Полный текст (1 568 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وفي التاسع والعشرين من المحرم قدموا إلى مصر فاستقبلهم عسكر مصر عند الرحمانية وهزموا إلى الجيزة، والتقوا عند بشقيل وحصلت مقتلة عظيمة، وقدر الله أن المسلمين هزموا ففر مراد بك ومن معه إلى الصعيد، وفر إبراهيم بك ومن معه في البر الشرقي إلى الشام، وقيل لم يقع قتال كثير وإنما هي مناوشة من طلائع العسكر بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين، وكانت مراكب في البحر لمراد بك فاحترقت بما فيها من الجبخانه والآلات الحربية، واحترق بها رئيس الطبجية، واحترق من فيها من المحاربين، فلما عاين ذلك مراد بك دخله الرعب وولى منهزماً، وترك الأثقال والمدافع التي في البر، وتبعته العساكر، وركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق طرف البر الشرقي، ورجع الناس منهزمين طالبين مصر، فاجتمع الباشا والعلماء ورؤوس الناس يتشاورون في هذا الحادث العظيم، فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا، ويتولى افقامة ببولاق إبراهيم بك وكشافه ومماليكه، وقد كانت العلماء عند ابتداء هذا الحادث تجتمع بالأزهر كل يوم ويقرؤون البخاي وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ الطرائق وأتباعهم، وكذا أطفال المكاتب، ويذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء. ويوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر امبابه وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشقيل، وتولى ذلك هو وصناجقه وأمراؤه، وكان معه في ذلك علي باشا الطرابلسي ونصوح باشا، وأحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة وأوقفها على ساحل أمبابه، وشحنها بالعساكر والمدافع والمتاريس والخيالة والمشاة، ومع ذلك فقلوب الأمراء لم تطمئن بذلك، فإنهم من وصول الخبر الأول لهمم من الاسكندرية شرعوا في نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة المعروفة، إلى البيوت الصغار التي لا يعرفها أحد، واستمروا طول الليالي ينقلون الأمتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم، وأرسلوا البعض منها لبلاد الأرياف، وأخذوا أيضاً في تشهيل الأحمال واستحضار دواب للشيل
стр. 107
وأسباب الارتحال، فلما رأى أهل البلد منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع، واستعد الأغنياء وأهل المقدرة للهرب، ولولا أن الأمراء منعوهم من ذلك لما بقي بمصر منهم أحد، وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس، فأغلق الناس الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع لبولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياماً ويجلسون في مكان خراب أو مسجد، ويرتبون أمرهم فيمن يصرف لهم ما يحتاجون غليه من الدراهم التي جمعوها، ويجعلون عليهم قيماً يباشر ذلك، وبعض الناس يتطوع على بعض في الإنفاق، ومن الناس من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم فلم يشح أحد في ذلك الوقت بشيء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت الفقراء وأرباب الأشائر بالطبول والزمر والأعلام والكاسات، وهم يضجون ويصيحون بأذكار مختلفة، وصعد السيد عمر مكرم نقيب الأشراف إلى القلعة فأخرج بيرقاً كبيراً سمته العامة بيرق النبي ﷺ ، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور، وغير ذلك وأما مصر فإنها صارت خالية الطرق لا تجد بها سوى النساء في البيوت، وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، وغلا سعر البارود والرصاص جداً بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفاً، والرصاص بتسعين نصفاً، وغلا جنس أنواع السلاح وقل وجوده، وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمسارق، وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بيك ببولاق يدعون ويبتهلون إلى الله تعالى بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا بالبيوت والزوايا والخيام. ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول إلى بولاق،
стр. 108
وأقام بها من حين نصب إبراهيم بيك العرضي هناك إلى وقت الهزيمة، سوى القليل من الناس الذين لا يجدون لهم مكاناً ولا مأوى فيرجعون إلى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون إلى بولاق، وأرسل إبراهيم بيك إلى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا من المقدمة بنواحي شبرا وما والاها، وكذلك اجتمع عند مراد بيك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقبعان وأولاد علي
والقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو. لقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.
стр. 109
ولما كان يوم الجمعة سادس شهر صفر وصل الفرنسيس إلى الجسر الأسود، وأصبح يوم السبت فوصل أم دينار، فعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين والمجاورة بلادهم، ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم مغترون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم. وقد كان الظن بالفرنسيس أن يأتوا من البرين بل أشيع ذلك، فلم يأتوا إلا من البر الغربي، ولما كان وقت القيلولة ركب جماعة من العساكر التي بالبر الغربي، وتقدموا إلى ناحية بشقيل بلد مجاروة لأنبابه، فتلاقوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول، فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمي وأبلى الفريقان، وقتل أيوب بيك الدفتر دار وكثير من كشاف محمد بيك الألفي ومماليكهم، تبعهم طابور من الإفرنج نحو الستة آلاف، وكان رئيسهم الكبير بونابارته لكنه لم يشهد الوقعة، بل حضر بعد الهزيمة، وكان بعيداً عن هؤلاء بكثير، ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك ترامى الفريقان بالمدافع، وكذلك العسكر المحاربون البحرية، وحضر عدة وافرة من عساكر الأرناؤوط من دمياط، وطلعوا إلى أنبابه وانضموا إلى المشاة وقاتلوا معهم في المتاريس، فلما عاين وسمع عسكر البر الشرقي في القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح، ورفعوا الأصوات بقولهم يا رب يا لطيف، ويا رجال الله ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم، فكان العقلاء من الناس يأمرونهم بترك ذلك، ويقولون لهم إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب، لا برفع الصوت والصراخ
стр. 110
والنباح، فلا يستمعون ولا يرجعون عما هم فيه، ومن يقرأ ومن يسمع؟ وركب طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من العرضي الشرقي ومعهم إبراهيم بيك الوالي، وشرعوا في التعدية إلى البر الغربي في المراكب، فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة جداً، فلم يصلوا إلى البر الآخر حتى وقعت الهزيمة على المحاربين، هذا والريح العاصفة قد اشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين، فلا يقدر أحد أن يفتح عينيه مع شدة الغبار وكون الريح من ناحية العدو، وذلك من أعظم أسباب الهزيمة كما هو منصوص عليه.
ثم إن الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم على تراتيب معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس، بحيث صار محيطاً بالعسكر من خلفه وأمامه، ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتابعة والمدافع ترمي، واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار، وأظلمت الدنيا من دخان البارود وغبار الريح، وصمت الأسماع من توالي الضرب، بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزت والسماء عليها سقطت، واستمر الحرب والقتال نحو ثلثي ساعة ثم كانت الهزيمة على العسكر الغربي، فغرق الكثير من الخيالة في البحر لإحاطة العدو بهم وظلام الدنيا، والبعض وقع أسيراً في يد الفرنسيس وملكوا المتاريس، وفر مراد بك ومن معه إلى الجيزة فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة، ثم ركب وذهب إلى الجهة القبلية، وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر أنبابه، وألقى كثير نفسه في البحر، ولما انهزم العسكر الغربي تحول الفرنسيس بالمدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة، فقامت فيهم ضجة عظيمة، وركب في الحال إبراهيم بك والأمراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئاً،
стр. 111
فأما إبراهيم بك والأمراء فساروا إلى جهة العادلية، وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين جهة المدينة ودخلوها أفواجاً أفواجاً، وهم جميعاً في غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك، وهم يضجون بالعويل والنحيب، ويبتهلون إلى الله تعالى من شر هذا اليوم الوصيب، والنساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت، وقد كان ذلك قبل الغروب، فلما استقر إبراهيم بيك بالعادلية أرسل يأخذ حريمه، وكذلك من معه من الأمراء، فأركبوا النساء على الخيول والبغال والحمير والجمال، والبعض ماش كالجواري والخدم، واستمر معظم الناس طول الليل خارجين من مصر، البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل أحد عن أحد، بل كل واحد مشغول بنفسه عن أبيه وابنه، فخرج تلك الليلة معظم أهل مصر، البعض لبلاد الصعيد والبعض لجهة الشرق وهم الأكثر، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه لا يقدر على الحركة ممتثلاً للقضاء متوقعاً للمكروه، وذلك لعدم قدرته وقلة ذات يده وما ينفقه على حمل عياله وأطفاله ويصرفه عليهم في الغربة، فاستسلم للمقدور ولله عاقبة الأمور، والذي أزعج قلوب الناس بالأكثر أن في عشاء تلك الليلة شاع في الناس أن الافرنج عدوا إلى بولاق وأحرقوها، وكذلك الجيزة، وأن أولهم وصل إلى باب الحديد يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء، وكان السبب في هذه الإشاعة أن بعض عسكر مراد بيك الذين كانوا في الغليون لمرسى أنبابة لما تحقق الكسرة أضرم النار في الغليون الذي هو فيه، وكذلك مراد بيك لما رحل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من قبالة قصره ليصحبه معه إلى الجهة القبلية، فمشوا به قليلاً فوقف في الطين لقلة الماء وكان به عدة وافرة من آلات الحرب والجيخانه فأمر بحرقه أيضاً، فلما صعد لهيب النار من جهة الجيزة وبولاق ظنوا بل أيقنوا أنهم أحرقوا البلدين، فماجوا واضطربوا زيادة عما هم فيه من الفزع والروع والجزع، وخرج أعيان الناس وأفندية الوجاقات وأكابرهم ونقيب الأشراف
стр. 112
وبعض المشايخ القادرين، فلما عاين العامة والرعية ذلك اشتد ضجرهم وخوفهم وتحركت عزائمهم للهرب واللحاق بهم، والحال أن الجميع لا يدرون أي جهة يسلكون وأي طريق يذهبون وأي محل يستقرون، فتلاحقوا وتسابقوا وخرجوا من كل حدب ينسلون، وبيع الحمار الأعرج والبغل الضعيف بأضعاف ثمنه، وخرج أكثرهم ماشياً أو حاملاً متاعه على رأسه وزوجته حاملة طفلها، ومن قدر على مركوب أركب زوجته أو ابنته ومشى هو على أقدامه، وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات وأطفالهن على أكتافهن يبكين في ظلمة الليل، واستمروا على ذلك بطول ليلة الأحد وصبحها، وأخذ كل إنسان ما قدر على حمله من مال ومتاع، فلما خرجوا من باب البلد وتوسطوا الفلاة تلقتهم العربان والفلاحون، فأخذوا متاعهم ولباسهم وأحمالهم بحيث لم يتكروا لمن صادفوه ما يستر به عورته أو يسد جوعته، فكان ما أخذته العرب شيئاً كثيراً يفوق الحصر بحيث أن الأموال والذخائر التي خرجت من مصر في تلك الليلة أضعاف ما بقي فيها بلا شك، لأن معظم الأموال عند الأمراء والأعيان وحريمهم، وقد أخذوه صحبتهم، وغالب مساتير الناس وأهل المقدرة أخرجوا أيضاً ما عندهم، والذي
أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلاً على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع. أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلاً على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع.
