح، وأتموه بشروط، سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، ومآل تلك الشروط استقلال الأروام وتنازل الدولة عن إقليم السرب والأفلاق والبغدان لملوك من أهل تلك البلاد، تحت نظارة ملك الروسية، وعن بعض جزائر عند فم نهر طونة، وعن بعض أراض في الأناطول مع غرامة حربية قدرها مائة وعشرة ملايين فرنك، قال بعض مؤرخي الفرنج: وربما استغرب القارئ كيف أن الدولة التي سادت على أغلب ممالك العالم وأوقعت الرعب في قلوب جميعهم، لم تسمر في نموها وتقدمها، حتى التزم سلاطينها إلى أن يرتضوا هذه الشروط، فإذا نظر إلى هذا الأمر بعين خالية عن الغرض يحق الاستغراب من وجه آخر، وهو: كيف أمكن هذه الدولة أن تحتمل هذه الصدمات الشديدة والمقاومات المريعة من أعدائها مع وجود الخلل في داخليتها، بسبب أصحاب البغي والفساد وقلة الأموال، ولم تتزعزع أركانها بل استمرت في سلك الثبات العجيب، ولم تستطع قوة أو سبب آخر أن يثنيها، وإذا ضممنا إلى هذه الأسباب الخلل الذي أوقعه وجاق الانقشارية، وعدم تمام انتظام الترتيب العسكري الجديد، وعدم تمرن الجيوش بفنون الحرب وملاقاة الأهوال، لربما حق العجب كيف لم تنقرض هذه الدولة أصلاً، واستطاعت أن تناضل إلى هذه الدرجة، مستهينة بكل الموانع التي تعرضت لها، فهذا أعظم برهان على عظمها وسطوتها، انتهى كلامه.
стр. 1404
وأقول أن ههنا سراً إلهياً لتأييدها، وهو سر بركة الإسلام وسر بركة النبي ﷺ ، وسريان روحانيته لتأييد ملته وأهل دينه، والله أعلم.
ذكر استيلاء الفرنسيس على الجزائر
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، استولت الفرنسيس بقوة جبرية على جزائر الغرب مدعين أن أهلها كانوا يقبضون على مراكبهم التجارية ويربطون عليهم البحر في تلك الجهات ويفتكون بهم، فلما بلغ الباب العالي ذلك أرسل طاهر باشا قبودان باشا إلى الجزائر يتعاطى الصلح بينهم وبين أحمد باشا والي الجزائر، فلما وصل وأراد النزول إلى البر منعته الفرنساوية، فعاد راجعاً إلى القسطنطينية، والجزائر المذكورة كانت في حكم الدولة العلية من حين تملكها السلطان سليمان، فلما طالت المدة صار الولاة الذين فيها يتوارثون الولاية بالتغلب، ويدفعون خراجاً للدولة، ويكون تحت أمر الدولة ظاهراً ومتغلبين باطناً، فلما أحدثت الدولة العساكر السلطانية بالتعاليم الجديدة امتنع والي الجزائر من تعليم عساكرها، ولم يمتثل أمر السلطان في ذلك، فقيل أن السلطان محمود هو الذي سلط عليه الفرنسيس لتأديبه فجاؤوا بجيوش كثيرة وحاصروا الجزائر إلى أن قبضوا على الباشا المتولي عليها وذهبوا به إلى بلادهم، وتملكوا الجزائر وحصنوها بالعساكر، فلما تملكها الفرنسيس لم يرجع تلك الجزائر لحكم الدولة بل استولى عليها وبقي على ذلك إلى عصرنا هذا.
стр. 1405
ذكر القتال بين محمد علي باشا والسلطان محمود
وفي سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، وجه محمد علي باشا والي مصر جيوشه براً وبحراً لتملك الشام وجعل قيادتها لولده إبراهيم باشا، فحاصر عكا وافتتحها مظهراً الانتقام من عبد الله باشا والي عكا لأسباب كانت بينهما، وفتح في طريقه غزة ويافا وحيفا فلما بلغ الدولة ذلك غضبت وأرسلت تأمر محمد علي باشا برجوع العساكر، وأنه إذا كان بينهما دعوى يقدمان إلى الباب العالي فيحكم بينهما، فلم يمتثل لأوامر الدولة، فأبرزت الدولة فرماناً بعصيان محمد علي باشا، وتنزيله عن ولاية مصر، وصدر الأمر السلطاني لوالي حلب بجمع العساكر لمحاربة إبراهيم باشا، وخرج حسين باشا بعساكر من الأستانة، وحصل القتال بين الفريقين خارج طرابلس، فهزم إبراهيم باشا واستولى على الأقطار الشامية، وقبض على عبد الله باشا والي عكا وأرسله إلى الاسكندرية لأبيه محمد علي باشا، ولما وصل إبراهيم باشا إلى داريا قرب دمشق خرج إليه علي باشا وزير دمشق، واشتبك الحرب بينهما فهزمهم إبراهيم باشا، وخرج أهل دمشق يسألونه الأمان فأمنهم ودخلها، وتقدم إلى حمص واشتبك القتال بينه وبين والي حلب، وكان يوماً عظيماً وحرباَ شديداً من أشهر الوقائع، قتل فيه خلق كثير، واستولوا على المهمات جميعها، وانهزم والي حلب ورجع إليها، فقفلت في وجوههم الأبواب، فساروا إلى أنطاكية، ولما وصل إبراهيم باشا إلى حلب خرج أهالي حلب لاستقباله، فدخلها وتسلم ما كان فيها من الذخائر والمهمات، وأمن أهلها، ثم سار إلى أنطاكية وحاربهم فيها ثم إلى بوغاز بيلان، ولما بلغ الباب العالي تقدم العساكر
стр. 1406
المصرية سير رشيد باشا الصدر الأعظم بالجيوش لحربهم، فتقدم قونية، والتقى الجيشان واشتبك القتال، وانهزمت عساكر الدولة وقبض على رشيد باشا الصدر الأعظم، وأتي به إلى إبراهيم، فقابله بكل إكرام ثم خلى سبيله، وامتدت هذه الفتنة والحروب إلى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف، ثم صدرت الأوامر السلطانية إلى حافظ باشا ليسير لمحاربة إبراهيم باشا، فالتقى الجيشان بالقرب من مرعش واقتتلا، ووقعت الهزيمة أولاً على عساكر إبراهيم باشا، وكان في واد عسر فجمع العساكر وخرج بهم من ذلك الوادي، وصعد إلى تل كان تجاه معسكر حافظ باشا، وأخذ يطلق عليهم المدافع فعطل أكثر مدافعهم وفرق صفوفهم، ثم هجم عليهم بعساكره هجمة هائلة، فانهزموا أمامه تاركين مدافعهم ومهماتهم عائدين إلى مرعش، وقتل من الفريقين خلق كثير، وهذه الوقعة من أشهر تلك الوقائع التي وقعت في تلك الحروب، وأعقبها إبراهيم باشا بفتح أكثر الجهات في تلك البلاد، ولم تصل أخبارها إلى القسطنطينية إلا بعد وفاة السلطان محمود بثمانية أيام، ومن فتوحاته المعنوية اعتناؤه بأهل الحرمين كمال الاعتناء، فإنه صدرت الإرادة الشاهانية من دولته بتحرير ما كان يصرف لهم من قمح الجراية، فوجدوا أكثر ذلك بيد الأغنياء والتجار كانوا يأخذونه من الفقراء بالفراغ بعوض حقير، فصار الفقراء ليس لهم شيء، فصدر الأمر الشاهاني بنقض ذلك وإبطاله، وتجديد كتابة دفتر بأسماء المستحقين، فحصل تجديد ذلك في المدة التي كان فيها محمد علي باشا بمكة.
ومن خيراته وفتوحاته المعنوية أنه جدد لأهل الحرمين خيرات ومرتبات زيادة على الذي كان مرتباً لهم من أسلافه، وذلك أنه في سنة إحدى
стр. 1407
وخمسين بعد المائتين والألف رتب مرتبات للعلماء والخطباء بالحرمين الشريفين، وللقائمين بخدمة المسجدين الشريفين مثل المؤذنين والفراشين والكناسين والبوابين، وجعل للجميع مرتبات جزيلة من النقود الجليلة، بعضها شهريات وبعضها سنويات، واشترى لذلك عقارات كثيرة، وأوقفها ليصرف من غلاتها جميع المرتبات المذكورة، فصارت حسنة جارية إلى هذا الوقت يحصل منها كمال النفع والإعانة للمذكورين على معاشهم، ومن وقت هذا الترتيب كان ابتداء وضع المدير والمديرية بمكة والمدينة، ولم يكن ذلك موجوداً قبل ذلك، قم إن ولده مولانا السلطان عبد المجيد ضم إلى ذلك الترتيب مثله في مدة سلطنته، وكانت مدة سلطنة السلطان محمود اثنتين وثلاثين سنة وعمره خمس وخمسون سنة، وكانت وفاته تاسع عشر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائتين وألف.
الشيخ محمود بن محمد بن علي الأنطاكي الحنفي
الإمام العلامة والهمام الفهامة، أحد السادة الأعلام والقادة الكرام، الفاضل المتقن والكامل المتفنن. ولد سنة أربعين ومائة وألف، وقرأ على جماعة من الأفاضل ذوي المعرفة والفضائل، وانتفع بالعلامة أبي محمد الحسن الأنطاكي وتفوق واشتهر، وأقرأ ودرس ولزمه جماعة من أهل العلم وتخرجوا على يديه، وانتفعوا كثيراً عليه، وأخذ عنه وسمع من فوائده العلامة محمد خليل أفندي المرادي سنة ألف ومائتين وخمس، ومات المترجم بعد ذلك رحمه الله تعالى.
