Полный текст (1 568 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
الشيخ موسى البندنيجي الخالدي النقشبندي
العالم العامل، والمرشد الكامل، نخبة الفضلاء. وزبدة النبلاء، نشأ من صغره على الطاعة والكمال وتقوى الله ذي الإكرام والجلال، إلى أن صار بين الناس آية، وخفق له بين العلماء أعظم راية، وكان ملازماً للتقوى والعبادة والورع والزهادة، وكان من خلفاء سيدنا ومولانا خالد قدس الله سره، فدار في البلاد وأرشد العباد، إلى أن أقبل على ربه على أحسن حال، مرتدياً برداء التقوى والجمال، وذلك بعد الألف والمائتين والأربعين.
الشيخ موسى الجبوري البغدادي النقشبندي الخالدي
الفقيه الصوفي الكامل والنبيه العالم العامل، والولي المرشد العارف بالله، والمقبل عليه والمعرض عما سوه، ذو الأنفاس والشمائل القدسية والبركات والنفحات الأنسية، فإنه كان ممن شهد بكماله الخاص والعام، وكان في الإرشاد وتدريس العلوم والوعظ إماماً وأي إمام، إذا جلس للتذكير تسابق الناس إليه وجلسوا حوله وبين يديه، فما تجد غير مطرق باك ومتواجد متباك، وصارخ ملء فيه، ومضطرب كأن الموت يوافيه، وليس السيان كالخبر ولا من غاب كمن حضر، كان قد أخذ أولاً عن عبيد الله الحيدري خليفة مولانا خالد، ثم بعد أن ذاق كؤوس العرفان، واستوى على سرير الكشف والوجدان، خلفه مولانا خالد خلافة مطلقة، وأذن له بالإرشاد في الجانب الغربي من مدينة بغداد، فأخذ عنه العلماء الأفاضل والسادة القادة الأماثل، وكان مشهوراً بكل كمال، معروفاً بفضائل الأحوال، ولم يزل يترقى في معاريج الفضائل، ويتقلب على فراش المعارف ناهلاً أعذب المناهل، إلى أن توفي في ذلك الحبر المكين سنة ألف ومائتين وست وأربعين.
стр. 1507
الشيخ موسى بن المرحوم عمر بن عبد الفتاح
ابن محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الجليل السباعي الحمصي عالم شاعر، وناظم ناثر، قد فاق في عصره أقرانه، مع زهد وتقوى وصيانة وديانة، فلذا كان ممن يعتمد عليه، ويشار في حل المشكلات والمعضلات إليه، على أنه من بيت قد تأسس على العلم والتقوى، وحسن العمل في السر والنجوى، فهو الحبر الذي فاق بصفاته الأوائل، والبحر المتموج بجواهر الفضائل، الجامع شمل الكمال بعد شتاته، والواضع في جسد المجد روح حياته، فلا ريب أنها تضحك ببكاء أقلامه الطروس، ويرى في صورة خطوطه حظوظ النفوس.
ولد في مدينة حمص سنة ألف ومائة وإحدى وتسعين، ونشأ بها إلى أن توفي والده، ذهب إلى مصر في نية طلب العلم في الجامع الأزهر والمقام الأنور، فقرأ على علمائها وطلب على فضلائها، ثم رجع إلى الشام وكمل طلبه على علمائها الأعلام، وفي سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين سافر إلى بلده حمص، ومرض بداء البطن، وتوفي في تلك السنة ودفن في مقابر بني السباعي بالقرب من حضرة سيدي خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، ومن بديع نظامه وفصيح كلامه، معارضاً بانت سعاد يمدح بها رسول الله ﷺ .
صدت سعاد وما للحال تحويل ... وليس لي في سواها قط مأمول
وكيف لا وفؤادي صار مرتعها ... ولم يرعني بها قال ولا قيل
لم أخش في حبها عذلاً لذي عذل ... ولا لواش وفيها القلب مكبول
فكم لحاني لاح في الهوى سفهاً ... فقلت اقصر فلي في ذاك تنويل
الله أكبر كم في الحب من بطل ... لقد علاه اكتئاب وهو مذبول
стр. 1508
بمن غدت فتنة بين الورى وسمت ... والفرع منها بجنح الليل مسدول
أضحت فريدة حسن جل مبدعها ... إلى الملا ما بهذا القول تبديل
ترمي بلا قوس نبلاً من لواحظها ... تصطاد أسد الشرى والسيف مسلول
مليحة ما بدت يوماً لعاشقها ... إلا اعترى جسمه سقم وتنحيل
عذراء يقصر مدحي عن لطافتها ... هيهات هيهات تحصيها الأقاويل
مكحولة كحلت بالسحر ثم لها ... على العذارى بهذا الكحل تفضيل
حكت معاطفها السمر الرشاق وقد ... حازت جمالاً ومنها الطرف مكحول
رعبوبة من سناها النور مبتهج ... وما لها في الورى شكل وتمثيل
ما في المشارق تلقى مثل بهجتها ... تزري الغصون ومنها النور مدلول
تبسمت فشكى لي البرق قلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يفوح من خالها المسك الشميم ومن ... بسامها عنبر بالراح معلول
تميل تختال من عجب على مرج ... من ضوء مبسهما ضاءت قناديل
والصدغ واويه الأسماء قد رقمت ... على الغواني لها في ذاك تطويل
وإن وجنتها شبه العقيق وقد ... سما على رأسها تاج وإكليل
لا في العقيق ولا في المشرقين لها ... مثل كما ثبتت فيها الأقاويل
تركية تركت جسمي بها شبحاً ... والقلب ذاب وكم بيني لها ميل
مكية الخال والتوشيم ذات سنا ... وعطرها أبدا بالمسك مجبول
يا ربة الثغر والنهدين رق إلى ... صب براه الجوى والدمع مهطول
مليكة الحسن رفقاً وارحمي دنفا ... له بكى في بحور الشعر تفعيل
وهبتك يا سعاد الروح فانتصفي ... من مغرم ضره في الحب تسويل
أنهي لخصرك ما لاقيت من سقم ... عسى برقته تنقى الأهاويل
تيهي بذا عجباً فالناس قد خضعت ... إلى حماك وفيك دمعهم لولو
ما دعد ما زينب ما هند ما جمل ... الحسن حسنك فيه القلب متبول
أنت المنى ثم سؤلي فانعمي كرما ... إلى الكئيب الذي في الحب مهزول
стр. 1509
لبست حلة حسن يا سعاد وقد ... لبست ثوب الضنى والجسم منحول
إن لم تجودي لصب مسه قلق ... فلي بمدح رسول الله تأهيل
الفاتح الخاتم المفضال شافعنا ... خير النبيين من بالشرع مرسول
قد جاءنا بالهدى والفتح تم به ... عن الخلائق قد زالت أباطيل
طه الحبيب الذي نار الوجود به ... وجاءه من لدى مولاه تنزيل
نبي صدق بدين الحق قام وفي ... كفيه سيف لقمع الشرك مسلول
حتى غدا الكفر مخذولاً لسطوته ... ومس أعداءه ذل وتنكيل
يا صفوة الحق حقق ما أؤمله ... فباب جودك في الدارين مسؤول
وقل لصب غدا في الحب ذا سقم ... ادخل نعيماً به الإحسان مبذول
موسى السباعي له الآمال فيك إذا ... دنا الرحيل وعمته الأهاويل
صلى عليك الذي أعطاك منزلة ... علياء خادمها في الخلق جبريل
والآل والصحب من في الحرب كان لهم ... فتح ونصر وتأييد وتفضيل
وله قصائد كثيرة ومدائح شهيرة، توفي كما تقدم في حمص سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين ودفن في مدفن بني السباعي بالقرب من سيدنا خالد ابن الوليد ﵁.
ناشد راشد باشا والي ولاية سورية الجليلة الوالي المعظم والكبير المكرم، ذو الشان الرفيع والمقام البديع، والصولة السامية والدولة النامية، تعين والياً على الشام وعلى جميع البلاد السورية ذات الاهتمام، وذلك بعد موت المرحوم أحمد حمدي باشا، غير ن سلفه كان ممدوحاً بتمام العفة، ولركون وعدم الميل إلى الخفة، ولذلك كان الجميع يثني عليه بكل ثناء رفيع. وأما دولة الوزير المترجم فكان عند العموم دون من تقدم، ولذلك في آخر مدته كثر الكلام في حق حضرته، فكتب أهل بيروت إلى الدولة العلية يسترحمون بطلب وال عليهم وانفصالهم عن ولاية الأحكام الدمشقية، وتفاقم أمر الطلب إلى أن كادوا يبلغون
стр. 1510
الأرب، فتغيظ الوالي المترجم، إلى أن وقع بداء ذات الرئة ودام بهذا المرض خمسة وعشرين يوماً، فتسامع الخبر بين الناس أن الذات الشاهانية لم تسمح بقسم الولاية فتروح الوالي المذكور وكاد أن يبرأ من مرضه، فلما كان اليوم الخامس والعشرون من مرضه دخل عليه بعض خدمته وأخبره بقرار قسم الولاية، وتوجه وال مخصوص إلى بيروت وما يتبعها فعاوده المرض بشدة قوية، ولم يمض عليه ساعات حتى زارته المنية، وذلك يوم السبت المبارك التاسع عشر من شهر رجب الحرام سنة خمس وثلاثمائة وألف، ودفن في تربة العارف الله سيدي الشيخ محيي الدين العربي الكائنة في سفح قاسيون في جامع السليمية بجانب قبر العارف بالله السيد عبد القادر الجزائري، قدس الله سره، وعمره يزيد عن سبعين سنة، رحمة الله عليه وعلينا.
حرف النون
الشيخ ناصر بن عيسى بن ناصر الدين الإدلبي الشافعي
العالم العامل الفقيه، والكامل الفاضل النبيه، ولد في إدلب الصغرى سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، وقرأ بها على أبي الثناء محمود بن حماد ومصطفى بن سمية وأبي عبد الرحمن بن علي الجوهري المفتي، وحضر دروس أبي مدين شعيب بن إسماعيل الكيالي وأخيه الزين عمر الكيالي، ودخل حلب واستوطنها، وقرأ بها على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري، ومصطفى بن عبد القادر الملقي وغيرهم، ودرس بجامع بانقوسا وجامع الحدادين وجامع المشاطية، ولزمه جماعة وأتقنوا عليه، ولازم القراءة والتدريس مع التقوى إلى أن انفرد في مصره وفاق فضله لدى أهل عصره، وفي سنة ألف ومائتين وخمس اجتمع به في حلب خليل أفندي المرادي مفتي دمشق وشهد بفضله وإتقانه في العلوم والفنون ولم أقف على تاريخ وفاته.