ولما أصبح يوم الأحد المذكور
стр. 113
والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم ومتوقعون حلول الفرنسيس ووقوع المكروه، ورجع الكثير من الفارين وهم في أسوأ حال من العري والفزع، فتبين أن الإفرنج لم يعدوا إلى البر الشرقي وإن الحريق كان في المواكب المتقدم ذكرها، فاجتمع في الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة إلى الإفرنج وينتظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا ذلك، وأرسلوا صحبة شخص مغربي لا يعرف لغتهم وآخر صحبته، فغابا وعادا وأخبرا أنهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانه ومضمونها الاستفهام عن قصدهم، فقال على لسان الترجمان: وأين عظاؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور لدينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة؟ وطمنهم وبش في وجوههم. فقالا: نريد أماناً منكم، فقال: قد أرسلنا لكم سابقاً، يعنون الكتاب المذكور فيما تقدم، فقالا: وأيضاً نريد أماناً لأجل اطمئنان الناس، فكتبوا لهم ورقة أخرى مضمونها أننا أرسلنا لكم في السابق كتاباً فيه الكفاية، وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار، وأخذ مال التجار ومال السلطان، ولما حضرنا إلى البر الغربي خرجوا إلينا فقابلناهم بما يستحقونه، وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم ونحن في طلبهم حتى لم يبق منهم أحد بالقطر المصري، وأما العلماء والمشايخ وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين وفي مساكنهم مرتاحين ونحو ذلك من الكلام، ثم قال لهم لابد أن المشايخ والشربجية يأتون إلينا لنرتب لهم ديواناً ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور. ولما رجع الجواب بذلك اطمأن الناس، وركب الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون إلى الجيزة، فتلقاهم وضحك لهم، وقال أنتم المشايخ الكبار، فأعلموه أن المشايخ الكبار خافوا وهربوا، فقال لأي شيء يهربون اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديواناً لأجل راحتكم وراحة الرعية وإجراء الشريعة
стр. 114
فكتبوا لهم عدة مكاتيب بالحضور والأمان، ثم انفصلوا من معسكرهم بعد العشاء وحضروا إلى مصر، واطمأن برجوعهم الناس، وكانوا في وجل وخوف على غيابهم، وأصبحوا فأرسلوا الأمان إلى المشايخ، فحضر شيخ السادات والشيخ الشرقاوي والمشايخ ومن انضم إليهم من الناس الفارين من ناحية المطرية، وأما عمر أفندي نقيب الأشراف فإنه لم يطمئن ولم يحضر، وكذلك الروزنامجي والأفندية. وفي ذلك اليوم اجتمعت الجعيدية وأوباش الناس ونهبوا بيت إبراهيم بيك ومراد بيك وحرقوهما، ونهبوا أيضاً عدة بيوت من بيوت الأمراء وأخذوا ما فيها من فرش ونحاس وأمتعة وغير ذلك وباعوه بأبخس الأثمان. وفي يوم الثلاثاء دخلت الفرنساوية إلى مصر وسكن بونابارتة بيت محمد بيك الألفي بالأزبكية الذي أنشأه الأمير المذكور في السنة الماضية، وزخرفه وصرف عليه أموالاً عظيمة وفرشه بالفرش الفاخرة، وعند تمامه وسكناه حصلت هذه الحادثة، فما دخلوه بل تركوه بما فيه فكأنه إنما كان يبنيه لأمير الفرنسيس، وكذلك حصل في بيت حسن كاشف بالناصرية. ولما دخل كبيرهم وسكن بالأزبكية كما ذكر استمر غالبهم بالبر الآخر ولم يدخل المدينة إلا القليل منهم، ومشوا في الأسواق من غير سلاح ولا تعد، بل صاروا أيضاً يحاكون الناس ويشترون ما يحتاجون إليه بأغلى ثمن، فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطي صاحبها في ثمنها ريالاً فرانسي، ويأخذ البيضة بنصف فضة قياساً على أسعار بلادهم وأثمان بضائعهم فلما رأى منهم العامة ذلك أنسوا بهم واطمأنوا لهم، وخرجوا إليهم بالكعك وأنواع الفطير والخبز والبيض والدجاج وأنواع المأكولات، وغير ذلك مثل السكر والصابون والدخان واللبن، وصاروا يبيعون إليهم بما أحبوا من الأسعار، وفتح غالب السوقة الحوانيت والقهاوي، واطمأن الناس لذلك وهدأت الخواطر وطابت الأفكار، وغلب الأمان على الخوف وراج أمر البيع والشراء. وفي يوم الخميس
стр. 115
ثالث عشر شهر صفر أرسلوا يطلبون المشايخ والوجاقلية عند قائم مقام سر عسكر، فلما حضروا تشاور معهم في تعيين عشرة أنفار من المشايخ للديوان وفصل الحكومات، فوقع الاتفاق على الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد المهدي والشيخ موسى السرسي والشيخ مصطفى الدمنهوري والشيخ أحمد العريشي والشيخ يوسف الشبرخيتي والشيخ
محمد الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضاً مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئاً فشيئاً حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئاً كثيراً، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغاً من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي ﷺ أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكاً ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركباً كبيراً، واستمر أياماً ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدراً معلوماً من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتاباً مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالاً زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيراً ممن كان قائماً في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم. د الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضاً مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئاً فشيئاً حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا
стр. 116
ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئاً كثيراً، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغاً من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي ﷺ أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكاً ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركباً كبيراً، واستمر أياماً ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدراً معلوماً من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتاباً مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالاً زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيراً ممن كان قائماً في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم.
ثم جهز الفرنسيس جيشاً لمحاربة أحمد باشا الجزار في عكا، فملكوا كثيراً من قرى الشام وحاصروا أحمد باشا في عكا ثم عجزوا عن أخذها، فارتحلوا عنها. وأجروا ما يعتاده أهل مصر من مولد السيد أحمد البدوي وغيره على حسب المعتاد، وكذا إخراج المحمل والحج، وحصل بينهم
стр. 117
وبين أهل الأرياف محاربات كثية حتى ملكوهم كلهم، وصاروا يتبعون الأمراء من المماليك ويقتلون من ظفروا به، وحضرت مراكب إلى السويس فيها أموال وبضائع للشريف غالب، فمسحوا عن عشورها وحصل بينه وبينهم مكاتبات ومهاداة بهدايا عندهم، ووضعوا الشيخ العريشي قاضياً للمسلمين يحكم بالشرع، وتوجه بانوبارته إلى بلاد الفرنسيس سنة أربع عشرة وجعل ساري عسكرهم نائباً عنه بمصر، ثم ترقى بونابارته حتى صار ملكاً على كافة الفرنسيس. وفي شهر رجب من سنة أربع عشرة جاء جيش من السلطان سليم يقوده يوسف باشا ومعه نصوح باشا جعلوه والياً على مصر، وهو الذي يقال له أيضاً ناصف باشا، وسار من جهة الشام حتى وصلوا إلى العريش، فاستعد الفرنسيس لقتالهم وخرج بجنوده إلى الصالحية، ثم توسط الإنكليز بالصلح على شروط كثيرة، منها أن الفرنسيس يتنحى عن الديار المصرية بعد ثلاثة أشهر، ففي تلك المدة صار الناس يحتقرونهم يسخرون بهم، ويقول بعضهم لبعض سنة مباركة ويوم سعيد بذهاب الكلاب الكفرة، كل ذلك بمشاهدة الفرنسيس وهم يحقدون ذلك عليهم، وكشف همج الناس نقاب الحياء معهم بالكلية، وتطاولوا عليهم بالسب واللعن والسخرية ولم يفكروا في عواقب الأمور، حتى إن فقهاء الأطفال كانوا يجمعون الأطفال ويمشون فرقاً وطوائف وهم يجهرون ويقولون كلاماً مقفى بأعلى أصواتهم يلعن النصارى وأعوانهم وأفراد رؤسائهم، كقولهم ينصر الله السلطان ويهلك فرط الرمان. ولم يملكوا لأنفسهم صبراً، حتى تنقضي الأيام المشروطة، على أن ذلك لم يثمر إلا الحقد والعداوة التي تأسست في قلوب الفرنسيس، وأخذ الفرنساوية في أهبة الرحيل، وشرعوا في بيع أمتعتهم وما فضل من سلاحهم ودوابهم، وسلموا غالب الثغور والقلاع كالصالحية وبلبيس ودمياط والسويس. ثم إن العثمانيين تدرجوا في دخول مصر وصار كل يوم يدخل منهم جماعة
стр. 118
بعد جماعة، ووصل الوزير يوسف باشا إلى بلبيس والتقى بالأمراء المصريين وأخلى الفرنساوية قلعة الجبل وباقي القلاع التي أحدثوها ونزلوا منها، فلم يطلع إليها أحد من العثمانيين، وطلع كثير من العلماء والتجار للسلام على الوزير في مدينة بلبيس في رمضان، فقابلوه وقابلوا والي مصر نصوح باشا وخلع عليهم خلعاً وانصرفوا.
ثم في شهر شوال وقعت حادثة كانت سبباً للنقض، وذلك أن جماعة من عسكر العثمانيين تشاجروا مع جماعة من عسكر الفرنسيس فقتل بينهم شخص فرنساوي، فثار من ذلك فتنة، ثم قتلوا ستة أنفار كانوا سبب الفتنة فسكنت، لكن لم تطب نفوس الفرنسيس، ثم إن الفرنساوية طلبوا ثمانية أيام مهلة زيادة على المهلة السابقة لما قرب تمامها، فأعطوهم الثمانية أيام ونصبوا وجاق عسكرهم وخيامهم بساحل البحر متصلاً بأطراف مصر ممتداً إلى شبرا وترددوا إلى القلاع وهي لم يكن بها أحد، وشرعوا باجتهاد في رد الجبخانة والذخيرة وآلات الحرب والبارود والقلل والمدافع، واجتهدوا في ذلك ليلاً ونهاراً والناس يتعجبون من ذلك، وأشيع أن الوزير اتفق مع الانكليز على الإحاطة بالفرنساوية إذا صاروا بظاهر البحر، وكان الفرنساوية عندما تراسلوا وترددوا إلى جهة العرضي تفرسوا في عرضي العثمانيين وعسكرهم وأوضاعهم، وتحققوا حالهم فعلموا ضعفهم عن مقاومتهم، فلما حصل ما ذكر تأهبوا للمقاومة ونقض الصلح والمحاربة، وردوا آلاتهم إلى القلاع، فلما تمموا أمر ذلك وحصنوا الجهات وأبقوا من أبقوه بها من عساكرهم، خرجوا بأجمعهم إلى ظاهر المدينة جهة قبة النصر، وانتشروا في النواحي ولم يبق في المدينة إلا من كان داخل القلاع.
