Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
خصوصاً شيخنا وأستاذنا العلامة البطل الهمام، خاتمة المحققين بالاتفاق، أوحد الأئمة المجتهدين الحذاق، أستاذنا الشيخ علي الصعيدي العدوي، وناهيك به من شاهد، وكل ألف لا تعد بواحد، فهو مؤلف جدير بأن يثنى عليه، وحقيق بأن تشد الرحال إليه، كيف وهو صياغة نبراس البلاغة، وفارس البداعة والبراعة. الذي قلت فيه حين قدم فرشوط بلدتنا:
قد حل في فرشوطنا كل الرضى ... مذ جاءها الحبر النفيس المرتضى
أكرم به من طود فضل شامخ ... من نسل من نرجو همو يوم القضا
جاد الزمان بمثله فحسبته ... من أجل هذا قد يعود بمن مضى
عجباً لدهر قد يجود بمثله ... ورواؤه قدماً تولى وانقضى
أحيا فنون العلم بعد فنائها ... وأزال غيهبها بتحقيق أضا
لا سيما علم اللغات فإنه ... قد شيد الأس الذي منه نضا
أمست به فرشوط تفخر غيرها ... وتبلجت أقطارها حتى الغضا
لما تولى ذاهباً من عندنا ... فكأن في أحشائنا نار الغضا
وقد اجتمع السيد السند العظيم بأمير المنهل العذب الرحيق الذي قصد من كل فج عميق كهف الأنام، الليث الهمام، شيخ مشايخ العرب الشيخ همام لازالت همته هامية، ودواعيه إلى فعل الخير نامية، فأحله من التعظيم لمكانه الأقصى، متأدباً معه بآداب لا تعد ولا تحصى، وهو جدير بذلك:
فما كل مخضوب البنان بثينة ... ولا كل مسلوب الفؤاد جميل
أعاد الله علينا من بركاته وصالح دعواته، في خلواته وجلواته، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
قائل هذا النظم والنثر العبد الفقير، إلى مولاه الغني القدير، علي بن صالح بن موسى الشهير بالشاوري جنبه الله شرور نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، والله ولي التوفيق انتهى.
وقال سيدي الجبرتي في ترجمته للمترجم المرقوم وكتب للمرحوم الوالد يسأله الإجازة والتقريظ بقوله:
стр. 1437
أمولاي بحر العلم يا من سناؤه ... يفوق ضياء الشمس في الشرق والغرب
ويا وارث النعمان فقهاً وحكمة ... وزهداً له قد شاع في البعد والقرب
عبيدكم الظمآن قد جاء يرتجي ... ملاحظة منها يفوز قضا الأرب
ويسأل في هذا الكتاب إجازة ... بتقريظه حتى يفوق على الكتب
حباكم إله العرش منه كرامة ... وعيشاً هنيئاً في أمان بلا كرب
وقابلكم بالجبر يوم حسابه ... بحسن وجازاكم بفضل وبالقرب
وينصب في الآفاق أعلام علمه ... ويقرن بالتوفيق إخلاصه القلبي
وصلى إله العرش ربي على الرضا ... محمد المبعوث للعجم والعرب
واتبعه بالآل والصحب كلهم ... نجوم الهدى يحيا بذكرهم قلبي
ولما أنشأ محمد بيك أبو الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر، وعمل فيه خزانة للكتب، واشترى جملة من الكتب ووضعها بها، أنهوا إليه شرح القاموس هذا، وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها وانفردت بذلك دون غيرها، ورغبوه في ذلك، فطلبه وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة، ووضعه فيها. ولم يزل المترجم بخدم العلم ويرقى في درج المعالي ويحرص على جمع الفنون، التي أغفلها المتأخرون، كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث، واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف في ذلك كتباً ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا، تجاه جامع محرم أفندي بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي، وذلك في أوائل سنة تسع وثمانين ومائة وألف، وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان، فأحدقوا به وتحبب إليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه، وهو يظهر لهم الغنى والتعفف ويعظهم، ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب، فأقبلوا عليه من كل جهة وأتوا إلى زيارته من كل ناحية، ورغبوا في معاشرته لكونه غريباً وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم، ويعرف باللغة التركية والفارسية، بل وبعض لسان
стр. 1438
الكرج، فانجذبت قلوبهم إليه وتناقلوا خبره وحديثه، ثم شرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، وكل من قدم عليه يملي عليه الحديث المسلسل بالأولية، وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه، ويكتب له سنداً بذلك وإجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك، ثم إن بعض علماء الأزهر ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة، فقال لهم لا بد من قراءة أوائل الكتب، واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعداً عن الناس، فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخوني، واجتمع عليهم بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخوني إمام المسجد وخازن الكتب، وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها، وتناقل في الناس سعي علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعي والشيخ مصطفى الطائي والشيخ سليمان الأكراشي وغيرهم للأخذ عنه، فازداد شأنه وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان، والتمسوا منه تبيين المعاني، فانتقل من الرواية عن الدراية، وصار درساً عظيماً، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية، وقد استغنى عنهم هو أيضاً، وصار يملي على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثاً من المسلسلات أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك، فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين، وافتتح درساً آخر في مسجد الحنفي وقرأ الشمائل في غير الأيام المعهودة بعد العصر، فازدادت شهرته، وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته، لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم. ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم وعملوا من أجله ولائم فاخرة، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملي، وكاتب الأسماء فيقرأ لهم شيئاً من الأجزاء الحديثية، كثلاثيات البخاري أو الدارمي أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده، وبناته ونسائه من خلف الستائر، وبين
стр. 1439
أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي ﷺ على النسق المعتاد، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك: صحيح ذلك، وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة.
يقول الحقير إني كنت مشاهداً وحاضراً في غالب هذه المجالس والدروس، ومجالس أخر خاصة بمنزله وبسكنه القديم بخان الصاغة، وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق، وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة مثل غيض المعدية والأزبكية وغير ذلك، فكنا نشتغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثية وغيرها، وهو كثير بثبوت المسموعات على النسخ، وفي أوراق كثيرة موجودة إلى الآن. وانجذب إليه بعض الأمراء الكبار مثل مصطفى بك الاسكندراني وأيوب بك الدفتردار، فسعوا إلى منزله، وترددوا لحضور مجالس دروسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال. واشترى الجواري وعمل الأطعمة للضيوف، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة. وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر، وسمع به فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري، فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون، ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية. ولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه وخلع عليه فروة سمور، ورتب له تعييناً من كلاره لكفايته من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة وغلالاً من الأنبار، وأنهى إلى الدولة شأنه، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة، وقدره مائة وخمسون نصفاً فضة في كل يوم، وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، فعظم أمره وانتشر صيته. وطلب إلى الدولة في سنة أربع
стр. 1440
وتسعين، فأجاب ثم امتنع، وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة، وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة في صناديق. وطار ذكره في الآفاق، وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق، وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية، وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة، وأرسلوا إليه من أغنام فزان وهي عجيبة الخلقة عظيمة الجثة يشبه رأسها رأس العجل، وأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد، فوقع لهم موقعا، وكذلك أرسلوا له من طيور الببغا، والجواري والعبيد والطواشية، فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها، ويأتيه في مقابلتها أضعافها، وأتاه من طرائف الهند وصنعاء اليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة، وماء الكاري والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد، وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى، حتى أن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجاً ولم يزره ولم يصله بشيء لا يكون حجه كاملاً، فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده، وحفظ ذلك أو كتبه، ويستخبر من هذا عن ذاك بلطف ورقة، فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده، فيقول له فلان من بلدة كذا، فلا يخلو إما أن يكون عرفه من غيره سابقاً أن عرف جاره أو قريبه، فيقول له فلان طيب فيقول نعم سيدي، ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها، فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة، ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح، فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب، وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئاً ما، أو تمراً أو شمعاً على قدر فقره وغناه، وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها، ويلتمسون منه الأجوبة، فمن ظفر منهم
стр. 1441
بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة، وحفظها معه كالتميمة، ويرى أنه قد قبل حجه، وإلا فقد باء بالخيبة والندامة، وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده، ودامت حسرته إلى يوم ميعاده، وقس على ذلك ما لم يقل.
وشرع في شرح كتاب إحياء العلوم للغزالي وبيض منه أجزاء، وأرسل منها إلى الروم والشام والغرب ليشتهر مثل شرح القاموس، ويرغب في طلبه واستنساخه.