стр. 1511
السيد نعمان أفندي أبو البركات خير الدين بن محمود
الألومي مفتي السادة الحنفية ببغداد دار السلام
عمدة الأفاضل الأكارم، ونخبة الأماثل ذوي المكارم، من تحلى بملابس العلم والأدب، وتولى عن كل ما اعتقاده يوجب اللوم والعطب، فهو العلم
стр. 1512
الفاضل المفرد، والشهم الكامل الأوحد الأمجد، من ل كلامه على علو مقامه، ونظامه ونثره على سموه واحترامه.
ولد يوم الجمعة ثاني عشر شهر محرم الحرام سنة اثنتين وخمسين بعد المائتين والألف، وقد أرخ ولادته الشاعر المجيد، والناظم الوحيد، المنلا عبد الحميد:
стр. 1513
بدا الكوكب الدري والقمر الذي ... محاسنه للشمس أضحت تسامت
فلا عجب إن فاح كالمسك عرفه ... فها هو من بيت النبوة نابت
له ثبت الحق الصريح من العلا ... وتاريخه: حق لنعمان ثابت
قرأ بعد تمييزه القرآن وأتقنه، ثم حفظ المتون المستحسنة، وحضر دروس العلماء الأعلام، ولازم الإقبال على الاستفادة ملازمة النجم للظلام، إلى أن ارتقى مقامه واستوى على عرش القبول كلامه، وسرت في الناس فضائله واشتهرت مناقبه وشمائله، وأجلسته معارفه على وجوه الأماني، وقصده الطالبون من قاص وداني، ومن أحسن ما جمعه وألفه، ووضعه في قالب التحرير وصنفه، كتابه المسمى بجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، فإن كتاب جلا العين من الغين، وأزال عن محيا الحق الشك والرين، فهو القول الفصل العاري من الهذيان والهذل، ولعمري أن من دقق النظر فيه وجال في مناهج ظواهره وخوافيه، عرف أنه حكم وعدل، واعترف بأنه عن طريق الصواب ما عدل، ونصر قول السنة والكتاب، وماز القشر من اللباب، نفع الله العموم بعلومه ورفع راية منثوره ومنظومه، وقد صنف جملة صالحة من التصانيف وحرر زبراً نافعة من التآليف منها إكمال حاشية القطر لوالده، والشقائق، ورسالة في الفقه، وله نثر ونظم يزري باللؤلؤ النجم، وكتب في المواعظ دروساً مفيدة ومجالس عديدة حميدة، وله مجانسة الجليس، بالوعظ والتدريس:
بوعظ قد تلين له قلوب ... وزجر قد تلين به الصخور
تفرد في الفحول بقوارع وعظه ... وأذاب القلوب بزواجر لفظه:
إذا ما رقى للوعظ ذروة منبر ... لخطبته فالكل مصغ ومنصت
فصيح عن الشرع الإلهي ناطق ... وعن كل مذموم من القول صامت
وحينما ألف كتابه غالية المواعظ، ومصباح المتعظ وقبس الواعظ،
стр. 1514
وذكر في أوله حضرة ذي الشوكة والسلطان، أمير المؤمنين المعظم عبد الحميد خان، وقد مدحه بهذه الأبيات البديعة، الدالة على ملكته الرفيعة:
بمولانا أمير المؤمنينا ... لقد سرت قلوب العالمينا
وفي ظل الإله هم أقاموا ... وظل الله يؤوي القائلينا
أنام الكل في ظل ظليل ... فكان لجمعهم كهفاً أمينا
وأصناف الرعية قد تراءت ... بأنواع المعارف عارفينا
مليك ليس يشبهه مليك ... فلا تطلب له ملكاً قرينا
ملاذ الخلق في الدنيا جميعاً ... وسيدنا إمام المسلمينا
عياذ الناس سلطان البرايا ... وخاقان الخلائق أجمعينا
خليفة ربنا قد صار حقاً ... فكان لتخته السامي مزينا
وقد أحيا مآثر لن تضاهي ... ومهد ملكه للساكنينا
وقد عمت أياديه البرايا ... وأدب في الفلاة المارقينا
أدام الله دولته علينا ... وأيدنا به دنيا ودينا
وأبقى ذاته العلياء فينا ... وأعطانا به فتحاً مبينا
وملكه أقاصي الأرض طرا ... شمائلها البعيدة واليمينا
وأبقى عبده المولى حميدا ... حميد العيش دهرا الداهرينا
وأيد جنده الباري بنصر ... وفتح كائن حيناً فحينا
ولم يزل على درج الكمال يترقى، وهو في كل يوم بالنسبة لما قبله أتقن وأتقى، إلى أن أشاعت المنية أخباره وأذاعت أنه سكن في الجنان داره، وذلك في شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وسبعة عشر، وذلك في مدينة بغداد، دار السعادة والإسعاد، ودفن في مقبرة أبيه، رحمة الله علينا وعليه.
стр. 1515
حرف الهاء
السيد هاشم بن السيد محمد بن السيد فائز بن السيد أحمد عز الدين بن السيد
إبراهيم الرفاعي قدس سره
الشيخ الكامل والإمام الفاضل، قد ترجمه صاحب تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار، فقال: ولد السيد هاشم صاحب الترجمة بكويت البصرة وشب في حجر والده، وخلف والده بعد مماته في مشيخة الطريق العلية الرفاعية، وكان على جانب عظيم من الزهد والصلاح والتقوى، وله كرامات وخوارق كثيرة، ووالده كان من أكابر العارفين المعتقدين في الديار العراقية، ومرقده في كويت البصرة، مزار الخواص والعوام، والمترجم سار سيرته وسلك طريقته، وهو من بيت المجد والبركة، توفي ﵀ عام اثنين وسبعين ومائتين وألف، وقبره في الكويت معروف يزار انتهى ملخصاً.
هاشم بن عبد الرحمن بن سعدي بن عبد الرحمن
بن يحيى ابن عبد الرحمن بن تاج الدين عبد الوهاب الحنفي الكناني البعلي الشهير بالناجي ولد بدمشق الشام ونشأ بها وكان من علمائها وفضلائها، وزهادها وعبادها وأعيانها وذوي شانها، أخذ عن المشايخ العظام والسادة الجهابذة الفخام وكانت له اليد العلية والشهرة السنية في فقه السادة الحنفية، وقد تخرج على يديه الكثير من ذوي الفضل الشهير، وولي أمانة الفتوى النعمانية بدمشق المحمية.
стр. 1516
مات ثالث عشر رمضان المبارك سنة أربع وستين ومائتين وألف في مرض الهواء الأصفر. وكان له في قلوب الناس اعتقاد عظيم وجاه جسيم، وتولى أمانة فتوى الشام أيام مفتيها حسين أفندي المرادي، وكان مشهوراً بالعبادة والصلاح، وشيخ الطريقة الخلوتية في الديار الدمشقية، وكان ملازماً على إقامة الأذكار، إلى أن دعاه الله لدار كرامته في دار الكرامة والقرار.
هبة الله بن محمد بن يحيى
بن عبد الرحمن بن تاج الدين بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن موسى ابن عبده البعلي، مفتي بعلبك الدمشقي الشهير بالتاجي المولى الهمام فخر الأنام، وصدر العلماء الأعلام، الفقيه الشهير، والمحدث الكبير، فقيه مذهب النعمان ونبيه ذوي المعارف والشان.
ولد في دمشق في تاسع عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، ونشأ بها واشتغل في طلب العلوم على جماعة منهم سعد الدين العيني ولد سنة ١٠٣٠ وتوفي سنة ١١٧٤ والسيد مصطفى الأيوبي ولد بدمشق سنة ١١٣٥ وتوفي بمكة سنة ١٢٠٥ وعطية الأجهوري البصير المتوفي سنة ١١٩١ والملوي المتوفي سنة ١١٨١ وطه بن مهنا الجبريني الحلبي المتوفي سنة ١١٧٤ وأسعد بن عبد الرحمن المجلد سنة ١١٧٤ ومحمد حياة السندي المتوفي سنة ١١٦٠ وعبد الكريم بن أحمد الشرباتي علامة حلب المتوفي سنة ١١٧٦ وعمر الطحلاوي مفتي المالكية بمصر المتوفي سنة ١١٨١ وصالح بن إبراهيم بن سليمان الجينيني المتوفي سنة ١١٧٠ والشهاب المنيني المتوفي سنة ١١٧٢ وأحمد ابن عبد المنعم الدمنهوري المتوفي سنة ١١٩٢ وأبو الفتح محمد بن محمد العجلوني الجعفري المتوفي سنة ١١٩٣ والشيخ علي السليمي الصالحي المتوفي سنة ١٢٠٠ والسيد علي بالبدري شيخ القراءة بمصر المتو
في سنة ١١٩٠ وإبراهيم الحلبي
стр. 1517
محشي الدر المختار المتوفي سنة ١١٩٠ وعلي الصعيدي المتوفي سنة ١١٨٩ وموسى المحاسني خطيب جامع بني أمية المتوفي سنة ١١٧٣ وأحمد الجوهري المتوفي سنة ١١٨١ والجد الشمس محمد بن عبد الحي الداوودي المتوفي سنة ١١٦٨ والسيد الشريف محمد أبو السعود ابن العلامة اسكندر مفتي الحنفية في الديار المصرية المتوفي سنة ١١٧٢ وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وقد أخذ عنه الجم الغفير والعدد الكثير.
ومات في عشرين من ذي القعدة الحرام سنة أربع وعشرين ومائتين وألف، وله مؤلفات كثيرة منها حاشيته على الأشباه والنظائر لابن نجيم.
