Полный текст (1 568 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والطاعات، وتتبع الكتب والمجلات، في دائم الأوقات، وخصص الأوقاف الجسيمة من المسقفات والمستغلات، وبعدها أنشأ مكان مكتبة في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام، ورتب لها حفظة وخدمة ووقف بها سائر كتبه المتجاوزة خمسة آلاف كتاب من الكتب النفيسة، وأرسلها إلى ذلك المكان، وبعد إكمال ذلك عزم هو أيضاً على أن يهاجر إلى خير البقاع، وفي نيته أن يختم بقية عمره بتلك البقعة المباركة نظراً لشدة محبته لخير الأنام، ورسول الملك السلام، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولكن المرء يسعى والمنية تضحك حيث أن أنفاس الحياة المعدودة وصلت إلى النهاية فتوفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد لست عشرة خلت من شهر شعبان المعظم سنة ألف ومائتين وخمس وسبعين ودفن في قبره المخصوص الكائن في أسكدار عند محل بئر نوح.
هذا وإن المترجم الكبير، والناقد البصير، قد حضر مجالس العلم، بالاستحقاق والفهم، على سادات عظام، وجهابذة قادة أعلام، من أجلهم الفرد الكامل، والعالم العامل، والقطب الشهير السيد محمد الأمير الكبير، وقد كانت له الشهرة الكافية، والمعارف الوافية.
وفي سنة ثلاث وستين حينما توجه والدي للدار العثمانية، والدعوة السامية السلطانية، في أيام أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد، لختان ولديه السلطان مراد والسلطان عبد الحميد، قد كثر بين والدي وبين المترجم الوداد، ولم يكن لواحد منهما في غير مذاكرة الآخر مراد، وقد استجاز كل منهما صاحبه، وعامله لمعرفة قدره بالمعاملة الواجبة،
стр. 142
وبالجملة والتفصيل، إن هذا المترجم كاد أن يقال ليس له مثيل، له ذهن يكشف الغامض الذي يخفى، وفكر لحل المشكلات أروق من الزلال وأصفى، يبصر الخفيات بفهمه، ويقصر فكها على خاطره ووهمه، فجاء بالنادر الذي أعجز، مع تبديل التطويل بالمختصر الموجز، ونظم عقود اللآلي في لبة القريض، ونثر درر المعالي على هام مادحيه فكانوا يفدون عليه وفود البحر الطويل العريض، وكان بعاصمة الروم سراً للإحسان وحاكياً جود زياد وشعر حسان، وقد نظم ونثر، ما يزدرى رقة بنسيم السحر، فمن ذلك قوله ﵀ وجعل الجنة مأواه ومثواه.
إلهي قد فرضت صيام شهر ... علينا محسناً أوفى الجزاء
فنلنا فرحة في وقت فطر ... ونرجو مثلها عند اللقاء
وقال
إن الزمان يعادي من له شرف ... قواه عند أولي الأنظار برهان
فللشموس زوال حيثما ارتفعت ... وللبدور إذا يكملن نقصان
وقال
ألا أن أهنا العيش باكورة الصبا ... وإن الفتى في روضه يانع الغصن
وأصعبه ما جاور الشيب حينما ... حكى البدن المنفوش من ناعم العهن
ومن جملة توسلاته:
يا من إليه الملتجا ... فيما يخاف ويرتجى
أنت المجيب لكل من ... يدعوك في غسق الدجى
ولكم كشفت غياهباً ... من بعد ما انقطع الرجا
أنت المغيث لكل ملهوف ... حشاه تأججا
قد أقلق المهج الضعا ... ف أذى الزمان وأزعجا
يتلجلج النطق الفصيح ... لدى الرجاء تلجلجا
стр. 143
ولقد أضاق علي من ... كل الجهات المخرجا
بين الجوانح والحشا ... حر الهموم تأججا
بحياة خيرتك الذي ... للخير أوضح منهجا
أزكى الصلاة مع السلا ... م عليه ما داعٍ نجا
ومنها:
إصبر إذا باب المنى ... سدت عليك يد الحرج
تمنح فتوح مهيمن ... فالصبر مفتاح الفرج
ومن جملة تقريظاته ما كتبه على الأحكام المرعية:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي وضع الأرض للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان، فسبحانه من متفضل جزيل الإحسان، والصلاة والسلام على من طابت ببركته الثمار، واخضرت من بقية وضوئه الأشجار، وعلى آله وصحبه الذين أحيوا أموات قلوبنا بهواطل الروايات، فنلنا من مزارع فضائلهم حصائد الخيرات والبركات وبعد فإن خليفتنا الأعظم وسلطاننا الأفخم، ولي نعمة العالم، المتحمل أعباء الخلافة من نوع بني آدم، خاقان البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله سبحانه في أرضه، مالك الربع المعمور في طوله وعرضه، المتخلق بخلق الراحمون يرحمهم الرحمن، المتمثل لقوله سبحانه " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " السلطان ابن السلطان ابن السلطان، السلطان عبد المجيد خان بن السلطان الغازي محمود خان
стр. 144
ابن السلطان الغازي عبد الحميد خان، خلد الله ملكه، وجعل الدنيا بأسرها ملكه، ولا زالت أيام دولته كالشمس وضحاها، ولا برحت ليالي سلطنته كالقمر إذا تلاها، وعساكره منصورة في غدوها ومسراها، ومواهبه شاملة للبرية أقصاها وأدناها، ما تبرج ظهر الأرض رافلاً بالخلع الخضراء من وشي الربيع، وتبسمت ثغور الروض من محاسن الصنع البديع، لما اقتعد غارب سرير الخلافة، بسط بساط الإنصاف فائقاً أسلافه الكرام وأخلافه، وتيقظ في إزالة ظلم المظالم حتى إن أنام الأنام في أمان، وبهرت أيامه كالشامة في غرة وجه الزمان، وبالغ في الأمر وأمره مطاع، بقلع شقة الجور والاعتساف من البلاد والضياع، ومد على البرايا جناح الرأفة والشفقة، وعمهم بجزيل الإحسان والصدقة، فمن بدائع عواطفه البهية، وصنائع عوارفه السنية، صدور أمره الشريف بتوسيع الحقوق في الأراضي، وكان ذلك قاصراً في القانون الماضي، كما يطلع عليه من يطالع الصور المكللة المكملة، في بطون هذه المجلة المجلة المجملة، رحمة للضعفاء وفقراء رعيته، ورغبة للثواب الجزيل ومضاعفته، فأيد اللهم هذا السلطان الرحيم الحليم الأفخم، والملك الكريم السليم الأكرم، بالفتح المبين، والنصر على الأعداء والمشركين، بجاه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأكمل تسليم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. كتبه الفقير، المستمنح آلاء ربه القدير، أحمد عارف حكمت بن إبراهيم عصمت الحسيني عوملا بعفو مولاهما الغني آمين.