وماتت زوجته في سنة ست وتسعين فحزن عليها حزناً كثيراً، ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية، وعمل على قبرها مقاماً ومقصورة، وستوراً وفرشاً وقناديل، ولازم قبرها أياماً كثيرة، وتجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون، ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكسون والقهوة والشربات، واشترى مكاناً بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتاً صغيراً، وفرشه وأسكن به أمها، ويبيت به أحياناً، وقصده الشعراء بالمراثي فيقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه، ورثاها هو بقصائد وجدتها بخطه بعد وفاته في أوراقه المدشتة، على طريقة شعر مجنون ليلى، منها قوله:
أعاذل من يرزأ كرزئي لا يزل ... كئيباً ويزهد بعده في العواقب
أصابت يد البين المشت شمائلي ... وحاقت نظامي عاديات النوائب
وكنت إذا ما زرت زبدا سحيرة ... أعود إلى رحلي بطين الحقائب
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها ... من الخفرات البيض غير الكواعب
فتاة الندى والجود والحلم والحيا ... ولا يكشف الأخلاق غير التجارب
فديت لها، ما يستذم رداؤها ... عميدة قوم من كرام أطايب
عليها سلام الله في كل حالة ... ويصحبه الرضوان فوق المراتب
مدى الدهر ما ناحت حمامة أيكة ... بشجو يثير الحزن من كل نادب
стр. 1442
وقوله أيضاً:
يقولون لا تبكي زبيدة واتئد ... وسل هموم النفس بالذكر والصبر
وتأتي لي الأشجان من كل وجهة ... بمختلف الأحزان بالهم والفكر
وهل لي تسل من فراق حبيبة ... لها الجدث الأعلى بيشكر من مصر
أبى الدمع إلا أن يعاهد أعيني ... بمحجرها والقدر يجري إلى القدر
فأما تروني لا تزال مدامعي ... لدى ذكرها تجري إلى آخر العمر
وقوله أيضاً:
خليلي ما للأنس أضحى مقطعاً ... وما لفؤادي لا يزال مروعا
أمن غير الدهر المشت وحادث ... ألمّ برحلي أم تذكرت مصرعا
وإلا فراق من أليفة مهجتي ... زبيدة ذات الحسن والفضل أجمعا
مضت فمضت عني بها كل لذة ... تقر بها عيناي فانقطعا معا
لقد شربت كأساً سنشرب كلنا ... كما شربت لم يجد عن ذاك مدفعا
وقوله أيضاً:
خليلي هل ذكرى الأحبة نافع ... فقد خانني الصبر الجميل العواقب
وهل لي عود في الحمى أم تراجع ... لوصل بتلك الآنسات الكواعب
لقد رحلت عني الحبيبة غدوة ... وسارت إلى بيت بأعلى السباسب
أقول وما يدري أناس غدوا بها ... إلى اللحد ماذا أدرجوا في السباسب
فأخرت عنها في المسير وليتني ... تقدمت لا ألوي على حزن نادب
وقوله أيضاً:
زبيدة شدت للرحيل مطيها ... غداة الثلاثا في غلائلها الخضر
وطافت بها الأملاك من كل وجهة ... ودق لها طبل السماء بلا نكر
تميس كما ماست عروس بدلها ... وتخطر تيها في البرانس والأزر
سأبكي عليها ما حييت وإن أمت ... ستبكي عظامي والأضالع في القبر
ولست بها مستبقياً فيض عبرة ... ولا طالباً بالصبر عاقبة الصبر!
стр. 1443
وقوله أيضاً:
نعم الفتاة بها فجعت غدية ... وكذاك فعل حوادث الأيام
شدت مطايا البين ثم ترحلت ... وتمايلت أكوارها بسلام
رحلت لرحلتها غداة تجملت ... أحلامنا من قاعد وقيام
ما خلفت من بعدها في أهلها ... غير البكا والحزن والأيتام
يا لهف نفس حسن أخلاق لها ... جبلت عليه ووصلة الأرحام
وإطاعة للبعل ثم عناية ... صرفت لإطعام ولين كلام
تلك المكارم فابكها ما رنحت ... ريح الصبا سحراً غصون بشام
يا وارداً يوماً على قبر لها ... قف ثم راجع من شج بسلام
وقلن لها قد كنت فيما قد مضى ... تأتي له عند اللقا بمقام
واليوم مالك قد هجرت فهل لذا ... سبب فقولي يا ابنة الأعلام
وغير ذلك تركته خوفاً من الإطالة، وفي هذا القدر كفاية في هذا المقام.
ثم تزوج بعدها بأخرى وهي التي مات عنها وأحرزت ما جمعه من مال وغيره.
ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام، وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار، وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية، لزم داره واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك إلا في النادر لغرض من الأغراض، وترك الدروس والإقراء واعتكف بداخل الحريم، وأغلق الباب ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة. وأرسل إليه مرة أيوب بك الدفتردار مع نجله خمسين اردبا من البر، وأحمالاً من الأرز والسمن والعسل والزيت، وخمسمائة ريال نقود، وبقج كساوي أقمشة هندية وجوخاً وغير ذلك، فردها، وكان ذلك في رمضان، وكذلك مصطفى بك الاسكندراني وغيرهما، وحضرا إليه، فاحتجب عنهما ولم يخرج إليهما، ورجعا من غير أن يواجهاه.
стр. 1444
ولما حضر حسن باشا على الصورة التي حضر فيها إلى مصر، لم يذهب إليه بل حضر هو لزيارته وخلع عليه فروة تليق به، وقدم له حصاناً معدوداً مرختاً بسرج، وعباءة قيمتها ألف دينار، أعد ذلك وهيأه قبل زيارته له، وكانت شفاعته عنده لا ترد، وإن أرسل إليه إرسالية في شيء تلقاها بالقبول والإجلال، وقبل الورقة قبل أن يقرأها ووضعها على رأسه ونفذ ما فيها في الحال.
وأرسل مرة إلى أحمد بك الجزار مكتوباً وذكر له فيه أنه المهدي المنتظر! وسيكون له شأن عظيم، فوقع عنده بموقع الصدق لميل النفوس إلى الأماني، ووضع ذلك المكتوب في حجابه المقلد به مع الإحراز والتمائم، فكان يسر بذلك إلى بعض من يرد عليه ممن يدعي المعارف في الجفور والزايرجات، ويعتقد صحته بلا شك، ومن قدم عليه من جهة مصر وسأله عن المترجم فإن أخبره وعرفه أنه اجتمع به وأخذ عنه وذكره بالمدح والثناء أحبه وأكرمه وأجزل صلته، وإن وقع منه خلاف ذلك قطب منه وأقصاه عنه وأبعده ومنع عنه بره، ولو كان من أهل الفضائل! واشتهر ذلك عنه عند من عرف ذلك منه بالفراسة، ولم يزل على حسن اعتقاده في المترجم حتى انقضى نحبهما.
واتفق أن مولاي محمداً سلطان المغرب رحمه الله تعالى وصله بصلات قبل انجماعه الأخير وتزهده وهو يقبلها ويقابلها بالحمد والثناء والدعاء، فأرسل له في سنة إحدى ومائتين صلة لها قدر، فردها، وتورع عن قبولها وضاعت، ولم ترجع إلى السلطان، وعلم السلطان من جوابه فأرسل إليه مكتوباً قرأته، وكان عندي ثم ضاع في الأوراق، ومضمونه العتاب والتوبيخ في رد الصلة، ويقول له إنك رددت الصلة التي أرسلناها إليك من بيت مال المسلمين، وليتك حيث تورعت عنها كنت فرقتها على الفقراء والمحتاجين، فيكون لنا ولك أجر ذلك، إلا أنك رددتها وضاعت، ويلومه أيضاً على
стр. 1445
شرحه كتاب الإحياء ويقول له كان ينبغي أن تشغل وقتك بشيء نافع غير ذلك، ويذكر وجه لومه له في ذلك، وما قاله العلماء، وكلاماً مفحماً مختصراً مفيداً رحمه الله تعالى.