السيد محمود بن المرحوم السيد نسيب أفندي مفتي دمشق الشام
إمام تصدر في محراب العلم والإمامة، وهمام تسنم صهوة جموع الفضل
стр. 1408
فملك زمامه، رفع للعلوم أرفع راية، وجمع بين الرواية والدراية، فأصبح وهو كاسر الوسادة، بين الأئمة والسادة، يشنف المسامع بفرائد كلامه، ويشرح الخواطر بما تسطره أنامل أقلامه، فلا ريب أنه عين الزمان ويمينه، لو حلف الدهر ليأتين بمثله حنثت يمينه، فما من فضل إلا وهو في ذاته موجود، ولا من مرغوب إلا وهو له مطلوب ومقصود، قد أجمع كل ناطق بلسان وعارف بحسن واستحسان، على فضله الذي اقتضى لذكره التخليد، فالعالم عرفه بعلمه والجاهل اعتقده بالتقليد، وهو من منذ لاح هلاله في أوجه، لا زال بحر فضله آخذاً في مده وموجه، بزغ من أفق دمشق وبها برع، وترقى إلى أن بلغ فوق ما يتعلق به الطمع.
وكان قد ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف في دمشق الشام، ونشأ في كنف والده السيد الهمام، وأحسن القراءة والكتابة وهو ابن اثني عشر، ثم جد في طلب العلوم على السادة الغرر، حتى برع وفاق أقرانه، وفضل أترابه وأخدانه، وتخرج على مشايخ عصره الأفاضل، حتى احتوى على أنواع الفضائل، وأتقن علم الفقه والتفسير والكلام والحديث والأصول والعربية والمنطق والبيان والفرائض والحساب والعروض والحكمة، وله مطالعة قوية في كلام السادة الصوفية، وعلا شأنه في الآداب وفاق، وطار صيته في الأقطار والآفاق. وعين في أيام شبابه نائباً في محكمة البزورية، ثم في محكمة السنانية، ثم في محكمة الباب الكبرى، ثم في سنة ست وستين صار عضواً في مجلس إيالة دمشق الشام الكبير عقب وفاة والده، وفي سنة تسع وستين عين مديراً لأوقاف إبالة الشام، وبعد مرور سنة أحيلت لعهدته رياسة مجلس الزراعة، وفي سنة تسع وستين
стр. 1409
صار ناظراً للويركو، ثم ذهب من دمشق مع عارف باشا واليها الأسبق إلى خربوت حين عين كتخدا الإيالة هناك، ثم عاد إلى الشام وأعيد لعضوية المجلس الكبير. ثم في سنة ثلاث وسبعين أضيفت له مأمورية الدفتر الخاقاني في إيالة الشام، علاوة على كونه عضواً في المجلس المذكور، وفي سنة سبع وسبعين عين في هيأة المجلس الذي أسسه المرحوم فؤاد باشا حين وقعت الشام في ورطة الفتنة التي وقعت من رعاع دمشق وقراها، ومن الفرقة الدرزية، وحرقوا محلة النصارى، ووقع ما وقع من السفك والنهب وكان في ذلك الوقت حضرة الأمير السيد عبد القادر الجزائري قد بذل في حماية النصارى جهده، وأوسع لهم عطاءه ورفده، وذلك كان منه رحمة بأهل الشام، لما يعلم أن ما وقع منهم موجب للمجازاة والملام. وكان هذا الأمير له رعاية بالمترجم المرقوم وحسن تودد، فحينما حضر فؤاد باشا إلى الشام غب الواقعة، خفض رؤوسها وأذل نفوسها، وشتت شملها، وأثقل حملها، بيد أن الأمير المرقوم كان حينئذ عين الشام وهامها، وسيدها وهمامها، لا تعتمد الوزارة والقناصل إلا عليه ولا تجنح في مهماتها إلا إليه، فرتبته هي المرفوعة، وكلمته هي المسموعة، فحينما أزمعت الوزارة على نفي الأعيان، وإيقاع كثير من الناس في حضيض الذل والهوان، ضم حضرة الأمير حضرة المترجم إليه وشهد به لتخليصه أنه كان للحماية والوقاية ممن يعتمد عليه، فعلا قدره وحسن في الحكومة
стр. 1410
ذكره، واستثنى من التكاليف والنوائب، ولاحظته عين العناية في نوال المآرب، فأدامت له الرعاية إجلاله، ولم يزل عضواً في مجلس الإيالة، واضطره الأمر إلى أن قال في أهل بلده ووطنه ما لا يقال، مما هو موجب للملام الشديد، والاعتراض الذي ما عليه من مزيد، وربما يعتذر عنه بأن ذلك كان منه وسيلة للخلاص، مما وقع لغيره من الخواص، ونص ما قاله وهو فيه معذور، ولا يبعد أن يقال أنه عليه مقهور ومجبور:
أشرقت بالعدل أنوار الشآم ... مذ فؤاد الملك والاها نظام
أشرقت من بعد ما قد أظلمت ... برهة لا ينجلي عنها ظلام
مدة يسطو بها قوم على ... معشر الذمة ظلماً واحتكام
لا يرى أمر بمعروف ولا ... نهيهم عن منكر أدى ملام
غير قوم أقعدتهم قلة ... عن أداء الفرض في هذا المقام
بادروا بالردع لكن لم يفد ... في حمى جمع النصارى بالتمام
واستقام البغي فينا سبعة ... يا لها من سبعة سود قتام
لا أزال الله عن مملكة ... ظل سلطان ولا حد الحسام
كان فينا حاكم بل بم يكن ... حيث أعطى موضع الفصد الصيام
إن للأحكام وقعاً باهراً ... حكمة الحكام إبراء السقام
كم جرعنا للحق سيفاً قسور ... عادل مولى غيور ذو اهتمام
شمس أفق الوكلا سيدهم ... فرقد في الوزرا بل تاج هام
ملك عثمان به مفتخر ... بل ملوك الأرض من سام وحام
عدل القطر الشآمي عدله ... وصحا من بغيهم قوم نيام
رأيه القداح في أهل الشقا ... جالب فيه القضا حط وسام
علمه في الكون لو قسمه ... لن ترى في الخلق وحشياً يذام
عزمه في الصخر لو أنفذه ... ذاب ذاك الصخر وانهل انسجام
стр. 1411
حلمه في الأرض لو وزعه ... لن ترى فيها هياجاً واضطرام
وعده بالخير حقاً ناجز ... أي ومن زين بالطوق الحمام
انصف المظلوم من ظالمه ... ويلكم من غدركم أهل الشآم
يا أهيل الشام ماذا غركم ... إذ غدرتم ملة حازوا زمام
يا وحوشاً صادفت في غابها ... آمناً واستقبلته بالسهام
ويحكم ما خفتم سلطانكم ... إن مولاكم عزيز ذو انتقام
خنتم قول الرسول المصطفى ... في حديث صح من أحلى الكلام
إن من أجرى دماهم لم يرح ... ريح طوبى حبذا تلك المشام
حرم الأعراض مع أموالهم ... والدما عهداً إلى يوم القيام
إذ لهم من كل حق مالنا ... وعليهم ما على أهل السلام
بئسما خنتم به قرآنكم ... بئسما عاملتموهم يا لئام
أي قرآن محل فعلكم ... أي برهان على وزر حرام
فتككم بالآل محفوظ لكم ... وهو منقول لنا من ألف عام
أي علم زانكم بين الورى ... أي فضل كنتم فيه أمام
جبنكم أصغره طود حرا ... عقلكم أكبره أوهى المشام
حلمكم ذاك الحماري الذي ... شاع بالأمثال ضرباً بالأنام
أي إقدام لكم يوم الوغى ... أي إقدام لكم عند الصدام
أي آراء لكم محمودة ... إنكم أطيش من فرخ النعام
ما لكم من خصلة محمودة ... غير وضع النقص في القوم الكرام
أحسن الحالات عندي لكم ... إن توافوا جحفلاً ورد الحمام
أيد الله على إقليمكم ... ذا المشير الناظر السامي المقام
إذ قوام الدين والدنيا معاً ... بانبعاث الرسل أو عدل الإمام
بئس مصر قد خلت من حاكم ... جور سلطان ولا عدل عوام
وقد علمت أنه لولا ضرورة المقام، لكثر المتصدون للرد وإبطال هذا
стр. 1412
الكلام، ولكن كان مقصود الناظم الخلاص، مما دهى غيره ولات حين مناص، غير أنه نهج منهج الغلو، وتنازل عن منازل الرفعة والعلو، وهجا أهل الشام من قديم وحديث، وطيب وخبيث، مع أن رسول الله ﷺ لم يقل ذلك، ولا سلك بأهل الشام هذه المسالك، بل مدحها وأهلها، وأوصى بها وأجلها، وهب أنه أذنب بعض أهل الشام، فلا ينبغي تقبيح الخاص والعام، بل الفاعل بالذم أحرى، وقال الله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ومن طالع صحيح البخاري وكتب التاريخ المعتمدة، وجد أن قصة الحسين ليست لأهل الشام مستندة، على أن يزيد الملعون لم يكن من أهل الشام، وليس له بها من قرابة ولا نسب، وإضافة هذه القصة لأهل الشام خالية عن المعرفة وموجبة للعجب، ولكن طوبى لمن عقل لسانه وكفه، وأطلق بالخير بنانه وكفه، ولو سكت الكليم لرأى العجائب، ولو صمت يوسف لعصم النوائب، وليت شعري من في الشام الآن ممن كان في ذلك الزمان، ما بقي بها إلا مهاجر أو غريب، وإنكار ذلك أمر غريب. ويكفي للعاقل أن يتخلص من المكروه بجميل أحواله، بدون أن يلقي أخاه في أوحاله، فعلى كل حال لم يكن المترجم ممدوحاً بذلك، بل سلك أوعر المناهج والمسالك، والملام إنما يكون على ذوي المضرة والباس، لا على جميع الناس. فكيف يجوز أن يؤخذ زيد بجريمة غيره، وأن يعامل بالقبيح على معروفه وخيره:
ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه
وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه
ولولا أن أهل الشام الآن من شيعة آل البيت، لقوبلت هذه القصيدة بكيت وكيت، ولكن الحب يدعو إلى الصبر، وإن تحمل الإنسان ما يوغر الصدر، على أن القبيح لا يقابل بالقبيح، وإلا فما فضل المليح على القبيح، وما هي إلا زلة عالم، وجهت على قائلها لسان اللائم.