الشيخ أحمد مسلم بن الشيخ عبد الرحمن الكزبري الشافعي الدمشقي
من أهل بيت قد عمر بالعلم ربوعه، وزين بالفضل أصوله وفروعه، ورفعت العبادة مقامه، ونشرت على هام السيادة أعلامه، ولقد زاد
стр. 145
هذا البيت كمالاً وقدراً، وعلا منقبة وذكراً، ولا ريب أن هذا المترجم كان على طريقة آبائه الكرام، وأصوله السادة العلماء الأعلام، ولد سنة الف ومايتين وست وثلاثين، وحضر دروس والده وغيره من العلماء الأفاضل، وقرأ على والدي الشيخ حسن البيطار مدة في الحديث وغيره من الوسائل، واستجازه به وببقية العلوم فأجازه إجازة عامة، وكان له من والدي المحبة والرعاية التامة، حيث أنه تلميذه وابن أستاذه، ونجل شيخه وعمدته وملاذه، وكان للمترجم عز وجاه، وصولة قد رفعت بين الناس رتبته وعلاه، إلى أن صار مقصوداً في الحوائج، معدوداً للمهمات من أعظم المناهج، قد أحبه الولاة والحكام، ورفعوا قدره على كاهل الاحترام، وأقبل الناس من كل جانب عليه، حتى كادوا لا يجنحون إلا إليه، ولذلك كان جاهه لعلمه ساتراً، ولتقدمه على أضداده ناصراً، لأن دائرة اشتهاره كانت أوسع من دائرة علمه، ودائرة قاصديه وأنصاره قد زادت على دائرة فهمه، وبعد موت أخيه الشيخ عبد الله سنة خمس وستين ومائتين وألف جلس مكان أخيه تحت قبة النسر، لقراءة صحيح البخاري كل يوم بعد العصر، واستمرت فيه هذه العادة إلى الآن في شهر رجب وشعبان ورمضان. ذكر المحبي في خلال ترجمة الإمام المحاسني أحد مدرسي هذه البقعة أن هذا الدرس وظيفة حادثة بعد الخمسين وألف رتبها بهرام آغا كتخدا والدة السلطان إبراهيم؛ وبنى السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها، وعين للمدرس ستين قرشاً وللمعيد ثلاثين، ولقارىء العشر عشرة قروش اه. اقول لعل هذا الخان هو الخان المسمى بالمرادانية، الذي خرقه الوزير مدحت باشا من جانبيه الشرقي
стр. 146
والغربي وخرق أيضاً بجانبه حماماً يقال له حمام المرادنية، ووصلهما بالسوق الجديد الذي بناه إمام جامع السباهية، وأحكمه بأن يكون على خريطة متناسبة من باب الجابية إلى مأذنة الشحم، وهكذا إلى حارة النصارى، وذلك سنة سبع وتسعين ومائتين وألف. والآن تغيرت معالم الخان والحمام وانمحت آثارهما أصلاً لأنهما صارا دكاكين، ولم يبق من الخان إلا بابه، حتى إن الحادث الذي لا يعرفهما لا يظهر له إلا أنه سوق لا غير، والله أعلم.
ولا يتوهم أن ابتداء الدرس في هذا المحل من حين الوظيفة لأن الشمس الميداني الآتي ذكره درس قبل ترتيب الكنخدا بنيف وأربعين سنة كما سنذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى. وقد اشتهر بين الخاص والعام أن وظيفة هذا الدرس مشروطة لأعلم علماء الشام.
ذكر أول من جلس للتحديث تحت قبة النسر بعد العصر في الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان
стр. 147
أولهم هو العالم العلامة، والحبر الفهامة الشمس محمد الميداني أناله الله في جنته الأماني، قال المحبي في أثناء ترجمته: لما مات الشمس الداودي
стр. 148
أي سنة ست وألف فقد الناس مجلسه للحديث فقامت الطلبة على الشمس الميداني بعقد مجلس في الحديث بعد موته بسنتين أو أكثر، فأقرأ في صحيح البخاري بعد صلاة العصر، واختار أن يكون جلوسه تحت قبة النسر، وكان الداودي يجلس تجاه المحراب الذي للشافعية بعد وفاة البدر الغزي واستمر الميداني إلى أن توفي بالقولنج في وقت الضحى يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وألف وصلي عليه قبل صلاة العصر، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبر والده، ولما أنزل في قبره عمل المؤذنون ببدعته التي ابتدعها مدة سنوات بدمشق من إفادته إياهم أن الأذان عند دفن الميت سنة وهو قول ضعيف ذهب إليه بعض المتأخرين ورده ابن حجر في العباب وغيره فأذنوا على قبره اه. ومدة تدريسه على ما ذكر إما أربع أو خمس وعشرون سنة لا سبع وعشرون كما وهم.
ثم تولاه بعده العلامة الإمام، والحبر الهمام الشيخ نجم الدين محمد الغزي
واستمر إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وألف عن ثلاث وثمانين سنة وعشرة أشهر وأربعة أيام، ودفن بمقبرة
стр. 149
الشيخ رسلان ﵁، ومن غريب ما اتفق له في درسه تحت القبة أن الشمس الداودي كان وصل في قراءة البخاري إلى باب كان ﷺ إذا صلى لا يكف شعراً ولا ثوباً، ودرس بعده الشمس الميداني من ذلك الباب إلى باب مناقب عمار بن ياسر وتوفي، ودرس من بعده النجم الغزي إلى أن أكمله في ثلاث سنوات، ثم افتتحه وختمه وأعاد قراءته إلى أن وصل البكاء على الميت، وكانت مدة تدريسه سبعاً وعشرين سنة اه. والظاهر أن الكتخدا المقدم ذكره رتبة في مدة النجم كما يعلم مما سلف والله أعلم.
ثم تولاه بعده ولده الفاضل الكامل الشيخ سعودي الغزي
وابتدأ من محل انتهى إليه درس والده في صحيح البخاري، واستمر إلى
стр. 150
أن توفي في أوسط ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وألف ودفن بمقبرة آبائه تربة الشيخ رسلان قدس الله سره العزيز، وكانت مدة قراءته عشر سنوات ثم طلب التدريس العالم الجليل الشيخ محمد الاسطواني من قاضي القضاة واجتمع هو والشيخ محمد تاج الدين المحاسني في مجلس القاضي وكان الآخر طالباً لها، فوقع بينهما مقاولة ومخاصمة وقيل إنهما تشاتما بألفاظ قبيحة.
стр. 151
ثم وجهت البقعة للمحاسني
ومرض الاسطواني من يومه وبعد أسبوعين توفي قبل الظهر من يوم الأربعاء سادس وعشرين المحرم عام اثنين وسبعين وألف ودفن بمقبرة باب الفراديس، قال المحبي: ولم تطل مدة المحاسني أي لأنه درس شهراً واحداً ثم مات في غرة شعبان عشية الأربعاء عام اثنين وسبعين وألف ودفن بمقبرة باب الفراديس بالقرب من جده الأمير الحسن البوريني.
стр. 152
ثم وجهت البقعة للأستاذ الكبير محمد بن يحيى الخباز البصير المعروف بالبطنيني
ودرس إلى أن توفي في سنة خمس وسبعين وألف، وكان مدة تدريسه ثلاث سنين.
ثم وجهت البقعة للإمام الجليل الحنفي الشيخ علاء الدين الحصفكي
ودرس مدة، ثم سعى بعض حساده في عزله، وأرسلوا في ذلك كتباً إلى جانب الدولة، فاستقر ذلك في عقول أصحاب الحل والعقد فعزل.
стр. 153
ثم وجهت البقعة للشمس محمد بن محمد العيثاوي
قال المحبي: وبقي العلاء على هذا نحو سنة ثم سافر إلى الروم
стр. 154
واجتمع بشيخ الإسلام يحيى المنقاري وشكا إليه حاله فأعاد عليه بقعة التحديث، وبقي إلى أن توفي يوم الإثنين عاشر شوال سنة ثمان وثمانين وألف عن ثلاث وستين سنة، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأما العيثاوي فإنه توفي ليلة الخميس رابع يوم شهر ربيع الأول سنة ثمانين وألف بداء الاستسقاء ودفن بتربة باب الصغير اه وانظر هل أعيدت للحصفكي بعد وفاة العيثاوي أو قبله؟ والظاهر الأول، لأن المحبي لما ترجم العيثاوي قال وولي آخر أمره تدريس البخاري في الأشهر الثلاثة تحت قبة النسر بجامع بني أمية ثم ذكر وفاته ولم يذكر أنه عزل عن الدرس والله أعلم.