فلما كان اليوم الثالث والعشرون من شوال ركب السر عسكر الفرنساوي بعدده وعدده صباحاً ومال على العساكر المصرية من كل جانب
стр. 119
فشتت شملهم وفرق جمعهم، ولم تزل العساكر المصرية فارة من عدوها حتى دخلت مصر، مع وقت العصر، ولما دخل نصوح باشا صار يقول للعامة اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم فعج الناس وهاجوا، وخرجوا من عقولهم وماجوا، ومروا مسرعين يقتلون من يصادفونه من نصارى القبط والشام وساروا إلى حارات النصارى يقتلون وينهبون ويأسرون فتحزبت النصارى ولا يزالون يتقاتلون إلى آخر النهار، وبات الناس في هذه الليلة خلف المتاريس، فلما أظلم الليل أطلق الفرنساوية المدافع والكرات على البلد من القلاع، ووقع الناس في هذه الليلة من الكرب والمشقة والخوف ما لا يوصف، وأحاط الفرنساويون بالبلد إحاطة السوار بالمعصم، وأكثروا من الرمي بالمدافع على البيوت من القلاع، وعدمت الأقوات، وانسدت عن الجلب الطرقات، وهلكت البهائم، وليس للناس من مجير ولا راحم، ثم هجموا في ليلة شاتية على البلد من كل ناحية، فقتلوا الرجال، وسبوا الحريم ونهبوا الأموال، وأحرقوا البلاد، وأذاقوا الناس كؤوس الإهانة فوق المراد، ووضعوا أيديهم على البيوت والحوانيت وسائر الأموال، وملكوا النساء والصبيان والرجال.
وفي أوائل ذي الحجة سنة خمس عشرة ومائتين وألف خرج العثمانيون من مصر، واستولى الفرنساويون على سائر آلاتهم ومدافعهم وعددهم وتم لهم أمر الاستيلاء على مصر، وأمنوا الناس، ثم إنه قرر على أهل مصر يدفعون عاجلاً تأديباً لهم زيادة على ما وقع منه عشرة آلاف ألف ألف فرنك، وسافر السر عكسر وأقام مكانه يعقوب القبطي يفعل بالمسلمين ما يشاء، ودارت العساكر للتحصيل، فباعت الناس أمتعتها الجليل منها
стр. 120
والقليل، إلى أن انفقد المشتري ولو بأبخس الثمان، وذل في ذلك الوقت كل عزيز وهان، ولم يزل ذلك الظلم يتفاقم ويزكو ويتعاظم، والناس يتمنون المنية، في كل بكرة وعشية، إلى آخر شوال سنة خمس عشرة ومائتين وألف برز الأمر من مولانا السلطان سليم بالتجهيز إلى مصر براً وبحراً، فعساكر البر بمعية يوسف باشا وعساكر البحر بمعية الإنكليز، وفي أوائل ذي القعدة وردت مراكب الإنكليز إلى ثغر الإسكندرية، وجاءت الأخبار إلى الفرنساويين بأن يوسف باشا وعساكره وصلوا إلى العريش، ثم وقع الحرب بين الإنكليز والفرنساوي براً في الإسكندرية، وكانت الهزيمة على الفرنساويين، وقتل منهم كثير، ثم وقع قتال آخر بينهما فقتل من الفرنسيس خمسة عشر الفاً. وفي هذه السنة وقع في مصر طاعون مات فيه خلق كثير، وفي خامس المحرم عام ستة عشر ومائتين وألف تحصن الفرنساويون وأكثروا من نقل الماء والدقيق والأقوات إلى القلعة بمصر، وكذلك البارود والكبريت والقلل والقنابر وغير ذلك، ووضعوا المتاريس خارج البلد وحفروا الخنادق، وشاعت الأخبار بأن العثمانيين والإنكليز تقدموا وتملكوا رشيد ودمياط.
وفي ثالث صفر وقع الحرب بين العثمانيين والفرنساويين وكان النصر للعثمانيين، ثم انعقد الصلح على خروج الفرنسيس من مصر، وتسليمها للدولة العثمانية، فخرجوا في أواخر صفر، ودخل الوزير يوسف باشا مصر في التاسع والعشرين من شهر صفر بموكب حافل، وكانت مدة تملك الفرنساويين مصر ثلاث سنين وشهراً. وهذا مجمل ذلك ولو فصلناه لطال المسير على السالك.
الشيخ أبو بكر بن عمر بن عبد الواحد الحلبي الشافعي الفقيه المقرىء
أحد القراء والمشايخ بحلب ولد بها سنة أربع وخمسين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على حيدر بن محمد المقري، وأخذ القراءات عن
стр. 121
المتقن الكبير أبي محمد عمر بن شاهين، ومحمد بن مصطفى البصري الحلبي، وأتقن الحفظ والتجويد والترتيل ورغب فيه الناس، وقرأ الفقه على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري الشافعي الحلبي، ومصلح الدين مصطفى بن إبراهيم الحموي العلواني لما قدم حلب، وما زال معتنى به مقصوداً للتلقي عنه والأخذ منه، إلى أن توفي سنة ألف ومايتين وبضع عشرة رحمه الله تعالى.
الشيخ الملا أبو بكر البغدادي إمام حضرة شيخ الحضرة مولانا خالد قدس سره
العالم العامل، صاحب الآثار والشمائل، والمعارف والفضائل، والبراهين والدلائل، إمام حضرة العمدة الأستاذ، والصفو الملاذ، مولانا المجد التالد، سيدنا الشيخ خالد، قدس الله سره فإنه إمامه في الحضر والسفر، مع تجرده عن العوائق القاطعة الموقعة له في الخطر، المتحلي بمحاسن الأفعال، وجميل الأحوال، المتخلي عن كل ما يطعن في المقام، وينافي الاحترام، الفقيه العابد، والورع الزاهد، السياح في قفار التوحيد والتجريد، حافظ كلام الله تعالى المجيد، الصادح في المحراب بالسبع المثاني والكارع من كؤوس العرفان زلال الأماني، إذا سمعته حينما يجود القرآن في إقباله على المعبود، قلت هذا ملك أعطي مزماراً من مزامير آل داود، صاحب المقام الصفي الأنيس، ذو التسبيح والتقديس، قد لازم حضرة مرشد الزمان مولانا خالد واستجلب رضاه وفاز بأنظاره الإكسيرية وكان خليفة عنه في إعطاء الطريق، وإرشاد الناس إلى العهد الوثيق، ولم ينفك عنه إلى أن توفي في دمشق الشام، ودفن في جنب حضرة مولانا خالد في جبل قاسيون من جهة حارة الأكراد مع الشيخ إسماعيل والشيخ
стр. 122
عبد الله الهراتي وصي الشيخ وكانت وفاة المترجم المرقوم سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين رحمه الله تعالى.
السيد الكامل أبو بكر الصيادي الزيتاوي
بن السيد محمد بن السيد سليمان بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد محمد بن السيد خير الله الثقاني بن السيد محمد بن السيد خير الله بن السيد أبي بكر بن السيد محمد بن السيد أبي بكر بن السيد محمد بن السيد أبي بكر بن السيد عبد السميع بن السيد المطيع بن السيد شريف بن السيد عبد السميع بن السيد شمس الدين أحمد الأصغر بن السيد القطب صدر الدين علي بن الغوث الأكبر السيد عز الدين أحمد الصياد سبط النفس النفيسة الرفاعية ﵃.
قال صاحب تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار: كان كآبائه بكفرزيتا، وكان من أهل العلم والكمال، وتزوج وأعقب السيد حسين، والسيد حسين أعقب السيد محمد الزيتاوي نزيل حماه الشيخ العابد الصالح الورع والمترجم، وذريته كلهم بحمد الله ذوو تقوى وعبادة، وصلاح وزهادة، توفي المترجم في حدود الأربعين ومايتين وألف.
السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الله بن عيدروس بن علي بن محمد بن شهاب الدين العلوي الحسيني الحضرموتي
إمام فاضل، وزاهد عابد عالم عامل، من بيت علت أركانه، وسما قدره وشأنه، ولد بحضرموت، ونشأ ببيت السيادة والأدب، وتربى بربوع الرفعة على مهاد الرتب، وقرأ العلم على أفاضل بلاده، وطاف الأقطار إلى أن قدم الحجاز، واجتمع بالأفاضل ذوي القدر والامتياز، وذهب إلى الهند واجتمع بعلمائها وأذعن له أفراد فضلائها، ثم ذهب إلى
стр. 123
دار السعادة اسلانبول المحمية، وكان قدومه إليها سنة اثنتين وثلاثمائة وألف هجرية، فاجتمع بساداتها الأفاضل، وتحلى بها مما رامه من أنواع الفضائل، ثم رحل إلى مصر، ومنها إلى حضرموت؛ ولبيته في تلك الناحية شهرة جليلة، وله تآليف مفيدة، منها كتاب رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي، وله شعر عذب رشيق، يتنوع برياض أساليبه كل معنى أنيق، وكانت ولادته في حدود الخمسين والمائتين والألف تقريباً، أحياه الله الحياة الطيبة، وأحسن إليه بكل طاعة من جنابه الشريف مقربة، ومن نظمه مشطراً قصيدة الأستاذ ابن بنت الميلق الشاذلي مادحاً حضرة الغوث الرفاعي قدس سره، وهي قصيدة صوفية طويلة جداً، أولها:
من ذاق طعم شراب القوم يدريه ... ولم يروق رحيقاً غير صافيه
ومنها:
إن المريد مراد والمحب هو ... المبدو بالحب من ذي العرش هاديه
فهو المراد المهنى في الحقيقة والمحبوب ... فاستمل هذا من أماليه
إن كان يرضاك عبداً أنت تعبده ... ملاحظاً نفي تمثيل وتشبيه
وإن أقامك في حال فقف أدباً ... وإن دعاك مع التمكين تأتيه
فيفتح الباب إكراماً على عجل ... باب المواهب بشرى من يوافيه
تضحي وتمسي عزيزاً في ضيافته ... ويرفع الحجب كشفاً عن تنائيه
وثم تعرف ما قد كنت تجهله ... ويصطفيك لأمر لا ترجيه
стр. 124
يوليك ما ليس يدري الفهم غايته ... ويعجز الحصر قد جلت معانيه
وترتوي من شراب الأنس صافية ... في مقعد الصدق والمحبوب ساقيه
من ذاقها لم يخف من بعدها ضرراً ... يا سعد من بات مملواً بصافيه
وصل يا رب ما غنت مطوقة ... يسلو الخلي بها والصب تشجيه
وما تمايلت الأغصان من طرب ... على النبي صلاة منك ترضيه
والآل والصحب والأتباع ما تليت ... من ذاق طعم شراب القوم يدريه
وله قصائد كثيرة وموشحات شهيرة أطال الله بقاءه وأعلى مرتقاه
السيد أبو الخير الخطيب بن المرحوم الشيخ عبد القادربن الشيخ صالح بن عبد الرحيم
فاضل لم يطلق في غير الفضائل لسانه، ولم يتخذ غير مأثور الشمائل عنوانه، حاز معالي الآداب بحسن الهمة، وترقى على درج الكمال إلى أن لحق العلماء الأئمة، وهو الثاني من أكبر إخوته، والمنتخب من بينهم من حين نشأته، وأنهم أربعة وكل منهم قد نشأ على العلم والكمال، والتحلي بالمعارف والتخلي من الأوحال، غير أن المترجم قد تقلد بأعلى الفرائد، وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد، تخرج على يديه الكثير من ذوي الطلب، ونالوا من بيانه بديع المرام والأرب، مع ورع وزهادة، وتقوى وعبادة، نشأ في حجر والده وعليه تكمل، وبه قد حاز على ما رجا وأمل، وكان مواظباً على تدريس العلوم، للخاص والعام، في جامع بني أمية في دمشق الشام، وكان يقرأ بعض دروسه في مدرسته أمام سوق الحرير، وكان هو الساعي بعمارتها وإرجاعها من المملوكية إلى التحرير، وكان له نوبة خطابة في جامع بني أمية المومى إليه، وهو قد سعى بها لنفسه إلى أن وجهت عليه، وكان محبوباً بين الناس، لم تسمع يوماً من يذكره بباس، توفي مساء الخميس
стр. 125
ثالث ربيع الأول سنة ثمان وثلاثمائة وألف من هجرة النبي الأمين وقد ناهز من العمر نيفاً وستين، ودفن بجبانة الدحداح شمالي دمشق ختم الله لنا وله بخاتمة أهل السنة، وحشره في زمرة سيد المرسلين واسكنه الفردوس في الجنة.
أحمد باشا الجزار البشناقي والي عكا
ولد في بوسنة سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، ولما بلغ من العمر ست عشرة سنة، خان أخاه بامرأته، فما أقبحه وما ألعنه، وذلك لما كان مطبوعاً عليه من فساد الطبيعة، ومخالفة الملة والشريعة، فاضطره الأمر إلى الهرب من بلاده إلى القسطنطينية، فقضى بها مدة بالذل والشقاء والفاقة القوية، فأوجبت عليه ضرورة الهوان والتنكيد، إلى أن باع نفسه لأحد تجار العبيد، فآل به الأمر إلى أن بيع بمصر، فدخل في سلك المماليك المصرية، وجعل الزمان يساعده على المرام والأمنية، فارتقى من منصب إلى أعلى، حتى صار والي البحرية في مصر السفلى، وتولى قيادة جيش محاربة العرب الخارجين على الدولة، فظفر بهم وغدر برؤسائهم وصال عليهم أي صولة، ومن ثم لقب بالجزار، عليه ما يستحقه من المنتقم الجبار، وكان قاتله الله مجبولاً على الفظاظة، والقسوة والغلاظة، قليل الرحمة عديم الإسلام، مطبوعاً
стр. 126
على الفسوق والآثام، قد اتخذ هواه من دون الله هادياً ونصيرا، واستكبر في نفسه وعتا عتواً كبيراً، وكان سفاكاً للدماء، لا يتقيد بشرع بل كان يفعل ما يشاء، فأكرمه على قتل العرب حضرة علي بيك حاكم مصر، ولقبه بلقب بيك جزاء ذلك النصر، غير أنه بعد ذلك ساءت سيرته فركن إلى الفرار، ومكث في قسطنطينية أياماً ثم هرب إلى سورية بقصد الاستتار، فدخل دير القمر ملتجئاً إلى الأمير يوسف الشهابي الوالي حينئذ على جبل لبنان، سنة خمس وثمانين ومائة وألف من هجرة سيد ولد عدنان، فرحب به الأمير وأكرمه، وأبقاه عنده واحترمه، ثم بعد أيام أرسله إلى بيروت، وعامله معاملة الأكارم من ذوي البيوت، ورتب له شيئاً من الرسومات وافياً بالمرام، فأقام اياماً ثم سار إلى دمشق وخدم عند عثمان باشا والي الشام، وفي سنة سبع وثمانين ومائة وألف جعله الأمير يوسف متسلماً من قبله على بيروت وجعل معه طائفة من المغاربة، ثم إنها لم تطل المدة حتى خان ورام أن يبلغ مآربه، فصمم على مبارزة الأمير وشرع في ترميم الأسوار، وجعل يهيىء الميرة وآلات الحرب للحصار، ويمنع أهل البلاد من الدخول إلى المدينة، ولا يدع شيئاً يخرج منها بهمة مكينة، ثم لما دخل بيروت ثانية وفعل ما فعل، استغاث الأمير يوسف بحسن باشا وأخبره بما حصل، وكان قد سافر إلى قبرص قاصداً القسطنطينية، فعاد حسن باشا من قبرص بهمة قوية، وأخرج الجزار من بيروت، وهو مقهور ممقوت، ووعد الأمير أنه سيعزله وعاد إلى القسطنطينية، وسار الجزار بعسكره براً إلى صيدا وعساكره ستمائة من الشجعان اللاوندية، فأرسل الأمير النكدية يكمنون لهم في الطريق، ولما التقى العسكران قتل أصحاب الجزار أكثر النكدية وضيقوا عليهم أشد التضييق، وقبض على بعض أعيانهم، وجعل الموت نصب عيانهم، فجعل الأمير يعتذر للجزار، ويستشفع في إطلاق جماعته على مائة ألف قرش وتخليصهم من الدمار، ولما طلب الأمير المال
стр. 127
من الجبل أبي الأمراء الدفع، فطلب الأمير من قائد عسكر الجزار أن يتلف أشجار بيروت وأن يستأصلها بالقطع، ففعل وقتل جماعة من رجالهم معتصماً بحبل الظلم والعدوان، ثم دهم الشويفات فرجع عنها بالخزي والخسران، ثم سار إلى صيدا ثم إلى بعلبك وعظم أمره في تلك الأقطار، وحيئذ خرجت بيروت من يد الأمير يوسف ودخلت في حكومة الجزار، فأمر الجزار قائده أن يضبط ما للأمير واللبنانيين في البقاع، عوضاً عما أتلفه من الرجال والأشجار والمتاع، فلما بلغ الأمير ذلك اصطلح مع أمراء الجبل وجمع عسكراً لمقاتلة الجزار المذكور، فانهزم في عدة مواقع وهو مكسور، ثم بعد ذلك وقع الصلح بين الأمير يوسف والجزار، فصار يساعده ويواده وهو عنده بمنزلة المستشار، ثم إن الجزار بعد أن أنعم عليه الأمير ظاهر العمر وقلده قيادة جيشه وعدده ومدده، جحد معروفه وخانه وقتله بيده، وحيث كان ظاهر العمر عدواً للدولة أنعمت على الجزار مكافأة على ذلك بولاية عكا وصيدا معاً، فبقي عليهما إلى حين أن أوقعته المنية في أودية المهالك، ثم بعد تلقيب السلطان له بالوزارة ولاه على دمشق زيادة على توليته، وذلك عام ألف ومائتين وثمانية عشر فزاد في الطغيان على عادته، من قتل الأنفس وسلب الأموال، حتى قتل من أعيان دمشق خلقاً كثيراً من ذوي الكمال، من أجلهم وأفضلهم السيد عبد الرحمن أفندي المرادي مفتي الحنفية وأسعد أفندي المحاسني مفتي الحنفية أيضاًن واصطنع للناس أنواع العذاب بآلات