стр. 1413
هذا وإنه في سنة أربع وثمانين في أيام ولاية المرحوم راشد باشا قد فصل إفتاء الشام عن المرحوم أمين أفندي الجندي، ووجه إلى المترجم، وفي سنة تسع وتسعين أضيفت له أيضاً مديرية معارف الولاية الجليلة، وأول رتبة وجهت إليه باية إزمير المجردة، سنة اثنتين وسبعين، وفي سنة إحدى وتسعين بدلت برتبة البلاد الخمس، مع الوسام المجيدي، من الطبقة الثالثة، وفي سنة ست وتسعين رفعت درجة لكي تكون موصلة لباية الحرمين الشريفين، وأعطي النيشان العثماني من الطبقة الثالثة أيضاً، ثم وجهت عليه رتبة الحرمين الشريفين سنة تسع وتسعين. ثم في سنة ألف وثلاثمائة وجهت عليه باية استانبول مع النيشان المجيدي من الطبقة الثانية، مع أنه في اصطلاحهم من مقتضى الباية المذكورة أنها لا تعطى لمن يكون خارج الآستانة، وارتفع قدره ومقامه، وشاع ذكره واحترامه، وتعاظم جاهه وإن كان به بخيلا، وزاد إقباله عند الناس وإن كان لا يعد من سواه إلا ذميماً قليلا.
ومن تآليفه تفسير القرآن الكريم بالحروف المهملة سماه درر الأسرار، وكتاب في اللغة سماه دليل الكمل إلى الكلام المهمل ومنظوم غريب الفتاوى، والفتاوى المحمودية نثراً في أربع مجلدات، ونظم الجامع الصغير للإمام محمد في ثلاثة آلاف بيت، ونظم مرقاة الأصول لملا خسرو، والنور اللامع في أصول الجامع، والقواعد الفقهية، والطريقة الواضحة إلى البينة الراجحة، والتفاوض في التناقض، ورفع المجانة في حكم الغسل في الإجانة ورفع الستور عن المهاياة في الأجور، ورفع الغشاوة عن أخذ
стр. 1414
الأجرة على التلاوة، ورسالة في مصطلح صاحب الهداية، وتنبيه الخواص، ورسالة في خلل المحاضر والسجلات، وجامع الأسانيد، والأحاديث المتواترة، ورسالة في بيان المرصد والكدك ومشد المسكة والحكر ونحوها، ورسالة في الماس والزمرد والياقوت، وأرجوزة لطيفة في فن الفراسة، ومجموعة صغيرة في مسائل فقهية، وله ديوان شعر بديع، قد أجاد فيه أنواع البديع، فمن نظمه مادحاً حضرة العارف بالله الأمير السيد عبد القادر الجزائري قوله:
هذا بريد اليمن والتوفيق ... وافاكم في محفل التصديق
وافى يترجم عن بشير خلفه ... في موكب التشويف والتشويق
يا سادتي يا آل طه مقولي ... في مدحكم عار عن التشديق
ومتى أحاول مدحةً لسواكم ... ألقاه مكتسباً من التمطيق
حيث المديح إلى علاكم والسوى ... جزؤ من التطبيق والتلفيق
لكنه في الغير يسهل مأخذا ... ويجول طرفي فيه كل طريق
وأرى يراعي صار سهماً صائدا ... خشن المعاني عند كل فريق
وإذا يغص يوماً لدر مديحكم ... ويلاه كم يحتار في التطريق
ويعود صفراً من مآمل أمها ... من بعد روم الدر والتعميق
فأعض إصبع نادم حرصاً على ... ما فاته متتابع التصفيق
وأقول علك يا يراعي واهن ... أو قد نسيت مسالك التدقيق
قد كنت لي نعم المسامر في الدجى ... ما هكذا شرط الإخاء صديقي
غواص تيار المعاني مخرجا ... من معدن الألفاظ كل رقيق
فأجابني مهلاً فهذا مركع ... لا مرتع لسوابق المطيق
هذا الهمام الشهم شمس الغرب من ... حجبت بها المداح عن تحديق
هذا الذي أعي الفرنج فرنده ... والرمح بالتحليق والتخريق
стр. 1415
هذا الذي أسراه قد شهت له ... منهم لدى التطويل والتوثيق
هذا الذي إن قابلوه قلوبهم ... تقضي من التصفيق والتخفيق
هذا الذي حاز العلوم مع التقى ... وكذا السخا زهداً مع التوفيق
هذا الذي شكرت شمائله الورى ... طراً سوى البطريق والزنديق
إن كنت تطمع في انحصار خصاله ... فلقد وقفت مواقف التضييق
فعجبت من قلم يهذب ربه ... إذ قال قولة ناصح وشفيق
وأجبته يا ذا اليراع مسلم ... ما قد نقلت ومحكم التنسيق
أنا لم أرم عرض المديح لسيد ... كلت بحضرته يد التنميق
لكنني أبغى الوفود مهنئاً ... لقدوم مولود غدا تمليقي
وتفاؤلاً بالصدق منه تيمنا ... وتبركاً سماه باسم عتيق
أهلاً بمن وافى أمانا للملا ... من فتنة التحريق والتغريق
إذ قد روينا في الحديث مصححا ... أن الأمان بكم على التحقيق
تاريخ حمد في جمادى عامنا ... لقبت عبد الله بالتصديق
يا أيها المفضال يا غوث الورى ... يا كعبة الراجي لكل مضيق
كم أشرقت في الغرب أقمار لكم ... والآن قد بزغت من التشريق
فلذاك محمود يزف عروسة ... غصت قوافيها من التدقيق
تمشي على استحيا رضيعة يومها ... وافت حماكم خشيه التعويق
ترجو مسامحة القصور لسنها ... لولاه كم أبدت من التعشيق
لا زلت بدراً والكواكب حوله ... منظومة التدوير والتحليق
ثم كتب في إمضائه بخط يده: عبودية الداعي لكم بطول البقا وسمو الارتقا، مدى الأيام، محمود الحراني غفر الله له ولوالديه آمين.
ومن مشايخ المترجم الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ سعيد الحلبي والشيخ حامد العطار والسيد محمد عابدين والشيخ نجيب القلعي ووالده نسيب أفندي، وغيرهم من المشايخ العظام والقادة الكرام، فأتقن وحقق وتضلع
стр. 1416
في العلوم ودقق، وكان كثير المذاكرة حسن المحاضرة، ذا نطق فصيح وذكاء راجح مليح، وحافظة جيدة سامية، وتقريرات نحو الصواب وامية.
وقبل موته بنحو أربع سنين لازم داره، وجعل مطالعة العلوم وتحقيق المسائل مركزه ومداره، وكنت لا أجتمع معه في جمعية، إلا ويذاكرني في مشكل المسائل خصوصاً في الاصطلاحات الصوفية، ولم يزل صيته يعلو وقدره يسمو، إلى أن دعاه داعي المنون إلى حضرة من أمره بين الكاف والنون، وذلك منتصف ليلة الاثنين تاسع شهر محرم الحرام سنة خمس وثلاثمائة وألف، وصلى عليه في جامع بني أمية ما ملأ الجامع مع اتساعه من علماء ووزراء وفضلاء وغيرهم، ثم ساروا به في موكب عظيم إلى تربة الفراديس المعروفة بمقبرة الدحداح.