ثم وجهت البقعة عن الشيخ علاء الدين الحصفكي المفتي إلى العلامة المحقق والفهامة المدقق الشيخ يونس المصري
سنة تسع وثمانين فدرس بها إلى حين وفاته، وسافر في هذه المدة مرتين
стр. 155
إلى الديار الرومية، وكان يونب عنه في غيبته في التدريس المرقوم الشمس محمد بن علي الكاملي وكانت وفاة الشيخ يونس في ذي الحجة سنة عشرين ومائة وألف، وكانت مدة تدريسه ثلاثاً وثلاثين سنة ما عدا سنتين درس بهما الكاملي، وأما الكاملي فإنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف كما في تاريخ المرادي.
ثم وجهت البقعة للعلامة الشهير الشيخ إسماعيل العجلوني
قال المرادي: وذلك أنه ارتحل إلى الروم سنة تسع عشرة ومائة
стр. 156
وألف، فلما كان بها انحل تدريس البقعة عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فأخذه هو، وجاء به إلى دمشق، وكان والي دمشق إذ ذاك الوزير يوسف باشا القبطان عارضاً به إلى شيخه الشيخ محمد الكاملي شيخ الشيخ إسماعيل المذكور، وألزم القاضي بعرض على موجب عرضه، وأنه يعطي ما صرفه شيخه الشيخ أحمد الغزي مفتي الشافعية بن الشيخ عبد الكريم بن الشيخ سعودي المقدم ذكره للقاضي، وكان مراد الغزي أولاً التدريس، فحين وصول العرض إلى دار الخلافة قسطنطينية للدولة العلية، ما وجهوا التدريس لشيخه الكاملي، بل وجهوه للشيخ إسماعيل العجلوني، واستقام بهذا التدريس إلى أن مات، ومدة إقامته من سنة ابتداء إحدى وعشرين إلى أن مات إحدى وأربعون سنة، وكانت وفاته بدمشق في
стр. 157
محرم الحرام افتتاح سنة اثنتين وستين ومائة وألف، ودفن بتربة الشيخ أرسلان ﵁. وغلط من قال إن مدة درسه ثلاث وأربعون سنة، وأما الشيخ أحمد الغزي فكانت وفاته في يوم الجمعة ثاني شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف.
ثم وجه تدريس البقعة للعلامة الشيخ صالح الجينيني الحنفي
فدرس إلى أن مات، وذلك يوم الأحد بعد العصر سادس عشر شهر ذي القعدة سنة سبعين ومائة وألف، ودفن في باب الصغير وكان مدة تدريسه تسع سنين.
ثم وجه تدريس البقعة للإمام الكبير والجهبذ الشهير الشهاب أحمد المنيني
واستمر إلى أن توفي يوم السبت تاسع عشر جمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وكانت مدة تدريسه سنة واحدة.
стр. 158
ثم وجه التدريس للعلامة والحبر الفهامة علي أفندي الداغستاني
فدرس إلى أن أصابه داء الفالج في صفر سنة ست وتسعين، فأناب
стр. 159
الجهبذ النحرير الشمس محمد الكزبري فدرس بالنيابة عنه أربع سنوات، إلى أن توفي الداغستاني ليلة الخميس ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بسفح قاسيون.
ثم وجه التدريس إلى السيد محمد العطار
ولم يدرس بل أناب الشيخ الشمس الكزبري فبقي مدرساً إلى أن توفي السيد محمد العطار سنة تسع بعد المائتين وألف.
ثم تولاه العالم العلامة، والمحدث الفهامة، الشمس محمد الكزبري
من غير تعرض له واستمر إلى أن توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين
стр. 160
وألف ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن في باب الصغير، وكانت مدة تدريسه إحدى عشرة سنة.
ثم تولاه بعده ولده العالم العامل، والقدوة الكامل، ذو الوجه الأنوري الشيخ عبد الرحمن الكزبري
стр. 161
فدرس إلى أن توفي في البلد الحرام ختام عام اثنين وستين ومائتين وألف وكانت مدة تدريسه اثنتين وأربعين سنة.
ثم تولاه بعده ولده العالم الفاضل، والنحرير الكامل، الشيخ عبد الله الكزبري
فدرس إلى أن توفي، سادس وعشرين شهر ربيع الثاني سنة خمس وستين ومائتين والف، وكانت مدة تدريسه سنتين.
ثم تولاه بعده أخوه العالم الجليل والفاضل النبيل الشيخ أحمد
المترجم المذكور، ذو المقام المشهور، فجلس مكان أخيه تحت قبة النسر في جامع بني أمية المصون، وابتدأ من محل ما وصل إليه أخوه من الصحيح الشريف ذي الشأن، وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف وجهت عليه نقابة أشراف الشام، وفي سنة خمس وثمانين فصلت عنه ووجهت إلى أحمد أفندي بن
стр. 162
المرحوم أمين أفندي منجك الصالح الهمام، وفي السنة المذكورة وجهت عليه مشيخة الصمادية القادرية الكائنة في محلة الشاغور، في قرب دار المترجم المذكور، ولم يزل مواظباً على الدروس والأذكار، مع تردد الناس إليه آناء الليل وأطراف النهار، إلى أن جذبته يد المنية، إلى الدار الباقية العلية، ليلة الحادي والعشرين من المحرم الحرام، سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين وصلى عليه أكثر أهل دمشق الشام، في جامع بني أمية، ثم دفن في مقبرة باب الصغير رحمه الله تعالى.
الشيخ أحمد بن محمد أبو الفتح بن محمد العجلوني الأزهري ابن خليل بن عبد الغني العجلوني الجعفري الشاذلي
العالم الشهير، والشهم اللوذعي الخطير، المولى المفضال، المتسربل برداء السيادة والكمال، صاحب الفضائل والأدب، والسامي بمعارفه ذروة الرتب، فلله دره من إمام، حاز كل مرتبة ومقام، تليت آيات أحاديثه في طروس ذوي الفضائل والإمداد، فسما في سماء السيادة والإرشاد. وقد أخذ عن الشيخ أحمد بن عبيد العطار، وعن الشيخ علي السليمي وعن الشيخ خليل الكاملي، وله تأليفات شهيرة، وكتابات كثيرة، تدل على فضله وعلمه، وغزير ذكائه وفهمه. وأخذ الطريقة الشاذلية عن والده، ولقد أقرأ وأفاد، وعظم قدره وساد، وكان حسن الشمائل، بديع الفضائل، بريء الذمة، عالي الهمة، جميل السيرة، صافي السريرة، ولد بدمشق سنة سبعين ومائة وألف ولم يزل مواظباً على الإفادة والاستفادة في العلوم، مع إتقان المنطوق منها والمفهوم، والعمل بالتقوى، في السر والنجوى، إلى أن جاءه الطلب، إلى الفوز بالأرب، فمات سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير، رحمة الله عليه.