اخترعها له طائفة من الأكراد، وأعانوه على ظلمه للعباد، حتى أكثروا في البلاد الفساد، وأقروه على دعواه أنه مجدد الوقت، بل باء هو وإياهم بالطرد والمقت، وكان رئيسهم رجلاً يدعي التصوف، ويقول إن الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية أخبر عنه، وادعوا أن قتل الأنفس وسلب الأموال، وجميع ما يفعله ليس حراماً عليه بل حلال، هكذا شاع عنهم حتى أكفروا علماء العصر بإنكارهم عليهم، وألف بعض المتهورين ممن أضله الله على علم في ذلك كتاباً وادعى فيه أنه المجدد، وكان من أعوانه، وكان من جملة أعوانه أيضاً رجل اسمه عبد الوهاب، له اطلاع في بعض العلوم، أرسله إلى دمشق مع طائفة من المعذبين والعساكر وكان رئيسهم وإليه المشورة في أمورهم، فما زال يتغالى في قباحته، ويتعالى في مضرته وإساءته، ويتلذذ بقتل الرجال، وسلب الأموال، حتى كادت تخافه الأطفال، وترتج لسطوته الجبال، وكان قد اجتمع هذا الضال يوماً مع الفاضل العلامة السيد شاكر العقاد في دار المولى حمزة أفندي العجلاني مفتي السادة الحنفية، فشرع الخبيث يطنب في مدح الجزار، وأقسم بالله العظيم أنه ليس بظالم وأنه عادل وكرر ذلك مراراً. ثم أقسم أنه على الكتاب والسنة، ثم التفت مخاطباً السيد شاكر المرقوم وقال له يا شيخنا أما تقول أنه عادل؟ فحاوله الشيخ المرقوم رحمه الله تعالى وقال له إن له على الناس فضلاً عظيماً حيث دفع عنهم شر الفرنج لما حاصروه في عكا وبذل جهده في ذلك، فقال له لا أسألك عن هذا، فقال له أنا أقول أن ذنوبنا كثيرة والله تعالى أرسله إلينا لينتقم منا به. فعرض بذلك إلى أن الظالم ينتقم الله تعالى به ثم ينتقم منه. قال السيد شاكر ﵁ وفهم الخبيث مني ذلك حتى رأيت شعر شاربيه كالمسلات واقفاً من شدة الغيظ، ثم قام الشيخ وانقضى المجلس على ذلك، فرحم الله تعالى روحه ونور مرقده وضريحه، ما أصلبه في دينه، حيث لم يور في كلامه بأنه عادل عن الحق ويرضيه بذلك الخوف ضرره، وقد كفاه الله تعالى شر هذا الخبيث. خترعها له طائفة من الأكراد، وأعانوه على ظلمه للعباد، حتى أكثروا في البلاد الفساد، وأقروه على دعواه أنه مجدد الوقت، بل باء هو وإياهم بالطرد والمقت، وكان رئيسهم رجلاً يدعي التصوف، ويقول إن الشيخ الأكبر في فتوحاته المكية أخبر عنه، وادعوا أن قتل الأنفس وسلب الأموال، وجميع ما يفعله ليس حراماً عليه بل حلال، هكذا شاع عنهم حتى أكفروا علماء العصر بإنكارهم عليهم،
стр. 128
وألف بعض المتهورين ممن أضله الله على علم في ذلك كتاباً وادعى فيه أنه المجدد، وكان من أعوانه، وكان من جملة أعوانه أيضاً رجل اسمه عبد الوهاب، له اطلاع في بعض العلوم، أرسله إلى دمشق مع طائفة من المعذبين والعساكر وكان رئيسهم وإليه المشورة في أمورهم، فما زال يتغالى في قباحته، ويتعالى في مضرته وإساءته، ويتلذذ بقتل الرجال، وسلب الأموال، حتى كادت تخافه الأطفال، وترتج لسطوته الجبال، وكان قد اجتمع هذا الضال يوماً مع الفاضل العلامة السيد شاكر العقاد في دار المولى حمزة أفندي العجلاني مفتي السادة الحنفية، فشرع الخبيث يطنب في مدح الجزار، وأقسم بالله العظيم أنه ليس بظالم وأنه عادل وكرر ذلك مراراً. ثم أقسم أنه على الكتاب والسنة، ثم التفت مخاطباً السيد شاكر المرقوم وقال له يا شيخنا أما تقول أنه عادل؟ فحاوله الشيخ المرقوم رحمه الله تعالى وقال له إن له على الناس فضلاً عظيماً حيث دفع عنهم شر الفرنج لما حاصروه في عكا وبذل جهده في ذلك، فقال له لا أسألك عن هذا، فقال له أنا أقول أن ذنوبنا كثيرة والله تعالى أرسله إلينا لينتقم منا به. فعرض بذلك إلى أن الظالم ينتقم الله تعالى به ثم ينتقم منه. قال السيد شاكر ﵁ وفهم الخبيث مني ذلك حتى رأيت شعر شاربيه كالمسلات واقفاً من شدة الغيظ، ثم قام الشيخ وانقضى المجلس على ذلك، فرحم الله تعالى روحه ونور مرقده وضريحه، ما أصلبه في دينه، حيث لم يور في كلامه بأنه عادل عن الحق ويرضيه بذلك الخوف ضرره، وقد كفاه الله تعالى شر هذا الخبيث.
ثم إنه لا زال هذا الضال يتغالى في الظلم في البلاد الشامية، إلى أن قدمت الناس على مجاورته الموت وشراب كؤوس المنية، فتحركت الدولة الفرنساوية على الإتيان إليها لإنقاذها من يد هذا الظالم المجبول على الضرر، وذلك عام ألف ومائتين وأربعة عشر، فحاصر عكا وضيق عليها المسالك،
стр. 129
فالتمس الجزار من الأمير بشير الوالي حينئذ المساعدة، فاعتذر بأن الأهالي لا توافقه على ذلك. ثم قدمت مراكب الإنكليز لعكا لرد الفرنساويين، فلم تطل المدة حتى رجع بونابرت بعساكره، وصفا الوقت للجزار عمدة الظالمين، فاشتغل بتعذيب الناس وظلمهم بالقطع والقتل، والجدع والسمل، إلى غير ذلك من الأفعال الفظيعة، والأحوال الشنيعة، حتى صار جوره وعدوانه مثلاً سائراً، ولم يزل إلى أن هلك قبحه الله في عكا سنة ألف ومائتين وتسع عشرة ودفن بها في الجامع المنسوب غليه، وقد أرخه بعضهم بقوله:
هلك الجزار ولا عجب ... ومضى بالخزي وبالإثم
وبميتته الباري عنا ... أرخ قد كف يد الظم
وعند موت الجزار كان في سجنه إسماعيل باشا فأخرجه الشيخ طه الكردي الظالم وأجلسه عوضاً عن الجزار مدعياً بأن الجزار بايعه بالولاية قبل موته، وكتب إسماعيل باشا للولايات يبشرهم بولايته، أما نائب الجزار في دمشق فلم يقبل أن يعترف بإسماعيل باشا والياً، فكتب للأمير بشير يطلب منه محافظة الطرقات وأن يمده برأيه، فأجابه الأمير أني فعلت كل شيء قبل ورود رسالتك، وأما إسماعيل باشا فلا يكون لأن الدولة لم تجعله في هذا المنصب، وبعد برهة أتى إبراهيم باشا والياً على دمشق فسار مع عساكر الأمير بشير وقتل إسماعيل باشا والي عكا، ووضع عوضاً عنه سليمان باشا، فرجعت دمشق إيالة على حدتها وكان ذلك سنة ألف ومائتين وعشرين. وبعد موت أحمد باشا الجزار، تسلط الناس على عزوته، وذوي شوكته، فأذاقوهم كؤوس العذاب، وفتحوا عليهم للهون والذل كل باب، وقرؤوا كلام من الأمر منه وإليه، " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه "، خصوصاً وقد كانوا يعتقدون في الجزار وجماعته ما أخرجهم ظاهراً من الدين، وأدخلهم في عداد الطاغين المعتدين، فمال الناس عليهم ميلة الاستئصال،
стр. 130
وأذاقوهم كؤوس العذاب والنكال، إلى أن أبادوهم أجمعين، وسيوقفهم الله بين يديه فالحمد لله رب العالمين.
الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الدسوقي الأصل الدمشقي المنشأ والولادة الشافعي
كان ﵁ في دمشق الشام. من أفراد ذوي الفضل التام، يعتمد في الصواب عليه، ويشار لدى تحقيق الجواب إليه، ومع ذلك كان عالماً عاملاًن وأديباً في السنة كاملاً، ذا شمائل حسنة، وفضائل مستحسنة، له دأب على العبادة، والقناعة والزهادة، ذا كمال وأدب، ومجد يدعوه للترقي على أوج الرتب، إذا حل بناد تهلل بالبشر والسرور، وتحلى بأنواع الجمال والحبور، وترنمت بوسيم شمائله أطياره، وتفتحت بنسيم خلقه أنواره، توفي ﵁ بالمدينة المنورة، والبلدة المقدسة المطهرة، سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ودفن في البقيع، تحت ظل السيد الشفيع، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
الشيخ أحمد بن السيد عبد الغني الأصبحي المشهور بكشوره الدمشقي الميداني الشافعي القادري
علم العلماء الأعلام، وتاج الفضلاء الفخام، عمدة الأفاضل، وبحر الفواضل والفضائل، علامة عصره، ونخبة أوانه وفريد دهره، صاحب الصفات العالية، والشمائل السامية، قرأ ﵀ على والدي مدة حياته، ولم يزل دائباً على الطلب من تمييزه إلى مماته، وكان له مشاركة وإلمام في الفنون العربية، وقدم راسخة في العلوم الشرعية، رحل رضي
стр. 131
الله عنه سنة ثلاث وستين ومائتين وألف إلى القدس الشريف بقصد الزيارة والعبادة، التي هي في ذلك المحل تضاعف فوق العادة، فتوفي هناك في سبعة وعشرين خلت من شهر رمضان في السنة المرقومة، وكان له هناك شهرة عالية موسومة، فأمر الوالي الذي كان هناك وهو الحاج حسن بيك ابن موسى باشا الشهير بالكحالة بتجهيزه، مع توقيره وتعظيمه وتمييزه، وكانت له جنازة حافلة، وأثنية عالية ممن شيعه وغيرهم هي بحسن حاله ضامنة وكافلة.
الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل العجلوني بيبرس الدمشقي الشافعي
العالم النحرير، والشافعي الصغير، له آثار مرفوعة على أكف الثنا، وسيرة محمودة محمولة على هام المرام والمنى، أحيا دروس العلم بعد الاندراس، وفصل مجملها غب وقوعها في مهاوي الالتباس، واتخذ الفضل عنوانه، وقصر على رغائب السنة لسانه، وقد اقر له الخاص والعام، بأنه فرد الأفاضل الأعلام، وكنز الأرب وأسس مبناه، ومحط رحال العرفان والتقدم والجاه، تسامت في زمن شيوخه رتبتهن وعمت في قلوب الناس طراً محبته، برع في المعقول والمنقول، وتبحر في معرفة الفروع والأصول، وكانت له اليد العلية، ودرس في أول أمره في المدرسة الفتحية، في محلة القيمرية، ثم بعد وفاة الشيخ ياسين العجلوني إمام جامع منجك الكائن في ميدان الحصى تواقع عبد الغني آغا الشمري، على الشيخ المرقوم بأن يشرف إلى الميدان، وأن يجعلها محلاً لإقامة ذاته العلية الشأن، ويتعاطى وظائف الجامع المذكور وألح عليه، فأجابه بعد الاستخارة الواردة إلى ما دعاه إليه، وكان بينه وبين والدي محبة فوق المأمول، وكان كل منهما ملازماً للآخر ملازمة الصلة للموصول، ولم يكن لهما اجتماع إلا على المذاكرة والمطالعة من كل ما يفيد، من فقه
стр. 132
وحديث وتفسير وتوحيد، ولهما في كل جمعة أوقات، يتذاكران بها بعض الفنون والآلات. ولم يزل في الجامع المذكور إلى أن دعاه داعي المنون، إلى الدار العالية والمقام المصون. توفي ﵁ ليلة السبت قبيل أذان المغرب خامس عشر شهر شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الله خلف ضريح الأستاذ العارف بالله تقي الدين الحصني، وكان لجنازته مشهد حافل، وجمع برفعة القدر والشأن كافل.