وللمترجم من المصنفات خلاف شرح القاموس وشرح الإحياء تأليفات كثيرة، منها كتاب الجواهر المنيفة في أصول أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ مما وافق فيه الأئمة الستة، وهو كتاب نفيس حافل، رتبه ترتيب كتب الحديث من تقديم ما روي عنه في الاعتقاديات، ثم في العمليات، على ترتيب كتب الفقه، والنفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية، جمع فيه أسانيد العيدروس، وهي في نحو عشرة كراريس، والعقد الثمين في طرق الإلباس والتلقين، وحكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق. وشرح الصدر في شرح أسماء أهل بدر في عشرين كراساً ألفها لعلي أفندي درويش، وألف باسمه أيضاً التفتيش في معنى لفظ درويش، ورسائل كثيرة جداً، منها رفع نقاب الخفا عمن انتمى إلى وفا وأبي الوفا، وبلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب، وإعلام الأعلام بمناسك حج بيت الله الحرام، وزهر الأكمام المنشق عن جيوب الإلهام بشرح صيغة سيدي عبد السلام، ورشفة المدام المختوم البكري من صفوة زلال صيغ القطب البكري، ورشف سلاف الرحيق في نسب حضرة الصديق، والقول المثبوت في تحقيق لفظ التابوت، وتنسيق قلائد المنن في تحقيق كلام الشاذلي أبي الحسن، ولقط اللآلي من الجوهر الغالي، وهي في أسانيد الأستاذ الحفني، وكتب له إجازته عليها في سنة سبع وستين، وذلك سنة قدومه إلى مصر، والنوافح المسكية على الفوائح
стр. 1446
الكشكية، وجزء في حديث نعم الأدام الخل، وهدية الإخوان في شجرة الدخان، ومنح الفيوضات الوفية فيما في سورة الرحمن من أسرار الصفة الإلهية، وإتحاف سيد الحي بسلاسل بني طي، وبذل المجهود في تخريج حديث شيبتني هود، والمربي الكابلي فيمن روى عن الشمس البابلي، والمقاعد العندية في المشاهد النقشبندية، ورسالة في المناشي والصفين، وشرح على خطبة الشيخ محمد البحيري البرهاني على تفسير سورة يونس مستقل على لسان القوم، وشرح على حزب البر للشاذلي وتكملة على شرح حزب البكري للفاكهي من أوله، فكمله للشيخ أحمد البكري، ومقامة سماها إسعاف الأشراف، وأرجوزة في الفقه نظمها باسم الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسني المقدسي، وحديقة الصفا في والدي المصطفى، وقرظ عليها الشيخ حسن المدابغي، ورسالة في طبقات الحفاظ، ورسالة في تحقيق قول أبي الحسن الشاذلي وليس من الكرم، الخ وعقيلة الأتراب في سند الطريقة والأحزاب، صنفها للشيخ عبد الوهاب الشربيني، والتعليقة على مسلسلات ابن عقيلة، والمنح العلية في الطريقة النقشبندية، والانتصار لوالدي النبي المختار، وألفية السند، ومناقب أصحاب الحديث، وكشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام، ورفع الشكوى لعالم السر والنجوى، وترويح القلوب بذكر ملوك بني أيوب، ورفع الكلل عن العلل، ورسالة سماها قلنسوة التاج ألفها باسم الأستاذ العلامة الصالح الشيخ محمد بن بدير المقدسي، وذلك لما أكمل شرح القاموس المسمى بتاج العروس، فأرسل إليه كراريس من أوله حين كان بمصر، وذلك سنة اثنتين وثمانين ليطلع عليها شيخه الشيخ عطية الأجهوري ويكتب عليها تقريظاً ففعل ذلك، وكتب إليه يستجيزه، فكتب إليه أسانيده العالية في كراسة وسماها قلنسوة التاج، وأولها بعد البسملة الحمد لله الذي رفع
стр. 1447
متن العلماء وشرح بالعلم صدورهم، وأعلا لهم سنداً وصحح الحسن من حديثهم فصار موصولاً غير مقطوع ولا متروك أبداً، وحمى قلوبهم عن ضعف اليقين في الدين، فلم تضطرب ولم تنكر الحق بل صارت لإفادته مقصداً. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله أئمة الهدى، وصحبه نجوم الاهتدا، ما اتصل الحديث وتسلسل، وسلم من العلل، والشذوذ سرمدا. وبعد فهذه قلنسوة التاج، صنعت بأفخر ديباج، بل غنية المحتاج وبل صدى المزاج، وزهرة الابتهاج والقصر المشيد بالأبراج، والمصباح المغني عن أبي السراج، بل الدرع الموصوف بلآلي عوالي غوالي، أحاديث موصولة إلى صاحب الإسراء والمعراج، رصعت باسم الكوكب الوضاح المستنير بأضواء مصباح الفلاح، المتشح باردية أسرار التحقيق والمتزر بملاءة أنوار التوفيق، المنصف في جدله غير محاب لقريب والآتي من تقريره بالعجب العجيب، ذي المناقب التي لا يستوعبها البنان واللسان، ولا يبلغ أداء شكره، ولو أطلقت اللسان بالثناء عليه على ممر الزمان، صاحبنا الفاضل العلامة الجمال محمد بن بدير الشافعي المقدسي رحمه الله تعالى آمين.
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدراً كاملا
أضاء الله بدر كماله، وحرس مجده بجلاله، وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود وكتب في آخرها ما نصه:
أجزت له إبقاء ربي وحاطه ... بكل حديث حاز سمعي بإتقان
وفقه وتاريخ وشعر رويته ... وما سمعت أذني وقال لساني
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريئاً عن التصحيف من غير نكران
كتبت له خطي واسمي محمد ... وبالمرتضى عرفت والله يرعاني
ولدت بعام ارخوا فك ختمه ... وبالله توفيقي وبالله تكلاني
وكتب معها جواب كتابه ما نصه: أمعاطف أغصان النقا تترنح، أم القلوب بميلانها إلى المحبوب تتروح، ورنات أوتار العيدان بأنات أهل
стр. 1448
الغرام والشوق، أم هيجان البلابل بسجوع البلابل وتغريد ذات الطوق، أم دعوة روح القدس تهتف بميت فيقوم حيا، أم مقدم عيس حبيب أحيا تدانيه عشاق معاليه وحيا، ما هذه إلا صدى تشبيب نسيم بث الشوق وإهداء التحيات، كلا بل نفحات عبهر الثناء وإرسال تحف التسليمات إلى ممد ماء الحب من ميم مد بحره البسيط، والفيض للمجتدي من رشحات قاموس بره المحيط، من نثر لآليء القول البديع على مفارق مهارق الصباحة والملاحة، ونشر ملاءة الإحسان على غرة طلعة تاج عروس الفصاحة، مردي فارس البراعة في الميدان إذا اقتعدها سلهبا سبوحا، الممطر غارب النجابة والإتقان بجلالة قدر تخضع له من الفلك الأطلس برجا، هو الذي إذا قال أقال عثار الدهر، وقال تحت إفياء ظلال دوحة الفخر، وإذا رقم فصفحة الفلك بالزواهر، مرقومة، وإذا رسم فجبهة الأسد بايات الحرس موسومة، وشاهدي ما شاهدته في كتابه المنيف الواصل إلي، وخطابه الشريف الوارد علي، فعين الله على منشئ تلك الفصاحة سملت من الحصر، إلا وإن وردها الحضر أعيا البدو والحضر، وقد صدر إليه ما أشار على المحب في ختام خطابه، وعرج عليه هضماً لنفسه فلم يك إلا كالمسك يتنافس فيه وراد جنابه. ولو أن فيوضات العلوم والمعارف من غير حماكم لا تستماح، وممدات المنح والعوارف من غير حيكم لا تستباح، ولكن رأى الإطاعة في ذلك مغنما، وتحقق التباطؤ في مثل ذلك مغرماً، فأشرق أفق سعد القبول بمقياسه، وسعى قلم الإجازة في الخدمة على كراسه، وعطر بيان أسانيد العوالي فردوس الأسناد بأنفاسه، وهبت غالية نسائم كمائم اللطائف، وهبت بارقة غمائم المشارق والمراشف، وتمايلت أفنان الاتصال برماح علو الإسناد، وسقى قلم التحرير رياض الإجازة من جريال
стр. 1449
الإمداد، فدونكها إجازة خاصة، على مدارج كمالاتك ناصة، كأنها عروس جليت بالتاج، وحليت بأفخر ديباج، ولولا مخافة طول العهد، والتماس السعد في الحث على إنجاز الوعد، بتنضد تاج الملفقات، لكانت مفلقات الكلم المتفرقات، بغيث ذكركم المنسجم مجلدات، فهي بطاقة تحمل في كل كلمة غريدة بان، وتنفث السحر في عقد البيان، فامتط غارب سنامها، واهتصر ثمرات نظامها، دمت لذروة المعالي متسنماً، ولأنفاس رياض السعادة متنسماً آمين.
أقول: والشيخ محمد بدير المذكور، هو الآن فريد عصره في الديار المقدسة، يبدي ويعيد ويدرس ويفيد، بارك الله فيه مدى الأيام، وامتع بوجوده الأنام آمين.