стр. 163
الشيخ أحمد أفندي بن سعيد بن حمزة بن علي الدمشقي الحنفي الحسيني الشهير بابن عجلان
نقيب السادة الأشراف في دمشق الشام وابن نقيبها، وأديب القادة ذوي الإنصاف وابن أديبها، فهو أحد صدور الشام، وقمر سماء أولي المجد والاحترام، وشمس أفق الكمال، وبدر فلك الجمال، إكليل الأدب الزاهر، وزهرة غصن الفضل الناضر، من سما في سماء المعارف والأدب، ورقي بمحاسن كمالاته أسنى الرتب، ولما توفي والده أحيلت نقابة الأشراف إليه، والقت الرئاسة زمامها لديه، وكان له في الكرم كف، لا تعرف القبض والكف، ولا زال يتقلب على فرش الهنا، محفوظاً من كل كرب وعنا، إلى أن وقعت حادثة النصارى نهار الاثنين سادس عشر ذي الحجة الحرام سنة ست وسبعين ومائتين وألف، فاختل أمر البلد، وأحس ذوو العقل بالشرور والنكد، فما مضى برهة أيام، إلا وقد حضر الوزير المعظم حضرة فؤاد باشا إلى الشام، مرخصاً بما يريد مما عز وهان، من غير مراجعة ولا استئذان، فبعد أيام جمع الأعيان والصدور، وقر قراره بنفي المترجم المذكور، ومعه الشيخ عبد الله الحلبي، وطاهر أفندي مفتي دمشق الشام، وعمر أفندي الغزي مفتي السادة الشافعية بدمشق، وأحمد أفندي الحسيني، وعبد الله بك بن العظم وولده علي بك، وعبد الله بك بن نصوح باشا، ومحمد بك العظمة، وهؤلاء هم أهل مجلس دمشق الشام وأعضاؤه، فنفاهم جميعاً إلى قبرص، ووضعوا جميعاً في قلعة الماغوصة، وكانت وفاة المترجم المذكور في شهر رمضان المبارك سنة سبع وسبعين ومائتين وألف ودفن هناك في تكة الأستاذ مراد ومات عقيماً، غريباً مظلوماً، وإن آل البيت أكثر الناس ابتلاء ﵁ وأرضاه.
أحمد بن يوسف الشنواني المصري الشافعي المكنى بأبي العز
العالم المحسوب من أفراد علماء ذلك الزمان، والمنسوب لمن دامت مآثر
стр. 164
ذكرهم وإن غابوا عن العيان، فلا ريب أن شمائله في جبهة الليالي غرة، وفضائله في جيد الأيام درة، مع ما له من حسن الخط وجودة الإنشاء، وجميل السيرة بين الأفاضل والعلماء، أخذ عن الشهابين الملوي والجوهري، وعن الشمس الحفني، والشيخ حسن المدابغي، ومحمد بن النعمان الطائي، وحضر على السيد مرتضى صحيح الإمام البخاري بطرفيه وصحيح الإمام مسلم بطرفيه وسنن أبي داود إلى نحو ثلثيه، وغالب الشمائل للترمذذي، وثلاثيات البخاري، وثلاثيات الدارمي، والحلية لأبي نعيم من أوله إلى مناقب العشرة، وأجزاء كثيرة بحدودها في ضمن إجازته بأسانيدها. قال الشيخ الجبرتي: كان نعم الرجل صحبة وديانة وحفظاً للنوادر من الأشعار والحكايات، فمن ذلك ما سمعته من لفظه، قال أنشدني رجل من المغاربة بمكة وقد نسيت اسمه، للتقي السبكي يمدح الإمام الغزالي وكتابه الإحياء:
لمحمد بن محمد بن محمد ... فضل على العلماء بالتمكين
أحيا علوم الدين بعد مماتها ... بكتابه إحيا علوم الدين
وأنشدني أيضاً للإمام الغزالي يمدح الإمام الشافعي ﵄:
إن المذاهب خيرها وأجلها ... ما قاله الحبر الإمام الشافعي
فاخترت مذهبه وقلت بقوله ... ورجوته يوم القيامة شافعي
وأصيب المترجم في آخر عمره بكريمتيه عوضه الله عنهما الجنة ونعيمها. توفي سابع وعشرين من جمادى الأولى سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ أحمد بن محمد بن جاد الله بن محمد الختاني المالكي البرهاني
الإمام العلامة، والوجيه الفهامة، يعرف بأبي شوشة، قال العلامة الجبرتي: وله مقام يزار بأم ختان بالجيزة، نشأ في طلب العلم، وحضر
стр. 165
أشياخ الوقت، ولازم السيد البليدي، وصار معيداً لدروسه بالأزهر والأشرفية، وانتفع بملازمته له انتفاعاً كلياًن وانتسب إليه وأجازه إجازة مطولة بخطه، ونوه بشأنه، فلما توفي شيخه المذكور تصدر لإقراء الحديث مكانه بالمشهد الحسيني، واجتمع عليه الناس وحضر من كان ملازماً لحضور شيخه من تجار المغاربة وغيرهم، واعتقدوا صلاحه، وتحبب إليهم وواسوه بالصلات والزكوات والنذور، وواظب الإقراء بالأزهر أيضاً، وزيارة مشاهد الأولياء وإحياء لياليها بقراءة القرآن والذكر، ويقوم دائماً من الثلث الأخير من الليل ويذهب إلى المشهد الحسيني ويصلي الصبح بغلس في جماعة، وزاد اعتقاد الناس فيه واتسعت دنياه مع المداومة على استجلابها وإمساكها، وبآخره اشترى داراً عظيمة بحارة كتامة، المعروفة الآن بالعينية بالقرب من الأزهر، وانتقل إليها وسكنها. وكان يخرج لزيارة قبور المجاورين في كل يوم جمعة قبل الشمس، فقصدته العرب قطاع الطريق، فأراد الهروب وكان جسيماً فسقط من على بغلته فانكسر زره وحمل إلى داره وعالج نفسه شهوراً، حتى عوفي قليلاً ولم يزل تعاوده الأمراض حتى توفي رحمه الله تعالى سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ أحمد بن سالم النفراوي المالكي المصري
الإمام المفضل، والهمام المبجل، نشأ في حجر والده في رفاهية، ونعمة وافية، ورياسة وكمال، ورفعة وجمال، حافظاً أوقاته بالاجتهاد في الطلب، متمسكاً للوصول إلى المعالي بأقوى سبب، إلى أن جاءته الأماني ملقية إليه مقاليدها، ومنيلة له طريقها وتليدها، ولما مات ولده المرقوم تعصب له الشيخ عبد الله الشبراوي حتى وجه عليه سائر وظائف والده وتعلقاته، وأجلسه للدرس في مكان أبيه وأمر جماعة أبيه بالحضور عليه، وكان الشيخ علي الصعيدي من أكبر طلبة أبيه فتطلع للجلوس في محله، وكان
стр. 166
أهلاً لذلك فعارضه الشيخ الشبراوي وأقصاه، وصدر المترجم المذكور مع قلة بضاعته بالنسبة للشيخ علي المرقوم ولثغة في لسانه، فحقد الشيخ الصعيدي في نفسه عليه سنين، وكان المترجم ذا دهاء ومكر فتصدى للقضايا والدعاوى واتخذ له أعواناًن واشتهر ذكره، وعلا قدره، وعد من الكبار وترددت عليه الأمراء والأعيان. ولم يزل الصعيدي ينتهز فرصة لتأخير حاله، والقائه في أوحاله، إلى أن أمكنته الفرصة من ذلك، فألقاه في أودية المهالك، ولا زال قرين الذل والهوان، وزمانه يعاكسه فيما جل وهان، إلى أن توفي سنة سبع ومائتين وألف، نسأله تعالى الحفظ واللطف، إنه رؤوف رحيم، وقد ذكر الإمام الجبرتي بعض ذلك.