أحمد حمدي باشا الي ولاية سورية بن يحيى بك ابن الوزير ملك أحمد باشا
كان والده من الممتازين بين رجال أمير المؤمنين السلطان محمود العثماني، وأما جده فكان الوزير الأعظم عند السلطان الأعظم محمد المشهور بلقب أوجي. ولد في القسطنطينية في العشر الأخير من ذي الحجة عام ألف ومائتين واثنين وأربعين، وقرأ على بعض المشايخ ما يلزمه من العلوم الدينية والدنيوية كالصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والعلوم الرياضية ولمعا من الحكمة الطبيعية، وأتقن فن الإنشاء علماً وعملاً، ونبغ في التركية والعربية والفارسية، ثم انتظم في سمط كتبة النظارة الداخلية في الباب العالي، ثم انتقل إلى ديوان كتاب الصدارة العظمى متمماً ما تعلمه على مشايخه من الإنشاء. وفي سنة ألف ومائتين وثلاث وستين للهجرة تفرس فيه رؤساء الكتبة النجابة فأعطيت له الرتبة الرابعة، ونقل إلى باب سر عسكر فكان مأمور الكتابة في شورى الأمور العسكرية، ثم رقي إلى الرتبة الثالثة وجعل معاوناً للكاتب الأول في الشورى المذكورة، ثم رقي إلى الرتبة الثانية في ديوان رئيس الجيوش السر عسكرية. وفي سنة الف ومائتين وخمس وسبعين رقي إلى رئاسة كتاب شورى العسكرية، وبعد قليل جعل عضواً في الشورى المذكورة فضلاً عن رئاسة الكتاب المنوه عنها ثم أنعم عليه المغفور له السلطان عبد المجيد بالرتبة المتمايزة، ثم الرتبة الأولى من الصنف الثاني، ثم
стр. 133
الأولى من الصنف الأول، وأدار أعمال هذا المنصب سبع سنين، وأحسن إليه بالوسام المجيدي من الطبقة الثالثة. ولما كانت سنة ألف ومائتين وأربع وثمانين للهجرة فوضت إليه رئاسة وكالة دائرة الحقوق من ديوان الأحكام العدلية نحواً من شهرين، ثم صار من الوزراء وكلاء السلطنة بتوجيه نظارة الأوقاف عموماً إليه، وبعد ثمانية أشهر عين مستشاراً للسر عسكرية الجليلة مع ضم المخصصات لعهدته، وعلى أثر ذلك أحرز الوسام العثماني من الطبقة الثانية، وفي ربيع الآخر سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين رقي إلى درجة الوزارة السامية وعين ناظراً للمالية، وبعد ذلك بمائة يوم أحيلت إليه ولاية آيدين على أثر التبديلات العظيمة التي طرأت على الوكلاء بعد وفاة المرحوم عالي باشا الوزير الأعظم، وفي أثناء ولايته هذه وقع بين روم أزمير وإسرائيلها نزاع أزعج العالم المتمدن وخيف من تغير السياسة العامة فتوفق بدرايته وعلو همته إلى تسكين جأش القوم، وقطع دابر المفسدين فلم يدع لتغييرها سبيلاً، فأحسن إليه السلطان عبد العزيز مكافأة بالوسام المجيدي من الرتبة الأولى، ونال من الدول الأجنبية وساماً من الرتبة الأولى. وسنة ألف ومائتين وتسع وثمانين وجهت إليه ولاية الطونة، فلبث بها أحد عشر شهراً يسدد أحكامها ويوطد دعائم العدل والأمن، ونال حينئذ من الدولة الروسية وسام القديسة حنة من الطبقة الأولى، وفي صفر سنة ألف ومائتين وتسعين تبوأ ثانية منصب نظارة ألمانيا، وأحسن إليه بالوسام العثماني الأول، وأحرز وسام مشير خرشيد الإيراني من الرتبة نفسها، وفي محرم سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين أنيطت به مرة ثانية ولاية آيدين فأدارها نحواً من أحد عشر شهراً، بسياسة جمعت بين الرضا العالي والمنفعة العامة، ثم وجتت إليه ولاية سورية في إحدى وعشرين ذي الحجة سنة ألف ومائتين وإحدى وتسعين، فقام بما يستغنى عن بيانه، ولكن انحراف صحته جعله يستقيل
стр. 134
وذهب بقلوب الناس إلى قاعدة السلطنة، وصار فيها رئيساً للجنة القوائم، وبعد أقل من عشرين يوماً صار رئيساً للدائرة الملكية في شورى الدولة، وكان ذلك في ثلاثة وعشرين من شهر رجب سنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين، ثم بعد ثلاثة عشر يوماً عين ناظراً للخزينة الخاصة، وبعد ستة عشر شهراً صار ناظراً للداخلية، وفي خمسة من المحرم سنة الف ومائتين وخمس وتسعين رقي إلى الصدارة العظمى، فبلغ ما بلغه جده المشار إليه، وفي ثاني صفر من السنة المذكورة عين مرة ثالثة والياً على آيدين، وبعد سنة أي في محرم سنة ألف ومائتين وست وتسعين وجهت غليه ولاية بغداد، ولكن بعد ثلاثة أيام صدرت إرادة سنية ببقائه في مركزه إجابة لالتماس الأهلين أجمع في ولاية آيدين، فأقام فيها ثلاثين شهراً ونال الوسام الألماني المعروف بالتاج من الصنف الأول، وفي شهر رمضان سنة الف ومائتين وسبعٍ وتسعين أنيطت به ثانية ولاية سورية، ومكافأة لخدمته المبرورة وآثاره المشكورة في هذه الولاية نال من عواطف الحضرة
الشاهانية الوسام العثماني مرصعاًن بعد أن أهداه امبراطور النمسا نيشان ليوبولد الأول، مما يثبت ما له من استقامة المسلك وحسن التدبير وصدق الخدمة. هانية الوسام العثماني مرصعاًن بعد أن أهداه امبراطور النمسا نيشان ليوبولد الأول، مما يثبت ما له من استقامة المسلك وحسن التدبير وصدق الخدمة.
والحاصل أنه منذ انتظامه في سلك كتبة الباب العالي حتى الآن أي منذ اثنتين وأربعين سنة لم يبق بلا منصب سوى ثلاثين يوماً على أثر استقالته المرة الأولى من ولاية سورية، وتسنى له مع اختلاف الأطوار، وتضارب الأوطار، وتقلب الأحوال وتغاير السياسات، أن يكتسب في جميع المناصب الخطيرة رضي الدولة وثقتها، وثنا الأمة ومحبتها، في عصر تعدد فيه السلاطين العظام، الذين كانوا بجملتهم يرمقونه بعين العناية والالتفاف جزاء لمآثره المشهورة وصداقته، وهو مع سكونه بعيد الهمة نبيل القصد عفيف معتدل الرأي خالي الغرض، يتغلب على المصاعب بالثبات والصبر
стр. 135
والحلم، والاجتهاد في الإصلاح بالحمية والغيرة لنفع الوطن وتشييد عماده، وثناء أهل الدين عليه دليل أعماله الخطيرة، ومساعيه المشكورة، في سبيل عمران تلك الولاية وإنماء ثروتها وتوطيد راحتها، واستئصال اللصوص من أنحائها وضواحيها.