ومن نظمه مهنئاً جناب الفاضل المحترم خليل أفندي المرادي بإفتاء دمشق الشام، ومؤرخاً ذلك، فقال:
سقياً لدهر كل هتان به ... جاء البشير موافياً بمرادي
هذي الأماني التي بلغتها ... رغماً على الأعداء والحساد
وافت عروساً في نحور عقدها ... نظم القلائد من ذري الأجداد
وتبسمت عن ثغر روض مسرة ... فلذا الصوادح غردت بسداد
وأتت ورائه صدر فضل قد سما ... حيث السماء وقبله القصاد
تسعى على هام السماك أبيةٍ ... منقادة للسيد المجواد
الشهم مولانا الهمام ومن له ... في كل علم يقتفيه أياد
من قد رقى رتب المعالي سيدا ... فكسا الفخار برود مجد وداد
وغذى لبان الفضل من زمن به ... غصن النبوة مثمر بجياد
стр. 1518
در البلاغة من جواهر لفظه ... يزري بعقد فصاحة لإياد
منه استعار السحب فضل أنامل ... فسقي بها جوادي مدى الآباد
فهو الكريم بن الكريم بن الكريم هو الخليل هو السري مرادي
نجل السراة ومن هم كهف الأنا ... م وملجأ المحتاج والوراد
أعلام علم للورى وهدى وإر ... شاد وحلم سادة أمجاد
مولاي يا فرد الوجود فضائلا ... وشمائلا يا أوحد الآحاد
رحماك إني عن علاك مقصر ... فانعم بعفو منك لإبعاد
إذ لا يزيد الشمس كثرة مدحها ... والدر لا يلغو بنظم شاد
فاليكها بنت اغتراب خانها ... فكر تردى من صدا أبعاد
جاءت تهني للوحيد بمنصب الفتوى التي شرفت يبيت مراد
فلها الهنا ولها المنى ولها السنا ... بالعالم الصنديد خير عماد
لما غدا الإفتاء يبغي كفؤه ... أرخ له مفتي الشآم مرادي
قسما بلطف مالك لفؤادي ... وبما لوالده جميل أياد
إني لبست من السرور ملابساً ... أزهو بها في الجمع والأعياد
لا زلت ترفل في حبور مسرة ... تهني بك الفتيا مدى الآباد
الشيخ هداية الله الإربيلي الشافعي النقشبندي الخالدي
العالم الفاضل العامل، والمرشد الهمام الكامل، ذو الهمم العلية والعلوم الربانية، والشمائل العلية والفضائل السنية، والسيادة المذكورة والعبادة المشهورة. نشأ من أول زمنه في طاعة الله ولم يعول من صغره على غير طاعة مولاه، ثم سلك الطريقة العلية النقشبندية على يد الإمام والقطب الهمام، سيدي مولانا خالد شيخ الحضرة قدس الله سره، ثم إنه بعد
стр. 1519
الكمال خلقه ذلك السيد المفضال، خلافة عامة، ولم يزل مجتهداً في العلم والطريق إلى أن اختار الآخرة على الأولى.
وكان الشيخ المترجم حين سلوكه من طلبة العلم، فقال له حضرة مولانا خالد بعد أن خلقه سيأتي عليك زمان تحتاج فيه إلى تدريس العلوم النقلية والعقلية، وإن لم تدرس فإنهم يخرجونك من وطنك، فأمره بقراءة الورقة الأولى من كل كتاب معد للتدريس، فقرأ ذلك على حضرة مولانا المذكور، ثم أجازه بجميع العلوم النقلية والعقلية وتدريس كتبها الدقيقة، وبعد وفاة حضرة مولانا خالد بمدة طويلة وزمان بعيد، ظهر سر هذه القضية وهو أن محمد باشا الكردي متصرف راوندز، استولى بطغيانه على أربيل ونواحيها، وكانت له محبة عظيمة بالعلم والعلماء، ولما تمكن في أربيل مدة طويلة، قال: إن كل من جلس في مسجد أو زاوية من أهل العلم ولم يدرس فليخرج من هذه البلدة لأني أريد العلم ولا حاجة لي بالطريقة، فشرع الشيخ هداية الله المشار إليه بتدريس العلوم منقولها ومعقولها على وجه التحقيق، بحيث انكب عليه أهل العلم للاستفادة وأنوه أفواجاً أفواجاً، لأنهم رأوا عنده من التحقيق والتدقيق ما لم يشاهدوه عند العلماء الراسخين في العلوم والتدريس فتعجب الناس من ذلك لأنه لم
стр. 1520
يدرس مدة عمره ولم يقرأ من العلوم إلا شيئاً يسيراً جداً، وإنما كان اشتغاله بالإرشاد، فسمع الباشا المذكور وأتى إلى خدمته وطلب الدعاء منه والعفو عنه، وبقي الشيخ المشار إليه يرشد ويدرس إلى أن توفي في بغداد ودفن بجانب الشيخ يحيى المزوري سنة ألف ومائتين وزيادة على الخمسين ﵀.
الشيخ هداية الله بن هبة الله بن محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن تاج الدين
البعلي المعروف بمفتي بعلبك الدمشقي الحنفي
ولد بدمشق، وطلب بها وصرا من علمائها، واشتهر بالعلم والفضل والصلاح، والعبادة والتقوى والفلاح، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف.
حرف الواو
الشيخ وهبة المشهور بأبي العظام
كان من أهل الأحوال، وله كرامات شهيرة تدل على أنه من كمل الرجال، وهو مقصود للزيارة من كل مكان، ومعدود من أهل الكرامة والولاية والشان، وللناس به اعتقاد عظيم، يقصدونه لدى كل مهم وخطب جسيم. نقل أن السبب في تكنيته بأبي العظام، أنه انقطع في الأودية والجبال نحو سبعة أعوام، وهو حامل للعظام على الدوام، فلذا كني
стр. 1521
بها بين الأنام، ثم بعدها رجع إلى حاله، ولبس أثواب بهائه وكماله، وانتفع الناس بأطواره، وسلموا له بديع أوطاره، ولو أرادنا أن نحصي ما له من الكرامات الكبار، لخرجنا عن منهج المقصود من الإيجاز والاختصار، توفي سنة اثنتين وأربعين بعد المائتين والألف، ودفن في قرية القسطل ذات الجمال واللطف التابعة لقضاء النبك، وقبره ظاهر مشهور وعليه قبة مجللة بالبهاء والنور، رحمة الله تعالى عليه ورضوانه، وجوده وبره وإحسانه.
حرف الياء
الشيخ ياسين النابلسي الحنفي فاضل إمام، وعالم عامل همام. ولد سنة ألف ومائتين، ونشأ على الجد في الطلب إلى أن بلغ المنى والأرب، ولازم النسك والعبادة وصار من ذوي القدر والسيادة، وذلك بعد أن قدم دمشق واستوطنها، وقرأ على فضلائها وعلمائها واجلائها، وكان له اليد العليا في العلوم من منطوق ومفهوم. مات بدمشق سنة ستين ومائتين وألف، ودفن بقاسيون قرب مغارة الجوعية رحمه الله تعالى.
الشيخ يحيى أفندي أبو النصر
بن الشيخ عبد الغني بن الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر بن محمد السلاوي نسبة إلى مدينة سلا في المغرب كذا قرر في ترجمة جده الشيخ أحمد السلاوي
ولد في الديار المصرية، وبلغ مبلغاً من العلوم الأدبية، وأتقن صناعة الشعر وأحسنه، وكان يذكر عند مذاكرته في أنواع الأدب من كل شيء أحسنه، وفي سنة ثلاثمائة وألف شرف إلى الشام، وكنت اجتمع به في
стр. 1522
أكثر الأوقات والأيام، فصيح اللسان ذو معرفة وإتقان، وكان مشتغلاً بنظم قصائد تسعة وعشرين، من كل حرف من حروف الهجاء قصيدة، على طرز قصائد صفي الدين أبي المحاسن عبد العزيز بن سرايا بن أبي القاسم الحلي التي سماها درر النحور في امتداح الملك المنصور، فكان يتلو علينا من أبياتها، ويفكهنا بسكر نباتها، وقد تخلص بكل قصيدة إلى مديح الحضرة المعظمة السلطانية الحميدية، وقد سماها بالعصر الجديد، جمع بها جواهر الآثار، ودقائق المعاني الأبكار، وبعد مدة سافر إلى الأستانة العيلة، وقدمها للسدة السنية الملوكانية، فأحسن إليه برتبة محترمة، وخدمة في دائرة المعارف العمومية الجليلة، ولم يزل مكباً على الاشتغال بالأدب، وآثاره مقبولة تألفها الطباع، وتلتذ بها الأسماع، ومن نظمه البديع وشعره الرفيع، قوله:
أعد الحديث عن الأماني الحفد ... واغتم مسالمة الليالي العود
وأدر كؤوس الراح فيها للهنا ... أيدي الصبا منها صحيفة عسجد
طوراً تطوف بها الشموس وتارة ... تسعى بها الأقمار حول الوقد
من كل وضاح الجبين أغر ذي ... شمم وعز بالشباب معربد
يلقاك ملتحف الوقار كلاهما ... بادي المشيخة في حداثة أمرد
يغدو بأصناف المسرة لاهيا ... يوماً ويوماً بالمقيم المقعد
لا تبصر العينان منه لذي نهى ... إلا خلال ممجد ومسود
إن قال كان الرأي منه مسددا ... أو صال كان الخصم غير مسدد
ومنها:
وخضيبة الكفين مزر قدها ... هيفا بأعطاف الغصون الميد
نشوانة بالحسن تعبث بالنهى ... عبث الحوادث بالوليد المبتدي
تلقاك في ديباجتين منوطة ... من فوق ضاف بالعبير مقرمد
أقسى مساساً من فؤاد معذبي ... وأرق من قلب حزين المكمد
стр. 1523
ما بين طلعة بدر تم مشرق ... زاهي الجبين وليل شعر أجعد
فتاكة فتانة مأسورها ... لا يفتدي وقتيلها لا يستدي
إن أقبلت فتنت وإن ولت سبت ... مهج الأراقم دون نيل المقصد
تدني وتبعد بالذي تومي به ... لأخي العفاف وللبغي الأنكد
فتظنها من ثم غير عصية ... وتخالها من ههنا كالعضلد
وتروضها كخليستين عروبة ... غض المساس وحيزبون علكد
لا ينقضي من حبها وطر ولا ... يدنو لها بالغي عزم مجرد
وهي قصيدة طويلة تزيد على المائة وثلاثين بيتاً وتخلص بها لمديح السيد أحمد الرفاعي قدس الله تعالى سره. وله قصائد كثيرة وأشعار شهيرة. ولقد اجتمعت به في الآستانة عام ألف وثلاثمائة وسبعة، فوجدته قد تغير عن حاله، وتبدل الجلال عن جماله، وغلب عليه الجفا بعد ما كان عليه من الوداد والوفا، واللطف والصفا، فسبحان من لا تغيره الأزمان، ولا يحكم عليه وقت ولا أوان.