وللمترجم أشعار كثيرة جوهرية النفثات صحاح، وعرائس أبيات ذات وجوه صباح، منها قوله من قصيدة يمدح بها الأستاذ العلامة شمس الدين السيد محمد أبا الأنوار بن وفا أطال الله بقاه، ويذكر فيها نسبه الشريف منها:
مدحت أبا الأنوار أبغي بمدحه ... وفور حظوظي من جليل المآرب
نجيباً تسامى في المشارق نوره ... فلاحت بواديه لأهل المغارب
محمد الباني مشيد افتخاره ... بعز المساعي وابتذال المواهب
ربيب العلا المخضل سيب نواله ... سماء الندى المنهل صوب السحائب
كريم السجايا الغر واسطة العلا ... بسيم المحيا الطلق ليس بغاضب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة ... ففات مرام المستمر الموارب
به ازدهت الدنيا بهاء وبهجة ... وزادت جمالاً من جميع الجوانب
مخايله تنبيك عما وراءها ... وأنواره تهديك سبل المطالب
له نسب يعلو بأكرم والد ... تبلج منه عن كريم المناسب
وهي طويلة ذكرها في خاتمة رفع نقاب الخفاء. ومن كلامه في مدح المشار إليه قوله:
стр. 1450
زار عن غفلة من الرقباء ... في دجى الليل طيف حب نائي
يا لها زورة على غير وعد ... نسخت آيها ظلام النائي
بت منها منعماً في سرور ... ومحا نورها دجى الظلماء
وتجلى إشراقها بوصال ... مهديا للقلوب كل هناء
ويقول في مديحها:
عمدة ماجد مكنى أبا الأن ... وار رب الفخار نجل الوفاء
أشرف العالمين أصلاً وفصلاً ... مفرد العصر نخبة الأصفياء
ويقول فيها:
أشرقت في قلوبنا من سناه ... نيرات بهية الأضواء
هو روح الإله في كل مجلى ... هو تاج الجمال للعلياء
هو بدر البدور في كل أوج ... هو نجم الهدى وشمس الضحاء
هو باب المنى فتحاً ونصراً ... منه تمت مظاهر النعماء
هو رجائي وعدتي ونصيري ... واعتمادي في شدتي ورخائي
ومدحه صاحبنا يتيمة الدهر، وبقية نجباء العصر، الناظم الناثر السيد إسماعيل الوهبي الشهير بالخشاب، بهذه القصيدة الغراء اللامية وهي:
ذاك المحيا وذاك الفاحم الرجل ... با آبلبي وتلك الأعين النجل
وبي غزالاً إذا شمس الضحى أفلت ... أراه شمساً وجنح الليل منسدل
أغن أغيد وضاح الجبين له ... خد أسيل وطرف كله كحل
نشوان لم يحتسي صرفاً مشعشعة ... لكنه بالذي في ثغره ثمل
أقام في كبدي الوجد المضر به ... حتى تحلل فيما تسفح المقل
وفي الجوانح أذكى صده حرقاً ... تكاد من حرها الأحشاء تشتعل
حملت فيه الذي تعي الجبال به ... وما لقيس بما قاسيته قبل
كم بت فيه وأشواقي تؤرقني ... ودمع عيني على خدي ينهمل
وعاذل جاء يلحاني فقلت له ... دعني بمدحي إمام العصر أشتغل
стр. 1451
محمد المرتضى الراقي ذرى شرف ... تلوح من دونه الجوزاء والحمل
السيد السند الثبت الموضح ما ... للعجز قد تركت إيضاحه الأول
صدر الشريعة مصباح البرية من ... يضيق عن وصفه التفصيل والجمل
أحيا معالم علم كنت أنشدها ... إنا محبوك فاسلم أيها الطلل
وقام في الله للإسلام منتصراً ... وكاد لولاه يصغي الحادث الجلل
أعيا أكف الكرام الحافظين له ... في رقم صالح قول أثره عمل
للخط أولا فللخطي راحته ... فما له عنهما إلا الندى شغل
ومنها:
ضرائب من معال لم يخص بها ... غلاه منها سواه حظه العطل
يا ابن الذي قد غدا جبريل خادمه ... وبشرت قومها قدما به الرسل
خذها إليك وإن كانت مقصرة ... حسبي علا أنها حبلي المادح الغزل
لا زلت مبلغ مثلي ما يؤمله ... وللمروع أمناً إن عرا وجل
فأجابه بقوله:
اعقد لآل أم نجوم ثواقب ... أم الروض فيه الورق جاءت تخاطب
وإلا غروس في ملاء محاسن ... لها الصون عن عين الحواسد حاجب
والانظام من حبيب ممجد ... أخي الفضل من دانت لديه الغوارب
وهي طويلة، وله أيضاً:
إذا ما هب سلطان المريسي ... وأبدى الجو وجهاً للعبوس
فزعت بمفرد الكافات يأتي ... بجمع حاصل هو كاف كيسي
به أصبحت أرفل في كساء ... به أمسيت في كن نفيس
به تجلى من السمراء كأسي ... إلي على يدي غزلان خيس
فارشف تارة منها وطورا ... من الثغر الشنيب بلا مقيس
стр. 1452
وله في المعنى:
إذا ضم قطر الجو عنا ... وهبت رياح بالعشية بارده
قصرت على كاف الكتاب مطالعاً ... ومقتبساً منه فوائد شارده
وله أيضاً:
قد عد قوم في الشتاء لذائذا ... كافية تكفي لدى الأنواء
كالكيس والكانون والكن الذي ... يأوي له العاني وكأس طلاء
ثم الكتاب وسادس الكافات من ... شمس تضيء دنت وكاف كساء
ولدي أن الكيس يجمع كل ما ... ذكروا من الأفراد والأجزاء
وله في المعنى:
لكاف الكيس فضل مستمر ... يفوق به على الكافات طرا
إذا ظفرت به كفاك يوماً ... تسنى سائر الكافات قسرا
وله أيضاً في المعنى:
إذا هب سلطان المريسي غدوة ... وجلل آفاق السماء سحاب
وضاق لتحصيل الأماني مذاهب ... فنعم جليس الصالحين كتاب
وله أيضاً:
كاف الكياسة مع كيس إذا اجتمعا ... يوماً لمرء إلا في العصر سلطانا
بالكيس يصبح مقضياً حوائجه ... وبالكياسة يولي الكيس إحسانا
والكيس منفردا مضن بصاحبه ... والكيس منفرداً يوليه مجانا
وله في إجازة:
أجزت لمن حوى قصب الفخار ... وجلى في العلوم فلا مجاري
رواياتي جميعاً عن شيوخ ... ثقات أهل فضل واختبار
لهم بين الملا صيت ومجد ... وفخر واعتماد في اشتهار
ومنظومي ومنثوري جميعاً ... وإن لم أك أهلا لاعتبار
стр. 1453
وحسن الظن بالاغضا كفيل ... ورعي العهد مع بعد المزار
فأنت المفرد العلم المنادي ... ومثلك من أصاخ إلى اعتذار
ولا تغفل محبك من دعاء ... بنيل القصد في تلك الديار
ويرجو المرتضى منكم قبولا ... عسى يعطى الرضى عند القرار
بجاه المصطفى خير البرايا ... إمام المرسلين المستجار
على عليائه أزكى سلام ... وصحب ما أضت شمس النهار
وله في أسماء أهل الكهف على الخلاف الوارد فيهم:
بتمليخ مكسلمين مشلين بعده ... دبرنوش مرنوش أشداء للكهف
وخذشادنوشا سادس الصحب ذاكرا ... كغشططيوش في رواية ذي العرف
نوانس سانينوس مع بطينوشهم ... مكرطونش تلك الروايات فاستوف
وكشفوطط كندسلططنوس هكذا ... روينا وارنوش على حسب الخلف
وبنيونس كشنيطط اربطانس ... ومرطوكش عند الأجلة في الصحف
وكلبهم قطمير سابع سبعة ... فخذ وتوسل يا أخا الكرب والرجف
ومن كلامه أيضاً:
توكل على مولاك واخش عقابه ... وداوم على التقوى وحفظ الجوارح
وقدم من البر الذي تستطيعه ... ومن عمل يرضاه مولاك صالح
وأقبل على فعل الجميل وبذله ... إلى أهله ما اسطعت غير مكالح
ولا تسمع الأقوال من كل جالب ... فلا بد من مثن عليك وقادح
ونظمه كثير، ونثره بحر غزير، وفضله شهير وذكره مستطير. وكنت كثيراً ما أجتلي وجه وداده، وأوقد نار الفكرة بقدح واري زناده، واستظل بدوحه المريع، واستمد من بحره السريع، وأسامره بما يذكرنا عهود الرقمتين، وأتنزه من صفات فضله وذاته في الربيعين، كما قيل:
стр. 1454
وكانت بالعراق لنا ليال ... سرقناهن من ريب الزمان
جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأماني
وبالجملة فإنه كان في جمع المعارف صدراً لكل ناد، حتى قوض الدهر منه رفيع العماد، وأذنت شمسه بالزوال، وغربت بعد ما طلعت من مشرق الإقبال، كما قيل:
وزهرة الدنيا وإن أينعت ... فإنها تسقى بماء الزوال
وقد نعاه الفضل والكرم، وناحت لفراقه حمائم الحرم؛ وأصيب بالطاعون في شهر شعبان، وذلك أنه صلى الجمعة في مسجد الكردي المواجه لداره، فطعن بعد ما فرغ من الصلاة، ودخل إلى البيت واعتقل لسانه تلك الليالي، وتوفي يوم الأحد، فأخفت زوجته وأقاربها موته حتى نقلوا الأشياء النفيسة والمال والذخائر، والأمتعة والكتب المكلفة، ثم أشاعوا موته يوم الاثنين، فحضر إسماعيل بك طبل الإسماعيلي، ورضوان كتخدا المجنون وادعى أن المتوفى أقامه وصيا مختاراً، وعثمان بك ناظراً بسبب أن زوج أخت الزوجة من أتباع المجنون، يقال له حسين آغا، فلما حضروا وصحبتهما مصطفى أفندي صادق، أخذوا ما أحبوه وانتقوه من المجلس الخارج، وخرجوا بجنازته وصلوا عليه، ودفن بقبر أعده لنفسه بجانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية، ولم يعلم بموته أهل الأزهر ذلك اليوم، لاشتغال الناس بأمر الطاعون، وبعد الخطة، ومن علم منهم وذهب لم يدرك الجنازة، ومات رضوان كتخدا في أثر ذلك، واشتغل عثمان بك بالإمارة لموت سيده أيضاً، وأهمل أمر تركته فأحرزت زوجته وأقاربها متروكاته، ونقلوا الأشياء الثمينة والنفيسة إلى دارهم، ونسي أمره شهوراً، حتى تغيرت الدولة وتملك الأمراء المصريون الذين كانوا بالجهة القبلية، وتزوجت زوجته برجل من الأجناد من أتباعهم،