وفي تلك الليلة اجتمع من أعيان البلدة وصدورها جملة في دار الشيخ سليم أفندي العطار، وسطروا عرض وحضر إلى الوالي وكان غائباً في مدينة صيدا، وقدموه له في توجيه الإفتاء إلى أخيه أسعد أفندي، وكتب بموجبه مضبطة في مجلس إدارة الولاية، ثم في ثاني يوم كتب عرض محضر آخر وختم في بأختام جماعة آخرين بطلب توجبه الإفتاء إلى حضرة محمد أفندي المنيني، وقدم كذلك إلى الوالي، فأرسل الوالي الأوراق جميعاً إلى باب المشيخة مع كتابة منه خاصة سرية تجنح لتقديم منيني أفندي على أسعد أفندي، ثم إنه كثر بين الناس القيل والقال، وتفرقت الكلمة واتسع على الناس المجال، إلى أن مضى أيام، فجاء الأمر من المشيخة بتوجيه الإفتاء على محمد أفندي المنيني الهمام، فانقطع الخصام والجدال، ولم يكن إلا ما أراد ذو الجلال. ومن جملة من رثى المترجم المرقوم منير زاده محمد صالح أفندي فقال:
كل نفس ذائقة الموت حتما ... وإلى الله ترجع الناس حتما
стр. 1417
ومنها:
كيف لا تبكي العالمون دماء ... لفقيد قد أورث الخلق غما
سيد القطر واحد العصر فضلا ... مع حسن الأعمال قد فاق علما
فهو محمود طاب حياً وميتاً ... وغدا الاسم فيه طبق المسمى
الشيخ محمود بن علي بن منصور بن محمد بن عبود الحلبي الشافعي الشهير بابن قنصه
وهو اسم أم جدهم الشيخ نور الدين. كان المترجم عالماً فقيهاً مقرئاً مجيداً من مشاهير القراء والحفاظ في حلب، ولد بها سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري نزيل حلب، والشيخ فتيان، وعلى والده وتفقه بالأول، وقرأ العربية والفقه أيضاً وبعض الفنون على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري وأبي علي حسين بن محمد الديري الحلبي، وسمع على أبي اليمن محمد بن طه العقاد وأبي السعادات طه بن مهنا الجبريني، وسمع على الأول صحيح البخاري إلى كتاب الحج، وأجازه شيخه أبو محمد عبد الرحمن المصري وغيره، وأتقن وبرع وجود وأحسن التلاوة والحفظ، وأثرى ونال حظاً من الدنيا. ولم يزل في ارتقاء وعلو وتقدم وسمو، إلى أن اخترمته المنية في حدود عشرة ومائتين وألف رحمة الله تعالى عليه آمين.
محمود بيك بن خليل بك بن أحمد بيك بن عبد الله باشا العظم الدمشقي
الأديب الذي في ميدان الأدب لا يجارى، والأريب الذي في لطفه
стр. 1418
وجماله لا يبارى، والفصيح الذي فاقت فصاحته والمليح الذي تسامت ملاحته، واللبيب الذي استوى على أوج الرقائق، والنجيب الذي لم يدع منهلاً في المعارف إلا وكرع منه الكأس الرائق.
ولد في سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده، وقرأ القرآن وتعلم الكتابة الحسنة، وقرأ بعض الفنون على بعض الأفاضل، إلى أن صار له يد طولى، ثم انفرد في دار وحده، وكان غنياً غنى مفرطاً من جهة أمه، إلا أنه سلط عليها يد الإتلاف من غير إرادة ولا إنصاف، والدنيا كانت تعاكسه في كل مراد وتجذبه إلى خلاف ما أراد، وما زال على حاله لا يصغي إلى من يريد أن ينشله من أوحاله، إلى أن قل ماله وبدا له ممن كان يتردد عليه إهماله، فاختار العزلة في أكثر أوقاته، والانفراد عن أحبابه وذوي التفاته، إلى أن شرف إلى الشام العارف الكبير والهمام الشهير، الشيخ محمد الفاسي المغربي المالكي الشاذلي، فأقبل عليه وتوجه بكليته إليه، وأخذ منه الطريقة الشاذلية، وحصل له منها نفحات رحمانية، وكنا نجتمع معه في أوقات كثيرة هي بأن تذكر بأنها من الأعمار جديرة، لأن تجليه كان جالباً للفرح مذهباً للترح، موجباً للسرور مخرجاً من الغم والكدور. وكان حسن المعاشرة جميل المذاكرة، لطيف العبارة ظريف الإشارة، كثير الابتسام عذب الكلام، ملاطفته تذهب البؤس عن كل عبوس. وكان له قلم عال سبوق سيال، وله تأليفات أدبية، ورسائل عن العيب أبية، خصوصاً وقد اشتغل بعد الطريق بمطالعة كلام السادة الصوفية، ذوي المعارف والأسرار الإلهية.
فمن مؤلفاته كتاب رسائل الأشواق في وسائل العشاق في ثلاثة مجلدات، وهو كتاب يشتمل على العبارات الرقيقة والقصائد الأنيقة، وأنواع الموشحات والمقاطيع العاليات، وكثير من فنون الشعر مما لا يوجد بغيره من كتب النظم والنثر، ويشتمل على حكم ومواعظ ونوادر ونكات،
стр. 1419
وله شرح مناجاة سيدي العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بلسان عال جميل، وله عدة دواوين شعرية، تدل على معارفه العلية، وله كتاب في التصوف سماه البحر الزاخر والروض الزاهر، ومن كلامه في مدح النبي ﷺ :
سلوني فأحكام الهوى بعض حكمتي ... وأحكام آيات الغرام مزيتي
بدا لي به نور الحقيقة ظاهراً ... فشاهدت ذاتي تنجلي لبصيرتي
ومنها:
فمحبوب قلبي إن تأملت واحد ... أنست به للانفراد بوحدتي
مظاهر أسماء له قد تعددت ... ولا ثم إلا واحد في الحقيقة
فطوراً بليلى والرباب تغزلي ... وطوراً بزيد واللوى والثنية
فلم يبق شيء ما تعشقت حسنه ... وما ثم كون ما تراءى لمقلتي
إلى أن رأيت الكل بالكل فانياً ... وذاتي هي المقصود من كل صورة
وهي تقارب المائتي بيت كلها قد بلغت في الحسن مبلغاً عظيماً، ومن قوله في الفخر والحماسة:
عديني وامطلي مهما تشائي ... ففي التعليل تعليل لدائي
وتسويف الملاح إذا تمادى ... على المضنى ألذ من الشفاء
بعادي في الهوى عين اقترابي ... وغاية مقصدي وبه منائي
فما أحلى العذاب لكل صب ... إذا أمسى الذي يهواه نائي
له في كل وقت طيب وصل ... يجيء به التخيل والترائي
يشاهد من يحب بلا رقيب ... ولا واش عليه ولا مرائي
стр. 1420
فلم أترك لقاها عن ملال ... ولا عن علة تركت لقائي
ولكنا نرى للعز أهلا ... وأهلا للمذلة والشقاء
رويدك أين تبلغ من لحاقي ... أمامك أيها العادي ورائي
سل الخطار والبتار عني ... وسل جود السحائب عن سخائي
ظمئت فما شربت الماء صرفا ... ولا أدليت دلوي في الدلاء
أأشرب والزلال يخاض فيه ... ومن نهر المجرة كان مائي
ولما أن سموت إلى الثريا ... أنفت بأن أسير على الثراء
فما رتب العلا إلا حظوظ ... مقسمة على أهل الولاء
وحسبك فاقتنع بالبعض منها ... ولا تلقي بنفسك للبلاء
وإياك التطلع نحو مجدي ... ولا تقس الغياهب بالضياء
فإني لست أقنع بالتهاني ... ولا يرضى بغايتها رضائي
وإني سوف أبتكر المعالي ... وأبلغ من نهايتها منائي
ولي نفس الملوك بجسم عبد ... تنزه أن يذل له ثرائي
ولكني أرى في قوم سود ... رضوا بالغيم عن زرق السماء
سأصبر صبر مرتاض كريم ... وأجعل كل ما أرجو ورائي
ومن قوله رحمه الله تعالى في النصائح والمواعظ
يا مهجتي مهلا إلى كم تتعبي ... وإلى متى بهوى الظبا تتعذبي
خلي معاناة الصبابة والهوى ... وعن المحبة فاذهبي لا تذهبي
إن الهوى فيه الهوان فقللي ... ذكر الغزالة والغزال الربرب
كم ذا تداري الكاشحين بحبهم ... وعلى الغضا وعن الهدى تتقلبي
وإلى متى هذا النحيب وذا البكا ... فلقد يشك من الجوى أن تعطبي
إن كنت لا تصغي لقولة ناصح ... فتقطعي بهواهم وتأربي
في مذهبي ترك الصبابة في الصبا ... شرع أدين بدينه في مذهبي
ودعي كؤوس الراح لا تعني بها ... وتهذبي إن كنت لم تتهذبي
стр. 1421
إن الندامة في المدامة أودعت ... أن تقبلي نصحي وإلا جربي
ودعي المليح وقولهم يا حسنه ... لم يبق ذو لب به إلا سبي
إن لاح لاح البدر من أطواقه ... أو فاح أهدى طيبا من طيب
يزري بأغصان الأراك قوامه ... إن قام يخطر خطرة المتعجب
من شعره وجبينه غار الضيا ... حسداً له وانشق قلب الغيهب
ودعي هوى سلمى وزينب فالهوى ... ضرب من الهذيان يجهله الغبي
إن تبد قل للشمس قولة ناصح ... بالله يا شمس النهار تحجبي
هي كالغزالة إن بدت وتلفتت ... لكنها حجبت بقلب العقرب
لا يشجينك بارق متألق ... فلعله برق وليس بصيب
وتكلفي للجد في طلب العلا ... من جد فاز علا بأرفع منصب
يا صاح خذ قولي ودع ما غيره ... حتى تسمى بالأجل الأنجب
وله كثير في كل نوع من أنواع الشعر مذكور في ديوانه ومجاميعه، وفي آخر أمره ضاقت يده ولم يبق عنده من ثروته الواسعة شيء لا من دراهم ولا من دنانير ولا من عقارات، ومع ذلك تراه ضاحكاً راضياً كأنه ما أصابه شيء قط، وكنت كلما نصحته قبل ذلك يعتذر لي لأن مراد الله لا بد من وقوعه. وكان حضرة الأمير السيد عبد القادر الجزائري يصله كثيراً ويساعده، ولم يزل إلى أن توفي في نصف رجب الحرام الذي هو من شهور سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف، وتأسف الناس عليه، وكانت وفاته في حياة والده ودفن في تربة أسلافه، ومدته من العمر أربعون سنة.