الشيخ يحيى الجابي المدني
ترجمه صاحب اللئالي الثمينة في أعيان شعراء المدينة، فقال: الأديب الذي كنهور ذهنه بالمحاسن هامي، وألفاظه تسكر الأسماع كابنة العنب ولا ينكر السكر من الجامي فكل بيت من أبياته راووق مدام
стр. 1524
وكل لفظ منها زهر كمام، كلل برشح غمام، ومع ذلك فهو في الفضل سامي المقام، وفي المجد بالغ همام، حاوي شمائل كالنسيم رقة، وكالمسك تشتهي الروح شمه ونشقه، وجامع أدب شذي النفحة بهي اللمحة، فمن نظمه البهج وشعره الأرج هذه القصيدة، وأرسلها من الروم مبثاً بها ما حواه صدره من سر الغرام المكتوم:
على وادي النقا، قف لي صباحا ... وحي الريم والغرر الصباحا
وعانق لي بسح الدمع بانا ... بسوح من العقيق لديه ساحا
ومرغ لي الخدود على تراب ... تشم به عبير المسك فاحا
وغض الصوت في نجواك واخفض ... جناح الذل منك عسى نجاحا
وأم الجانب الغربي منه ... سقى الله رباه والبطاحا
وسل عن جيرة في سفح سلع ... وقبل القول قبل لي المراحا
بهم خز يشي حبرا برتني ... بروق ظباه دع عنك الرماحا
لروحي من صداه غذا وراح ... غدا يجلو الصدا عنها وراحا
ترى الأوتار ناطقة فصاحا ... إذا غنى بنغمتها فصاحا
به معنى فهمناه فهمنا ... فلاح سنا فشاهدنا فلاحا
فشاهد ساعة وارجع سريعا ... وحاذر يستميلك أن تصاحا
فإن حشاي مما في فؤادي ... يئن أنين من ذاق السلاحا
وذلك إن بازاً لي تصدى ... فأظهر لي الصداقة والمزاحا
فلما أن رآني مطمئنا ... أظن مزاجه الماء القراحا
غزا بالبابلي على غزالي ... فطار به وكان له جناحا
ولو بارزت لم يبرز لحربي ... ولكن خفت ارتكب الجناحا
فقلت تعجبا سبحان ربي ... فقنعني ومن قنع استراحا
ولي نفس أبت ذلاً لمن لا ... يراعيها ولو ماتت جراحا
стр. 1525
ولا حكم على ملك بعنف ... خصوصاً من يرى قتلي مباحا
فحسبي أن محبوبي بقلبي ... وإني في الهوى أهوى الملاحا
وسلم لي على قمري العلالي ... وندماني غبوقا واصطباحا
وجمع الصحب بلغهم سلامي ... لعل الله يجمعنا صحاحا
وكرر لي السلام على عقيق ... كذوب مكرر يسقي الأقاحا
وتعرف يا عقيق الروح مني ... لمن في لحن قولي القصد لاحا
وله:
باتت تسامرني حمامة روضة ... فوق الغضا بين الغدير وزرعه
تبكي على إلف لها بترنم ... من أجل تسكين الفؤاد وروعه
فشربت من ذاك الغدير تلذذا ... وطربت من ذاك الهدير ورجعه
وأجبتها بي مثل ما بك كلنا ... نبكي على ذكر الحبيب وربعه
لكن ما مثلي ومثلك واحد ... لا والذي سمع الدعاء بسمعه
إن الذي أهواه بدر كامل ... كل الأشعة فرعت من فرعه
قالت صدقت يحق أن تبكي الدما ... ونهيم في ريم النقا مع سلعه
وله ﵀:
لقد كمنت محبتكم بقلبي ... كمون النار في قلب الزناد
ولكني افتضحت بدمع عيني ... وحالي كل حين في ازدياد
انتهى توفي المترجم المرقوم في القرن الثالث عشر رحمه الله تعالى.
стр. 1526
الشيخ يحيى بن محمد بن منصور الحلبي الشافعي
الفقيه العالم المقرئ المسند البركة الدين التقي العابد الزاهد، كان من السادة الأخيار، والقادة الأتقياء الأبرار. مولده سنة عشرين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وتلاه لحفص، وأخذ القراءات عن الشمس البصيري شيخ القراء بحلب، وأبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المصري، ولازم القراءة والأخذ والتلقي والسماع، وتلقى الكثير على الكثير، منهم أبو عبد الفتاح محمد بن الحسين الزمار ونور الدين علي بن مصطفى بن علي الدباغ الميقاتي وأبو محمد صالح بن رجب المواهبي وبايعه وأخذ عنه الطريقة القادرية، ولازم بعده ولده أبا عبد الله محمد وقاسم بن محمد البكرجي وأبو الثناء محمود بن شعبان البزستاني وقاسم بن محمد النجار وأبو المحاسن يوسف بن الحسين الدمشقي وأبو عبد الله جابر بن عودة الحوراني وعبد الوهاب بن أحمد الأزهري وعلاء الدين محمد بن محمد الطيب المالكي لما قدم حلب، وأبو جعفر منصور بن علي الصواف وأبو السعادات طه بن مهنا الجبريني وأبو عبد الله محمد بن كمال الدين الكبيسي وعبد الكريم بن أحمد الشراباتي وغيرهم. ويروي عالياً عن الشهاب أحمد بن محمد علوان بن عبد الله الشراباتي وأي داود سليمان بن خالد بن عبد القادر النحوي وجمال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد عقيله بن سعيد المكي وبدر الدين حسن بن علي الطباخ وأبي عبد الرزاق محمد بن هاشم الديري وأبي محمد حسن بن شعبان السرميني وآخرين، وسمع الأولية من أكثرهم ولازم دروسهم وأكثر من السماع من صغره وكان لا يفتر عن حضور مجالسهم، وأجازوه بالإجازة العامة. وكان كثير التلاوة للقرآن العظيم يشتغل به غالب أوقاته، وكان من الصلحاء الأخيار، والمعمرين الأبرار، كثير الديانة مقبلاً على الأخرى معتنياً بما يقربه من مولاه، رافضاً زخارف الدنيا راضياً بما قسم له، يحب الناس ويحبونه. توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين ونيف في حلب ودفن بها.
стр. 1527
الشيخ يحيى بن...... المزوري العمادي الشافعي البغدادي
بحر العلوم، وحبر ذوي المنطوق والمفهوم، جامع المنقول والمعقول، وحاوي الفروع والأصول، أستاذ علماء العراق على الإطلاق، وملاذ فحول فضلاء الآفاق في حل المشكلات بلا شقاق، النحرير الهمام حجة الإسلام، الناسك العابد والتقي الزاهد، المتوجه بكله إلى الله والمعتمد عليه لا على سواه.
نقل صاحب المجد التالد أن المترجم المذكور كان من أكابر هذه الأمة المحمدية، وقد بلغ درجة الترجيح في الفقه، مع كونه بحر جميع العلوم النقلية والعقلية والرياضية، كما شهد له بذلك حضرة شيخ الحضرة مولانا خالد النقشبندي، وكانت ولادته في حدود سنة ألف ومائة وخمس وأربعين، وقرأ على مشايخ كثيرين وأساتذة معتمدين، منهم الحبر العلامة والبحر الفهامة، السيد عاصم الحيدري، ومنهم العلامة المحقق والفهامة المدقق، السيد صالح الحيدري. وكان حافظاً لأوقاته مراقباً لحركاته وسكناته، مواظباً على الطاعة متباعداً عن الإضاعة، وآدابه في التقوى والحلم، ومكارم الأخلاق التي أدبه بها الفضل والعلم، كثيرة شهيرة. وفي عام ستة وعشرين ومائتين وألف، لما شرف حضرة مولانا خالد شيخ الحضرة من الهند إلى السليمانية صمم الجماعة البرزنجية الذين هم أكابر بلدة السليمانية وأصحابهم وأتباعهم، وكانوا نحو مائتي رجل على قتل الشيخ خالد المذكور، واتفق رأيهم أن يقفوا بالسلاح يوم الجمعة خارج باب المسجد، فإذا خرج قتلوه وقطعوه إرباً إرباً، فلما جاء يوم الجمعة قام حضرة الشيخ قدس الله سره ومشى إلى المسجد، وكان معه بعض مريديه وجماعة من الحيدريين، فلما تمت صلاة الجمعة وقف الأعداء على الباب ينتظرون خروج الشيخ وهم بالسلاح الكامل، وكان من عادة الشيخ أنه لا يخرج من المسجد
стр. 1528
إلا بعد خروج الناس، فلما تكامل خروج الناس، ولم يبق في المسجد أحد، خرج حضرة الشيخ والتفت إلى صفوف الأعداء بعين الجلالة، فمنهم من هرب ومنهم من سقط مغمى عليه، ومنهم من صاح وانجذب، ومشى حضرة الشيخ إلى أن وصل إلى الزاوية بجماعته بدون أن يتعرض لهم أحد، وهذه القضية وقعت على رؤوس الأشهاد، فلم يبق أحد من أهل السليمانية إلا وعلمها، فحقد عليه العلماء وأرادوا أن يهينوه في تجهيله في العلم، فامتحنوه بمشكلات أنواع العلوم النقلية والعقلية فلم يقدروا عليه، بل صاروا كأحقر الطلبة بين يديه، فلما رأوا أنفسهم أنهم بالنسبة إليه جهال، وليس لهم قدرة عليه بحال، كتبوا كتاباً وأرسلوه إلى حضرة المترجم، ومضمون الكتاب من كافة علماء السليمانية إلى علامة الدنيا على الإطلاق والدين، حجة الإسلام والمسلمين، مولانا وشيخنا الشيخ يحيى المزوري العمادي متع الله تعالى المسلمين بطول حياته: أما بعد فقد ظهر عندنا خالد وادعى الولاية الكبرى والإرشاد، بعد عوده من الهند إلى هذه البلاد، وهو رجل قد ترك العلوم بعد تحصيلها على وجه الكمال، واختار سبيل الضلال، ونحن قد عجزنا إن إلزامه، وقهره وإفحامه، فيجب عليك أن تتوجه إلى طرفنا لإفحامه، ودفع ضلاله ومرامه، وإلا فقد عم الضلال بين العباد، وانتشر الفساد في البلاد، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فلما وصل الكتاب إلى الشيخ يحيى وقرأه، قام وركب بغلته مع جملة من طلبته الفحول، وتوجه إلى السليمانية وقد استحضر في فكره عدة سؤالات من أشكل المشكلات، في المعقول والمنقول، الفروع والأصول، فلما قرب الشيخ من السليمانية خرج العلماء كافة وأكابر البلدة لاستقباله، وتقبيل يديه ورجليه وأذياله، فلما دخل البلدة دعاه كل إلى منزله من
стр. 1529
السادة الأعيان، فأبى وقال لا بد أن ألاقي هذا الرجل الآن، فتوجه إلى زاوية الشيخ قدس الله سره، فلما دخل عليه وسلم وحياه، استقبله الشيخ وصافحه وأحسن لقياه، فجلس الشيخ يحيى بجانب مولانا خالد وتهيأ للسؤال، فابتدره الشيخ في الحال، وقال له إن في العلوم مشكلات كثيرة، منها كذا وجوابه كذا ومنها كذا وجوابه كذا، وعدد له جميع الأسئلة التي أعدها للسؤال عنها، وأجاب عن كل منها بأحسن جواب بحيث لم يبق للإشكال باب، فانكب المترجم على قدمي حضرة الشيخ وعرف إجلاله، وطلب منه العفو والسماح والتوجه له بما يصلح آماله، وأعطاه الطريقة النقشبندية، وعين له حجرة يسلك فيها فصار من أخص رجال السادة الخالدية، فلما سمع المنكرون ولوا الأدبار وخابوا، وبعضهم تاب وأكثر من الندم والاستغفار، وكان حضرة مولانا خالد يحب الشيخ يحيى محبة عظيمة، ويعامله مع كونه مريداً له معاملة الأقران ذوي العظمة والشان، والشيخ يحيى لا يعد نفسه في مجلس الشيخ إلا من الخدام.