стр. 1455
فعند ذلك فتحوا التركة بوصايا الزوجة من طرف القاضي، خوفاً من ظهور وارث، وأظهروا ما انتقوه مما انتقوه من الثياب وبعض الأمتعة والكتب والدشتات، وباعوها بحضرة الجمع، فبلغت نيفاً ومائة ألف نصف فضة، فأخذ منها بيت المال شيئاً، وأحرز الباقي مع الأول، وكانت مخلفاته شيئاً كثيراً جداً، أخبرني المرحوم حسن الحريري وكان من خاصته وممن يسعى في خدمته ومهماته، أنه حضر إليه في يوم السبت وطلب الدخول لعيادته، فأدخلوه إليه، فوجده راقداً معتقل اللسان، وزوجته وأصهاره في كبكبة واجتهاد في إخراج ما في داخل الخبايا والصناديق إلى الليوان، ورأيت كوماً عظيماً من الأقمشة الهندية والمقصبات والكشيمري والفراء، من غير تفصيل نحو الحملين، وأشياء في ظروف وأكياس لا أعلم ما فيها، قال: ورأيت عدداً كثيراً من ساعات العب الثمينة مبدداً على بساط القاعة، وهي بغلافات بلادها، قال فجلست عند رأسه حصة وأمسكت يده، ففتح عينيه ونظر إلي وأشار كالمستفهم عما هم فيه، ثم غمض عينيه وذهب في غطوسه، فقمت عنه، قال: ورأيت في الفسحة التي أمام القاعة قدراً كثيراً من شمع العسل الكبير والصغير، والكافوري والمصنوع والخام، وغير ذلك مما لم أره ولم ألتفت إليه.
ولم يترك ابنا ولا ابنة، ولم يرثه أحد من الشعراء، وكان صفته ربعة نحيف البدن ذهبي اللون متناسب الأعضاء، معتدل اللحية قد خط الشيب في أكثرها، مترفهاً في ملبسه، ويعتم مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكى وشراريب حرير طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر، وكان لطيف الذات حسن الصفات، بشوشاً بسوماً، وقوراً محتشماً، مستحضراً للنوادي والمناسبات، ذكياً لوذعياً فطناً ألمعياً، روض فضله نضير، وما له في سعة الحفظ نظير.
стр. 1456
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في شهر شعبان المعظم سنة خمس ومائتين وألف، ودفن في جانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية في القبر الذي أعده لنفسه هناك كما تقدم جعل الله مثواه قصور الجنان، وضريحه مطاف وفود الرحمة والغفران، وعوضه جنة ونعمة وخيراً وأجراً، وعوض المسلمين عنه خيراً، وجمعنا جميعاً وإياه في مستقر رحمته آمين.
مريم بنت محمد بن طه العقاد الحلبية الشافعية
أم عمران المقرية المسندة الصالحة الكاملة العالمة العاملة، مولدها في حلب، سنة ست وخمسين ومائة وألف. قرأت القرآن العظيم وبعض المقدمات على والدها، وحفظت متون الفنون إلى أن بلغت مرادها، وكان جل انتفاعها على والدها، وأجازها جملة من المحدثين والعلماء الكاملين، منهم العلامة الجينيني وغيره من علماء عصرها. وقد اجتمع بها العلامة محمد خليل أفندي المرادي حينما كان في حلب عام ألف ومائتين وخمسة، وأثنى عليها وشهد بعلمها وفضلها، ولم أقف على تاريخ وفاتها رحمة الله عليها آمين.
الشيخ مراد بن الشيخ محمد بن الشيخ حسن الشطي الحنبلي
ولد سنة تسع وثمانين ومائتين وألف بدمشق، ونشأ بها في حجر والده، وقرأ لديه جملة صالحة من فن الفرائض والحساب وغيره، وقرأ على الشيخ طاهر بن صالح المغربي، وعلى الشيخ بدر الدين بن يوسف المغربي، وحضر مجالس حديثية عند الشيخ بكري بن الشيخ حامد العطار، واستجاز من غيرهم. وأقبل على تحصيل الفنون وضروب الآداب، وبرع في فن الهندسة
стр. 1457
والخط على اختلاف ضروبه مع صلاح وعفاف وحياء، وكنت أشاهد منه لطفاً وكمالاً، وأدباً زائداً واحتفالاً، ومحاضرة حسنة وكمالات مستحسنة وكان له همة ونظر في معالي الأمور، وقد جمع مسودة في طبقات الحنابلة المتأخرين، وجمع منظومات قريبه الأديب الشيخ عبد السلام الشطي في ديوان، وغير ذلك من مجاميع بديعة. بيد أنه قطع عليه الطريق الأجل، وناداه عجلاً فقال أجل، وذلك في شهر ذي القعدة عام أربعة عشر وثلاثمائة وألف ودفن بتربة الذهبية من مرج الدحداح رحمه الله تعالى.
السلطان مصطفى خان بن السلطان عبد الحميد خان
ولد سنة ألف ومائة وثلاث وتسعين، وجلس على تخت الملك في الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة ألف ومائتين واثنتين وعشرين فهابه الكبير والصغير والجليل والحقير، وحصل الخوف لجميع أهل الاستانة منه ووقع الرعب في قلوب الجميع، ثم أطلقت المدافع علامة على جلوس السلطان مصطفى ونودي في المنابر باسمه، وتقدم المفتي شيخ الإسلام وقائمقام موسى
стр. 1458
باشا إلى الجموع التي كانت مجتمعة في فسحة آت ميدان، وأخبروهم أن السلطان مصطفى قد وعد بإبطال ما كان مهتماً به السلطان سليم من وضع النظام الجديد وبإرجاع العوائد القديمة، فلما سمع الجميع هذا الحديث تفرقوا، وبعد أن جلس السلطان مصطفى على تخت السلطنة سلم زمام الأحكام بيد القائمقام كوسج موسى باشا والي المفتى شيخ الإسلام عطا الله أفندي، ولما بلغت هذه الأخبار الصدر الأعظم جلبي مصطفى باشا وكان رئيس الجيوش التي خرجت لقتال الروسية كما تقدم، حزن لذلك وغضب غضباً شديداً هو ومن معه من العساكر، وكان من جملتهم مصطفى باشا البيرقدار، فعقدوا صلحاً مع الروسية، ورجعوا بالعساكر ليتداركوا هذا الأمر، وأرسلوا لعساكر الانكشارية يقولون لهم نحن قادمون لنجدتهم وإتمام رغبتهم ليطمئنوا بذلك، وما دخلوا القسطنطينية إلا بعد مشاق، وأراد البيرقدار مصطفى باشا إرجاع السلطان سليم والقبض على السلطان مصطفى، وطلب من الصدر الأعظم المساعدة على ذلك، فأنكر عليه ذلك مبيناً سوء عواقب الأمور، فغضب البيرقدار غضباً شديداً، وأمر بحبسه وبلغ الخبر السلطان مصطفى فأرسل أناساً يقتلون السلطان سليم، فدخلوا عليه وهو يصلي صلاة العصر، فلم يمهلوه إلى أن يتم الصلاة بل وثبوا عليه وطرحوه إلى الأرض، فنهض حالاً عليهم كالأسد وصرعهم، وكان قوياً جداً، ثم تغلبوا عليه وخنقوه حتى مات، ورجعوا به إلى السلطان مصطفى مسرعين وطرحوه ميتاً أمامه، وكان ذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف، وعمر السلطان سليم ثمان وأربعون سنة ثم أرسل أناساً وأمرهم بخنق أخيه السلطان محمود، وكان البيرقدار قد هجم بجماعة مسرعين لإنقاذ السلطان سليم فوجدوه قد مات، فاهتموا بأمر السلطان محمود، وقال لهم البيرقدار عليكم بنجاة السلطان محمود لأنه هو الوارث الوحيد لتخت السلطنة الباقي من سلالة آل عثمان، فأخذت العساكر تطلب
стр. 1459
السلطان مصطفى، وتبحث عن السلطان محمود، وإن السلطان محمود لما جاءه جنود السلطان مصطفى الذين يريدون قتله أراد الفرار فرشقه أحدهم بخنجر أصاب يده فهرب، وصعد على سطوح السرايا، فلما نظرته جماعة البيرقدار وضعوا له سلماً فنزل إلى صحن الدار، حيث كان البيرقدار، وعندما نظر إليه البيرقدار فرح فرحاً عظيماً وحمد الله تعالى على خلاصه من أخيه وصار يقبل قدميه، ثم دخل به القاعة وأجلسه على تخت السلطنة، وأرسل جنداً قبضوا على السلطان مصطفى وأمر بحبسه فلما تم جلوس السلطان محمود جعل مصطفى باشا البيرقدار صدراً أعظم، وسلمه زمام الأحكام، فأخذ يجتهد في أخذ الثأر من الذين قتلوا السلطان سليم، ثم شرع في تنظيم العسكر الجديد، وطلب اجتماع أهل الحل والعقد من رجال الدولة، فلما حضروا أخذ يبين لهم شدة الاضطرار لتعليم العساكر صناعة الحرب، وإنفاذ أوامر السلطان طالباً رأيهم في ذلك، فصادقوه مذعنين لأمره، وتعهدوا بالمساعدة في كل من يؤول لنجاح المملكة، وفي الحال أخذ الصدر الأعظم في وضع ترتيبات جديدة أوجبت الملام عليه من كثيرين، وأضمروا له السوء، وصاروا يطعنون فيه جهاراً ويدعونه بالكافر، وعلقوا أوراقاً، ولا زال الأمر في اضطراب إلى أن قتل السلطان مصطفى المترجم بإشارة من السلطان محمود، سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين رحمه الله تعالى. وفي ترجمة السلطان محمود زيادة تفصيل وبيان فليراجع هناك.