ولما كانت ولايته الحالية مشمولة بعناية خصوصية من لدن حضرة صاحب الشوكة والاقتدار مولانا السلطان عبد الحميد خان المعظم وكان حضرة المترجم المشار إليه منصباً على تنفيذ نواياه الخيرية، لإسعاد التبعة والرعية، جاء بآثار جليلة، وأعمال جميلة، أكثرت في الولاية السورية أسباب العمران والنجاح، وفي الولاية السورية عدد ليس بقليل ما برح سائباً في فيافي البدوية مغلولاً بأصفاد اليبوسة لسلب الراحة مكدراً لصفاء الأمن بالاعتداء على أبناء السبيل متعوداً التمرد مكابراً للإصلاح، وطالما كان هذا الفريق موضوعاً لاهتمام أسلاف أبهته من الولاة العظام، دون أن يترتب على ذلك الأثر المطلوب لأن بعضهم كان يأخذه بالعنف ويقابل خشونته بالقسوة والجفا فيعاقبه تارة بالضرب وطوراً بالتنكيل، وآونة بالحرب والتدمير، فكان يزداد تمادياً في البغي وتطاولاً في العتو، لأن ذلك كان عبارة عن مقابلة الخشونة بما يشاكلها، فكان أولئك القوم كالنقطة السوداء في صفحة محيا سورية البيضاء، وأما المترجم المومى إليه فأخذ يلين قسوتهم بالحلم والرفق والحكمة، داخلاً البيوت من أبوابها، فتسنى له المطلوب دون أن يريق قطرة من الدم أو يسلب لأحد مقدار ذرة، فإن السواد الأعظم منهم دخل ربقة الطاعة، وذاق حلاوة السكون والتمتع بتركات الوطن تحت ظلال الأمن والراحة، وأوشك أن يعرف فضل العلم فتمسك بأسبابه، وتعلق بأهدابه، فترى المدارس تنشأ في أعالي الجبال وأعماق الأودية لتثقيف العقول وتهذيب الأخلاق، والأراضي المهملة تصلح
стр. 136
وتفلح بأيد لم تتعود إلا هز السيوف وتشريع العوامل، وطرقات تمهد وتسلك بعد أن كانت وعوراً لا يكاد يسمع منها سوى عويل المسلوبين وأنين الجرحى من أبناء السبيل، ومعاقل تبنى وتشاد لقيام قوات من الجند يتكفل وجودها بإرهاب العتاة وإخافتهم، وغل أيديهم عن السلب والنهب. ومن تأمل في حالة النصيرية ودروز حوران وأهلها وعرب البادية واللجاه من قبل، ورآها الآن، يرى الفرق بينهما، وأعظم التدابير التي تمت بهذه النتيجة الحسنة إنشاء المنازل العسكرية في جبل الدروز، ثلاثة حصون متينة أولها في قرية عرى، والثاني في المزرعة، والثالث على مقربة من بصر الحريري، ثم أنشأ حصناً آخر في حاصبيا، ومثله في قرية ضمير، وهي تبعد ست ساعات شرقاً عن دمشق، حيثما يأتي إليها أهل البادية للاستقاء منها وهذا خير رادع للبغاة أعداء الأمن، لأنه ما من عات متمرد إلا ويضطر إلى المرور بتلك البقعة، فإذا أتاها أوقعت عليه حامية الحصن ما يكفه عن طغيانه، وردته عن عدوانه، وبنى معقلاً عظيماً في منتصف جبال النصيرية، قرب قرية تعرف بدير شميل، لا تبعد عن مصياف نقطة قوة النصيرية ومنتدى جمهورهم أكثر من نصف فرسخ، فكان مجموع هذه المعاقل ستة، واحد منها كاف لثلاث فرق طوابير، وثلاثة يكفي كل منها لفرقة، واثنان لنصف فرقة، ومن الأبنية التي شادها دون أن يثفل على الخزينة السلطانية دائرة حكومة حاصبيا، وموقف حراس كبير في ضمير، وموقفان للحراسة في بيروت، ومحل لطابور العساكر، ودائرة في جبال النصيرية، ودائرة حكومة في مرج عيون، وأخرى في جنين، وغيرها في بانياس وفي النبطية وفي طرابلس وفي بيروت، ومدرستان للصبيان في حوران، ودائرة للعدلية في الشام. ومن آثاره النافعة إصلاح طريق عجلات من طرابلس إلى حماه، وتأليف شركة وطنية لإدارتها، ثم إكمال
стр. 137
الطريق الواقعة بين الشتورا وبعلبك، وجعل العجلات تسير عليها دفعتين في الأسبوع، والسعي بتمهيد طريق حوران وقد مهد نصفها ويتم النصف الآخر بعد برهة وجيزة إن شاء الله، والحصول على امتياز لإنشاء طريق حديدية من عكا إلى جسر المجامع، واتخاذ التدابير لإيصالها بدمشق مارة بحوران، ومن المقرر أن هذا المشروع عبارة عن فتح باب لإخصاب أراضي سورية وإغزارها محصولاً. هذا المذكور بقطع النظر عن طرق كثيرة مهدت بمساعي دولته، دون أن تحمل الخزينة نفقاتها، ومنها مد الأسلاك البرقية إلى جميع الأقضية التي لم يكن فيها سلك برقي، كراشيا والقنيطرة والناصرة وطبرية وصفد وغيرها، وإنشاء كثير من المكاتب الابتدائية للذكور والإناث في دمشق وبيروت وطرابلس واللاذقية وحماه وحوران والبلقا وسائر أنحاء سورية وفلسطين، وإيجاد أموال مستقلة تضارع نفقاتها، وتشييد المدرسة الداخلية في بيروت على نسق المدارس العالية المنتظمة
في السلطنة، وتجديد دائرة للحكومة في بيروت، وأخرى في طرابلس كافية لمأموري الحكومة والمحاكم العدلية، وقد بنيت على الأصول الهندسية المختارة حديثاً في الممالك المتمدنة، هذا فضلاً عن عدة دوائر للحكومة، ومراكز للتلغراف أنشأها في كثير من الأقضية والنواحي، وعدد ليس بقليل من الجسور والمعابر أقامها على الأنهار الكبيرة خارج دمشق، وذلك دون أن تحمل الخزينة شيئاًن ولا يزال يبذل قصارى الجهد لاستحصال امتيازات بإنشاء المرافىء لدفع نوائب النو في بيروت وغيرها من الثغور، مثل عكا واللاذقية وطرابلس، وهو سائر على تأليف القلوب، وبث العدل واجتهاده ما استطاع بإزالة شائبتي الظلم والاستبداد، وتخويله كل فرد من أفراد الأمة حقه المشروع، إلى غير ذلك مما يضيق المقام دون تبيينه، وتم له ذلك أجمع في مدة لا تزيد عن ثلاث سنين، ولا زال يتوالى إحسانه، ويتواصل امتنانه، الذي من جملته فرش البلاط من السنانية إلى باب الله في دمشق المحمية، إلى أن جرعته المنية كأس الحمام، وفجعت به على الخصوص قطر الشام سنة ألف وثلاثمائة وثلاث في مدينة بيروت، ودفن بها في حي الباشورة، وقد أمرت الذات الشاهانية جلالة السلطان عبد الحميد خان، بتعمير زاوية لمدفنه يصرف عليها من مال السلطان المرقوم أربعة وستون الفاً صاغاً. في السلطنة، وتجديد دائرة للحكومة في بيروت، وأخرى في طرابلس كافية لمأموري الحكومة والمحاكم العدلية، وقد بنيت على الأصول الهندسية المختارة حديثاً في الممالك المتمدنة، هذا فضلاً عن عدة دوائر للحكومة، ومراكز للتلغراف أنشأها في كثير من الأقضية والنواحي، وعدد ليس بقليل من الجسور والمعابر أقامها على الأنهار الكبيرة خارج دمشق، وذلك دون أن تحمل الخزينة شيئاًن ولا يزال يبذل قصارى الجهد لاستحصال امتيازات بإنشاء المرافىء لدفع نوائب النو في بيروت وغيرها من الثغور، مثل عكا واللاذقية وطرابلس، وهو سائر على تأليف القلوب، وبث العدل واجتهاده ما استطاع بإزالة شائبتي الظلم والاستبداد، وتخويله كل فرد من أفراد الأمة حقه المشروع، إلى غير ذلك مما يضيق المقام دون تبيينه، وتم له ذلك أجمع في مدة لا تزيد عن ثلاث سنين، ولا زال يتوالى إحسانه، ويتواصل امتنانه،
стр. 138
الذي من جملته فرش البلاط من السنانية إلى باب الله في دمشق المحمية، إلى أن جرعته المنية كأس الحمام، وفجعت به على الخصوص قطر الشام سنة ألف وثلاثمائة وثلاث في مدينة بيروت، ودفن بها في حي الباشورة، وقد أمرت الذات الشاهانية جلالة السلطان عبد الحميد خان، بتعمير زاوية لمدفنه يصرف عليها من مال السلطان المرقوم أربعة وستون الفاً صاغاً.
الشيخ أحمد بن حسن بن علي رحمه الله تعالى المعروف بالعرشي
العلامة الأديب النحوي، الأصولي الفقيه المناظر المعروف بالعرشي، قال صاحب التاج: نشأ في موطنه وقرأ وروى وحدث وبرع في الفنون كلها جملة وتفصيلاً، وكان يتوقد ذكاء وفطنة وشجاعة وسيادة وفخامة، طاف البلاد ولقي العلماء، وصحب المشايخ وأخذ عنهم العلوم، وألف في رد التقليد رسائل ومسائل باللسان العربي المبين، وأتى فيها بالعجب العجاب، وأفحم المقلدين وأدخل عليهم العجز من كل باب. جاهد في الله جهاداً، وارتحل في آخر عمره إلى الحرمين الشريفين فتوفي ﵀ في الطريق في بلدة برودة من أضلاع كجرات، وقبره هناك، قال تعالى " ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " وقال النبي ﷺ " موت الغربة شهادة " وكانت وفاته سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين. له اليد الطولى في الشعر العربي والفارسي، وكان ينظم في ساعة قصيدة طويلة نحو مائة بيت فصيحة المبنى، بليغة المعنى، قل من يقدر على إنشاء مثلها في أسبوع بل في شهر كامل، كتب إلى علماء عصره، وأدباء مصره كتباً ورسائل لم يجمعها.
стр. 139
ولقد كان والله عديم النظير، وفقيد المثيل في أقرانه وأمثاله، بارعاً متقناً في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، بل كان تاجاً على رأس الزمن، وكاسمه أحمد وحسن، لم يلتفت إلى كتب الفروع والرأي وأهلها قط، ولم يعمل في خاصة نفسه إلا بالدليل من الكتاب والسنة، وكان له همة سامية في ذلك، وحمية نامية فيما هنالك، ﵀ رحمة واسعة.
أقول إن الاجتهاد ليس له زمن ينقضي بانقضائه بل الزمن كله زمن له على خلاف في ذلك، وإن هذه المسألة محلها كتب الأصول والفروع فلا حاجة لذكرها هنا، غير أن الاجتهاد له شروط لا يجوز بدونها فمن وصل إليها اجتهد، والله يعلم الصادق وغيره والله أعلم.
شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت بك بن السيد إبراهيم عصمت بك بن إسماعيل رائف باشا الحسيني الحنفي.
بدر أشرقت به سماء عروج العلماء، وأضاءت به أفلاك بروج الفضلاء، رضع ثدي المعالي منذ كان طفلاً، وبرع في تحصيل الأمالي فكان في المكان الأرقى الأعلى، واشتهر بين أهل الفضل بأنه آية الإعجاز، وبهر في جمع العلوم فكان المشار إليه ببنان الحقيقة والمجاز، فهو الفرد الذي لا يبارى، ولا يلحق في ميدان التقدم ولا يجارى.