الشيخ أحمد بن موسى بن داود أبو الصلاح العروسي الشافعي المصري الأزهري
علامة العلوم والمعارف، وروضة الآداب الوريقة وظلها الوارف، جامع المزايا والمناقب، شهاب الفضل الثاقب، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، وقدم الأزهر فسمع على الشيخ أحمد الملوي الصحيح بالمشهد الحسيني، وعلى الشيخ عبد الله الشبراوي الصحيح والبيضاوي والجلالين، وعلى السيد البليدي البيضاوي في الأشرفية، وعلى الشمس الحفني الصحيح مع شرحه للقسطلاني، ومختصر ابن أبي جمرة، والشمائل، وابن حجر على الأربعين، والجامع الصغير، وتفقه على كل من الشبراوي والعزيزي والحفني والشيخ علي قايتباي الأطفيحي والشيخ حسن المدابغي والشيخ سابق والشيخ عيسى البراوي والشيخ عطية الأجهوري، وتلقى بقية الفنون عن الشيخ علي الصعيدي لازمه السنين العديدة، وكان معيداً لدروسه، وسمع عليه الصحيح بجامع مرزة ببولاق، وسمع من الشيخ أبي طالب الشمائل لما ورد مصر متوجهاً إلى الروم، وحضر دروس الشيخ يوسف الحفني والشيخ إبراهيم الحلبي وإبراهيم بن محمد الدلجي،
стр. 167
ولازم الشيخ حسن الجبرتي وأخذ عنه وقرأ عليه في الرياضيات والجبر والمقابلة وكتاب الرقايق للسبط وقوللي زاده على المجيب وكفاية القنوع والهداية وقاضي زاده وغير ذلك، وتلقن الذكر والطريقة عن السيد مصطفى البكري ولازمه كثيراً، واجتمع بعد ذلك على ولي عصره الشيخ أحمد العريان، فأحبه ولازمه واعتنى به الشيخ وزوجه إحدى بناته وبشره بأنه سيسود ويكون شيخ الجامع الأزهر، فظهر ذلك بعد وفاته بمدة لما توفي شيخنا الشيخ أحمد الدمنهوري، واختلفوا في تعيين الشيخ فوقعت الإشارة عليه، واجتمعوا بمقام الإمام الشافعي ﵁ واختاروه لهذه الخطة العظيمة فكان كذلك، واستمر شيخ الجامع على الإدلاق، ورئيسهم بالاتفاق، يدرس ويعيد، ويملي ويفيد، وقال الجبرتي: وكان يرعى حق الصحبة القديمة والمحبة الأكيدة، وسمعت من فوائده كثيراً، ولازمت دروسه في المغني لابن هشام بتمامه، وشرح جمع الجوامع للجلال المحلي والمطول وعصام على السمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الورقات وغير ذلك، وكان رقيق الطباع، مليح الأوضاع، لطيفاً مهذباً إذا تحدث نفث الدر، وإذا لقيته لقيت من لطفه ما ينعش ويسر، وقد مدحه شعراء عصره بقصائد طنانة.
ومن كلامه ما كتبه مقرظاً على رياض الصفا لشيخنا السيد العيدروس هذان البيتان:
أخي طالعن في رياض الصفا ... وكن وارداً في مياه الوفا
وقل يا إلهي سلم لنا ... وجيهاً حباه كمال اصطفا
وكتب على تنميق السفر له مضمناً ما نصه:
كتاب على السحر البيان قد انطوى ... وحكمة شعر منه تبدو فضائله
وتنسيق أسفار لحضرة سيد ... هو البحر علماً وافر العقل كامله
стр. 168
إذا رمت أسرار البلاغة فهو في ... قصائده الحسنى التي لا تماثله
عرائس أفراح وعقد جمانها ... بمختصر المدح المطول قائله
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه أوائله
وكتب على النفحة ما نصه:
نفحة المولى الوجيه العيدروس ... نشرها يحيا به موت النفوس
عطرها باهي وذاك عرفه ... ذكر الأرواح عهداً قد تنوسي
جمعت من غرر العرفان ما ... فاق أبهى درر العقد النفيس
وله أيضاً وقد كتب على تنميق الأسفار له:
ألاح ضوء المنى عن برق أسفار ... أم أشرق الكون من تنميق أسفار
أم اليواقيت قد جاءت منظمة ... في عقد در بدا في بعض أسفار؟
إني لأقسم بالرحمن مدحي عبده ... الذي سره بين الورى ساري
العيدروسي ذو الفضل الجليل وذو ... المجد العلي وسر الخالق الباري
إن الذي صاغه من نور تكرمة ... من جوهر عزلاً من نظم أشعار
وله أيضاً عليه:
أسر لائح ساري ... سرى في نوره الساري
ونور باهر باه ... به زند الهوى واري
وبدر سره زاه ... بدا في حسن أسفار
وعقد الجوهر المكنو ... ن أم تنميق أسفار
كتاب بل عباب فيه ... فلك للهوى جاري
ومن كلامه يمدح الأستاذ عبد الخالق بن وفا:
شموس لها أفق السعادة مطلع ... أبت في سوى برج السعادة تطلع
معارج فضل ليس يرقى سنامها ... سوى مفرد في عزه ليس يشفع
سما أفقها السامي أولو المجد والوفا ... وصد سواهم عن سناها وصدعوا
стр. 169
كواكب هدي قد أضاء بنورهم ... سبيل لمن يبغي الرشاد ومهيع
هم السادة الأمجاد والقادة الألى ... بكل كمال جلببوا وتدرعوا
هم الشاربو راح التقرب والصفا ... وكأسهم الأصفى مدى الدهر مترع
وهي طويلة، ولم تزل كؤوس فضله على الطلبة مجلوة، حتى ورد موارد الموت فبدلت بالكدر صفوه، وأي صفاه لا يكدره الدهر، ولم يرشقه بسهام فصم العمر، فدعاه الله تعالى إلى الجنان، وتلقاه جيش الرحمة والرضوان، وذلك في حادي وعشرين من شعبان سنة ثمان ومائتين وألف ودفن بمدفن عمه الشيخ العريان، تغمدهما الله بالرحمة والرضوان. ومن تآليفه شرح على نظم التنوير، في إسقاط التدبير للشيخ الملوي، وحاشية علي الملوي على السمرقندية وغير ذلك. ورثاء الشيخ إسماعيل الخشاب بقوله:
تغير وجه الدهر وازور جانبه ... وجاءت بأشراط المعاد عجائبه
وكدر صفو العيش وقع خطوبه ... وقد كان ورداً صافيات مشاربه
فما لي لا أذري المدامع حسرة ... وافق سماء المجد تهوي كواكبه
وما لي لا أبكي على فقد ذاهب ... موصلة لله كانت مذاهبه
إمام هدى للهدى كان انتدابه ... فلا كان يوم فيه قامت نوادبه
أغرسني شمس الضحى دون وجهه ... وفوق مناط الفرقدين مراتبه
حليف ندى كالسيل سيب يمينه ... وكالبحر تجري للعفاة مواهبه
أخو ثقة بالله في كل موطن ... على أنه ما انفك خوفاً يراقبه
له عفو ذي حلم ورأي أخي نهى ... يضيء لدى محلولك الخطب ثاقبه
على نهج أهل الرشد عاش وقد مضى ... مطهرة أردانه وجلاببه
فمن ذا الذي ندعو لكل ملمة ... ونرجو إذا ما الأمر خيف عواقبه
ومن ذا لإيضاح المسائل بعده ... وحل عرى ما قبل أعيت مطالبه
لقد هد ركن الدين حادث فقده ... وشابت له من كل طفل ذوائبه
стр. 170
وصدع أركان العلا وتقوضت ... لذاك عروش الغير ثم جوانبه
وغادر ضوء الصبح أسود حالكاً ... كأن الدجى ليست تزول غياهبه
ألم تر أن الأرض مادت بأهلها ... وإن الفرات العذب قد غص شاربه
سطت نوب الأيام بالعلم الذي ... تزال به عن كل شخص نوائبه
عجبت لهم أنى أقلوا سريره ... وقد ضم طوداً أي طود يقاربه
وكيف ثوى البحر الخضم بحفرة ... وضاق بجدواه الفضا وسباسبه
خليلي قوما فابكيا لمصابهبمتهل مع ليس ترقا سواكبه
لقد آد إذ أودى وأعقب مذ مضى ... أسى يجعل الأحشا جذاذاً تعاقبه
وأي شهاب ليس يخبو ضياؤه ... وأي حسام لا تفل مضاربه
وأي فتى أيدي المنية أفلتت ... وأي فتى وافته يوماً مآربه
وماذا عسى تبغي من الدهر بعدما ... أصمت وأصمت كل قلب مصائبه
يعز علينا أن نراه ببرزخ ... تمازج ترب الأرض فيه ترائبه
سقى قبره الغيث الملث وأمطرت ... عليه من الرضوان سحاً سحائبه
وحل بفردوس الجنان منعماً ... ولاقته فيه حوره وكواعبه
الشيخ أحمد شهاب الدين بن محمد بن عبد الوهاب السمنودي المحلي الشافعي
الإمام العلامة، والرحلة الفهامة، بقية المحققين، وعمدة المدققين، من بيت أهل العلم والصلاح، والرشد والفلاح، وأصلهم من سمنود. ولد هو بالمحلة وقدم الجامع الأزهر، وحضر على الشمس السجيني والعزيزي والملوي والشبراوي وتكمل في الفنون العربية، وتلقى عن السيد علي الضرير والشيخ محمد الغلاني الكشناوي مشاركاً للشيخ حسن الجبرتي وللشيخ إبراهيم الحلبي، وعاد إلى المحلة فدرس في الجامع الكبير مدة ثم أتى إلى مصر بأهله وعياله ومكث بها وأقرأ بالجامع الأزهر درساً وتردد إلى الأكابر والأمراء وأجلوه، وقرأ في المحمدية بعد موت الشنويهي
стр. 171
في المنهج، وانضم إلى الشيخ أبي الأنوار السادات، ويأتي إليه في كل يوم، وكان إنساناً حسناً بهي الشكل لطيف الطباع، عليه رونق وجلالة، جميل المحادثة حسن الهيئة، توفي بعد أن تمرض دون شهر عن مائة وست عشرة سنة مع كونه كامل الحواس، إذا نهض نهض نهوض الشباب، وكانت وفاته سنة تسع ومائتين وألف ودفن ببستان المجاورين. وكان يتكتم مدة عمره كما نقل ذلك الجبرتي.