الشيخ مصطفى بن أحمد حسين بن أحمد بن عبد الرزاق الحلبي الولي المستغرق
المجذوب المشهور صاحب الأحوال الغريبة الباهرة، والكرامات البديعة العالية الظاهرة، كان كثير الإنشاد، من أقوال السادة الأمجاد، ومن
стр. 1460
الموشحات الأنيقة، والمواليا الرقيقة، وله حافظة قوية، ونغمات لطيفة ندية، ما رآه إنسان إلا وأحبه، ورام دنوه وقربه، وكان يرد عليه من الناس مال كثير، فيدفعه في الحال لمستحقيه من مسكين وفقير، وكان معتقداً عند الخاص والعام، وكراماته مشهورة مشهودة للأنام. توفي بعد ألف ومائتين وخمسة في حلب، ودفن بها رحمه الله تعالى ونفعنا به.
الشيخ مصطفى بن محمد بن إبراهيم بن محمد الطرابلسي الحلبي المولد والمنشأ الحنفي
العالم الفاضل، والمتقن الكامل، المولى السيد الشريف، البليغ الأديب اللطيف، نخبة البلغاء، وكعبة طواف الفضلاء والرؤساء. ولد بحلب في شوال سنة ست وأربعين ومائة وألف، ونشأ بكنف والده الشمس محمد نقيب الأشراف ومفتي الحنفية بحلب، أحد العلماء والفقهاء المشهورين بعصره، وقرأ عليه الكثير من الكتب وانتفع به وسمع عليه الكثير وأخذ عنه، واشتغل على غيره بالأخذ والتحصيل وقرأ عليهم، كأبي السعادات طه بن مهنا الجبريني وأبي عبد الفتاح محمد بن الحسين بن مرعي السويدي البغدادي عام دخوله حلب حاجاً سنة سبع وخمسين ومائة وألف، وأبو عبد الله محمد بن علي الجمال الحلبي تلميذ والده فبرع وفاق، وانعقد على فضله الاتفاق، وحصل له الفضل الذي لا ينكر، والاتقان الذي لا يجحد بل ينشر ويذكر، وأقبل على الأدب ومطالعة كتب اللغة والعربية واشتغل بها حتى ضبط الكثير منها وحفظ غالبها، وجمع كتاباً في اللغة لم ينسج على منواله،
стр. 1461
ولم يسبق إلى مثاله، جعله أبواباً وفصولاً وتفرغ لجمعه وتحريره عدة سنين، حتى جاء كتاباً وافياً مفيداً سهل المأخذ كثير الفائدة. وقدم دمشق ودخلها غير مرة، وسمع من أبي يحيى علاء الدين علي بن صادق الداغستاني، وسمع الكثير من العلماء واستفاد من فوائدهم، ثم ارتحل إلى حلب وامتحن لما قامت الأشراف وقوي جانبهم، وخرج من حلب واستقام مدة في مدينة صيدا وتلك النواحي، ثم دخل القسطنطينية، وكان قد مات والده في تلك الأيام واجتمع بعلمائها وأعيانها، وتقلبت به الأحوال بعد ذلك، واستقر آخر أمره في بلدته الشهباء إلى أن اخترمته المنية، سنة نيف وعشر ومائتين وألف ودفن هناك رحمة الله تعالى عليه.
الشيخ الملا مصطفى بن جلال الدين الكلعنبري النقشبندي الخالدي
العالم الفاضل الألمعي، والحبر الكامل المرشد اللوذعي، مرشد السالكين، ومفيد الواصلين، الخليفة لحضرة المولى الأستاذ، والحبر البحر الملاذ، حضرة مولانا خالد فخلفه عنه خلافة مطلقة وأذن له بالإرشاد، فأفاد بالشريعة والحقيقة حسب المراد، ولم يزل إلى أن توفي سنة ألف ومائتين و.
الشيخ مصطفى زين الدين الحمصي صاحب معارضات الشيخ هلال
لقد ترجمه الإمام الأديب، والهمام اللبيب، محمد خالد أفندي جلبي الحمصي بقوله: أديب فريد، وشاعر مجيد، كان ﵀ أديباً عاقلاً فاضلاً، فطناً ذكياً ودوداً صالحاً ورعاً تقياً، ولد بحمص وبها نشأ، ولما
стр. 1462
كبر وشب حفظ القرآن وتعلم الخط والحساب، ثم تعلق على العلوم فأخذ بقسم وافر من كل منها، وقرأ كثيراً من كتب الأدب والتواريخ، وطالع أكثر دواوين الشعراء وأقوال البلغاء، فحفظ منها في مدة يسيرة ما يعجز عن حفظه غيره في أعوام كثيرة، وكان مع ذلك قد منح حسن الصوت وجودة الحفظ، فتعلق على العلوم الموسيقية فبرع بها، وأحبه أعيان البلدة وأكابرها، فكان سمير العلماء ونديم الشعراء والبلغاء، ثم زادت شهرته وبعد صيته وتولع به الخاصة والعامة، فاعتنقه الشيخ الفاضل والمرشد الكامل، أبو النصر بن الولي العارف بالله الشيخ عمر اليافي، صاحب المنظومات الدرية والقدود البهية الموسومة في البكرية، فنزل عنده منزلة عظيمة، وحلت عليه أنظاره الكريمة، ثم رحل مع الشيخ المذكور وتخرج بصحبته، وصار منشد ذكره وحضرته، فسافر معه إلى الاستانة العلية، ونزلا عند عبد الله باشا أحد وزراء الدولة العثمانية، وذلك في زمن السلطان ساكن الجنان السلطان عبد العزيز بن السلطان محمود خان تغمدهما الله بالرحمة والرضوان، فحصل لهما الإقبال التام، ووجهت على الشيخ مصطفى رتبة روس إيبك بواسطة الباشا المذكور، وانتظمت له الأمور، وأحبه عبد الله باشا فحبسه عن المسير، ونال منه الخير الكثير، ثم سافر معه إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وأقام عنده مدة طويلة بمزيد الإنعام، ورجع بعد ما طاف البلاد المصرية.
فرأى في تلك المدة بدور المنظومات الهلالية طالعة، وأنوارها
стр. 1463
لامعة، والناس منها بين إعجاب وإطراب، وإطناب وإسهاب، فأخذ في معارضته، وشمر إلى مبارزته، ولكن تركه في واد وسلك في واد آخر، وعن تلك الخطة رجع والقدور، إلى غير ذلك مما ستقف على معانيه، وتتأمل رصانة مبانيه، من المنظومات الفائقة، والأدوار الرائقة، والكلام الذي فاق بسلاسته وعذوبته كل كلام في هذا الباب، وأعجز فحول الشعراء عن مضاهاته وحير منهم الألباب، حتى قال قائلهم ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا لشيء عجاب! ومن ثمة أوغر عليه صدر الهلالي حنقاً، وازداد تضجراً وقلقاً، تأسفاً على إهمال نظمه الذي فاق الدر المنثور، ونبذه خلف الظهور، وتوله الناس بما يعارضه به الشيخ المذكور، على أن الشيخ مصطفى لم يكن مقصوراً على النظم في المآكل، إنما كان يأتي بذلك على سبيل التفكه والمداعبة. وكان له نظم جيد رقيق، والذي يدعوه أيضاً لسلوك هذه الخطط واقتفاء تلك الرسوم، كثرة ولعه في حب المآكل واللحوم، فإنه كان رحمه الله تعالى أكولاً عظيماً، وقد قيل من أحب شيئاً أكثر من ذكره، وسوف نأتي على نبذ من مهمات أمره، مع ما فيه، فإنه كان ﵀ مسامراً نديماً حافظاً، إذا جالسك يملأك نكات وأخبارا، وملحاً وآثارا.