الملا محمود بن غزائي الكودي السليماني الشافعي الأشعري
العالم الذي عد في أقرانه الأول، والبليغ الذي يفوق مختصر بيانه المطول، والإمام الذي هو الحسن المشهور، والهمام الذي هو بكل كمال
стр. 1422
مذكور، قد استفاد وأفاد وأعاد فأجاد، فهو من أناس حمدوا سعياً، ومن غرر راقت بهم وجوه الدنيا، وهو من عيون أهل السليمانية الأكراد وساداتهم الأمجاد، الذين تحلوا بحلي الشرف، وأبرزوا في دروسهم الطرف، وأشار إليهم الفضل ببنانه وضم عليهم بأجفانه، فهو لا شك من أقمار تلك البلدة، ومن أبحرها بما ألقاه وأمده، وإن لم يشن الجزر مده، فلله فاضل كساه الفضل برده، ولطيف عباراته ألطف من الشمول، وعفيف على أوصافه يشرق القبول، وتقي سارت محاسنه، وعزت به مواطنه:
يا طالباً تحف للعلوم عليك ما ... يرويه محمود من الآثار
كم جوهر أبدى بحلقة درسه ... ترويه عنه عواطل الأفكار
عيناً لآثار النبي وجدته ... أو ما تراه كل يوم جار
عانى العلوم الرسمية طفلا، فقالت له أهلاً وسهلاً، وناشدته المحافل بالآثار الحميدة، فوضع في جيدها كل فريدة، وجلا فيها من العلوم كل خريدة، وكان قد نادته السعادة فأجابها وماء صباه غريض، وروض قوته بالأنس أريض، وأنشدها من بنات أفكاره ما هو السبر لعلو اعتباره:
يا علوماً وافيتها وشبابي ... ما نضاه عن كاهلي الملوان
لك طرفي مرأى وقلبي مرعى ... ما تسامى من ذينك النيران
فما زال يقيد بالجوهر الفريد، ويظهر كل كمال ويحض الناس على طريق الجمال، ويأمر بالتقوى والعبادة، والعفة والزهادة، إلى أن حال حين وفاته ودعته المنية لمماته، وذلك في عام ألف ومائتين واثني عشر من هجرة سيد البشر.
стр. 1423
الشيخ محمود بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن البيطار ابن أخي شقيقي الشيخ محمد إمام عالم عامل وهمام عابد كامل، حفظ القرآن في صغره، ثم دأب على أخذ الفنون إلى كبره، قرأ على جده والدي مدة، وعلى والده وقد بذل اجتهاده وجده، وتفقه على مذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان.
وفي سنة ألف ومائتين وثمانين جلس في أمانة الفتوى في دمشق الشام، وقرأ على الإمام الفاضل الشيخ محمد الطنطاوي وعلى الشيخ محمد الخاني وحضر عندي مدة طويلة في الفقه والمعاني والبيان والنحو.
وكانت ولادته سنة ألف ومائتين وثلاث وخمسين تقريباً، وتوفي صباح الاثنين قبيل الفجر خامس عشر رجب عام ألف وثلاثمائة وستة عشر، ودفن في تربة الحصني في باب الله رحمه الله تعالى.
السلطان مراد الخامس بن السلطان عبد المجيد ابن السلطان محمود خان
تولى الملك سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف سابع شهر جمادى الأولى، وبيان ذلك أنه اجتمع يوم الاثنين ليلة الثلاثاء سادس جمادى الأولى من السنة المرقومة، حضرة الصدر الأعظم وشيخ الإسلام خير الله أفندي ومدحت باشا مأمور المجالس العالية وعموم الوكلاء، في الباب السر عسكري وعقدوا مجلساً مخصوصاً ووجهوا حضرة السر عسكر باشا إلى دائرة حضرة مولانا السلطان مراد خان فأبدى لعظمته قائلاً إنه بالاتفاق العمومي صار
стр. 1424
خلع السلطان عبد العزيز خان استناداً على الفتوى الشريفة التي أعطيت من جانب المشيخة الإسلامية، وصورتها: إذا كان زيد الذي هو أمير المؤمنين مختل الشعور، ولا قسم له في الأمور السياسية، وقد صرف الأموال الأميرية على مصاريفه النفسانية، على نوع يفوق طاقة وتحمل الملك والملة، وأجرى إخلال وتشويش الأمور الدينية والدنيوية، وضر الملك والملة، وكان بقاؤه مضراً بحق الملك والملة، هل يلزم خلعه؟ الجواب: يلزم. كتبه الفقير حسن خير الله عفي عنه.
وحينئذ قد دعيت ذاتكم الهمايونية لسرير السلطنة العثمانية، فقام في الحال مستصحباً معه السر عسكر المومى إليه ورديف باشا رئيس دار الشورى العسكرية، وذهب إلى قرغولخانه طولمه بغجه، وأبقى هناك حضرة رديف باشا المشار إليه راكباً قايق السر عسكر إلى اسكلة سركه جي، ومنها شرف بحضوره الباب السر عسكري، فاستقبله حضرة الذوات المشار إليهم المنتظرين قدوم ذاته المحفوفة بالسعد والإقبال، وهكذا أجرى حضرة ذي الدولة والسياسة الشريف عبد المطلب أفندي والصدر الأعظم وشيخ الإسلام وعموم وكلاء السلطنة السنية والعلماء الفخام وأمراء العسكرية الكرام، أمر البيعة الجزيل الاحترام، وبعد أن تقدم الدعاء من طرف حضرة شيخ الإسلام والشريف عبد المطلب أفندي بتوفيق الحضرة السلطانية، أطلقت المدافع مائة طلق وطلقاً من كل من السفن الهمايونية، والمحلات الموجودة بها المدافع، وزينت الدوننما الهمايونية، والسفن
стр. 1425
العثمانية عموماً برفع البيارق وكانت سناجق السفن الحربية السلطانية مكللة بالاسم السامي الهمايوني تموج بنسائم العظمة والشان على هام البشر والسرور، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد، بجلوس ذي السلطنة والإسعاد، فكل من سمع هذه المناداة من التبعة العثمانية بادر إلى الباب السر عسكري، وبمقتضى المساعدة السلطانية السنية لم يجر على أحد رسوم الأبعاد، إلى أن جرت البيعة العامة السلطانية للمترجم المرقوم، ففي الوقت ارتفعت الأصوات بالدعوات المجابات، من ذوي العلوم المجتمعين في الديوان خانه العسكرية، بالأصوات المرتفعة، فنهضت الذات السلطانية في الحال لمحل الدعاء بذاته، وتلا من جملة الحاضرين لفظة آمين ثم إنه نظر إلى العموم بعين البشر والسرور، وأبدى التسليمات المفرغة على الحاضرين أنواع التلطيف، ثم إنه بعد ذلك خرج من الدائرة التي حصلت بها البيعة، ومعه الصدر الأعظم والسر عسكر ومدحت باشا، وكان صدى أصوات العساكر وطلبة العلم وعموم الأهالي بقولهم فليعش سلطاننا سنين عديدة، ولا زال الأمر كذلك إلى أن ركب العربة، ومنذ قيامه من الباب السر عسكري إلى أن شرف بالوصول للسرايا، الهمايونية كانت الأهالي في الطريق تكثر التهاليل وتهتف فليعش سلطاننا كثيراً، وكان يحيي الجميع بالسلام.
ولما شرفت عظمته بالوصول إلى سرايا بشكطاش استقبلته الخدمة الخاصة الواقفة بموقع التعظيم هاتفة بالدعاء القديم الذي هو ما شاء الله، عش سلطاننا بدولتك كثيراً ثم نصب التخت العثماني في مكان الديوان، والموسيقى الهمايونية أخذت تصدح بلذيذ الألحان، وأتباع الحضرة السلطانية مصطفة بالترتيب والاتقان، فأجرى جميع الحاضرين من الوكلاء وغيرهم والأفندية والبطاركة
стр. 1426
والحاخامات وغيرهم من سائر الملل المختلفة إيفاء البيعة وإعطاء المقام حقه، ثم إنه بعد أن صار جلوس السلطان مراد وشاع خبره لدى الخاص والعام، حصل التبليغ والإفادة من طرف حضرة رديف باشا المشار إليه المأمور المخصوص على العساكر الشاهانية، إلى حضرة السلطان عبد العزيز بمعرفة أفندية مكتب الحربية السلطاني، المأمورين من المساء بمحافظة ساحل بشكطاش الهمايونية، وبمعرفة حضرة آغا دار السعادة الشريفة دولتلو عنايتلو جوهر آغا المتصف بالحماية والحمية الملية والصلابة الدينية، قائلاً: أن الملة العثمانية المعظمة خلعتك من السلطنة وبايعت سلطاننا السلطان مراد خان، وصدرت الإرادة السنية بإقامتكم في سرايا طوب قبو، فبناء على ذلك توجه حضرة عبد العزيز أفندي الموما إليه إلى السرايا المذكورة، مع متعلقاته ومنسوباته بخمسة قوارب متفرقة، وبقي في السرايا المرقومة إلى أن توفي بعد أيام، كما هو مذكور في ترجمته.