الشيخ أحمد بن يونس الحليفي الشافعي الأزهري المصري
الإمام العلامة، واللوذعي الفهامة، رئيس المحققين، وعمدة المدققين، النحوي المنطقي الجدلي الأصولي، قال العلامة الجبرتي: ولد المترجم سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف كما سمع من لفظه، وقرأ القرآن وحفظ المتون وحضر على كل من الشبراوي والحفني وأخيه الشيخ يوسف والسيد البليدي والشيخ محمد الدفري والدمنهوري وسالم النفراوي والطحلاوي والصعيدي، وسمع الحديث على الشهابين الملوي والجوهري، ودرس وأفاد بالجامع الأزهر، وتقلد وظيفة الإفتاء بالمحمدية عندما انحرف يوسف بك على الشيخ حسن الكفراوي، فاتخذ الشيخ أحمد أبا سلامة أميناً على فتاويه لجودة استحضاره في الفروع الفقهية، وله مؤلفات، منها حاشية على شرح شيخ الإسلام على متن السمرقندية في آداب البحث، وأخرى على شرح الملوي في الاستعارات، وأخرى على شرح المذكور على السلم في المنطق، وأخرى على شرح شيخ الإسلام على آداب البحث، وأخرى على شرح الشمسية في المنطق، وأخرى على متن الياسمينية في الجبر والمقابلة، وشرح على أسماء التراجم، ورسالة في قولهم واحد لا من قلة، وموجود لا من علة، ورسالة متعلقة بالأبحاث الخمسة التي ردها الشيخ الدمنهوري، ولازم الشيخ حسن الجبرتي مدة وتلقى عنه بعض العلوم الغريبة، وكملها بعد وفاته على تلميذه محمود أفندي اثنيشي، وكان جيد التقرير ويميل بطبعه
стр. 172
لذوي الوسامة والوجوه الحسان من الأولاد والشبان، فإذا رجع من درسه خلع زي العلماء ولبس زي العامة وجلس بالأسواق، وخالط الرفاق، ويمشي كثيراً بين المغرب والعشاء بالتخفيفة. مات في أوائل رجب سنة تسع ومائتين وألف.
الشيخ أحمد بن أحمد السماليجي الشافعي الأحمدي المدرس بالمقام الأحمدي بطندتا
الفقيه العلامة الصالح الصوفي، قال الشيخ الجبرتي: ولد ببلدة سماليج بالمنوفية، وحفظ القرآن، ثم جاء إلى مصر وحضر على الشيخ عطية الأجهوري والشيخ عيسى البراوي والشيخ محمد الخشني والشيخ أحمد الدردير، ورجع إلى طندتا فاتخذها سكناً وأقام بها يقرىء دروساً ويفيد الطلبة ويفتي على مذهبه، ويقضي بين المتنازعين من البلاد، فراج أمره واشتهر ذكره بتلك النواحي، ووثقوا بفتياه. وقوله، وأتوه أفواجاً بمكانه المسمى بالصف فوق باب المسجد المواجه لبيت الخليفة، وتزوج بامرأة جميلة الصورة من بلد الفرعونية وولد له منها ولد سماه أحمد كأنما أفرغ في قالب الجمال، وأودع بعينيه السحر الحلال، فلما ترعرع حفظ القرآن، والمتون، وحضر على أبيه في الفقه والفنون، وكان نجيباً جيد الحافظة يحفظ كل شيء سمعه من مرة واحدة، ونظم الشعر من غير قراءة شيء في علم العروض.
أول ما رأيته في سنة تسع وثمانين ومائة وألف في أيام زيارة سيدي أحمد البدوي فحضر إلي وسلم علي وآنسني بحفظ ألفاظه، وجذبني بسحر ألحاظه، وطلب مني تمية فوعدته بإرسالها وأبطأت عليه فكتب إلي أبياتاً في ضمن مكتوب وهي:
يا أيها المولى الهما ... م ومن رقى رتب العلا
стр. 173
يا مفرداً في عصره ... ومفضلاً بين الملا
يا يوسف العصر الذي ... عنه فوآدي ما سلا
يا عبد رحمن الورى ... يا ذا المحاسن والحلا
يا ابن الجبرتي الذي ... أعطيت ذكراً أجملا
مني إليك تحية ... ما حن مشتاق إلى
جمالك الفرد الذي ... به المعنى اشتغلا
أو لاح نجم في الدجى ... أو سار ركب في الفلا
هذا وقد واعدتني ... بتميمة تسمو على
حرز الأماني التي ... ما مثلها حرز حلا
فاسمح وجد يا سيدي ... وانعم بها وتفضلا
ولا تطع في صبك ... المضنى الشجي العذلا
وامنن برد جواً به ... فالجسم منه انتحلا
والطرف أمسى ساهراً ... والصبر عنه ارتحلا
والبعد قد أورثه ... سقماً فلا حول ولا
ولما بلغ، زوجه والده بزوجتين في سنة واحدة، ولم يزل يجتهد ويشتغل حتى مهر وأنجب ودرس لجماعة من الطلبة، وحضر إلى مصر مع والده مراراً. وفي أيام شبابه نشبت به أظفار المنية، وحالت بينه وبين الأمنية، وذلك في سنة ثلاث ومائتين وألف، وخلف ولداً صغيراً استأنس به جده المترجم، وصبر على فقد ابنه وترحم، وتوفي هو أيضاً سنة تسع ومائتين وألف رحمهم الله تعالى آمين.