ولد في ليلة الأحد الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام عام ألف ومائتين وواحد، وكانت يد الإسعاد تحوطه من كل ماكر وحاسد، وغب تمييزه قرأ القرآن واشتغل في الطلب على العلماء ذوي الإتقان، وفي سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة دخل التدريس، وفي غرة رمضان سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين دخل في سلك موالي قضاء القدس، وفي سنة ألف ومائتين وست وثلاثين أحرز مولوية مصر القاهرة، وفي ألف ومائتين وتسع وثلاثين نال مولوية طيبة الطاهرة، وفي اثنتين وأربعين حاز باية
стр. 140
استانبول، وفي خمس وأربعين تعين من جانب السلطنة السنية مأموراً لتحرير النفوس الروملي، وبعد رجوعه من المأمورية المذكورة أي في سنة ست وأربعين تشرف بمنصب نقابة السادة الكرام، ومن حين وفاة والده الماجد إلى مضي نحو خمس وعشرين سنة كانت إقامته في البيت المنتقل إليه من جده الأمجد مع كمال الاعتدال والراحة، وكان محله هذا مورداً لأصحاب الفضل، ومقصداً لذوي المروءة والعدل، وبعده انتقل لبيته الكائن بأسكدار الواقع بجدار حمام العتيق، فجعله محل انقطاعه وخلوته، فما لبث أن صار لقضاء حاجات الواردين على بحر حضرته، ومورداً لذوي الرشد والهدى، ومقصداً لطلاب الجود والندى، وفي رأس ألف ومائتين وتسع وأربعين أحرز رتبة باية الأناطولي، وفي خلال ألف ومائتين وخمسين استعفى من مسند النقابة الآنفة الذكر، وفي سنة اثنتين وخمسين وجهت لعهدته باية الروملي الجليلة، وفي سنة خمس وخمسين يعني أوائل عصر السلطان عبد المجيد خان أرسل لجانب الروملي بكمال الإعزاز والإكرام لأجل تفتيش أحوال البلاد والعباد مع مأمورية رئاسة مجلس أحكام العدلية، وبعد العود جعل عضواً لدائرة الشورى العسكرية، وقد أبرز من المساعي المشكورة ما يخلد له الذكر الجميل، والثناء الجليل، واشتغل بفصل المواد المهمة الجسيمة المتعلقة بالسلطنة السنية، فاجتهد بما قدمه على سواه، وقضى برفعته وارتقاه، إلى أن نال مسند مشيخة الإسلام العالي في يوم السبت الواقع في اثنين من شهر ذي الحجة عام ألف ومائتين واثنين وستين، وبعد أن استمر في هذا المسند لحل مشكلات المسائل سبع سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً جرى انفصاله يوم الثلاثاء الواقع في حادي وعشرين جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وسبعين، وبعدها سكن في بيت الشرف الذي تملكه من إحسان الذات الشاهانية بوقت مشيخته الكائن بحصار الروملي، واشتغل بالعبادات
стр. 141
والطاعات، وتتبع الكتب والمجلات، في دائم الأوقات، وخصص الأوقاف الجسيمة من المسقفات والمستغلات، وبعدها أنشأ مكان مكتبة في المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام، ورتب لها حفظة وخدمة ووقف بها سائر كتبه المتجاوزة خمسة آلاف كتاب من الكتب النفيسة، وأرسلها إلى ذلك المكان، وبعد إكمال ذلك عزم هو أيضاً على أن يهاجر إلى خير البقاع، وفي نيته أن يختم بقية عمره بتلك البقعة المباركة نظراً لشدة محبته لخير الأنام، ورسول الملك السلام، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ولكن المرء يسعى والمنية تضحك حيث أن أنفاس الحياة المعدودة وصلت إلى النهاية فتوفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد لست عشرة خلت من شهر شعبان المعظم سنة ألف ومائتين وخمس وسبعين ودفن في قبره المخصوص الكائن في أسكدار عند محل بئر نوح.
هذا وإن المترجم الكبير، والناقد البصير، قد حضر مجالس العلم، بالاستحقاق والفهم، على سادات عظام، وجهابذة قادة أعلام، من أجلهم الفرد الكامل، والعالم العامل، والقطب الشهير السيد محمد الأمير الكبير، وقد كانت له الشهرة الكافية، والمعارف الوافية.
وفي سنة ثلاث وستين حينما توجه والدي للدار العثمانية، والدعوة السامية السلطانية، في أيام أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد، لختان ولديه السلطان مراد والسلطان عبد الحميد، قد كثر بين والدي وبين المترجم الوداد، ولم يكن لواحد منهما في غير مذاكرة الآخر مراد، وقد استجاز كل منهما صاحبه، وعامله لمعرفة قدره بالمعاملة الواجبة،
стр. 142
وبالجملة والتفصيل، إن هذا المترجم كاد أن يقال ليس له مثيل، له ذهن يكشف الغامض الذي يخفى، وفكر لحل المشكلات أروق من الزلال وأصفى، يبصر الخفيات بفهمه، ويقصر فكها على خاطره ووهمه، فجاء بالنادر الذي أعجز، مع تبديل التطويل بالمختصر الموجز، ونظم عقود اللآلي في لبة القريض، ونثر درر المعالي على هام مادحيه فكانوا يفدون عليه وفود البحر الطويل العريض، وكان بعاصمة الروم سراً للإحسان وحاكياً جود زياد وشعر حسان، وقد نظم ونثر، ما يزدرى رقة بنسيم السحر، فمن ذلك قوله ﵀ وجعل الجنة مأواه ومثواه.
إلهي قد فرضت صيام شهر ... علينا محسناً أوفى الجزاء
فنلنا فرحة في وقت فطر ... ونرجو مثلها عند اللقاء
وقال
إن الزمان يعادي من له شرف ... قواه عند أولي الأنظار برهان
فللشموس زوال حيثما ارتفعت ... وللبدور إذا يكملن نقصان
وقال
ألا أن أهنا العيش باكورة الصبا ... وإن الفتى في روضه يانع الغصن
وأصعبه ما جاور الشيب حينما ... حكى البدن المنفوش من ناعم العهن
ومن جملة توسلاته:
يا من إليه الملتجا ... فيما يخاف ويرتجى
أنت المجيب لكل من ... يدعوك في غسق الدجى
ولكم كشفت غياهباً ... من بعد ما انقطع الرجا
أنت المغيث لكل ملهوف ... حشاه تأججا
قد أقلق المهج الضعا ... ف أذى الزمان وأزعجا
يتلجلج النطق الفصيح ... لدى الرجاء تلجلجا
стр. 143
ولقد أضاق علي من ... كل الجهات المخرجا
بين الجوانح والحشا ... حر الهموم تأججا
بحياة خيرتك الذي ... للخير أوضح منهجا
أزكى الصلاة مع السلا ... م عليه ما داعٍ نجا
ومنها:
إصبر إذا باب المنى ... سدت عليك يد الحرج
تمنح فتوح مهيمن ... فالصبر مفتاح الفرج
ومن جملة تقريظاته ما كتبه على الأحكام المرعية:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي وضع الأرض للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان، فسبحانه من متفضل جزيل الإحسان، والصلاة والسلام على من طابت ببركته الثمار، واخضرت من بقية وضوئه الأشجار، وعلى آله وصحبه الذين أحيوا أموات قلوبنا بهواطل الروايات، فنلنا من مزارع فضائلهم حصائد الخيرات والبركات وبعد فإن خليفتنا الأعظم وسلطاننا الأفخم، ولي نعمة العالم، المتحمل أعباء الخلافة من نوع بني آدم، خاقان البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله سبحانه في أرضه، مالك الربع المعمور في طوله وعرضه، المتخلق بخلق الراحمون يرحمهم الرحمن، المتمثل لقوله سبحانه " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " السلطان ابن السلطان ابن السلطان، السلطان عبد المجيد خان بن السلطان الغازي محمود خان
стр. 144
ابن السلطان الغازي عبد الحميد خان، خلد الله ملكه، وجعل الدنيا بأسرها ملكه، ولا زالت أيام دولته كالشمس وضحاها، ولا برحت ليالي سلطنته كالقمر إذا تلاها، وعساكره منصورة في غدوها ومسراها، ومواهبه شاملة للبرية أقصاها وأدناها، ما تبرج ظهر الأرض رافلاً بالخلع الخضراء من وشي الربيع، وتبسمت ثغور الروض من محاسن الصنع البديع، لما اقتعد غارب سرير الخلافة، بسط بساط الإنصاف فائقاً أسلافه الكرام وأخلافه، وتيقظ في إزالة ظلم المظالم حتى إن أنام الأنام في أمان، وبهرت أيامه كالشامة في غرة وجه الزمان، وبالغ في الأمر وأمره مطاع، بقلع شقة الجور والاعتساف من البلاد والضياع، ومد على البرايا جناح الرأفة والشفقة، وعمهم بجزيل الإحسان والصدقة، فمن بدائع عواطفه البهية، وصنائع عوارفه السنية، صدور أمره الشريف بتوسيع الحقوق في الأراضي، وكان ذلك قاصراً في القانون الماضي، كما يطلع عليه من يطالع الصور المكللة المكملة، في بطون هذه المجلة المجلة المجملة، رحمة للضعفاء وفقراء رعيته، ورغبة للثواب الجزيل ومضاعفته، فأيد اللهم هذا السلطان الرحيم الحليم الأفخم، والملك الكريم السليم الأكرم، بالفتح المبين، والنصر على الأعداء والمشركين، بجاه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأكمل تسليم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. كتبه الفقير، المستمنح آلاء ربه القدير، أحمد عارف حكمت بن إبراهيم عصمت الحسيني عوملا بعفو مولاهما الغني آمين.
الشيخ أحمد مسلم بن الشيخ عبد الرحمن الكزبري الشافعي الدمشقي
من أهل بيت قد عمر بالعلم ربوعه، وزين بالفضل أصوله وفروعه، ورفعت العبادة مقامه، ونشرت على هام السيادة أعلامه، ولقد زاد
стр. 145
هذا البيت كمالاً وقدراً، وعلا منقبة وذكراً، ولا ريب أن هذا المترجم كان على طريقة آبائه الكرام، وأصوله السادة العلماء الأعلام، ولد سنة الف ومايتين وست وثلاثين، وحضر دروس والده وغيره من العلماء الأفاضل، وقرأ على والدي الشيخ حسن البيطار مدة في الحديث وغيره من الوسائل، واستجازه به وببقية العلوم فأجازه إجازة عامة، وكان له من والدي المحبة والرعاية التامة، حيث أنه تلميذه وابن أستاذه، ونجل شيخه وعمدته وملاذه، وكان للمترجم عز وجاه، وصولة قد رفعت بين الناس رتبته وعلاه، إلى أن صار مقصوداً في الحوائج، معدوداً للمهمات من أعظم المناهج، قد أحبه الولاة والحكام، ورفعوا قدره على كاهل الاحترام، وأقبل الناس من كل جانب عليه، حتى كادوا لا يجنحون إلا إليه، ولذلك كان جاهه لعلمه ساتراً، ولتقدمه على أضداده ناصراً، لأن دائرة اشتهاره كانت أوسع من دائرة علمه، ودائرة قاصديه وأنصاره قد زادت على دائرة فهمه، وبعد موت أخيه الشيخ عبد الله سنة خمس وستين ومائتين وألف جلس مكان أخيه تحت قبة النسر، لقراءة صحيح البخاري كل يوم بعد العصر، واستمرت فيه هذه العادة إلى الآن في شهر رجب وشعبان ورمضان. ذكر المحبي في خلال ترجمة الإمام المحاسني أحد مدرسي هذه البقعة أن هذا الدرس وظيفة حادثة بعد الخمسين وألف رتبها بهرام آغا كتخدا والدة السلطان إبراهيم؛ وبنى السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها، وعين للمدرس ستين قرشاً وللمعيد ثلاثين، ولقارىء العشر عشرة قروش اه. اقول لعل هذا الخان هو الخان المسمى بالمرادانية، الذي خرقه الوزير مدحت باشا من جانبيه الشرقي
следующие страницы →