ثم إن السلطان المترجم المرقوم وقع في شعوره خلل مسقط له عن أهلية الملك فاقتضى المقام خلعه، بعد استفتاء شريف من المشيخة الإسلامية، فكان الإفتاء بوجوب خلعه إبقاء لاستقامة الدولة وحفظ الملة وحقوقها، فبناء على ذلك خلع بعد جلوسه على عرش الملك ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وتولى مكانه حضرة السلطان الأفخم والخاقان الأعظم السلطان عبد الحميد خان، أدام الله دولته مدة الدوران، وكان خلع السلطان مراد يوم مبايعة السلطان عبد الحميد ثالث شهر شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف.
стр. 1427
الشيخ محيي الدين بن محمد الدمشقي المعروف بالناياتي وبابن الدمشقي
الخطيب والمدرس والإمام في جامع القلعي في محلة سوق القطن، وكان لطيف الكلام حسن المعاملة، عليه سيما أهل الصلاح، دائباً على العلم والعمل. مات بدمشق خامس ذي القعدة الحرام سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
الشيخ محيي الدين بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن هديب الدين بن فرج الدين بن عضد الدين الدمشقي الشافعي الشهير بالعاني، ونسبته إلى عانة قرية من قرى بغداد دار السلام
ولد بدمشق الشام سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، ونشأ في كنف والده وأخذ عنه وعن الشيخ سعيد الحلبي وعن الشيخ عبد الرحمن الكزبري وعن الشيخ عبد الرحمن الطيبي وعن الشيخ حامد العطار وعن الشيخ هاشم التاجي وعن غير هؤلاء من الفضلاء الكبار والعلماء الأخيار، واشتهر بين الناس بالصدق والصلاح والرفق والنجاح، والزهد والتقوى بالسر والنجوى، والتفكر الموصول والدعاء المقبول، والهمة العالية والطاعة السامية والكشف عن المغيبات، والإخبار بالصدق عما هو آت، وكان له قرناء يذكرون له من الشمائل ما لم يكن لكمل الأولياء، إلى أن استوى على عرش علاه وظن أنه لا أحد يساويه في حلاه، فصار يصدق لهم على أقوالهم، ويذكر لهم من ممدوح صفاته ما لم يكن خاطراً في بالهم، وكأنه لم يتنبه لما قيل من بديع الأقاويل:
لا تصاحب من الأنام لئيما ... ربما أفسد الطباع اللئيم
стр. 1428
فالهواء البسيط في جمرة القي ... ظ سموم وفي الربيع نسيم
وابغ منهم مجانساً يوجب الض ... م فقد يصحب الكريم الكريم
واعتبر حال عالم الطير طرا ... كل جنس مع جنسه مضموم
فخضعوا إليه وخفضوا رؤوسهم، وأطاعوه وجعلوه رئيسهم، وشدوا في وسطهم الإزار، للإعانة والانتصار، وتوجه كل منهم إلى مكان، يمدحه فيه ويقول ليس في الإمكان، فعلا قدره وانتشر في الناس ذكره، إلى أن صار إذا عمل أكبر الكبائر يقول الناس هذه لا تعد من الصغائر، لأن الشيخ له أحوال، لا نعرف ما يقصد عند بعض الأفعال، فهو من أهل الكشف والشهود، ونحن من أهل الحجاب المسدول والممدود!! فحينئذ أطلق أقواله وأظهر أفعاله، وأتى بما لا يصدر مثله عن أهل الشقا فضلاً عن ذوي الطاعة والتقى، وما ضره إلا من كان يجلس حوله، ويستصوب له قوله وفعله:
لعمرك لا يغني الفتى طيب أصله ... وقد خالف الآباء في القول والفعل
فقد صح أن الخمر رجس محرم ... وما شك خلق أنه طيب الأصل
فسلك سبيل خلاف الصواب، معتمداً على شهرته من غير ارتياب:
ما كل من حسنت في الناس سمعته ... وحاز ذكراً جميلاً أدرك الأملا
فالإنسان كل الإنسان، هو الذي كل أعماله قد وزنت بميزان، فلا يعتمد على قول أي قائل زان أو شان، إلا أن وجده موافقاً للسنة والقرآن.
هذا وإني مرة قد دخلت إلى داره ومحل قراره، فما زال يذكر لي العلماء والسادة الفضلاء، إلى أن توصل إلى ذم الفاضل الأوحد، والعالم العامل المفرد، قطب الأولياء، وكعبة الأصفياء، سيدي الشيخ خالد شيخ الحضرة النقشبندي؛ فطعن في حقه وأكثر، فما وسعني إلا أن قلت الله أكبر؛ وفارقته وأنا مما صدر في غاية الهم والكدر، فلما رأى
стр. 1429
مني ذلك حقد علي، وصار يتفقد فرصة يوجه بها سهام أذيته إلي.
وكانت وفاته بدمشق في الليلة الثانية والعشرين من رمضان المبارك ليلة الثلاثاء نصف الليل سنة تسعين ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح بالذهبية، وكانت جنازته حافلة، وخلف ثلاثة أولاد من خلف مثلهم ما مات، نسأل الله العفو والعافية، والنعمة الكافية الوافية.
السيد محي الدين بن السيد مصطفى بن السيد محمد المغربي الجزائري المالكي
الشيخ العالم العامل، والفرد الأوحد الفاضل، بقية السلف الصالحين، وقدوة الأولياء العارفين، روح مجمع أهل الكمال، ودوح أهل المعارف والأحوال، وتاج الأتقياء، وعلم الأصفياء، وسراج الأولياء، ومربي المريدين والفقراء، غيث الأنام وغوث الإسلام، وبقية السلف وعمدة الخلف، محيي معالم الطريق بعد دروسها. ومظهر آيات التوحيد بعد أفول أقمارها وشموسها، خلاصة أهل العرفان والمتخلق بمقام الإحسان، فريد أهل التحقيق في المعارف، ووحيد أهل التدقيق في العوارف، من تفجرت ينابيع الحكم على لسانه، وفاضت عيون الحقائق من خلال جنانه، وانبثت أشعة أنواره في الكائنات، وانبعثت جيوش أسراره في الموجودات، وتوالت هباته وتواصلت بركاته، وسطت شموس معارفه وزكت عروس عوارفه، فهو الذي خطف بيد مواهبه قلوب السالكين، فعكف بها في مساجد المشاهد ورقا بأرواح المريدين، العفيف الحسيب والشريف النسيب. ينتهي نسبه إلى النبي ﷺ وقد تقدم نسبه مسلسلاً في ذكر ترجمة ولده الأمير السيد عبد القادر فارجع إليها إن أردتها.
стр. 1430
ولد المترجم المرقوم سنة تسعين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده وتفقه عليه، ثم رحل إلى مستفانم فأخذ عن علمائها، وحضر الكتب المطولة على فضلائها، وأجازوه بما تجوز لهم روايته، وحصلت لهم درايته، إلى أن صار مسموع الكلمة مهاباً مطاعاً، كثير الطاعة صادق اللهجة مطواعاً، ما نال أحد دعوته إلا رأى بركتها في نفسه وماله، ولا حصل امرؤ توجهه ورضاه إلا ورأى غاية الاستقامة في أحواله، ردد الاختلاف إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي ﵊، وكان ﵁ مجاب الدعوة، عظيم الجاه رفيع السطوة، كم له من كرامة هي على علو مقامه أعظم علامة، منها ما جرى له مع حاكم وهران محمد بن عثمان، التركي الشهير ببوكابوس، وذلك أن أربعة من رؤساء الحشم يعرفون بأولاد بونقاب، قصدهم الحاكم المذكور أن يفتك بهم فنفروا من وهران، والتجأوا للحماية عند المترجم المذكور فوضعهم في بيت الأضياف، ولما علم الحاكم بهم أرسل إليهم رجلاً معروفاً بالمرسلي آغة الزمالة، ومحمد بن داوود نائب آغة الدوائر في أربعمائة فارس، فوصلوا إلى بلدته المعروفة بالقيطنة وأحاطوا بمنزل الأضياف، وفيه أولئك الرؤساء الأربعة، وكان الشيخ المترجم قد صلى الصبح في مسجده ورجع إلى داره، فسمع ضجيج الناس وأصوات البارود وصهيل الخيل، فخرج مسرعاً من بيته، فوجد العسكر محيطاً بهم في بيت الأضياف، فتقدم إلى الباب وقال اخرجوا إليهم، ولا تخافوا فإن كل واحد منكم بمائة من هؤلاء الظلمة، فامتثل الرؤساء أمره وخرجوا، وفي أيديهم السيوف، فوقع الرعب في قلوب أولئك الفجرة، وانكشفوا عن البيت، فركب كل من الأربعة على فرس عري ولحقوهم، فقتلوا ابن داوود والمرسلي أثخنوه بالجراحات، وتفرق العسكر شذر مذر، لا يلوي أحد منهم على الآخر، واستمروا على وجوههم إلى وهران، وأخبروا سيدهم، وفي الحين أصيب في عينيه، ولما عجز الأطباء عن معالجته وعلم أنه إنما أصيب بانتهاكه حرمة الشيخ المرقوم
стр. 1431
وجرأته عليه، أرسل بعض خواصه إليه، يستعطفه ويستقيله من عثرته، ويستغفره من زلته، ويسأله العفو عنه والدعاء له، فدعا له وعفا عنه كما هو معلوم من حسن معاملته، ورقة طبيعته، فعافاه الله وشفاه، وأخبر ولد المترجم السيد عبد القادر أن والده المرقوم أخبره بعد هذه الواقعة أن هذا الحاكم مثل له في الرؤيا في صورة كبش فذبحه وسلخه، فكان الأمر كما قال، وذلك أن باشا الجزائر أمره بتجهيز الجيوش وسوقها إلى نواحي قسنطينة، وهناك يستكمل تعلقات القتال وينهض لقتال صاحب تونس، فلما خرج إلى هبره على مسافة مرحلتين من وهران، وتلاحقت الجموع، ورأى كثرتهم، سولت له نفسه نقض الطاعة لحكومة الجزائر، ودعته إلى الاستقلال، فجمع أعيان القبائل وأسر لهم ذلك، فأجابوه لمطلوبه ظاهراً، لاستثقالهم السفر من وطنهم إلى تونس، وأصبح راجعاً إلى وهران حاضرة ولايته، وأمر بقتل من بهما من الجند التركي فقتلوا، وبعث إلى تلمسان وأم عسكر بقتل من بهما من الجند، وأعلن بالدعاء لنفسه، فاتبعه الدوار والرمالة والغرابة ومن والاهم، وامتنع الحشم جميعاً، فطار الخبر إلى باشا الجزائر، فبعث إليه جيشاً فدخلوا وهران وقبضوا عليه وذبحوه وسلخوه وملؤا جلده قطناً وبعثوا به إلى الجزائر، فوضع على سورها فكان عبرة لمن اعتبر، وإخافة لمن نظر.