توفي رحمه الله تعالى عام ألف وثلاثمائة وتسعة عشر إثر نزلة صدرية، لم تنجع فيها حيل المطببين، وله من العمر ما ينوف على السبعين، وكانت موتته على هيئة تشعر بحسن الختام، والفوز بدار السلام، وذلك حيث كان رحمه الله تعالى رحمة واسعة في نهاية مرضه وقد أصبح يوم الجمعة، حتى إذا كان قبيل الصلاة رأى في نفسه خفة وراحة فطلب ماء ليتوضأ معولاً على
стр. 1464
النزول إلى الجامع، وكان قريباً لبيته، ولما أتي له بالماء توضأ محسناً للوضوء، وحيث أتم أمر بفرش مصلاه، وشرع في صلاة سنة الجمعة قبل المسير، فقبض قبل التشهد في السجود الأخير، ودفن في عصر ذلك اليوم، وكان له مشهد عظيم مشى في جنازته أكابر البلدة وأعيانها. وقد أرخ موته العلامة المحقق والحبر المدقق، نخبة الفضلاء الكرام وعمدة العلماء الأعلام، أتاسي زاده السيد خالد أفندي مفتي حمص الأسبق، قائلاً - وقد رقم على القبر:
هذا الضريح لمصطفى ... مداح خير المرسلين
من لابن زين الدين يع ... زى نسبة في العالمين
لبى المهيمن ساجداً ... لما رأى عين اليقين
العفو أرخ واقر ... ولنعم دار المتقين
ومن نظمه البديع الرقيق مطرزاً باسم رفيق:
رماني بسهم من لحاظ فواتك ... غزال له دانت أسود المعارك
فما البدر يحكيه ولا الغصن إن بدا ... أو اختال في ثوب البها في مسالك
يلذ لي التعذيب في حب من غدا ... وأصبح من دون البرية مالكي
فليت الكرى لما شواني بحبه ... أراقب زهر الليل ضمن الحيالك
ومن كلام الشيخ هلال موشح لازمه:
بالله يا باهي الشيم ... رفقاً بولهان
ما شاقه ذكر العلم ... لولاك والبان
أظهرت سري المكتتم ... ما بين دمعي والسقم
في لوحه خط القلم ... إن الهوى حكم حكم
دور
بدر منير أم ملك ... أم أنت إنسان
ما خاب راج أمّ لك ... بالقرب إحسان
стр. 1465
كم من جهول أمّ لك ... نال الشقا مع من هلك
سبحان من قد كملك ... في كل حسن تم لك
دور
أهوى الجمال المطلقا ... أيان ما كان
إذ مذهبي أن أعشقا ... حوراً وولدان
أدهشتني عند اللقا ... يا بدر حسن مشرقا
يدري بذا من حققا ... إن القنا عين البقا
دور
وا لوعتي من علما ... غزلان نعمان
عن حبهم منع اللمى ... ظلماً وعدوان
يا تاركين المغرما ... في حبهم يبكي دما
سكران من حر الظما ... يبغي السراب الأوهما
دور
سكرى لدى محو الأثر ... للدن أدنان
حيث المعاني والصور ... راح وريحان
كالشمس في روض القمر ... تجري لأبهى مستقر
طور على طور انجبر ... من لن تراني قد ظهر
وقال المترجم في معارضته:
بالله يا شاوي اللحم ... قدم لجوعان
ما همه غير اللقم ... يملي لجسمان
أحييتني بعد العدم ... خاروف محشي محترم
ويا صديرا قد ألم ... كنافة تبري السقم
دور
стр. 1466
رز دفين مأكلك ... أم لحم خرفان
ما جاع بطن لذّ لك ... بطول أزمان
سبحان من قد دعبلك ... يا ضلع محشي يا ملك
ما أسمنك ما أسمنك ... ما أدهنك ما أدهنك
دور
أكل المحاشي مطلقا ... شفاء أبدان
إذ مذهبي إن أشرقا ... سمناً وأدهان
قد هاش بطني مذلقا ... قطايفاً وقيمقا
بالله كسر فستقا ... وأحشي بها المفرقا
دور
ما آن أحظى بالكما ... بالله ما آن
علي بها أن أصدما ... مع لحمة الضان
لا سيما لا سيما ... رز لديه قدما
والسمن فيها عوما ... فابلع وكبر لقما
دور
قلبي على كشك الفقر ... لا زال ولهان
إذ تحته ذاك الزفر ... من كل ألوان
فاصرف أخي للنظر ... عن غير أكل مفتخر
ما اللفت عندي والجزر ... إلا غذاء للبقر
ومن كلام الشيخ هلال من الموشح
قلبي كووا عزا حووا ... وعلى العرش من الحسن استووا
دور
دار من تهوى ودع في كل دار ... مدع في الحب جهلا غير دار
стр. 1467
فالهوى كأس على العشاق دار ... فيه من فازوا وفيه من هووا
دور
ليت شعري من لقلبي أمرضوا ... هم إلى الآن غضاب أم رضوا
غرضي هم أعرضوا أم أغرضوا ... بالتجني أم على قتلي نووا
دور
آه من نار جفاهم والصدود ... بعد جنات وقاهم بالعهود
يا ترى عيشي بهم يوماً يعود ... بعد ما أغصانه الخضر زووا
وقال المترجم معارضاً له:
لحماً شووا خبزاً طووا بيضاُ قلوا ... وعلى السمن القباوات استووا
دور
مذ رآني شيخنا المغشي جار ... راح للمحشي وبالكوسى استجار
أيها القطر انعقد مذ أنت جار ... لصدور للكنافات حووا
دور
أيها الأخوان للأكل انهضوا ... وذروا الجوع وعنه أعرضوا
وعلى الخاروف بالكف اقبضوا ... بأصابيع على الصحن هووا
دور
لحمة الضان شفاء للكبود ... ليس كالملفوف نفاخ الجلود
وكذا البيرق الزاكي الجدود ... من كرام الكرم عنه قد رووا
وللشيخ هلال موشح صبا
بدت لنا في كالع الإسعاد ... يمحو سناها الليل
شمس على غصن رطيب نادي ... تزهو بجر الذيل
أخا الأشجان ... دع الأحزان
وساقينا لنا قد آن ... منه الوفا بالكيل
ويا أغصان على كثبانأجيبوا داعي الألحانبالميل كل الميل
стр. 1468
دور
لم أنس مسراها بلا ميعادي ... في غفلة الحراس
وقولها برقة الإنشاد ... بشراك زال الباس
عبير فاح هزاز صاحونادى قم بنا يا صاحللأنس والإيناس
ونجم لاح بشمس الراحوقد أهدت لنا الأفراحوللعذول الويل
دور
ريح الصبا من حي ذاك الوادي ... زر، ربة الأستار
بنت الخبا ذات الجمال البادي ... فضاحة الأقمار
فلو يا خال نظرت الخال ... وشعرا مد للخلخال
سلاسل الأقدارودرا حال بثغر حالفتاة طرفها بالحال
تردي غزاة الخيل
وللمترجم معارضاً له
الجسم لا يقوى بغير الزاد ... ولا يشد الحيل
ولحمة الخاروف لحم نادي ... والدهن منه سيل
أنا الزحان بالأسنانلكل الأكل يا إخوانللجوع مالي ميل
ولي مصران في جسماندواماً لم يزل ملآنفي يومه والليل
دور
خاروفنا المحشي عن الأكباد ... حقاً يزيل الباس
وقرعنا اليقطين ذو الإمداد ... طابت به الأنفاس
ودهن ساح بلحم راح ... يقيت الجسم والأرواح
بالرز والقلقاس ... وعطر فاح بالتفاح
وكفي لم يزل مساح ... للتمر عندي كيل
دور
باليبرق عج طيب الأجداد ... إن منك جوع ثار
стр. 1469
وشيخنا المغشي مروي الصادي ... من سمنه المدرار
إذا ما انسال كسيل سال ... رحيق منه كالسلسال
تجلى به الأكدار ... ورز غال بسمن عال
عليه اللحم لما انهال ... يحكي ظلام الليل
وللشيخ هلال ﵀ موشح
روح صب ولهان ... حور بين الولدان
والشادي يدعو الساقي ... يا سلطان الندمان
لاحت من خلف الأستار ... شمس تزري بالأقمار
لو حلت شهب الأزرار ... عن صدرها النوراني
ما هند لكن حسنى ... ذات الأوصاف الحسنى
ما أسنى منها الحسنى ... مقروناً بالإحسان
دور
قلت رفقاً بالمهجات ... قالت عن عجب هيهات