وقد حدث العالم الأديب الصالح الشيخ إسماعيل البرزنجي، فقال كنت في خدمة الشيخ يحيى المزوري في حجرة واحدة، وكان الشيخ نائماً وقت القيلولة، فقام حضرة مولانا خالد من محله إلى حجرة الشيخ يحيى فاسقبلته، وقلت له إن الشيخ يحيى نائم فقال لا تنبهه، ثم دخل حضرة مولانا الحجرة وقبل فم الشيخ يحيى وهو نائم، وقال بعد التقبيل متعنا الله تعالى بحياتك، وخرج من الحجرة إلى محله، ومما وقع له أيضاً مما يدل على رفعة مقامه ووصوله في الطريق إلى مرامه، أن عبد الوهاب السوسي الذي خلفه
стр. 1530
حضرة مولانا خالد في الأستانة العلية، ثم طرده عن الطريقة لعجبه بنفسه بمخالطة أكابر الرجال، وجمع الحطام والأموال، دخل يوماً على الشيخ يحيى وقبل يديه، والتمس منه أن يطلب العفو عنه من حضرة مولانا خالد قدس سره، فقام الشيخ يحيى ودخل على حضرة مولانا خالد والتمس منه العفو عن عبد الوهاب، فقال حضرة الشيخ أن الأمر لو كان بيدي لعفوت عنه، ولكن جميع روحانيات السلسلة العلية النقشبندية قد طردوه عن باب طريقتهم، اللهم إلا أن يحلق عبد الوهاب لحيته ويسود وجهه ويركب الحمار منكوساً ويشهر نفسه في الأزقة والأسواق كسراً لنفسه، فإنهم قدس الله تعالى أسرارهم يعفون عنه حينئذ فقال الشيخ يحيى قدس الله سره: يا شيخي إن عبد الوهاب لا تطاوعه نفسه على مثل هذا الفعل، ولكن رخصني فإني أعمل هذا الفعل عوضاً عنه لعله يعفى عنه وأنا أفدي نفسي في حاجة المسلم، فبكى حضرة مولانا خالد قدس الله سره وتعانق مع الشيخ يحيى وبقيا يبكيان ثم قام حضرة الشيخ قدس الله سره لصلاة النافلة وذهب الشيخ يحيى قدس الله سره إلى محله، وقال لعبد الوهاب فلا تلومن إلا نفسك، وقام عبد الوهاب خائباً والعياذ بالله تعالى من سوء المنقلب.
ومن جملة أدب المترجم مع السنة أنه كان يعاون زوجته في غسل الثياب والطبخ وحوائج البيت، وكان يغسل أولاده إذا ماتوا بنفسه، ويقول لزوجته لا تضجري من موتهم، واشكري الله تعالى. ولما قتل اليزيديون
стр. 1531
ولده العلامة المحقق عبد الرحمن في الجبال وأتى خبر قتله إليه وهو يدرس العلم، قال حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل، ولم يترك الدرس، ولما مات الحبر العلامة السيد أسعد صدر الدين الحيدري كان المترجم نازلاً في بيتهم ضيفاً، فقال أنا أغسل السيد المرقوم فقام وغسله على ملأ من الناس، وكان السيد عبيد الله الحيدري يصب له الماء، وصلى عليه مع خلائق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، وكان ذلك في أوائل سنة ألف ومائتين وثلاث وأربعين. ثم لما توفي الشيخ المترجم قدس الله سره في بغداد تعاطى غسله العالم الصالح الورع والتقي الملا حسين بن ملا جاحي والسيد محمد أمين ابن السيد عبد الله الحيدري وأخوه السيد صالح الحيدري وعدد كثير من العلماء الأعلام، يصبون الماء على جسده الشريف مناوبة، وصلى عليه العلامة الفهامة النحرير الشيخ عبد الرحمن الروزبهاني طاب ثراه، ولم يبق أحد بحسب الظاهر من أهل بغداد إلا ومشى خلف جنازته، وكأن القيامة في يوم موته قد قامت، ودفن في جوار الغوث الأعظم والقطب الأفخم سيدي عبد القادر الجيلاني قدس سره، وكان عمره يوم وفاته نحواً من مائة سنة، ومات في حدود سنة ألف ومائتين وخمس وأربعين.
الشيخ يحيى أفندي مفتي أنطاكية بن المرحوم ....
عالم زمانه وإمام أهل وقته وأوانه، عمدة الأماثل ونخبة الأفاضل، ولد سنة ألف ومائتين وثلاثين تقريباً، ثم منذ نشأ وشب أقبل على العبادة والطلب، فبرع وفاق واشتهر في الآفاق وتفنن في العلوم وبرع في فني المنطوق والمفهوم، وأقبل الناس عليه للاستفادة منه والنظر إليه، وأخذ عن مشايخ ذوي رتب سامية أسانيدهم في الأخذ عالية، ولما رأوا منه المعرفة التامة أجازوه بالإجازة العامة، ثم ولي منصب الإفتاء بأنطاكية، وله بإقليمها شهرة عالية، وله معرفة بالسياسة قوية، ومهارة بالألسنة الثلاث
стр. 1532
العربية والتركية والفارسية، ونظره في الأمور دقيق، مقصود في الاستشارة لكل بعيد أو قريب أو عدو أو صديق.
وفي سنة ثلاثمائة واثنتين بعد الألف جاء إلى حلب جميل باشا والياً عليها، وكان له شدة عظيمة على أهل الرآسة في حلب وما يتبعها من بقية الولاية، فاضطر المترجم أن يخرج من محله وأن يخرج من الولاية فرحل إلى دمشق، واتصل برؤوسها وولاتها وأكابرها وذواتها، وله حاضرة عجيبة، وحافظة غريبة، فكثيراً ما كان يستشهد تارة في العربية وتارة في التركية وتارة في الفارسية، بأبيات لطيفة رقيقة ذات معان أنيقة، وله حكايات ونوادر تشهد له أنه في الأدب له المقام النادر، ومعرفته في الشطرنج حظها وافر، فكان كثيراً ما يلعب به مع الحكام والأكابر، وكانت لي معه الصحبة الوافرة، والمحبة المتكاثرة، والمباحثة والمذاكرة والمسامرة والمحاضرة، وقد أخبرني بأنه ولد في الشام حين كان أبوه بها مستقيما، ثم عاد به أبوه إلى وطنه المذكور، ثم إنه لا زال في الشام يعلو مقامه وينمو احترامه، إلى أن وقع بينه وبين المشير حسين فوزي باشا بعض منافرة، وكان قد عزل جميل باشا من حلب فرجع إلى وطنه، وذلك عام ألف وثلاثمائة وخمسة، أطال الله بقاءه وحرسه بمنه وأبقاه.
الشيخ يحيى بن علي بن محمد الشوكاني
العالم الذي فاق أهل زمانه وترقى في فضله على أهل أوانه، ولحق من سلف وسبق من خلف، ولد في رجب سنة ألف ومائة وتسعين، قرأ على جملة من المشايخ المتصدرين والأفاضل الجهابذة المتصدين، كالعلامة محمد
стр. 1533
بن أحمد السودي، والعلامة سعيد الرشيدي، وكان مواظباً على الطاعة حافظاً أوقاته عن الإضاعة، قليل الكلام، كثير القيام في الظلام، دائم الفكر حسن الصبر، يحب الاستفادة ولا يبخل بالإفادة، له مشاركة في العلوم وأعلا نثر وأحلا منظوم، سيرته حسنة وأوصافه مستحسنة، زاهد في الدنيا راغب في الأخرى، كثير الأذكار في الليل والنهار، محافظ على أوقاته متباعد عن غفلاته، وقد أجاز واستجاز وكان في الحقيقة على أحسن مجاز. وبالجملة فهو حسنة من حسنات الزمن، وفرد من أفراد قطر اليمن، قد انتفع به الكثير وأخذ عنه الجم الغفير، وانقاد له الأفاضل وذوو السيرة العالية والشمائل، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وستين تقريباً.