وله ﵁ كرامات كثيرة ويد طولى هي بنوال المطلوب حقيقة وجديرة، حج ﵁ ثلاث مرات، وكان في طريقه يجتمع بالعلماء والأفاضل والسادات الأماثل، فيفيدهم ويستفيد، وكان قاصراً نفسه على ما يفيد من العلم والتقوى لا من الطارف والتليد، ومر في آخر حجاته على بغداد، فزار جده وأخذ الطريق عن شيخ السجادة القادرية ونال أقصى المراد، ثم رجع إلى الوطن وقد أفرغ الله عليه حلة المنن، ولم يزل يعلو مقامه ويسمو احترامه، ويزكو علاه ويعم نداه، إلى أن دعاه داعي المنية للتوجه للمقامات العلية، يوم الأحد ثالث ربيع الأول سنة تسع وأربعين ومائتين وألف من الهجرة.
стр. 1432
الشيخ محي الدين بن عبد العزيز الشافعي الدمشقي الشهير بالادلبي
كان فريداً ماهراً في جميع الفنون، قد قرت بفضله وكماله العيون وحسنت الظنون. ولد في دمشق الشام، ثم طلب العلم إلى أن صار من علمائها الأعلام، وبعد أن تكمل وحصل من الفضائل ما بها إلى كل رفعة توصل، ولي في الشام قضاء الشافعية، وكان ذا أخلاق حسنة وصفات سنية، نبيلاً نبيهاً تقياً فقيهاً، مواظباً على الإفادة ملازماً للتقوى والعبادة معروفاً بكل اتقان مقصوداً في الفنون العربية كعلم البديع والمعاني والبيان. توفي رحمه الله تعالى في اليوم الثامن عشر من المحرم سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف، عن نيف وسبعين سنة، ودفن في مقبرة باب الصغير.
السيد مرتضى الزبيدي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عبد الغفار بن تاج الدين بن حسين بن جمال الدين بن إبراهيم بن علاء الدين بن محمد بن أبي العز بن أبي الفرج بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن ناصر الدين بن إبراهيم بن القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن علي بن زين العابدين بن الحسين السبط
الإمام الفاضل والهمام الكامل، قال صاحب عجائب الآثار في ترجمة هذا السيد المعدود من الأخيار، هو علم الأعلام، والساحر اللاعب بالأفهام، الذي جاب في اللغة والحديث كل فج، وخاض من العلم كل لج، المذلل له سبل الكلام الشاهد له الورق والأقلام، ذو المعرفة والمعروف وهو العلم الموصوف، العمدة الفهامة والرحلة النسابة العلامة، الفقيه المحدث اللغوي النحوي الأصولي، الناظم الناثر.
стр. 1433
ولد سنة خمس وأربعين ومائة وألف، كما سمعته من لفظه ورأيته بخطه، ونشأ ببلاده، وارتحل في طلب العلم، وحج مراراً، واجتمع بالشيخ عبد الله السندي، والشيخ عمر بن أحمد بن عقيل المكي، وعب السقاف، والمسند محمد بن علاء الدين المزجاجي، وسليمان بن يحيى، وابن الطيب، واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة، وبالشيخ عبد الله ميرغني الطائفي في سنة ثلاث وستين، ونزل بالطائف بعد ذهابه إلى اليمن ورجوعه في سنة ست وستين، فقرأ على الشيخ عبد الله في الفقه وكثيراً من مؤلفاته وأجازه، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد، ولازمه ملازمة كلية وألبسه الخرقة وأجازه بمروياته ومسموعاته، قال وهو الذي شوقني إلى دخول مصر بما وصفه لي من علمائها وأمرائها وأدبائها وما فيها من المشاهد الكرام، فاشتاقت نفسي لرؤياها، وحضرت مع الركب، وكان الذي كان، وقرأ عليه طرفاً من الإحيا وأجازه بمروياته، ثم ورد إلى مصر في تاسع صفر سنة سبع وستين ومائة وألف، وسكن بخان الصاغة، وأول من عاشره وأخذ عنه السيد علي المقدسي الحنفي من علماء مصر، وحضر دروس أشياخ الوقت كالشيخ أحمد الملوي والجوهري والحفني والبليدي والصعيدي والمدابغي وغيرهم، وتلقى عنهم وأجازوه، وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه، واعتنى بشأنه إسماعيل كتخدا عزبان وأولاه بره، حتى راج أمره وتورنق حاله، واشتهر ذكره عند الخاص والعام، ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة، وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات، واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه، وأكرمه شيخ العرب همام، وإسماعيل أبو عبد الله، وأبو علي وأولاد نصير وأولاد وافي وهادوه وبروه، وكذلك ارتحل إلى الجهات البحرية مثل دمياط ورشيد والمنصورة وباقي البنادر العظيمة مراراً، حين كانت مزينة بأهلها عامرة بأكابرها، وأكرمه الجميع، واجتمع بأكابر النواحي وأرباب العلم والسلوك، وتلقى عنهم وأجازوه وأجازهم.
стр. 1434
وصنف عدة رحلات في انتقالاته في البلاد القبلية والبحرية، تحتوي على لطائف ومحاورات ومدائح نظماً ونثراً، لو جمعت كانت مجلداً ضخماً، وكناه سيدنا السيد أبو الأنوار بن وفا بأبي الفيض، وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، وذلك برحاب ساداتنا بني الوفا يوم زيارة المولد المعتاد، ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال مع بقاء سكنة بوكالة الصاغة.
وشرع في شرح القاموس حتى أتمه في عدة سنين في نحو أربعة عشر مجلداً، وسماه تاج العروس، ولما أكمله أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت بغيط المعدية، وذلك في سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، وأطلعهم عليه واغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة إطلاعه ورسوخه في علم اللغة، وكتبوا عليه تقاريظهم نظماً ونثرا، فممن قرظ عليه شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي، والشيخ أحمد الدردير، والسيد عبد الرحمن العيدروس، والشيخ محمد الأمير، والشيخ حسن الجداوي، والشيخ أحمد البيلي، والشيخ عطية الأجهوري، والشيخ عيسى البراوي، والشيخ محمد الزيات، والشيخ محمد عبادة، والشيخ محمد العوفي، والشيخ حسن الهواري، والشيخ أبو الأنور السادات، والشيخ علي القناوي، والشيخ علي خرائط، والشيخ عبد القادر بن خليل المدني، والشيخ محمد المكي، والسيد علي القدسي، والشيخ عبد الرحمن مفتي جرجا، والشيخ علي الشاوري، والشيخ محمد الخربتاوي، والشيخ عبد الرحمن المقري، والشيخ محمد سعيد البغدادي الشهير بالسويدي، وهو آخر من قرظ عليه، وكنت إذ ذاك حاضراً، وكتبه نظماً ارتجالا، وذلك في منتصف جمادى الثانية سنة أربع وتسعين ومائة وألف وهذا نصه:
شرح الشريف المرتضى القاموسا ... وأضاف ما قد فاته قاموسا
فقدت صحاح الجوهري وغيرها ... سحر المدائن حين ألقى موسى
إذ قد أبان الدر من صدف النهى ... في سلك جوهرة اللهى تأنيسا
стр. 1435
وبنى أساساً فائقاً واختار في ... اتقانه مختاره تأسيسا
فأثار من مصباح مزهر نوره ... عين الغبي فأبصرته نفيسا
فهو الفريد فلا يثنى جمعه ... إذ لا يحاك كمثله تدليسا
فلسان نظمي عاجز عن مدحه ... فالله ينشر نثره تقديسا
ويديم مولاي الشريف بعصرنا ... في كل قطر للهداة رئيسا
وإذا توجه لي بلمحة نظرة ... إني سعيد لا أصير خسيسا
أهدي الصلاة مع السلام لجده ... هدياً جزيلاً لا يطاق مقيسا
والآل مع صحب وهذا المرتضى ... ومن ارتضى ومن اصطفاه أنيسا
وقد ذكرت بعض التقريظات في تراجم أصحابها، ومنها تقريظ الشيخ علي الشاوري الفرشوطي، أذكره لما فيه من تضمن رحلة المترجم إلى فرشوط ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.