الشيخ أحمد بن موسى بن أحمد بن محمد البيلي العدوي المالكي الأزهري
الإمام العمدة الفقيه، والهمام الصفوة النبيه، المتقن العلامة، المتفنن الفهامة، عين أعيان الفضلاء، ونخبة أفراد العلماء، ولد ببني عدي كما ذكره الإمام الجبرتي سنة إحدى وأربعين ومائة وألف وبها نشأ فقرأ القرآن، وقدم الجامع الأزهر ولازم الشيخ علي الصعيدي ملازمة كلية حتى مهر في العلوم، وبهر فضله في
стр. 174
الخصوص والعموم، وكان له قريحة جيدة، وحافظة غريبة، يملي في تقريره خلاصة ما ذكر أرباب الحواشي، مع حسن سبك، والطلبة يكتبون ذلك بين يديه. وقد جمع من تقاريره على عدة كتب كان يقرؤها حتى صارت مجلدات، وانتفع بها الطلبة انتفاعاً عاماً؛ ودرس في حياة شيخه سنين عديدة، واشتهر بالفتوح، وكان الشيخ علي الصعيدي يأمر الطلبة بحضوره وملازمته، وكان فيه انصاف زائد وتؤدة ومروءة، وتوجه إلى الحق، ولديه أسرار ومعارف وفوائد وتمائم وعلم بتنزيل الأوفاق والوفق المثيني العددي وطرائق تنزيله بالتطويق والمربعات وغير ذلك، ولما توفي الشيخ أحمد الدردير ولي مشيخة رواق الصعايدة وله مؤلفات منها مسائل كل صلاة بطلت على الإمام، وغير ذلك.
ولم يزل على حالته وإفادته وملازمته دروسه ومحافظته على الجماعة حتى توفي سنة أربع عشرة ومائتين وألف ودفن في تربة المجاورين ﵀.
الشيخ أحمد بن إبراهيم الشرقاوي الشافعي الأزهري
العلامة الفاضل، والشيخ العمدة الكامل، قرأ على والده وتفقه وأنجب، ولم يزل ملازماً لدروسه حتى توفي والده فتصدر للتدريس في محله واجتمعت عليه طلبة أبيه وغيرهم، ولازم مكانه بالأزهر طول النهار يملي ويفيد ويفتي على مذهبه ويأتي إليه الفلاحون من جيرة بلادهم بقضاياهم وخصوماتهم وأنكحتهم فيقضي بينهم ويكتب لهم الفتاوي في الدعاوي التي يحتاجون فيها إلى المرافعة عند القاضي، وربما زجر المعاند منهم وضربه وشتمه، ويستمعون لقوله ويمثلون لأحكامه، وربما أتوه بهدايا ودراهم؛ واشتهر ذكره. وكان جسيماً عظيم اللحية فصيح اللسان ولم يزل على حالته حتى اتهم في فتنة الفرنسيس المتقدمة في ترجمة أبي بكر باشا الطرابلسي، ومات مع من قتل بيد الفرنساوية بالقلعة، ولم يعلم له قبر، وكان ذلك سنة أربع عشرة ومائتين وألف ﵀.
стр. 175
الشيخ أحمد بن رمضان بن مسعود الطرابلسي المقرىء الأزهري المعروف بالشيخ شامل
العمدة الفاضل، والنبيه الكامل، والوجيه العالم العامل، حضر من بلده طرابلس الغرب إلى مصر في سنة إحدى وتسعين وجاور في الأزهر وكان فيه استعداد، وحضر دروس الشيخ أحمد الدردير والبيلي والشيخ أبي الحسن الغلقي وسمع على شيخنا السيد مرتضى المسلسل بالأولية وغير المسلسل أيضاً، وأخذ منه الإجازة في سنة اثنتين وتسعين، ولما مات الخواجا حسن البناني من تجار المغاربة، فتوصل إلى أن تزوج بزوجته بنت الغرباني وسكن بدارها الواسعة بالكعكيين، وتجمل بالملابس وتودد للناس بحسن المعاشرة ومكارم الأخلاق، وكان سموح النفس جداً دمث الطباع والأخلاق جميل العشرة، ولما عزل السيد عبد الرحمن السفاقسي الضرير من مشيخة رواقهم كان المترجم هو المتعين لذلك دون غيره، فتولى مشيخة الرواق بشهامة وكرم، ونوه بذكره وزادت شهرته. وكان وجيهاً طويل القامة بهي الطلعة بشوشاً، ولما تولى مشيخة الرواق امتدحه الشيخ حسن العطار بقصيدة أشار في مطلعها إشارة خفية لحالته مع المترجم المتولي والسيد عبد الرحمن المعزول، لصداقة بينه وبين المتولي بخلاف المعزول، وأول القصيدة:
انهض فقد ولت جيوش الظلام ... وأقبل الصبح سفير اللثام
وغنت الورق على أيكها ... تنبه الشرب لشرب المدام
والزهر أضحى في الربا باسماً ... لما بكت بالطل عين الغمام
والغصن قد ماس بأزهاره ... لما غدت كالدر في الانتظام
وعطر الروض مرور الصبا ... على الرياحين فأبرا السقام
كأنما الورد على غصنه ... تيجان ابريز على حسن هام
كأنما الغدران خلجان ... أغصان النقا والنهر مثل الجسام
стр. 176
كأن منظوم الزراجين يا ... قوت غدا من نظمه في انسجام
كأنما الآس عذار على ... وجنته وقد علاها ضرام
كأنما الورقاء لما شدت ... تتلو علينا فضل هذا الإمام
ثم استمر في مدحه وهي طويلة مسطرة في ديوان الناظم المذكور يقول في آخرها.
بشراك مولانا على منصب ... كان له فيك مزيد الهيام
وافاك اقبال به دائماً ... وعشت مسعوداً بطول الدوام
فقد رأينا فيك ما نرتجي ... لا زلت فينا سالماً والسلام
ولما حصلت واقعة الفرنسيس خرج تلك الليلة مع الفارين وذهب إلى بيت المقدس وتوفي هناك سنة أربع عشرة ومائتين وألف.
السيد أحمد بن أحمد الشهير بالمحروقي الحريري
كان من صدور مصر وأعيانها وأمرائها وكانت له يد طولى وكلمة نافذة وشهرة وافية، وسطوة كافية، وكان رجلاً صالحاً نير الطلعة معروفاً بصدق اللهجة، وافر الأمانة، حسن الديانة، وكان والده ملازماً للدعاء له في صلاته، وسائر حركاته وسكناته، فاستجاب الله دعاءه فيه فتقدم على أقرانه، وانفرد في عصره وأوانه، فكان الحكام لا يشيرون إلا إليه، ولم يزل يعلو مكانه ويسمو مقامه إلى أن تعلقت به أظفار المنية سنة تسع عشرة ومائتين وألف.