الشيخ الإمام يحيى بن المطهر بن يحيى
العالم الفاضل الزاهد الورع العابد العامل، عمدة لأقران ونخبة العصر والأوان. نشأ في مدينة صنعاء ولازم العلامة الشوكاني، واستفاد من علومه، وقرأ جميع مؤلفاته عليه، وأكب على علم الحديث فبلغ فيه النهاية، وترك التقليد واشتغل بالاجتهاد. وله شرح على سنن أبي داوود أربع مجلدات، وله رسائل متعددة في فنون مختلفة، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وثمان وستين.
الشيخ يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن زين الدين بن عبد الكريم الدمشقي الشافعي الشهير بالكزبري
الشيخ الأمجد والإمام الأوحد، علامة الزمان وفهامة الأوان. ولد بدمشق الشام ونشأ بها وأخذ عن علمائها، ومن أجلهم والده المرقوم، والعلامة الشهاب المنيني الكبير، والإمام العلامة الثاني علي أفندي الداغستاني، وأجازه خال والده العلامة علي بن أحمد بن علي الكزبري وغيرهم، وكان
стр. 1534
صالحاً عابداً فالحاً زاهداً متواضعاً فقيهاً محدثاً نبيهاً. توفي ثاني شهر محرم الحرام سنة إحدى ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح.
الشيخ يحيى السردست الحنفي الدمشقي
الإمام الفاضل والهمام الكامل، علامة الزمان وفهامة العصر والأوان، كان من العلماء العاملين والصلحاء الواصلين، إمام المحققين وهمام المدققين، وكان منقطعاً في المدرسة الباذرائية مقبلاً على الآخرة مدبراً عن الدنيا. توفي في دمشق سنة أربع وستين ومائتين وألف سابع عشر شهر شوال. ودفن في مقبرة الذهبية، في مرج الدحداح.
الشيخ يحيى المسالخي الحلبي
الإمام الأديب الماهر، والهمام الفاضل الباهر، الكامل الفقيه واللوذعي النبيه. أخذ عن الشيخ محمد الكزبري وعن غيره من المشايخ العظام. توفي قريباً من عشرين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير رحمه الله تعالى.
الشيخ يوسف أبو خرج الدمشقي المجذوب
الولي المشهور، والقطب المعروف بطول الباع وبكل منقبة مذكور، قد اشتهر فضله في هذه الديار اشتهار الشمس في رابعة النهار. وكان معتقداً لا منتقداً، ومع جذبه كانت أحواله لا تنكر عليه بل تجد أموره مائلة إلى ظاهر الشرع مستندة إليه، وكان جليلاً مهاباً معظماً فخماً، عليه مخايل الولاية. توفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين ومائتين وألف، ودفن بباب الصغير وقبره ظاهر يزار.
الشيخ يوسف أبو الفتوح جمال الدين بن أحمد بن مصطفى بن أحمد بن إبراهيم بن شمس العمري القادري الدمشقي الشافعي
الإمام، المحدث الهمام، العلامة المحقق والسيد السند المدقق، ذو المعارف والكمال، واللطائف والجمال، عمدة المحققين ونخبة المدققين. ولد بدمشق
стр. 1535
ليلة الثلاثاء ثاني ذي الحجة الحرام سنة ثمان وخمسين ومائة وألف، وأخذ عن العلامة الشيخ عبد الرحمن العيدروس، وأحمد بن خليل التميمي الخليلي، ومحمد بن المرحوم ميرزا محمد، وتاج الدين الياس زاده المدرس بالحرم الشريف، والشيخ علي بن محمد بن سليم السليمي الصالحي، وأبي الفتح محمد بن محمد العجلوني، والسيد مصطفى بن ولي الدين محمد الأيوبي الأنصاري الحنفي الشهير بالرحمتي، وعلي الكاملي، وأحمد الداراني، وحسن بن علي المدابغي، وعيسى أفندي بن صبغة الله أفندي الحيدري، والسيد محمد البخاري، وأحمد البعلي، وأسعد المجلد، ومحمد التافلاني، وعليم الله الهندي اللاهوري، وإبراهيم الحافظ، وعبد الرحمن بن الملا حسن الكردي، وصالح الجينيني، والشهاب أحمد المنيني، وخليل الكاملي، ومحمد العربيلي، وابن بدير المقدسي، وأبو الجود محمود الكردي الكوراني، والسيد محمد السمان المدني، وعيسى البراوي، والشهاب الراشدي، وعطية الأجهوري، والحفني، والملوي، وأحمد الجوهري، والدمنهوري، ومحمد الفارسكوري، وأحمد الطبنشي وغيرهم، وعن الشيخ محمد الكزبري، والشيخ علي الداغستاني، مات رحمه الله تعالى تاسع شوال سنة خمس عشرة ومائتين وألف ودفن في مقبرة سيدي الشيخ أرسلان.
الشيخ يوسف بن عبد الله بن منصور السنبلاويني الشهير برزه
الشافعي الإمام العلامة النبيه الفاضل، الأستاذ الفهامة، العالم العامل. تفقه على بلديه الشيخ أحمد رزه، وحضر دروس الشيخ الحفني والشيخ البراوي
стр. 1536
والشيخ عطية والشيخ الصعيدي وغيرهم من الأشياخ، وأنجب ودرس وأفاد، ولازم الإقراء، وكان إنساناً وجيهاً محتشماً ساكن الجأش وقوراً، بهي الشكل، قانعاً بحاله لا يتدخل كغيره في أمور الدنيا، مجمل الملابس، لا يزيد على ركوب الحمار في بعض الأحيان لبعض الأمور الضرورية، ولم يزل حتى تعلل وتوفي سنة سبع ومائتين وألف.
الشيخ يوسف المصيلحي الشافعي الأزهري
الشاب الصالح والمهاب الفالح، الفاضل الفقيه والكامل النبيه، حفظ القرآن والمتون، وحضر دروس أشياخ العصر كالشيخ الصعيدي والبراوي والشيخ عطية الأجهوري والشيخ أحمد العروسي، وحضر الكثير على الشيخ محمد المصيلحي وأنجب، وأملى دروساً بجامع الكردي بسويقة اللالا. وكان مهذب النفس لطيف الذات حلو الناطقة مقبول الطلعة خفيف الروح، ولم يزل ملازماً على حاله حتى اتهم أيضاً في حادثة الفرنسيس، وقتل مع من قتل شهيداً بالقلعة سنة أربع عشرة ومائتين وألف، ولم يعلم له قبر ﵀.
الوزير المعظم يوسف باشا والي الشام
أصله من الأكراد الدكرليه، وينسب إلى الأكراد الملية، وفي ابتداء أمره، هرب من أهله وعمره إذ ذاك خمس عشرة سنة، فوصل إلى حماة وتعاطى بيع الحشيش والسرجين والروث، ثم خدم عند رجل يسمى ملا حسين مدة سنين، إلى أن ألبسه قلبقاً، ثم خدم بعده ملا إسماعيل بلكباش وتعلم الفروسية، فلعب يوماً في القمار وخسر فيه وخاف على نفسه، فخرج هارباً إلى عمر آغا باسيلي من إشرافات إبراهيم باشا المعروف بالأردن،
стр. 1537
فتوجه معه إلى غزة، وكان مع المترجم جواد أشقر من جياد الخليل، فقلد على آغا متسلم غزة عمر آغا المذكور، وجعله دالي باش ففي بعض الأيام طلب المتسلم من المترجم الجواد المذكور، فقال له إن قلدتني دالي باش قدمته لك، فأجابه إلى ذلك وعزل عمر آغا وقلد المترجم المنصب عوضاً عنه، وامتنع من إعطائه ذلك الجواد، وأقام في خدمته مدة، فوصل مرسوم من أحمد باشا الجزار خطاباً للمترجم بالقبض على المتسلم، وإحضاره إلى طرفه، وإن فعل ذلك ينعم عليه بخمسين كيساً ومائة بيرق، ففعل ذلك وأوقع القبض على علي آغا المتسلم، وتوجه به إلى عكا بلدة الجزار، فقال المتسلم للمترجم في أثناء الطريق تعلم أن الجزار رجل سفاك للدماء فلا توصلني إليه، وإن كان وعدك بمال أطلقني وأنا أعطيك أضعافه ولا تشاركه في دمي، فلم يجبه إلى ذلك، وأوصله إلى الجزار فحبسه ثم قتله، فحبسه ثم قتله ورماه في البحر، وأقام المترجم بباب الجزار ثم أرسل إليه يأمره بالذهاب إلى حيث يريد فإنه لا خير فيه لخيانته لمخدومه، فذهب إلى حماة وأقام عند إسماعيل آغا وهو متول من طرف عبد الله باشا المعروف بابن العظم، فأقام في خدمته كلارجي زمناً نحواً من ثلاث سنين، وكان بين عبد الله باشا وأحمد باشا الجزار عداوة فتوجه عبد الله باشا إلى الدورة، فأرسل الجزار عساكره ليقطع عليه الطريق، فسلك طريقاً أخرى، فلما وصل إلى جينين وجه الجزار عساكره عليه، فلما تقارب العسكران وتسامعت أهل النواحي امتنعوا من دفع الأموال، فما وسع عبد الله باشا إلا الرحيل، وتوجه إلى ناحية نابلس وحاصر بلدة تسمى صوفين، وأخذ مدافع من يافا وأقام محاصراً لها ستة أيام، ثم طلبوا الأمان فأمنهم ورحل
стр. 1538
عنهم إلى طرف الجبل مسيرة نصف ساعة، وفرق عساكره لقبض أموال الميري من البلاد، وأقام هو في قلة من العسكر، فوصل إليه خيال وقت العصر يخبره بوصول عساكر الجزار، وأنه لم يكن بينه وبينهم إلا نصف ساعة، وهم خمسة آلاف مقاتل، فارتبك في أمره وأرسل إلى النواحي فحضر إليه من حضر، وهم نحو الثلاثمائة خيال، وبدائرته نحو الثمانين، فأمر بالركوب، فلما تقاربا هاله كثرة عساكر العدو وأيقنوا بالهلاك، فتقدم المترجم إلى العسكر وأشار عليهم بالثبات، وقال لهم لم يكن غير ذلك فإننا إن فررنا هلكنا عن آخرنا، وتقدم المترجم مآغاته ملا إسماعيل، وتبعهم العسكر وولجوا وسط خيل العدو وصدقوا الجملة جملة واحدة، فحصلت في العدو الهزيمة وركبوا أقفيتهم، وتبعهم المترجم حتى حال الليل بينهم، فرجعوا برؤوس القتلى والقلائع، فلما أصبح النهار عرضوها على الوزير وهي نحو الألف رأس وألف قليعة، فخلع عليهم وشكرهم، وارتحلوا إلى دمشق، وذهب المترجم مع آغاته إلى مدينة حماة، واستمر هناك إلى أن حضر الوزير الأعظم يوسف باشا المعروف بالمعدن لي إلى دمشق، بسبب الفرنساوية، ففارق المترجم مخدومه في نحو السبعين خيالاً، وجعل يدور بأراضي حماة بطالاً، ويقال له قيس، فيراسل الجزار لينضم إليه، وكان الجزار عند حضور الوزير انفصل حكمه عن دمشق ووجه ولايتها إلى عبد الله باشا العظم، فلما بلغ المترجم ذلك توجه إلى لقاء عبد الله باشا بالمعرة، فأكرمه عبد الله باشا وقلده دالي باشا كبيراً على جميع الخيالة حتى على آغاته ملا إسماعيل آغا، وأقام بدمشق مدة إلى أن حاصر عبد الله باشا مدينة طرابلس، فوصل إليه الخبر بأن عساكر الجزار استولوا على دمشق وبلادها، فركب عبد الله باشا وذهب إلى دمشق ودخلها بالسيف، ونصب عرضيه خارجها، فوصل خبر ذلك