الحمد لله منطق البلغاء بأفصح البيان، ومودع لسان الفصيح حلاوة التبيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه ما تعاقب الملوان، وبعد فإن للعلوم شعباً وطرائق، وهضاباً وشواهق، يتفرع من كل أصل منه فنون، ومن كل دوحة فروع وغصون، وإن من أجل العلوم معرفة لغات العرب، التي تكاد ترقص العقول عند سماعها من الطرب، وكان ممن كيل له ذلك بالكيل الوافر، وطلع في سمائها طلوع البدور السوافر، ومر في ميدانها طلق العنان، وشهد له بالفصاحة القلم واللسان، حلية أبناء العصر والأوان، ونتيجة آخر الزمان، العدل الثبت الثقة الرضى، مولانا السيد الشريف المرتضى، متعنا الله بوجوده، وأطال عمره بمنه وجوده، وقد من الله علينا وشرفنا بقدومه الصعيد، فكان فيه كالطالع السعيد، فحصل لنا به غاية الفرح، وفرت العين به واتسع الصدر وانشرح، وقد أطلعني على بعض شرحه على قاموس البلاغة فإذا هو شرح حافل، ولكل معنى كافل، وقد مدحه جمع من السادة العلماء الأعلام،
стр. 1436
خصوصاً شيخنا وأستاذنا العلامة البطل الهمام، خاتمة المحققين بالاتفاق، أوحد الأئمة المجتهدين الحذاق، أستاذنا الشيخ علي الصعيدي العدوي، وناهيك به من شاهد، وكل ألف لا تعد بواحد، فهو مؤلف جدير بأن يثنى عليه، وحقيق بأن تشد الرحال إليه، كيف وهو صياغة نبراس البلاغة، وفارس البداعة والبراعة. الذي قلت فيه حين قدم فرشوط بلدتنا:
قد حل في فرشوطنا كل الرضى ... مذ جاءها الحبر النفيس المرتضى
أكرم به من طود فضل شامخ ... من نسل من نرجو همو يوم القضا
جاد الزمان بمثله فحسبته ... من أجل هذا قد يعود بمن مضى
عجباً لدهر قد يجود بمثله ... ورواؤه قدماً تولى وانقضى
أحيا فنون العلم بعد فنائها ... وأزال غيهبها بتحقيق أضا
لا سيما علم اللغات فإنه ... قد شيد الأس الذي منه نضا
أمست به فرشوط تفخر غيرها ... وتبلجت أقطارها حتى الغضا
لما تولى ذاهباً من عندنا ... فكأن في أحشائنا نار الغضا
وقد اجتمع السيد السند العظيم بأمير المنهل العذب الرحيق الذي قصد من كل فج عميق كهف الأنام، الليث الهمام، شيخ مشايخ العرب الشيخ همام لازالت همته هامية، ودواعيه إلى فعل الخير نامية، فأحله من التعظيم لمكانه الأقصى، متأدباً معه بآداب لا تعد ولا تحصى، وهو جدير بذلك:
فما كل مخضوب البنان بثينة ... ولا كل مسلوب الفؤاد جميل
أعاد الله علينا من بركاته وصالح دعواته، في خلواته وجلواته، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
قائل هذا النظم والنثر العبد الفقير، إلى مولاه الغني القدير، علي بن صالح بن موسى الشهير بالشاوري جنبه الله شرور نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، والله ولي التوفيق انتهى.
وقال سيدي الجبرتي في ترجمته للمترجم المرقوم وكتب للمرحوم الوالد يسأله الإجازة والتقريظ بقوله:
стр. 1437
أمولاي بحر العلم يا من سناؤه ... يفوق ضياء الشمس في الشرق والغرب
ويا وارث النعمان فقهاً وحكمة ... وزهداً له قد شاع في البعد والقرب
عبيدكم الظمآن قد جاء يرتجي ... ملاحظة منها يفوز قضا الأرب
ويسأل في هذا الكتاب إجازة ... بتقريظه حتى يفوق على الكتب
حباكم إله العرش منه كرامة ... وعيشاً هنيئاً في أمان بلا كرب
وقابلكم بالجبر يوم حسابه ... بحسن وجازاكم بفضل وبالقرب
وينصب في الآفاق أعلام علمه ... ويقرن بالتوفيق إخلاصه القلبي
وصلى إله العرش ربي على الرضا ... محمد المبعوث للعجم والعرب
واتبعه بالآل والصحب كلهم ... نجوم الهدى يحيا بذكرهم قلبي
ولما أنشأ محمد بيك أبو الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر، وعمل فيه خزانة للكتب، واشترى جملة من الكتب ووضعها بها، أنهوا إليه شرح القاموس هذا، وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها وانفردت بذلك دون غيرها، ورغبوه في ذلك، فطلبه وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة، ووضعه فيها. ولم يزل المترجم بخدم العلم ويرقى في درج المعالي ويحرص على جمع الفنون، التي أغفلها المتأخرون، كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث، واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف في ذلك كتباً ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا، تجاه جامع محرم أفندي بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي، وذلك في أوائل سنة تسع وثمانين ومائة وألف، وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان، فأحدقوا به وتحبب إليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه، وهو يظهر لهم الغنى والتعفف ويعظهم، ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب، فأقبلوا عليه من كل جهة وأتوا إلى زيارته من كل ناحية، ورغبوا في معاشرته لكونه غريباً وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم، ويعرف باللغة التركية والفارسية، بل وبعض لسان
стр. 1438
الكرج، فانجذبت قلوبهم إليه وتناقلوا خبره وحديثه، ثم شرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، وكل من قدم عليه يملي عليه الحديث المسلسل بالأولية، وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه، ويكتب له سنداً بذلك وإجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك، ثم إن بعض علماء الأزهر ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة، فقال لهم لا بد من قراءة أوائل الكتب، واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعداً عن الناس، فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخوني، واجتمع عليهم بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخوني إمام المسجد وخازن الكتب، وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها، وتناقل في الناس سعي علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعي والشيخ مصطفى الطائي والشيخ سليمان الأكراشي وغيرهم للأخذ عنه، فازداد شأنه وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان، والتمسوا منه تبيين المعاني، فانتقل من الرواية عن الدراية، وصار درساً عظيماً، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية، وقد استغنى عنهم هو أيضاً، وصار يملي على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثاً من المسلسلات أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك، فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين، وافتتح درساً آخر في مسجد الحنفي وقرأ الشمائل في غير الأيام المعهودة بعد العصر، فازدادت شهرته، وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته، لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم. ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم وعملوا من أجله ولائم فاخرة، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي، وكاتب الأسماء فيقرأ لهم شيئاً من الأجزاء الحديثية، كثلاثيات البخاري أو الدارمي أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده، وبناته ونسائه من خلف الستائر، وبين
стр. 1439
أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي ﷺ على النسق المعتاد، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك: صحيح ذلك، وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة.
يقول الحقير إني كنت مشاهداً وحاضراً في غالب هذه المجالس والدروس، ومجالس أخر خاصة بمنزله وبسكنه القديم بخان الصاغة، وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق، وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة مثل غيض المعدية والأزبكية وغير ذلك، فكنا نشتغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثية وغيرها، وهو كثير بثبوت المسموعات على النسخ، وفي أوراق كثيرة موجودة إلى الآن. وانجذب إليه بعض الأمراء الكبار مثل مصطفى بك الاسكندراني وأيوب بك الدفتردار، فسعوا إلى منزله، وترددوا لحضور مجالس دروسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال. واشترى الجواري وعمل الأطعمة للضيوف، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة. وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر، وسمع به فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري، فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون، ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية. ولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه وخلع عليه فروة سمور، ورتب له تعييناً من كلاره لكفايته من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة وغلالاً من الأنبار، وأنهى إلى الدولة شأنه، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة، وقدره مائة وخمسون نصفاً فضة في كل يوم، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، فعظم أمره وانتشر صيته. وطلب إلى الدولة في سنة أربع
стр. 1440
وتسعين، فأجاب ثم امتنع، وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة، وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة في صناديق. وطار ذكره في الآفاق، وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق، وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية، وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة، وأرسلوا إليه من أغنام فزان وهي عجيبة الخلقة عظيمة الجثة يشبه رأسها رأس العجل، وأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد، فوقع لهم موقعا، وكذلك أرسلوا له من طيور الببغا، والجواري والعبيد والطواشية، فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها، ويأتيه في مقابلتها أضعافها، وأتاه من طرائف الهند وصنعاء اليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة، وماء الكاري والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد، وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى، حتى أن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجاً ولم يزره ولم يصله بشيء لا يكون حجه كاملاً، فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده، وحفظ ذلك أو كتبه، ويستخبر من هذا عن ذاك بلطف ورقة، فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده، فيقول له فلان من بلدة كذا، فلا يخلو إما أن يكون عرفه من غيره سابقاً أن عرف جاره أو قريبه، فيقول له فلان طيب فيقول نعم سيدي، ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها، فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة، ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح، فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب، وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئاً ما، أو تمراً أو شمعاً على قدر فقره وغناه، وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها، ويلتمسون منه الأجوبة، فمن ظفر منهم
следующие страницы →