كم من جنات الوجنات ... أكباد في النيران
دور
من لي بالظبي الأغيد ... ذي القد الزاهي الأملد
ما أحلاه بعد الصد ... إذ حياني أحياني
دور
وحد مولى قد ولاه ... قلباً لم يبرح يهواه
بدر عوزت مجلاه ... بسم الله الرحمن
وللمترجم ﵀ معارضاً له:
من لحم الزاهي الضان ... قدم محشيّ الخرفان
وأدر لي يا ساقي ... كأساً من الأدهان
стр. 1470
دور
جاءتنا من بيت النار ... كبة تجلو الأكدار
والسمن منها مدرار ... يطفو فوق الصواني
دور
ما لذي الجوع المضنى ... غير ذي الدهن الأسنى
شيخنا المغشي يعنى ... في أول الألوان
دور
قلبي لتلك الفتات ... كم به قامت حسرات
فابعدوا صحن الكرات ... يا صحبي عن أعياني
دور
من لي وافى بعد الصد ... اليبرق الزاكي الجد
منه أكلي بلا عد ... لا يكفيني الألفان
دور
جل مولى قد أعطاه ... طولاً في أصل مبناه
قرع لو يحشى ناداه ... كفى أسرع القاني
وللشيخ هلال موشح:
ما أسعد الصبحية ... بالطلعة البدرية
والشمس منها تجري ... كواكب درية
دور
عن ذي الجمال السامي ... لم تلمني لوامي
لا والعذار اللامي ... والطرة السنية
دور
من لي به من أغيد ... ريم يصيد الأصيد
حلو التثني مفرد ... ذو قامة خطية
стр. 1471
دور
وافى مدير الخمر ... والخد الزاهي الزهري
فانهض لشم العطر ... من وردة جورية
دور
إن لم تعدني عدني ... فالشوق داء مضني
يا يوسفي الحسن ... أحزاني يعقوبية
دور
للحان والألحان ... والراح والريحان
هي أخا الأشجان ... نسكر مع الجمعية
دور
إن كنت بالأفراح ... ماحي دجى الأتراح
فاشرب عجوز الراح ... من راحة الصبية
وقال المترجم من الموشح معارضاً:
عقولنا مسبية ... بالكبة الصينية
والسمن منها يجري ... سحائب سخية
دور
شوقي نما للبامي ... إذ غاصت بالألحام
والدهن منها طامي ... مشارب هنية
دور
سبحان من قد أوجد ... يبرقنا الزاكي الجد
على نعماه يحمد ... بكرة وعشية
دور
بصماء ضمن الصدر ... قد كللت بالقطر
حمرا سناها يزري ... بالأنجم الزربة
стр. 1472
دور
قد لذ لي بالجبن ... قطائف لو تدني
عليها أمسى بطني ... ذا نعمة شجيه
دور
لموسم الخرفان ... ما زلت كالولهان
نعم به تلقاني ... ذا همة عليه
دور
أدر لي كاس الراح ... من دهنه السياح
فقد نفت أتراحي ... نفحاته العطريه
وللشيخ هلال موشح
بادر فنور الراح في الأقداح ... قد لاح كالأرواح بالأشباح
دور
فهي المداما كم برت أسقاما ... كفوا الملاما معشر النصاح
دور
فاشرب زلالا لا تخف إزلالا ... والكأس لالا سقط زند الراح
دور
كانت وجرمي قبل خلق الكرم ... بالشهب ترمي مارد الأتراح
دور
يسعى بها من للبرايا افتن ... إن ماس يطعن طعنة الأرماح
وقال المترجم
أدر كؤوس القطر بالأقداح ... فالصدر وافى وانجلت أتراحي
دور
بصما إذا ما القطر فيها عاما ... فلا ملاما شربه كالراح
стр. 1473
جبن تلالا في حشاها جالا ... والسمن سالا منعش الأرواح
دور
لو كان قسمي صدرها بل رسمي ... لكان جسمي يزهو كالمصباح
دور
حيا وقد رن والحشا له حن ... ما السلوى ما المن كسمنه الفواح
وللشيخ هلال موشح:
نبه الندمان صاح ... إن داعي الأنس صاح
حيث من أيدي الملاح ... لاح نور الكاس لاح
سيما والغيم يسجم ... دمعه فوق البطاح
ورياض الزهر يبسم ... عن ثغور من أقاح
دور
كوكب الحسن أدارا ... في الدجى شمس النهار
طور خديه أنارا ... منه لي نور ونار
دور
يا كليم العشق كلم ... عاذلي ما العشق عار
فالهوى العذري يعلم ... أهله خلع العذار
وقال المترجم:
قدم الخرفان ناحي ... إن داعي البطن ناح
حيث من لحم الأضاحي ... راح هم الجوع راح
دور
سيما والدهن يصدم ... شربه يشفي الجراح
وكماج الخاص يؤدم ... مع قبوات ملاح
стр. 1474
دور
منسف الرز أنارا ... بسناه الاعتكار
وعليه السمن دارا ... فانتشق شم البهار
دور
وعلى المحشي فدمدم ... صاح واخلع للعذار
وإلى الكبة قدم ... قد سبتنا باحمرار
وللهلالي مهنئاً بقدوم والي سوريا أحمد جودت باشا:
صادح الأفراح بالأفصاح صاح ... إذ محا الظلماء مصباح الصباح
ولأرباب التهاني والصفا ... فتح الفتاح أبواب النجاح
بقدوم النير الأعلا الذي ... منه سورية حياها الفلاح
وحماة الشام أضحت تنجلي ... كعروس ذات عقد ووشاح
بوزير الوزراء المجتبى ... آصف الهمة الشاكي السلاح
أحمد الشان العظيم الجد في ... جودة الكف لمن منه استماح
لسن من كأس لفظ مسكر ... بمعان هي للأراوح راح
علم العلم بصيت صوته ... ما على الصابي إليه من جناح
ببديع وبيان في صفا ... خمرة قد مزج السحر المباح
فهلموا يا ذوي الحزم فقد ... جاء أمر الجد وانزاح المزاح
ولسان البشر نادى أرخوا ... في حماة الشام بدر الحق لاح
وقال المترجم:
ساح دهن اللحم فوق النار ساح ... أي راح أي عطر حين فاح
وعن القوم المعازيم الأولى ... أولموا قد راح هم الجوع راح
بقدوم الكبش ذو القرنين من ... لفساد البطن لقياه صلاح
وبه السفرة صاحي أسفرت ... إذ من الإلية لاح النور لاح
بعظيم بارك كالزق في ... جوفه رز ولحم مستباح
стр. 1475
أحمر الأجناب إذ بالسمن جا ... روا عليه لا ولم يخشوا جناح
كلما الأيدي أزالت قطعة ... فج منها نشأة تبري الرياح
ليت شعري من بهارات ذكت ... تلك أو من حيث مرعاه الشياح
نشأتي من كأس دهن منه لي ... قد سلا الساقي ولا من كاس راح
لو بأكلي أمزج القطعة من ... لية مع هبرة هلا مباح
لو رآه صاحب التقشيف و ... الزهد قال اليوم عنه لا براح
وللشيخ هلال:
ربح المتاجر لاكتساب معالي ... حسن الثناء على جميل خصال
للفضل أهل لا يقوم بغيرهم ... بيت سوى أهليه فيه خالي
يا خاطب العلياء جد فإنها ... حسناء ذات تمنع ودلال
فمن الورى ما هم حلا للمجد من ... شنف ومن عقد ومن خلخال
ما الليث إلا من حمى الغابات لا ... من يحتمي بعرينة ودحال
عقد به الخود المليحة جيدها ... حال وعقد بالمليحة حالي
بشرى لمحكمة التجارة والهنا ... ء لها بصارم عضبها الفصال
إلى آخر القصيدة كما هي مذكورة في ديوانه رحمه الله تعالى.
وللمترجم ﵀:
أكل المحاشي صنعتي وفعالي ... والرز لي فيه وسيع مجال
للأكل أهل لا يجاوز غيرهم ... أيديهم فيه كما الفصال
يا طابخ الضلع السمين أما ترى ... جوعي ومخمصتي وسيئة حالي
أنعم به ولك الثواب فإنه ... لا شك يكفيني أنا وعيالي
ما العشق إلا أن تهيم بكبة ... حمراء تهدا لا بذات حجال
والليث من صدم الموائد بل جثا ... متربعاً لا مبتغي لنزال
والقرن من بالكف يقبض رقبة ... الخاروف لا من يردي للأقيال
следующие страницы →