стр. 1539
إلى الجزار، فكاتب عساكر عبد الله باشا بتسليمهم، لأن معظمهم غرباء، فاتفقوا على خيانته والقبض عليه وتسليمه إلى الجزار، وعلم ذلك وتثبته فركب في بعض مماليكه وخاصته إلى المترجم، وهو إذ ذاك دالي باشا، وأعلمه الخبر وأنه يريد النجاة بنفسه، فركب بمن معه وأخرجه من بين العسكر قهراً عنهم
وأوصله إلى شول بغداد ذم ذهب على الهجن إلى بغداد، ورجع المترجم إلى حماة فقبل وصوله إليها ورد عليه مرسوم الجزار يستدعيه، فذهب إليه فجعله مقدم ألف، وقلده باش الجردة مسافر إلى الحجاز بالملاقاة، وكان أمير الحاج الشامي إذ ذاك سليمان باشا عوضاً عن مخدومه أحمد باشا الجزار، فلما حصلوا في نصف الطريق وصلهم خبر موت الجزار، فرجع يوسف باشا المترجم إلى الشام، واستولى إسماعيل باشا على عكا، وتوجه منصب ولاية الشام إلى إبراهيم باشا المعروف بقطر أغاسي، أي أغات البغال، وفي فرمان ولايته الأمر بقطع رأس إسماعيل باشا وضبط مال الجزار، فذهب المترجم بخيله وأتباعه إلى إبراهيم باشا وخدم عنده، وركب إلى عكا وحصروها، وحطوا في أرض الكرداني مسيرة ساعة من عكا، وكانت الحرب بينهم سجالاً، وعساكر إسماعيل باشا نحو العشرة آلاف، والمترجم يباشر الوقائع وكل وقعة يظهر فيها على الخصم، ففي يوم من الأيام لم يشعروا إلا وعسكر إسماعيل باشا نافذ إليهم من طريق أخرى، فركب المترجم وأخذ صحبته ثلاثة مدافع وتلاقى معهم، وقاتلهم وهزمهم إلى أن حصرهم بقرية تسمى دعوق، ثم أخرجهم بالأمان إلى وطاقه وأكرمهم، وعمل لهم ضيافة ثلاثة أيام، ثم أرسلهم إلى عكا بغير أمر الوزير، ثم توجه إبراهيم باشا إلى الدورة وصحبته المترجم، وتركوا سليمان باشا مكانهم، وخرج إسماعيل باشا من عكا وأغلقت أبوابها، فاتفقت عساكره وقبضوا عليه وسلموه إلى إبراهيم باشا، فعند ذلك برز
стр. 1540
أمر إبراهيم باشا بتسليم عكا إلى سليمان باشا، وذهب بالمرسوم المترجم فأدخله إليها ورجع إلى مخدومه، وذهب معه إلى الدورة، ثم عاد معه إلى الشام، وورد الأمر بعزل إبراهيم باشا عن الشام وولاية عبد الله باشا المعروف بالعظم، على يد باشت بغداد، فخرج المترجم لملاقاته من على حلب، فقلده دالي باشا على جميع العسكر، فلما وصل إلى الشام ولاه على حوران وغربد والقنيطرة ليقبض أموالها، فأقام نحو السنة، ثم توجه صحبة الباشا مع الحج، وتلاقوا مع الوهابية في الجديدة فحاربهم المترجم وهزمهم، وحجوا واعتمروا ورجعوا، ومكثوا إلى السنة الثانية، فخرج عبد الله باشا بالحج وأبقى المترجم نائباً عنه بالشام، فلما وصل إلى المدينة المنورة منعه الوهابيون، ورجع من غير حج، ووصل خبر ذلك إلى الدولة فورد الأمر بعزل عبد الله باشا عن ولاية الشام وولاية المترجم على الشام وضواحيها، فارتاعت النواحي والعربان، وأقام السنة ولم يخرج بنفسه إلى الحج، بل أرسل ملا حسن عوضاً عنه، فمنع أيضاً عن الحج فلما كانت القابلة انفتح عليه أمر الدورة، وعصى عليه بعض البلاد، فخرج إليها وحاصر بلدة تسمى كردانية ووقع له فيها مشقة كبيرة إلى أن ملكها بالسيف، وقتل أهلها، ثم توجه إلى جبل نابلس وقهرهم وجبى منهم أموالاً عظيمة، ثم رجع إلى الشام واستقام أمره وحسنت سيرته، وسلك طريق العدل في الأحكام، وأقام الشريعة والسنة وأبطل البدع والمنكرات واستتاب الخواطئ وزوجهن، وطفق يفرق الصدقات على الفقراء وأهل العلم والغرباء وابن السبيل، وأمر بترك الإسراف في المآكل والملابس، وشاع خبر عدله في النواحي، ولكن ثقل ذلك على أهل البلاد بترك مألوفهم، ثم إنه ركب إلى بلاد النصيرية وقاتلهم وانتصر عليهم وسبى نساءهم
стр. 1541
وأولادهم، وكان خيرهم بين الدخول في الإسلام والخروج من بلادهم، فامتنعوا وحاربوا وانخذلوا، وبيعت نساؤهم وأولادهم، فلما شاهدوا ذلك أظهروا الإسلام تقية، فعفا عنهم وعمل بظاهر الحديث وتركهم في البلاد، ورحل عنهم إلى طرابلس وحاصرها بسبب عصيان أميرها بربر باشا على الوزير، وأقام محاصراً لها عشرة أشهر حتى ملكها واستولى على قلعتها، ونهبت منها أموال للتجار وغيرهم، ثم ارتحل إلى دمشق وأقام بها مدة، فطرقه خبر الوهابية أنهم حضروا إلى المزيريب، فبادر مسرعاً وخرج إلى لقائهم، فلما وصل إلى المزيريب وجدهم قد ارتحلوا من غير قتال، فأقام هناك أياماً، فوصل إليه الخبر بأن سليمان باشا وصل إلى الشام وملكها، فعاد مسرعاً إلى الشام، وتلاقى مع عسكر سليمان باشا وتحارب العسكران إلى المساء، وبات كل منهم في محله، ففي نصف الليل في غفلتهم والمترجم نائم وعساكره أيضاً هامدة، فلم يشعروا إلا وعساكر سليمان باشا كبستهم، فحضر إليه كتخداه وأيقظه من منامه، وقال له إن لم تسرع وإلا قبضوا عليك، فقام في الحين وخرج
هارباً وصحبته ثلاثة أشخاص من مماليكه فقط، ونهبت أمواله وزالت عنه سيادته في ساعة واحدة، ولم يزل حتى وصل إلى حماة، فلم يتمكن من الدخول إليها ومنعه أهلها عنها، وطردوه فذهب إلى سيجر، وارتحل منها إلى بلدة يعمل بها البارود، ومنها إلى بلدة تسمى ريمة، ونزل عند سعيد آغا فأقام عنده ثلاثة أيام، ثم توجه إلى نواحي إنكاهية بصحبته جماعة من عند سعيد آغا المذكور، ثم إلى السويدة، ولم يبق معه سوى فرس واحد، ثم إنه أرسل إلى محمد علي باشا صاحب مصر واستأذنه في حضوره إلى مصر، فكاتبه بالحضور إليه والترحيب به، فوصل إلى مصر في التاريخ المذكور، فلاقاه صاحب مصر وأكرمه، وقدم إليه خيولاً وقماشاً ومالاً، وأنزله بدار واسعة بالأزبكية، ورتب له خروجاً زائدة من لحم وخبز وسمن وأرز وحطب، وجميع اللوازم المحتاج إليها، وأنعم عليه بجوائز وغير ذلك، وأقام بمصر هذه المدة، وأرسل في شأنه إلى الدولة، وقبلت شفاعة محمد علي باشا فيه ووصله العفو والرضا، ما عدا ولاية الشام، وحصلت فيه علة ذات الصدر، فكان يظهر به شبه السلعة مع الفواق بصوت يسمعه من يكون بعيداً عنه، ويذهب إليه جماعة من الحكماء من الإفرنج وغيرهم، ويطالع في كتب الطب مع بعض الطلبة من المجاورين، فلم ينجح فيه علاج، وانتقل إلى قصر الآثار بقصد تبديل الهواء، ولم يزل مقيماً هناك حتى اشتد به المرض، ومات في ليلة السبت العشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين، وحملت جنازته من الآثار إلى القرافة من ناحية الخلاء، ودفن بالحوش الذي أنشأه الباشا وأعده لموتاه. وكانت مدة إقامته بمصر نحو الست سنوات، فسبحان الحي الذي لا يموت. وصحبته ثلاثة أشخاص من مماليكه فقط، ونهبت أمواله وزالت عنه سيادته في ساعة واحدة، ولم يزل حتى وصل إلى حماة، فلم يتمكن من الدخول إليها ومنعه أهلها عنها، وطردوه فذهب إلى سيجر، وارتحل منها إلى بلدة يعمل بها البارود، ومنها إلى بلدة تسمى ريمة، ونزل عند سعيد آغا فأقام عنده ثلاثة أيام، ثم توجه إلى نواحي إنكاهية بصحبته جماعة من عند سعيد آغا المذكور، ثم إلى السويدة، ولم يبق معه سوى فرس واحد، ثم إنه أرسل إلى محمد علي باشا صاحب مصر واستأذنه في حضوره إلى مصر، فكاتبه بالحضور إليه والترحيب به، فوصل إلى مصر في التاريخ المذكور، فلاقاه صاحب مصر وأكرمه، وقدم إليه خيولاً وقماشاً ومالاً، وأنزله بدار واسعة بالأزبكية، ورتب له خروجاً زائدة من لحم وخبز وسمن وأرز وحطب،
стр. 1542
وجميع اللوازم المحتاج إليها، وأنعم عليه بجوائز وغير ذلك، وأقام بمصر هذه المدة، وأرسل في شأنه إلى الدولة، وقبلت شفاعة محمد علي باشا فيه ووصله العفو والرضا، ما عدا ولاية الشام، وحصلت فيه علة ذات الصدر، فكان يظهر به شبه السلعة مع الفواق بصوت يسمعه من يكون بعيداً عنه، ويذهب إليه جماعة من الحكماء من الإفرنج وغيرهم، ويطالع في كتب الطب مع بعض الطلبة من المجاورين، فلم ينجح فيه علاج، وانتقل إلى قصر الآثار بقصد تبديل الهواء، ولم يزل مقيماً هناك حتى اشتد به المرض، ومات في ليلة السبت العشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين، وحملت جنازته من الآثار إلى القرافة من ناحية الخلاء، ودفن بالحوش الذي أنشأه الباشا وأعده لموتاه. وكانت مدة إقامته بمصر نحو الست سنوات، فسبحان الحي الذي لا يموت.