السيد أحمد بن السيد زيني دحلان المكي مفتي الشافعية بمكة المحمية
فريد العصر والأوان، علي الهمة عظيم الشان، علم العلماء الأعلام، وملجأ السادة الكرام، عمدة الأفاضل، ونخبة ذوي الشمائل، من طار ذكره في الأقطار، واشتهر فضله وقدره في النواحي والأمصار، واعترف له ذوو الإجلال، بأنه قد استوى على ذروة الكمال، ولي إفتاء الشافعية،
стр. 177
بمكة عاصمة البلاد الحجازية، فازداد حبه لدى الخاص والعام، وعظمته قلوب الأهالي والحكام، وكان لطيف المعاشرة، حسن المسايرة، سار في منهج العلم والأدب من صغره، واعتاد قطف ثمرات الرفعة من ابتداء عمره، وحضر دروس الأفاضل، إلى أن جلس معهم على مائدة الفضائل ثم لا زال يترقى مقامه، ويخضع له مطلوبه ومرامه، إلى أن انفرد في جلالته، وانجلبت القلوب على مهابته، وله كنايات حسنة، وتأليفات مستحسنة، من جملتها الفتوحات الإسلامية، بعد مضي الفتوحات النبوية، وهو كتاب مفيد، لكل طالب ومستفيد، ولما تم بدر إشراق جمعه وعم الأنام حسن طبعه، أرخه الهمام المحفوظ من حاسد وشاني، عبد الحميد ابن محمد فردوس المكي الأفغاني، فقال:
قف بي على تلك الربا ثم سل ... عن ربع سعدى والجناب الرحيب
وانشر حديث الوجد في حيهم ... كي يرحموا الصب المعنى الكثيب
واذكر لهم عهداً مضى بالهنا ... في غفلة الواشي وقرب الحبيب
واشرح لهم حال معنى بهم ... ما مال عنهم طرفة للرقيب
أحبابنا إن واصلوا أو نأوا ... لا حول لي عنهم ولا لي مجيب
حتى م هذا العذل يا عاذلي ... كم ذا يقاسي القلب عذل المريب
رفقاً بمن أضناه سقم الجوى ... والدمع فوق الخد يبدو صبيب
أضحى مقيماً بين أهل وصحب ... لم يداروه وغاب الطبيب
والنفع لم يحصل له سوى ... فيض كتاب نافع للأديب
حاوي المغازي والفتوحات قد ... فاق التواريخ بوضع عجيب
تأليف مولانا إمام الهدى ... الكامل الفرد الحسيب النسيب
أعني رئيس العلم في مكة ... مفتي الأنام اللوذعي الأريب
يا رب فاحفظه لنا دائماً ... مرتقياً في رغد عيش خصيب
فالطبع لما تم تاريخه ... نصر من الله وفتح قريب
стр. 178
وكان رئيس علماء الحجاز، ومقدمهم في الحقيقة والمجاز، وكانت الإمارة الحجازية تنظر إليه بعين الرعاية، وتضمه إليها ضم العناية، ولم يزل مقامه يعلو، وقدره يسمو، إلى أن اختارته الآخرة، للمراتب الفاخرة، توفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة أربع وثلاثمائة وألف ودفن في البلد الحرام، في مقبرة المعلى ذات المقام أعلى الله مقامه، وبلغه مرامه.
الشيخ أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن محمد الاعزازي الحنفي المكتبي وكنيته أبو العباس
الفقيه البركة الصالح الفالح الناجح. مولده بعزاز قصبة قرب كليس سنة خمس وأربعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجوده وتفقه على أبي محمد عبد الغني المفتي وعلى أبي عبد الله محمد المؤذن وأخذ عنهم، وقرأ على غيرهم واستقام بحلب مدة عمره، وكان يقرىء الأطفال القرآن العظيم مستقيماً على وظائف العبادة والطاعات قائماً بها، كثير الديانة والتقوى، واعتقده الناس وأحبوه، واشتهر صلاحه وورعه بين العموم، وأخذ عنه محمد خليل أفندي المرادي واستجازه. وما زال على تقواه واستقامته إلى أن توفي عام ألف ومائتين وخمسة عشر تقريباً.
الشيخ أحمد بن عبد الله بن منصور الحلبي البابلي الشافعي الأشعري
الفقيه الصوفي العالم العامل؛ الورع الزاهد العابد الفاضل الكامل، ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف ونشأ في طلب العلم، وكان جيد القريحة سريع الفهم، أخذ الفضائل عن جملة من الأفاضل، منهم أبو محمد عبد القادر المخلي ومحمد بن حسين الزمار والبدر حسن السرميني والنور علي الآلتونجي وصالح بن رجب المواهبي وولده محمد وأبو الثناء محمود بن شعبان البزستاني وقاسم بن محمد البكرجي وأبو اليمن محمد
стр. 179
العقاد وعلي بن إبراهيم العطار وأبو السعادات طه بن مهنا الجبريني وابن الطيب المغربي المالكي وقاسم بن محمد النجار وابو محمد عبد الكريم بن احمد الشراباتي ومصطفى بن عبد القادر الملقي ولازمه إحدى عشرة سنة وانتفع به. وسمع على الجميع وحضر مجالس التحديث والاستماع، ولازم دروسهم ووعظهم وأذكارهم وأحسن في معاملتهم وتباعد عن مخالفتهم إلى أن ألفته الطباع، وانعقد على فضله الإجماع، وكان حسن الأخلاق، متحملاً في أمور الناس من تلطيفهم وحسن معاشرتهم ما لا يطاق، مرضي الأفعال، كثير التودد مع البشر والكمال، وقد انتقل إلى قريته بابلي، فيزورونه مع قيامه بإكرامهم وتقديم ما يحتاجونه من واجب المعروف إليهم.
وما زال على حاله، مع ازدياد في كماله وجماله، ينتفع الناس بعلومه ودعائه، ويقصدونه لمشاورته في الحوادث وأخذ آرائه، إلى أن دعته المنية إلى الدار الأخروية فلبى وأجاب، متزوداً لآخرته من كل ما لذ وطاب، وذلك سنة ألف ومائتين ودون العشرين.
الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله الخاني الخالدي النقشبندي الحنفي الدمشقي
أحمد العلماء الأعلام، وأوحد الجهابذة الفخام، الفاضل التقي، والكامل النقي، مولده في دمشق سنة ألف ومائتين واثنتين وخمسين. نشأ في حجر والده المرقوم وقرأ القرآن وأتقنه، واجتهد في الطلب على والده، وكان يحضر معنا في غالب دروس شيخنا العلامة الشيخ محمد الطنطاوي، وطلب على أخيه الشيخ محمد أفندي فحضر الصحيحين وبعض كتب التصوف، وأخذ عن والده الطريق النقشي واشتغل به كثيراً حتى حصل له روحانية عظيمة، مع تواضع وحسن خلق ورقة طبع ومعاشرة لطيفة وجود وكرم. وكان شافعي المذهب، إلا أنه لما تولى القضاء في بعض الأمكنة للضرورة
стр. 180
الداعية لذلك ألزمته ظروف الأحوال للانتقال لمذهب سيدنا الإمام أبي حنيفة النعمان قدس الله تعالى سره، وبقي مدة في النيابة تارة في بعض المحاكم الشرعية الدمشقية، وتارة في بعض البلاد وخارج الشام مع عفة وصيانة وديانة، وحكم بالحق، مع التروي والوقوف على حدود الشرع، مستنداً إلى النقل والتثبت في الأحكام، ثم ترك القضاء تعففاً وجنح إلى التكسب بالفلاحة والزراعة، ومالت نفسه إلى العزلة والتباعد عن الاختلاط إلا فيما فيه أمر شرعي كزيارة صديق وعيادة مريض وتشييع جنازة وإصلاح بين خصمين وحضور مجلس علم وأمثال ذلك، وله حسن هيئة ومحبة في قلوب الناس وهيبة وجاه وقبول كلام لإخلاصه وعدم غايته في شيء، غير أن الدنيا لم يكن بينها وبينه امتزاج فكانت تعاكسه كما هو عادتها مع كل من لا يصونها عن الصرف، فإنها تألف من يضن بها حتى على نفسه وهو على خلاف ذلك، فإنه يهوى الجود والكرم وإطعام الطعام، وبذل الموجود والإكرام، مع إظهار أن المنة لغيره عليه، ولذلك عاد إلى تولي النيابات عن إحتياج، وداء الاحتياج ليس له من علاج، فهو الداعي إلى تعاطي ما لا يراد، وليس للعبد خروج فيما قضى الله وأراد، وبالجملة فهو فرد نادر، ويحق له أن يذكر بأنواع المفاخر، أحسن الله إلينا وإليه، ومن بالإحسان علينا وعليه آمين.
توفي رحمه الله تعالى غب داء أعيا الأطباء يوم الأحد صباحاً في الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وسبع عشرة ودفن في مقبرة شيخ الحضرة في جبل قاسيون رحمه الله تعالى.
الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري الخلوتي الشهير بالدردير
العالم العلامة أوحد وقته في الفنون العقلية والنقلية، شيخ أهل
следующие страницы →