الشيخ يوسف بن بدر الدين المغربي بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد الملك بن عبد الغني المراكشي السبتي المالكي المصري مولداً الدمشقي إقامة
إمام لا يبارى وهمام في ميدان العلوم لا يجارى، قد اتصف بالعلم والعمل، ونال من مرغوبه فوق ما يتعلق به الأمل، ورقا فضله وفاق، واشتهر فضله في الآفاق، وكان ورعاً زاهداً تقياً عابداً، له شعر رقيق ونثر أنيق، ومحاضرة لطيفة، ومذاكرة ظريفة، وسيرة حسنة، وصفات مستحسنة، قرأ على السادة الأفاضل إلى أن جمع الفضائل، ومما اتفق له وكتب في صحيفته أن بعض الأروام القاطنين في دمشق الشام استولى على الدار التابعة لدار الحديث الأشرفية الواقعة في العصرونية ثم ضم إليها
стр. 1543
الزاوية الغربية من المدرسة المرقومة التي كانت محل تدريس الإمام النووي قدس سره ومحل زاويته للأحاديث، فصارت محلاً لوضع براميل الخمر، فتعرض المترجم المرقوم وطلب إعادة المحل لحاله، ورفع الأمر إلى الوالي، فلم تلتفت الحكومة إلى دعواه، فتوجه المترجم إلى الأستانة وتعاطى أسباباً كثيرة لإنقاذ هذا المحل من أيدي الرومي، إلى أن استحصل فرماناً سلطانياً في ذلك، فعاد إلى الشام وقدمه إلى الوالي فطرحه في زوايا الإهمال، وبقي الأمر على ذلك، ولم يقع المترجم على ثمرة، إلى أن جاء الأمير السيد عبد القادر المغربي أمير الجزائر من فرانسا إلى الأستانة، اجتمع به المترجم وشكى الأمر إليه، ومشى مع الأمير في العود إلى الأستانة، بقصد الرحلة إلى المدينة الشريفة والإقامة بها، وبقي حضرة الأمير في بروسة بعد ذلك مدة طويلة، نحو خمس سنوات، ثم إنه لما توالت هناك الزلازل، وخربت كثيراً من المحلات، وخرجت الناس من العمران وسكنت في الصحراء، رحل الأمير إلى دمشق الشام وأقام بها، ورأى الأمر كما أخبره المترجم، فأخذته الحمية الدينية والغيرة الإسلامية، لإنقاذ هذا المحل، فأحضر الرومي ودفع له مالاً جزيلاً واشتراه منه، وجعله وقفاً على المترجم وعقبه، وأمر بترميم المسجد والمدرسة على نفقته، ثم أرسل خبراً إلى المترجم المرقوم إلى المدينة المنورة، وبعد حضوره من المدينة قرأ حضرة الأمير صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري في المدرسة المرقومة، وكان ختامه في اليوم الرابع والعشرين من شوال سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، وعند الختم قدم المترجم هذه القصيدة للأمير السيد عبد القادر:
بك المسرات قد نالت أمانيها ... يا نعمة ما لها شيء يدانيها
إن كان عيد الهنا تهنى بموسمه ... فالعيد كونك يا أقصى أمانيها
стр. 1544
يا نجل فاطمة الزهراء من فضلت ... طراً نساء الدنا من ذا يضاهيها
إني أهنيك بالعيد المبارك بل ... بكون مثلك في الدنيا أهنيها
نعم أهني دمشق الشام إذ ظفرت ... بمثلك الآن تغدو في ضواحيها
لما بدا وجهك الأبهى بساحتها ... ترادف الخير فيها مع نواحيها
لا سيما سيدي ما كان مدخراً ... من فك دار حديث من خنا فيها
بك استنارت وأحيا الله مربعها ... لما تلوت البخاري وسط ناديها
تلاوة ما سمعنا من تلاه بها ... من عهد يحيى النواوي في مغانيها
فاشكر إلهك إذ ولاك منه يدا ... ليست لغيرك جل الله معطيها
وأبشر بخير فإن الله ذو كرم ... يخفي مقادير أشياء ويبديها
في علمه غيب أسرار إذا بلغت ... آجالها فلذا المخلوق يبديها
فالله يحبوكم عزاً كعزته ... أصحاب بدر الأولى ثم المضاهيها
لازلت يا نجل محيي الدين مرتقياً ... أوج الكمالات باديها وخافيها
ودام إشراقكم فيها ولكم ... بالبيت أرخت
وأجعل دعاء بظهر الغيب جائزتي ... ولا تعد لي الدنا إذ لست أبغيها
وللمترجم المرقوم هذه القصيدة الآتية، وقد أنشدها في ذلك اليوم عند ختم الصحيح بين يدي الأمير، فأحببت ذكرها لاشتمالها على فضل الممدوح حضرة الأمير، ودلالتها على فضل المترجم المذكور، وهي:
باب القبول لهذا الختم قد فتحا ... فلاح من يمنه برق السعود ضحى
وهب من روضة الرضوان عارفه ... أضحى بها القلب مسروراً ومنشرحاً
أما ترع السعد قد لاحت بشائره ... وطائر اليمن في أدواحه صدحاً
وهذه أوجه الإقبال مسفرة ... والوقت بالبشر والإقبال قد سمحا
فسل إلاهك ما ترجوه من أمل ... واضرع غليه فوجه القرب قد وضحا
وابسط يديك إلى مولاك مبتهلا ... فسعي من أم باب الله قد نجحا
إن البخاري معلوم الإجابة في ... ما أمه المرء في أقرانه ونحا
стр. 1545
فما توسل محزون به ورجا ... إلا وأبدل من أحزانه فرحا
ولا تلاه لكشف الضر ذو حرج ... إلا تباعد عنه الضر وانفسحا
ولا تنفس من أنفاسه أرج ... إلا أتى فرج باللطف مفتتحا
فالهج به ورواة فيه قد وصلوا ... به حديث رسول الله متضحا
هم الأئمة تجلى كل داجية ... بنورهم وهم الأقطاب والصلحا
وهم أولو القرب في دنيا وآخرة ... والسادة القادة الهادون والنصحا
أهل الحديث حماة الدين تابعهم ... في متجر الحق والتحقيق قد ربحا
فازوا بدعوة خير الخلق ما وجدوا ... إلا ونور الهدى من وجههم لها
رووا حديث رسول الله عن كتب ... غضاً طرياً عليه الصدق متضحا
وقد نفوا كل شك عن شريعته ... فأرغموا أنف من للشك قد جمعا
جزاهم الله خيراً عن نبيهم ... ودينه وحباهم أجر من نصحا
وقد تسامى ابن إسماعيل في شرف ... بهم فنال العلا والفخر والمدحا
أدى إلينا صحيحاً من حديثهم ... بجامع فاق ترتيباً ومصطلحا
آتاه مولاه أجر المحسنين فقد ... أهدى المحدث عقداً ما له طمحا
قد اعتنى كل ذي دين وذي رشد ... به فحاز به التقديم والمنحا
ورددوا مرده في كل آونة ... يرجون من يمنه تقريب ما نزحا
وحاز قصب سباق في دراسته ... وفهمه عارف بالفضل قد رجحا
في مسجد الأشرف السلطان ما وسما ... دار الحديث بدرس أبهر الفصحا
ضبطاً وبحثاً مع الإتقان مقتضياً ... آثار من حلها من سادة صلحا
مثل الإمام النواوي والمضاهي له ... ممن على منهج الإرشاد قد سبحا
فالله ينفعنا فضلاً بجاههم ... ويكشف الكرب عن ذا الجمع والترحا
مولى به ملة الإسلام باسمة ... والدين عال وحال الناس قد صلحا
فكفه لذوي الحاجات بحر ندى ... وسيفه لضلال الكافرين محا
следующие страницы →